إسلام ويب

اعتقاد سفيان الثوري [4]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان بالقدر خيره وشره ركن من أركان الإيمان؛ لا يتم إيمان العبد إلا به، وللإنسان مشيئة واختيار، لكنها بعد مشيئة الله جل وعلا، وقد ضل في القدر طائفتان: فالقدرية نفوا قدر الله وقالوا: إن الله جل وعلا لم يقدر على خلقه شيئاً، وإنما هم يخلقون ما يشاءون. والجبرية قالوا: إن الإنسان مجبور على أفعاله، وليس له اختيار.

    1.   

    دلالة تكرار أسلوب النداء في خطاب سفيان الثوري لشعيب بن حرب

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    فقال المصنف رحمه الله: [ يا شعيب بن حرب ! لا ينفعك الذي كتبت؛ حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، كل من عند الله عز وجل].

    قول سفيان رحمه الله: (يا شعيب بن حرب ) تكرار هذا النداء من سفيان الثوري لـشعيب بن حرب فيه إشارة إلى أهمية الانتباه بتكرار النداء، وهذه كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخاطبة أصحابه إذا طال الخطاب؛ وذلك لأن المخاطب إذا خوطب بكلام على سبيل الاسترسال من غير نداء أو إشارة أو مس للمخاطب فإن ذهنه يشرد؛ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعمل النداء لأصحابه مع كلامه عليه الصلاة والسلام وبيانه، وربما استعمل الإشارة؛ حتى يفهم عنه، وربما استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم مس الجسد حال وجود المخاطب؛ وربما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد أحد أصحابه أو بمنكبه، ووجه إليه الخطاب؛ حتى يكون ذلك أدعى للفهم والإدراك، وقد جاء عن عبد الله بن عمر قوله: ( أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: يا عبد الله ! كن في الدنيا كأنك غريب )، وجاء في حديث معاذ بن جبل قوله: ( أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي وأنا خارج من المسجد )، وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على أهمية لفت انتباه المخاطب، وهذا في أمور كثيرة، وهذا ما فعله سفيان الثوري مع شعيب بن حرب ، فقد كرر النداء إليه فقال: (يا شعيب بن حرب !).

    وقوله: (لا ينفعك ما كتبت لك) فيه إشارة إلى أن الكتابة كانت من سفيان الثوري لـشعيب بن حرب ، وليست من شعيب بن حرب لنفسه، وفيه إشارة إلى أهمية أن يكون المعلم من أهل الرحمة والشفقة عند مخاطبته.

    1.   

    أهمية تكرار الكلام لحفظ العلم

    وفيه الدلالة إلى الطريق الذي يحفظ الإنسان به العلم، فنجد سفيان الثوري لما سأله ما اكتفى بتوجيه الخطاب إليه مجرداً وإنما عضده بالكتابة له، فكأنه كتب له, ثم ناوله، ثم ألقى عليه الخطاب مشافهة (قراءة), وهذا وجه من وجوه التأكيد، فتكرار الكلام من الأمور المحمودة، وقد (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم تكلم ثلاثاً )، كما جاء في الصحيح.

    وقد ترجم على هذا البخاري رحمه الله بقوله: باب تكرار العلم، وذكر حديثاً عن أنس بن مالك أنه قال: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم سلم ثلاثاً، وإذا تكلم تكلم ثلاثاً؛ حتى يفهم عنه )، والمراد بذلك: أن الإنسان ينبغي له أن يعيد المسائل خاصة عند استغلاقها وقوة عباراتها، أو عند المسائل الدقيقة التي ينبغي للإنسان أن يدركها ويعنى بها، وهذا ما اتخذه سفيان مع شعيب ، وهذا من الأساليب النبوية.

    1.   

    الإيمان بالقدر

    قال المصنف رحمه الله: [ يا شعيب بن حرب ! لا ينفعك ما كتبت لك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، كل من عند الله عز وجل ].

    القدر: هو ما قدره الله عز وجل على عباده، ومأخوذ من التقدير، وهو: الضبط والعناية، وهذا إنما كان على هذا الوصف؛ لأن الله عز وجل قد سماه إياه في كتابه العظيم، وسماه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواضع عديدة.

    وفيه: أنه لا يقبل عمل الإنسان مهما كثر إلا بتلازم أركان الإيمان، فإذا اختل ركن من هذه الأركان أصبح إيمان الإنسان مختلاً، وتقدم الإشارة إلى أن كفر الإنسان يتحقق بورود شعبة من شعب الكفر بخلاف الإيمان، فإنه لا بد من توفر مجموع الشعب، مع وجوب انتفاء الموانع، وهذا معلوم.

