إسلام ويب

شرح السنة للإمام المزني [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • دأب العلماء عليهم رحمة الله على الذب عن العقيدة والدفاع عن السنة والهدي القويم؛ امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حثه على التمسك بالكتاب والسنة وتحذيره من البدع والمحدثات. وفي هذه الرسالة جملة من مسائل العقائد، التي كثر فيها اللغط كبدعة الإرجاء فيما يتعلق في الإيمان, وبدعة القدر في نفيه وإثباته, وكذلك بدعة القول بخلق القرآن.

    1.   

    التعريف بالإمام المزني وكتابه السنة

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    اللهم حقق توحيدنا، وارزقنا صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك يا رب العالمين.

    أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ فقد قال الشيخ عز الدين أبو محمد عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي المتوفى سنة ستين وستمائة, رحمه الله تعالى: أخبرنا الفقيه الإمام شمس الدين أبو العز يوسف بن عمر بن أبي نصر الهكاري في شهر صفر سنة ست عشرة وستمائة, قال: حدثنا الشيخ الإمام الحافظ الثقة بقية السلف؛ أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن عيسى بن درباس الماراني من لفظه بالموصل في تاسع عشر من جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وستمائة, قال: أخبرنا الشيخ الصالح العالم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن حمد بن مفرج بن غياث الأرتاحي بقراءتي عليه بفسطاط مصر, قال: أخبرنا الشيخ المسند العالم أبو الحسن علي بن الحسين بن عمر الموصلي الفراء فيما أذن فيه لي ح قال الشيخ إبراهيم بن عثمان : وأخبرنا الشيخ الإمام الفقيه الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سلفة الأصبهاني السلفي في كتابه إلينا من الإسكندرية في ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وخمسمائة قال: أخبرنا الشريف أبو محمد عبد الملك بن الحسن بن بتنة الأنصاري بمكة بقراءتي عليه في سنة تسع وتسعين وأربعمائة قالا: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن علي النسوي الفقيه قدم علينا مكة, قال: أخبرني أبو محمد إسماعيل بن رجاء بن سعيد العسقلاني بعسقلان قال: أخبرني أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي و أبو أحمد محمد بن محمد بن عبد الرحيم القيسراني قالا: أخبرنا أحمد بن بكر اليازوري قال: حدثني الحسن بن علي اليازوري الفقيه قال: حدثني علي بن عبد الله الحلواني قال: كنت بطرابلس المغرب فذكرت أنا وأصحاب لنا السنة إلى أن ذكرنا المزني رحمه الله, فقال بعض أصحابنا: بلغني أنه يتكلم في القرآن ويقف عنده, وذكر آخر أنه يقوله إلى أن اجتمع معنا قوم أخر, فغم الناس ذلك غماً شديداً, فكتبنا إليه كتاباً نريد أن نستعلم منه, فكتب إلينا شرح السنة في القدر والإرجاء والقرآن والبعث والنشور والموازين وفي النظر, فكتب ].

    بين أيدينا كتاب السنة أو شرح السنة للإمام المزني عليه رحمة الله, وهو: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني, وهو من خاصة الشافعي, تفقه عليه وأخذ وبرع وبرَّ بإمامه محمد بن إدريس بن شافع الشافعي عليه رحمة الله, وهو إمام في الفقه, وإمام في السنة, وإمام في القياس والنظر, وإمام كذلك في الأثر, وله أثر في ذلك, ومصنفاته في ذلك عديدة في مسائل العقائد, وكذلك في مسائل الفقه, وكذلك في مسائل النظر والسنة, والإمام المزني رحمه الله على ما تقدم هو من خاصة الشافعي, وكذلك من أخص تلامذته إن لم يكن أخصهم, واعتنى بكتابه الأم, واعتنى أيضاً باختصاره, فله مختصر المزني، وكذلك أيضاً له جملة من المصنفات في جمع فقه الشافعي، وكذلك أخذ عن جماعة من غيره, بل إن من المبرزين الذين جروا ودرجوا على فقه الإمام الشافعي عليه رحمة الله, من أخذ الفقه عن المزني عليه رحمة الله الإمام ابن خزيمة صاحب الصحيح, فإنه تتلمذ على الإمام المزني عليه رحمة الله, وأخذ عنه السنة, وأخذ عنه أيضاً الفقه والنظر والرأي.