    المراد بالإيمان بالقدر

    والإيمان بالقدر المراد به: التصديق، أي: أن يصدق الإنسان بالقدر, وأما من جهة تصرف الإنسان بالمقدور فلا قدرة له على ذلك؛ لأن القدر من شأن الله جل وعلا، والإنسان في ذلك عبد مأمور يدور في فلك إرادة الله جل وعلا وقدرته، ومن لم يؤمن بالقدر فإنه مخصوم ومحجوز بعلم الله جل وعلا، والله سبحانه وتعالى له العلم المطلق الكامل، فيعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، يعني: أن الله جل وعلا يعلم المستحيلات لو قدرت أن تقع، ويعلم حال وقوعها والآثار المترتبة عليها، فحال اجتماع المتضادات وغير الممكنات لو وقع لعلم الله عز وجل الآثار التي تكون بعد ذلك وهذا غاية العلم.

    ومن نفى القدر فإنه يلزم من ذلك أن ينفي علم الله سبحانه وتعالى.

    منزلة الإيمان بالقدر

    وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان بالقدر ركناً من أركان الإيمان؛ كما جاء في بيان جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة , وكذلك في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب قال: ( جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ), وذكر الخبر الطويل، وفيه: ( أن جبريل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: الإيمان أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, وبالقدر خيره وشره, وبالبعث بعد الموت ).

    وصف القدر بالخير والشر

    والإيمان بالقدر موصوف بخيره وشره، أي: أنه ثمة أشياء مقدرة خيراً، وثمة أشياء مقدرة شراً.

    والمراد بوصف القدر بالخير والشر؛ المراد بذاته لا بآثاره، ولهذا القدر قد يكون خيراً بذاته، ثم تكون آثاره شراً على أحد دون أحد، وقد تكون بعض الأقدار شراً في ذاتها، ولكن لها آثاراً خيِّرة، وحال النظر في القدر فإنه خير كله، وحال نسبة الخير والشر لله جل وعلا على سبيل الإجمال أمر معلوم، وظاهر القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤيد ذلك, ولكنه هنا نسب الخير والشر إلى القدر، ولهذا قال: (حتى تؤمن بالقدر خيره وشره).

    والقدر مقدر من الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر معلوم.

    أحوال نسبة الشر لله عز وجل

    أما نسبة الشر لله جل وعلا، كأن نقول: هذا الشر من الله سبحانه وتعالى، فهذا لا يجوز، ولا يليق بإنسان أن يصف أو ينسب الشر لله جل وعلا، أو يقال: إن الله خلق الشر. فهذا ليس من الأدب، وإنما ينسب الشر لله جل وعلا بحالين:

    الحال الأولى: أن يكون ذلك على سبيل الإجمال، فيكون ذلك من ضمن مجموع مخلوقاته، فيقال: إن الله جل وعلا خلق الخير والشر؛ كما في قول الله جل وعلا: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس:1-6]، فذكر الله عز وجل الشر ونسبه إلى أسبابه، وأسبابه قد خلقها الله جل وعلا، ولهذا قال: مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس:4-5]، والله جل وعلا قد خلق الجن والإنس كما في قوله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    الحال الثانية: أن ينسب إليه مع إضمار الفاعل, وهذا من الأدب، كما قال الله جل وعلا حاكياً عن حال الجن: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ [الجن:10]، فقال: (( أُرِيدَ )), وما قال: أراد الله، ثم قال: أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10]، أي: أن الله عز وجل هو الذي يريد الرشاد للعباد، وأما بالنسبة للشر فإنه لا ينسب لله جل وعلا، وإنما يضمر، فيقال: أُريد بي شراً، وأما حال الخير فيقول: أراد الله بي خيراً، وهذا من الأدب مع الله سبحانه وتعالى.

    الحكمة من عدم نسبة الشر لله

    والسبب في قولنا: لماذا قلنا: لا ينسب الشر لله جل وعلا، مع القطع بأن الله جل وعلا هو الذي خلق الكون كله بما فيه؟ هو أن ذلك يخالف الفأل, ويخالف ما أمر الله جل وعلا به من اتخاذ العبد للأحكام الشرعية بعد نزول المصيبة، فالله عز وجل حينما يقضي شراً على عبده من مصائب وهموم وغموم وفقد مال أو مرض أو غير ذلك؛ فإنه يجب عليه أن يصبر، وأن يقول ما أمر الله عز وجل به: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156]، وأن يرضى بقضاء الله وقدره عليه، فإذا رضي بقضاء الله وقدره عليه انقلب ذلك الشر خيراً.