    وهذه الرسالة اعتنت بجملة من مسائل العقائد، التي كثر فيها اللغط والقول في ذلك الصدر, وذلك أنه ظهرت جملة من البدع في ذلك الصدر, ومن هذه البدع: بدعة الإرجاء فيما يتعلق في الإيمان, وبدعة القدر في نفيه وإثباته, وكذلك بدعة القول بخلق القرآن.

    وفي هذا أيضاً أنه ربما تظهر أقوال تنسب لإمام من الأئمة أو لعالم من العلماء أو لطالب علم, وربما تشتهر وليست بصحيحة, ولهذا لما سمعوا ما جاء عن المزني عليه رحمة الله أرادوا أن يتحققوا مما نسب إليه, فحري بالإنسان أن لا يأخذ بالاستفاضة, وهذا كما يظهر أنه استفاض عن المزني فيما يرونه هم, أنه قال شخص وأيده آخر, وقال الآخر أيضاً: إني سمعت بهذا, ثم ما كان منهم إلا أن يستبينوا بالكتابة إليه حتى يأخذوا منه, وهذا هو الواجب على طالب العلم, تحري الصدق في نسبة الأقوال إلى أصحابها, وأن يعلم أن ناقلها يأثم بذلك إذا لم يكن متثبتاً, وربما يأثم الإنسان بها ولو كان متثبتاً إذا لم يكن ثمة داعٍ ولا حاجة إلى ذلك, فنقل الشر يأثم به الإنسان.

    1.   

    افتتاح الرسائل والكتب بالبسملة وآراء العلماء في ذلك

    قال المصنف رحمه الله: [ بسم الله الرحمن الرحيم.

    عصمنا الله وإياكم بالتقوى, ووفقنا وإياكم لموافقة الهدى.

    أما بعد:

    فإنك سألتني أن أوضح لك من السنة أمراً تصبر نفسك على التمسك به ].

    بدأ المصنف رحمه الله ببسم الله الرحمن الرحيم اقتداء بالكتاب العزيز وبهدي النبي صلى الله عليه وسلم في مكاتباته, وإنما ابتدأ بالبسملة ولم يبدأ بالحمدلة أو خطبة الحاجة؛ لأن هذه الرسالة هي في حكم المكاتبات بين الأفراد, فهي رسالة مختصرة فتأخذ في ذلك حكم مكاتبات النبي صلى الله عليه وسلم, فإنه كان يبتدئ بالبسملة ولا يبتدئ بالحمدلة ولا بالخطبة, فإذا كان الكتاب في ذلك كبيراً فإنه يأخذ حينئذ حكم الخطب.

    ومن العلماء من يرى أن الكتب تفتتح بالبسملة مجردة, وهذا منهج لبعض الأئمة عليهم رحمة الله, وهو ظاهر صنيع بعض الأئمة؛ كـالبخاري رحمه الله, فإنه لم يضع خطبة لكتابه, ويظهر أنه اكتفى بالبسملة في كتابه الصحيح, وعلى هذا أيضاً جماعة من العلماء؛ كالإمام أحمد رحمه الله في كتابه المسند, و عبد الرزاق في مصنفه, وغيرهم ممن يجري في هذا المجرى, ولكن لا يجيز أحد منهم أن يبدأ الإنسان كتابه من غير ذكر الله ولو بالبسملة, والسنة في المكاتبات الصغيرة على ما تقدم أن يبتدئ الإنسان بالبسملة لا بالحمدلة.

    وهنا في ذكر الدعاء بعد البسملة عصمنا الله وإياكم بالتقوى إشارة إلى وجود شيء من الفتن, والآراء، والأقوال، والأهواء, مما ينبغي للإنسان أن يلتجئ وأن يعتصم بالله سبحانه وتعالى منها, فسبق بذلك الدعاء قبل البيان.

    ثم بعدما ذكر الدعاء شرع إلى فصل الخطاب بقوله: أما بعد, وتسمى بفصل الخطاب, وتأتي بصيغة أخرى: وبعد, لكن الأصح في ذلك والذي ترد به النصوص: أما بعد.

    1.   

    الأدب في سؤال أهل العلم

    وقوله: (فإنك سألتني أن أوضح لك من السنة أمراً تصبر نفسك على التمسك به), يظهر في هذا أن السائل إنما سأل سؤال المستعلم والمستخبر, لا المتهم المستبين من قالة سوء ونحو ذلك, فإن هذا من الأدب مع أهل العلم, وكذلك فإن أدعى طريق إلى استخراج كنوز العلم أن يسأل الإنسان أو طالب العلم العالم مستخبراً مستعلماً ولو كان يعلم جزءاً من الحق أو شيئاً منه, وألا يُغلب جانب المماراة فيظهر شيئاً من علمه, فإنه إذا أظهر شيئاً من علمه للعالم فربما أمسك العالم عن بيان ما يجهله الإنسان فيحرم بذلك علماً كثيراً, ولهذا جاء في حديث أبي سلمة قال: مارينا عبد الله بن عباس فحرمنا علماً كثيراً. يعني: أننا كنا نماريه ونناقشه ونجادله ونجعل أنفسنا نظراء له، فيحجم عن بيان المسائل التي نجهلها, فينبغي لطالب العلم في حالة الاستعلام أن يظهر جهله في المسألة كلها ولو علم بعضها, لأنه بإظهاره بعضاً من العلم يوحي إلى العالم أنه يعلم أكثر المسألة فلربما أعطاه العالم طرفاً منها وحرمه البقية, ولهذا هنا سأله لحاجة نفسه, ولم يسأله استثباتاً ولا استيثاقاً من رأيه وقوله؛ حتى لا يحجم عنه, وهذا من أساليب التعامل مع المسائل المشتبهة أو المشكلة على الإنسان أدباً وتحرياً.

    1.   

    الحث على التمسك بالسنة والحذر مما يخالفها

    وكذلك في قوله: (سألتني أن أوضح لك من السنة أمراً تصبر نفسك على التمسك به).

    سأله عن السنة شيئاً يستمسك ويعتصم به.

    تعريف السنة في اللغة والاصطلاح

    والسنة هي: الطريقة, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند والسنن من حديث العرباض بن سارية: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ), وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في الصحيح قال: ( من سن في الإسلام سنة حسنة ), فالمراد بذلك هي الطريقة التي يسلكها الإنسان, ولكن في الاصطلاح غلب تسمية ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من هدي بالسنة, وغلبت السنة على القرآن بتسمية السنة مع دخول القرآن من باب أولى في هذا الباب؛ لأن السنة تفصيلية والقرآن إجمالي, فالقرآن -على ما بيناه مراراً- أنه غائي يهتم بالكليات والأصول, والسنة تفصيلية, فهي أكثر تفصيلاً وبياناً لما أجمل في القرآن من القرآن للقرآن.

    والسنة وحي, كما سماها الله عز وجل فقال: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4], وكذلك سماها الله عز وجل حكمة, وسماها أيضاً بالتلاوة؛ لأنها وحي يتلى, وكما قال ذلك ونص عليه جماعة من العلماء؛ كـالشافعي و ابن حزم وغيرهم, فقالوا: السنة وحي يتلى.

    إذاً: في أبواب العقائد يراد بالسنة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من عموم المنقول, وأما ما يكون عند الفقهاء فإنهم يريدون بالسنة ما كان من أقسام التكليف, وهو رديف المستحب, فيقولون: سنة وواجب.

    الحث على الثبات على السنة وترك ما عداها

    قال رحمه الله: [وتدرأ به عنك شبه الأقاويل، وزيغ محدثات الضالين، وقد شرحت لك منهجاً موضحاً لم آل نفسي وإياك فيه نصحاً، بدأت فيه بحمد الله ذي الرشد والتسديد].

    قوله هنا: (أمراً تصبر به نفسك على التمسك به، وتدرأ به عنك شبه الأقاويل), وهنا الإنسان إذا استمسك بالسنة يصبر بها نفسه عما ينازعه, وما ينازع الإنسان في ذلك من الحق ثلاثة: ينازعه شيطان الجن, والثاني شيطان الإنس من أقاويلهم وزخرفهم, والثالث هي نفسه الأمارة بالسوء, باعتبار الخطرات والأهواء والرغبات ونحو ذلك, ولهذا ما من أحد تستبين له السنة إلا ويجد ما ينازعه فيها من هذه الثلاثة, كما في جاء حديث المسند والسنن من حديث العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ), فالنبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر السنة ذكر شيئاً يحذر به مما يخالفها, قال: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ), فقال هنا: (عليكم) وهي من صيغ الوجوب, وهي كافية بالأمر, ولكنه قال بعد ذلك: (تمسكوا بها), والإنسان إنما يتمسك بالشيء لوجود منازعات في اتباعه, وكذلك أيضاً في هديه.

    ( تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ), يعني: أنه لا يكفي للإنسان أن يتمسك بها بيديه, بل يعض عليها بنواجذه لوجود من ينازعه إياها, وهذا نوع من أساليب البلاغة البديعة, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما اكتفى بالأمر بالتمسك بالسنة, بل حذر من ضدها, وبين وجود من ينازعك إياها, وأن الإنسان كلما نوزع في شيء فإنه يستمسك به أكثر؛ فمثلاً: إذا وجدت شخصاً ينازعك مالاً أو ينازعك ثوباً أو ينازعك كتاباً فإنك تتمسك به أشد من تمسكك بشيء لا ينازعك فيه أحد, وربما وضعته وتركته؛ لأنه لا يوجد من ينازعك إياه, وأما إذا نوزعت في ذلك فإنك تستمسك به خشية وجود المنازع, والنبي صلى الله عليه وسلم ما قال: ( عليكم بسنتي ) فقط, بل قال: ( تمسكوا بها ), لوجود من ينازعك إياها.

    ثم قال: ( وإياكم ومحدثات الأمور ), فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين وجوه المنازعة هنا وصورها على وجه التفصيل؛ وهي محدثات الأمور, وهي البدع, التي قال الله سبحانه وتعالى فيها: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153], وقد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر قال: وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام:153], قال: السبل: هي البدع والشبهات التي تحرف الإنسان عن طريق الحق.

    أثر الشهوات والشبهات وأوجه زيادة خطر الشبهات

    فما يحرف الإنسان عن طريق الحق على نوعين:

    النوع الأول: شهوات.

    والنوع الثاني: شبهات, وهي على مراتب متعددة.

    الشهوات يفعلها الإنسان نزوة لا قناعة, يعني: إذا وجد داعيها وجدت, بخلاف الشبهة فهي موجودة مستقرة في الإنسان ولو لم يوجد لها داع, باعتبار أنها عقيدة مستقرة في ذات الإنسان, ولهذا كانت الشبهة والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية وهي الشهوة؛ وذلك أن الإنسان يفعلها تديناً, أعني: الشبهة, فلا يكاد يدعها, ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ما يقبل الله من صاحب بدعة توبة ), وقد جاء هذا الحديث من عدة طرق, ومعنى ذلك أن صاحب البدعة لا يكاد يتوب منها؛ لأنه يفعلها تديناً, فكيف يتوب من دين يتدين به إلا أن يتنكر للدين الذي يفعله, وهذا هو المراد, والإمام أحمد رحمه الله لما سئل عن معنى ذلك قال: لا يوفق إلى التوبة, ولهذا تكثر توبة الفساق وتقل توبة المبتدعة؛ لأنهم يعملون بها تديناً.

    كذلك أيضاً من وجوه خطر الشبهة التي تزيد بها على خطر الشهوة: أن الإنسان يدعو إلى شبهته وبدعته؛ لأنها دين ولا يدعو إلى شهوته؛ لأنها معصية لديه, ولهذا تجد أن الإنسان إذا فعل معصية لا يحب أن يحاكيه أقرب الناس إليه؛ فالأب إذا شرب الخمر أو ترك الصلاة أو عق والديه لا يحب أن أبناءه يكونون كذلك؛ لأنه يرى أن هذه معاص غلب فيها الإنسان شهوته ورغبته أو نحو ذلك, فلا يحب أن يكون أحد كذلك ولو كان من أحب الناس إليه, أما البدعة فإنه يحب أن يكون أقرب الناس إليه على طريقه؛ لأنه يرى أنها الحق, ولهذا كانت البدعة أخطر؛ لأن الإنسان يدعو إليها، أما الشهوة فلا يدعو إليها الإنسان.