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في الصحيح وغيره: ( عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له )، أي: أن المصائب في ذاتها سواء كانت من الخير أو من الشر، إذا أدى الإنسان ما وجب عليه بعد وقوعها فهي خير له في ذاته، ولهذا إذا نزلت بالإنسان به مصيبة فمن الأكمل والأدب -حتى وإن كانت في ذاتها شراً- أن يقول: أراد الله بي خيراً.

    وهذا من التفاؤل بأن الله عز وجل أراد به خيراً حتى يرجعه إلى الله، وهذا يذكره العلماء عندما يتحدثون عن جهة الحكمة من نزول المصائب والهموم والغموم على الإنسان, ومنها: تذكير الإنسان بنعم الله جل وعلا وفضله عليه، وتطهير القلب من المصائب والهموم.

    ويذكر الفلاسفة القدامى أن الإنسان لا يمكن أن يتطهر إلا بنزول المصائب عليه وتحقق الشر فيه؛ لأنه يكسب من ذلك خيراً عظيماً، ويجعلون المصائب التي تنزل عليه مبدأ لتطهير القلب من شوائب الدنيا.

    ومن الحكم في نزول المصائب: تجرد البصر والبصيرة من الغبش الذي لا يوصل الإنسان إلى الخير، فالإنسان إذا أصيب بمصيبة من هم وغم، أو أُخبر بمرض من الأمراض تجرد من أي شائبة من شوائب الدنيا، والتفت إلى رحمة الناس والعطف عليهم؛ فتجد الإنسان يتكبر ويتغطرس ويأنف ونحو ذلك، وإذا قيل له: بك مرض عضال, انقلبت حياته، وتجرد وأحسن وعفا, وصفح وأكرم، وهذا أمر معلوم، وهذا ما يسميه أهل الكلام والفلاسفة القدامى بالتطهير، أي: أن الإنسان يصاب بهذه الأشياء فيتطهر من أي شائبة، ويدرك الحق من الباطل والخير من الشر، وهذا من رحمة الله عز وجل بعباده حيث يجعل الإنسان يدرك بهذه المصائب التي تنزل عليه الحق من الباطل، وهذا من الخير الذي يريده الله جل وعلا بعباده.

    وقد وصف الله عز وجل أن خير الخلق -وهم الأنبياء- هم الذين يصابون بالبلاء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يبتلى الصالحون الأمثل بالأمثل )، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ( أشد الناس بلاءً الأنبياء ).

    رضا الإنسان بمآل الأمور والأقدار

    وقوله هنا: (حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وقليله وكثيره، وحسنه ومكروهه) أي: أن ما يظهر للإنسان في ظاهره عليه أن يحكم بالظاهر, وأما بالنسبة للمآل فإن الإنسان يرضى به لأمرين:

    الأمر الأول: لأن الله عز وجل لا يريد بعباده إلا خيراً وإن نزل بهم ما في ظاهره شر.

    والأمر الثاني: تفاؤلاً في حال الإنسان؛ لأن الله عز وجل قد يصيب العبد بمصيبة فتكون شراً عليه في ذاته وخيراً لغيره، فيصيب الله عز وجل عبداً بشر، ويريد الله عز وجل به شراً بذاته عقوبة، ويريد الخير بغيره؛ كما يؤدب الله عز وجل الأمم السابقة عند مخالفتهم لأمره جل وعلا؛ فحينما عذب الله جل وعلا وعاقب قوم هود وصالح وغيرهم من الأمم البالية بأنواع العقوبات، أراد بهم شراً في ذاتهم، وأراد بغيرهم خيراً، وهي العبرة والعظة، والله عز وجل قد يجمع للعبد شراً وخيراً، أي: يريد به شراً، ويريد به خيراً، فالشر الذي أراده الله عز وجل بالعبد هو الشر الذي يقع عليه ويغطيه الخير العظيم، كما يبتلي الله عز وجل الإنسان ببعض المحرومات في الدنيا، والإنسان في ذلك بين مستقل ومستكثر بالخير الذي ينزل عليه، ولهذا قال: (كل من عند الله عز وجل) يعني: الخير والشر كلاهما من الله سبحانه وتعالى.

    وقد نشأت طوائف أعملت العقل في تحليل الحادثات والنظر إلى الأسباب وآثارها، فنظرت إلى جملة من آثار الأقدار, ووجدت أن الأقدار تتباين، منها الخير ومنها الشر, ومنها الحلو والمر، فاستثقلت أن تنسب الشر إلى الله عز وجل, فنسبت خلق الخير لله جل وعلا، وامتنعت من نسبة خلق الشر إلى الله، فقالت: إن الله عز وجل لا يخلق الشر وإنما يخلقه غيره, وسيأتي الكلام على ذلك بإذن الله تعالى.

    1.   

    فوائد في حلف سفيان الثوري بالله على ضلال القدرية

    قال المصنف رحمه الله: [ يا شعيب بن حرب ! والله ما قالت القدرية ما قال الله ].