    ومن وجوه الخطورة أيضاً: أن الشهوة والمعصية تضعف بضعف داعيها كلما تقدم بالإنسان العمر, أو وجد السبب الذي يغني الإنسان عنها, فالإنسان يسرق إذا كان فقيراً محتاجاً وضعف إيمانه, ولكن إذا اغتنى امتنع عن السرقة, لزوال السبب, ويزني إذا ضعف إيمانه ووجد دافعاً غريزياً إلى ذلك, ولكنه إذا ضعف ذلك بوجود مزاحمة الحلال بالزواج أو نحو ذلك أو بكبر السن فإنه يضعف في هذا الباب, أما بالنسبة للبدعة فكلما زاد عمر الإنسان زاد تمسكه بها؛ لأنه يرى أنها دين, فيعظم تمسكه في البدعة كلما تقدم سناً بخلاف المعصية, فكلما تقدم سنه وضعف الداعي إليها فإنه يبتعد عنها ويتجرد منها.

    ومن أوجه الخطورة كذلك: أن البدعة يتمنى الإنسان الثبات عليها, سواء كان تاركاً لها أو قائماً فيها, وأما المعصية ولو كان الإنسان قائماً عليها فإنه يتمنى زوالها, والخلاص منها, ولهذا كثير من العصاة إذا أنكر عليهم قال: ادع الله لي بالهداية؛ لأنه يتمنى الخلاص, بخلاف البدعة, فإن الإنسان يدعو ربه بالبقاء عليها, وهذا لا شك أنه ممن زين له سوء عمله.

    دلالة الأمر بالتمسك بالسنة في حديث العرباض

    ولهذا ظهر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ), بيان المنازعة؛ لأن الإنسان يستمسك ويؤمر بالتمسك إذا وجد من ينازعه الشيء على ما تقدم, أو كان ما كان خارجاً عنه مضطرباً, وهذا من الأساليب البلاغية في كلام النبي صلى الله عليه وسلم, فالإنسان يستمسك بالشيء لسببين:

    السبب الأول: لأمر خارج عنه، فمثلاً: الإنسان إذا تزلزلت الأرض من تحته أو كان في سفينة أو في سيارة أو غير ذلك, ورجت به يقوم بالاستمساك, لأن هذا الأمر خارج عنه.

    والسبب الثاني: إذا كان بشيء قائم في ذاته, فمثلاً: إذا وجد الإنسان دواراً في جسمه أو نحو ذلك أيضاً يقوم بالاستمساك.

    فالأول هو عدوه من شيطان الإنس وشيطان الجن الذين ينازعونه, والثاني هي نفسه القائمة في ذاته, فيستمسك من الاثنين بالسنة, حتى لا تسول له نفسه الخروج من السنة, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم استعمل هذا اللفظ، فقال: ( تمسكوا بها ), أي: تمسك بها حتى لا تصاب بانحراف من داخلك ولا بانحراف من خارجك, قال: ( تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور ), فمن أعظم وجوه البيان والتأكيد أن تأمر بالشيء وتنهى عن ضده, ولهذا النبي قال: ( عليكم بسنتي ), ثم قال: ( تمسكوا بها ), ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ضدها, فقال: ( وإياكم ومحدثات الأمور ), مع أن المعنى الأول كاف في ذلك, وهو التمسك بالسنة؛ لأن لازم التمسك بالسنة اترك البدعة, ولازم ترك البدعة التمسك بالسنة, ولكن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الأمرين, وهو الأمر بالشيء والنهي عن ضده تأكيداً على هذا الأمر, وهذا ما ذكر معناه المصنف رحمه الله، فقال: (تصبر نفسك على التمسك به).

    وذلك أن الإنسان كلما ظهر له الدليل وبان له التعليل فإنه يأنس بذلك, ويصبر نفسه عند وجود المخالفين, فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما يبلغ أصحابه بوجود المخالفين, يعني: وطن نفسك سترى من يخالفك في هذا, بخلاف الإنسان الذي لا يعلم بوجود المخالفين ثم يتفاجأ بوجود المخالفين فإنه يضعف, ولهذا كثرت الأحاديث بوجود المخالفين في السنة, قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً ).

    الفرق بين الخذلان والمخالفة الوارد في حديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ...)

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى قيام الساعة ).

    ذكر أمرين: الأمر الأول: الخذلان، والثاني المخالفة, والمخالفة تكون من الأبعدين, والخذلان من الأقربين, فالخاذل: الذي تظن به الموافقة ثم يخالف، وهم المنتكسون المرتدون من داخل الدائرة, وأما المخالفون: فهم الأبعدون الذين هم أصلاً ليسوا في الدائرة فأعلنوا الخلاف, ( لا يضرهم من خالفهم ) ممن كان خارجاً عنهم, ( ولا من خذلهم ) ممن كان أولى به البقاء فخرج من دائرة الصف, ولهذا يقول الإنسان: خذلني فلان؛ لأنه كان يرجو منه الموافقة, لكن إذا كان عدواً لا يقول خذلني؛ لأن الأصل فيه المخالفة, فكثر في السنة ذكر المخالفين وكثرتهم؛ وذلك ليثبت الإنسان في هذا, ولهذا قال المصنف رحمه الله مبيناً هذا المعنى: (تصبر نفسك على التمسك به, وتدرأ به عنك شبه الأقاويل, وزيغ محدثات الضالين).

    1.   

    التشابه في كتاب الله وبيان معناه وحدوده

    (شبه الأقاويل), الشبهات موجودة في أقاويل الناس لا في الوحي, ولكنهم يستلون ما يوافق أهواءهم مجتزئين باترين لبعض النصوص من الكتاب والسنة حتى تؤيد أقوالهم, لكن قد يقول قائل: القرآن فيه متشابهات, نعم فيه متشابهات, والله عز وجل يقول في كتابه العظيم: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران:7], يعني: هن أصل إنزاله, والمراد منه, والأصل في الكتاب الإحكام.

    وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7], والمتشابهات هذه هل توجد المرض في قلب الإنسان والشبهة؟ لا توجد المرض, متى يوجد المرض؟ المرض في قلب الإنسان قبل أن ينظر في القرآن, فإذا كان في قلبه مرض وقرأ القرآن وجد ما يؤيد مرضه إذا كان يريد أن يأخذ القرآن عن طريق التتبع لا عن طريق الكمال, فيأخذه مجتزئاً له؛ بمعنى: أن الإنسان إذا كان صاحب هوى وشهوة ونزوة من الكفر والفسق, أو السرقة, أو الزنا, أو شرب الخمر؛ يرى الناس كثيراً, لكنه إذا أراد أن يبحث عن شهوة السرقة في الناس سيجد واحداً منهم عن طريق التتبع يوافقه في هذا ثم يأخذه إليه.

    وكذلك كلام الله سبحانه وتعالى فيه إحكام, وفيه تشابه, والتشابه على نوعين: تشابه نسبي, وتشابه مطلق, والتشابه المطلق قال غير واحد من العلماء: لا وجود له في القرآن, يعني: لا يوجد متشابه في القرآن لا يعلمه أحد, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشبَّهات ), وفي رواية: ( مشتبهات, لا يعلمهن كثير من الناس ), لكن يعلمها الذين أوتوا العلم, ما من أحد من الناس إلا ويوجد لديه متشابه, لكن المتشابه لديك قد يكون محكماً عند غيرك, والمحكم عندك قد يكون متشابهاً عند غيرك.

    ولهذا نقول: إن القرآن لا يوجد فيه تشابه مطلق, يخفى على كل أحد, ولكن يوجد تشابه نسبي, فقد يكون التشابه عندك لكنه يكون محكماً عند فلان, وبعض العلماء يقول: يوجد تشابه مطلق، ولكن هذا التشابه المطلق هو نادر أراد الله عز وجل به حكمة وهو الإعجاز, ويجعلون من ذلك الحروف المقطعة ونحوها, ولكن لو نظرنا في آثار السلف نجد أن من المفسرين من بين معنى الحروف المقطعة, فهي عنده محكمة, فمنهم من يرى أنها من أسماء الله, وهذا جاء عن عبد الله بن عباس كما رواه ابن جرير الطبري و ابن أبي حاتم من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس، ومنهم من يرى أنها من باب الإعجاز, ومنهم من يرى معناها أن القرآن مركب من حروف, وهذه الحروف هي على هذا النوع, فأتوا بتركيب ليوافقوا كلام الله سبحانه وتعالى من جهة إعجازه وبيانه, ومنهم من يتوقف في ذلك ويقول: إن هذا من المتشابه.

    ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران:7], ولم يقل سائر الناس, وإنما الذي في قلبه مرض, فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7], وهذه الشبه التي تؤخذ من القرآن وتوافق الهوى إذا اجتمع فيها أمران فإنها تفسد على الإنسان دينه:

    الأمر الأول: أن يكون الناظر في القرآن صاحب مرض سابق قبل النظر في القرآن, فهو لديه شيء ويريد أن يبحث عن مؤيد, فهو مؤصل من قبل ويبحث عن الدليل فقط, ولا يريد تأصيلاً من القرآن, فحينئذ سيأخذ الدليل باجتزائه.

    الأمر الثاني: أن يأخذها عن طريق الاجتزاء لا عن طريق التتبع الكامل, والاجتزاء: أن يأخذ الإنسان ما يوافقه ويدع الذي لا يوافقه، كما قال تعالى: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7], فمثلاً: فلان يتبع أثر فلان؛ لأنه يريد فلاناً, والآثار الذي عن يمينه ويساره يدعها، كالقائف الذي يتتبع الآثار أو نحو ذلك فهل يتتبع أثر رجل أو كل الرجال؟ يتتبع أثر رجل واحد, ويصل إلى غايته, لكنه إذا وجد ما لا يريد تركه وغض الطرف عنه, ولهذا قال: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7], فهم يتبعون ما تشابه, وأما المحكم الذي يزيل الإشكال يتركه, لا يريدون هذا الأمر, ولهذا يوجد الزيغ في قلوبهم.

    وهنا قال المصنف: (وزيغ محدثات الضالين), محدثات الضالين: هي التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم, ويقول: (قد شرحت لك منهاجاً موضحاً, لم آل نفسي وإياك فيه نصحاً, بدأت فيه بحمد الله ذي الرشد والتسديد).

    1.   

    الفرق بين الحمد والشكر وبيان الواجب منهما على العبد

    قال المصنف رحمه الله: [ الحمد لله أحق من ذكر, وأولى من شكر, وعليه أثني ].

    هنا يقول: (الحمد لله), الحمد: هو ذكر صفات المحمود على وجه الحب له, وقيل: إن الحمد والشكر هما بمعنى واحد, وقيل: إن بينهما عموماً وخصوصاً, من جهة نزول الحمد على موضع المحمود, وكذلك الشكر على صفات المشكور, ومن جهة صدوره أيضاً, ويستدلون على هذا بقول الشاعر:

    أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا

    وذلك أن الإنسان يحمد على ما ظهر من فعله وما بطن كذلك, وعلى ما كان لازماً من صفاته, وما كان متعدياً, أما بالنسبة للشكر فإن الإنسان يشكر على صفاته المتعدية؛ بمعنى أنه إذا أحسن إليك وبذل إليك معروفاً تقول: أشكرك, ولا تقول: أحمدك؛ لأن الحمد يكون على الصفات اللازمة التي تكون في ذات الإنسان والمتعدية إلى غيره, أما ما كان لازماً فيه ولم يتعد إليك, فإنه يحمد عليه فقط, وأما الشكر فإنه يشكر الإنسان على ما كان متعدياً إليك, وأما من جهة صدوره فهو كما قال الشاعر:

    أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا

    يقول: (الحمد لله أحق من ذكر, وأولى من شكر, وعليه أثني), وذلك أن ذكر الله عز وجل هو أعلى الذكر وأسماه وأزكاه, وأولى من شكر لسعة نعمه على عباده, التي لا تحصى ولا تدرك, فلا أول لها ولا آخر.

    والواجب على الإنسان أن يحدث لكل نعمة شكراً, ويلزم من ذلك دوام الشكر, ولكن الله عز وجل لطيف بعباده, جعل الشكر على ما يطيقه الإنسان, وكلما كان الإنسان أشكر لله سبحانه وتعالى وأوفر من جهة أداء حق الله سبحانه وتعالى عليه كان أكثر جزاء, ومن قصر في ذلك فقد جعل الله عز وجل حداً واجباً في كل نعمة يرزق الله عز وجل عبده بها, وذلك بأن يتبعها شكراً بلفظ الشكر؛ فيقول: الحمد لله وله الشكر, فهذا يجزئ عن الإنسان, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ( إن الله ليرضى بالأكلة يأكلها العبد فيحمد الله, وإن الله ليرضى بالشربة يشربها العبد فيحمد الله ), يعني: ما جاءك من نعيم من أقاصي الأرض فاجتمع إليك ولو بغير مؤنة فتقول: الحمد لله, فإن ذلك يجزئ عنك, وهذا أدنى مراتب الحمد والشكر, وهذا نعمة من الله سبحانه وتعالى على عباده وشفقة ورحمة بهم أن لا يكلفهم ما لا يطيقون لعظم نعمته عليهم، وعجزهم عن استيفاء شكرها وأداء حقها.

    أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.