    الحلف على الأمور العظيمة

    فيه الإقسام والحلف واليمين عند ذكر المعلوم العظيم من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكثيراً ما كان النبي صلى الله عليه يقسم على الأمور العظيمة من مسائل الدين وتقرير الأحكام العظيمة, وهذا ظاهر في القرآن؛ فقد أقسم الله سبحانه وتعالى في مواضع عدة بالأمور العظيمة التي ينبغي أن يؤمن بها الإنسان، والله عز وجل قد أقسم بالنجوم، وبالعصر، وبالأفلاك، وبنفسه سبحانه وتعالى، وبالبلد الأمين، وبغير ذلك، فأقسم الله عز وجل في مواضع عدة بمخلوقاته وبنفسه، وهذا يكون بحسب الأمر الذي يقسم عليه، والله عز وجل له أن يقسم بما شاء، وعباده لا يقسمون إلا بالله جل وعلا، ويجب عليهم ألا يقسموا إلا بعظيم، والعظيم في ذلك يتباين بحسب حال الإنسان وإدراكه.

    الحلف للتأكيد والبيان وإزالة الشك

    وفي ذلك أيضاً: أنه ينبغي للإنسان حال الأمور العظيمة أن يحلف من باب التأكيد والبيان، ومن باب إزالة الشك والريب عن المخاطب؛ لأن المخاطب ربما في حال خطابه في الأمور العظيمة الثقيلة يشك أو يصعب عليه تصديق المخاطب، مع كونه في ذاته صدوقاً، أو قد يحمله على الوهم والغلط، أو الغفلة أو عدم الإدراك أو نحو ذلك, فكان الواجب عليه أن يحلف إشارة إلى أنه أصدر في علمه ذلك عن بينة وبرهان، وهذا من أمور التأكيد.

    مشروعية استحلاف المخاطب في الأمور العظيمة

    وكذلك ينبغي للإنسان إذا جهل شيئاً من أمور الدين العظيمة التي مصيره إليها إما جنة أو نار, أن يستحلف المخاطَب، فقد جاء في الصحيح عن طلحة بن عبيد الله : ( جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، فقال: سل ما بدا لك، قال: إني سائلك بالذي خلق السماء وبسط الأرض ونصب الجبال، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: اللهم نعم ). فسأله عن بقية أركان الإسلام, وفيه أنه ينبغي للإنسان أن يستحلف غيره حال ورود شيء من مسائل الدين العظيمة حتى يكون الإنسان على حياطة من دينه، وكذلك لا حرج على المعلم عند ذكر المسائل العظيمة أن يقسم.

    1.   

    الطوائف التي خالفت في مسائل القدر

    قال المصنف رحمه الله: [والله ما قالت القدرية ما قال الله].

    هذه أول طوائف الإنكار لقدر الله سبحانه وتعالى, وهذه أول الطوائف التي ظهرت في مسائل القدر، والطوائف التي ظهرت في مسائل القدر طائفتان على اختلاف عقيدتهما في ذلك:

    الطائفة القدرية

    الطائفة الأولى: الطائفة القدرية، وهم الذين يقولون: إن الله جل وعلا لم يقدر على خلقه شيئاً، وأنه لم يقدر عليهم خيراً ولا شراً، ولا حلواً ولا مراً، وإنما هم يخلقون ما يشاءون.

    والذي دفعهم إلى ذلك جملة من التعليلات سيأتي الكلام عليها.

    وقد ظهرت هذه الطائفة في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقد روى الإمام مسلم في كتابه الصحيح من حديث يحيى بن يعمر قال: ( ظهر أقوام في البصرة يقولون بالقدر ومنهم معبد الجهني ، فعمدت أنا وحميد بن عبد الرحمن إلى عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى, قال: فذهبنا حاجين أو معتمرين, فوجدنا عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه وأحدنا عن شماله .. إلى آخر الخبر، قال: فقال عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى: أخبرهم -يعني: الذين يقولون: ألا قدر وأن الأمر أُنُف- أخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني, والذي نفسي بيده، لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما تقبل منه حتى يؤمن بالقدر)، ثم ذكر قصة جبريل في إتيانه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسؤاله عن الإيمان، فقال: ( الإيمان أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, وبالقدر خيره وشره، وبالبعث بعد الموت )، وفي هذا إشارة إلى أول طائفة ظهرت في أمور القدر.

    وأما بالنسبة لنسبة الشر لغير الله عز وجل والخير لغيره سبحانه وتعالى فهذا ظهر في الطائفة المانوية، وهي من الطوائف المجوسية التي تنسب الخير إلى النور، وتنسب الشر إلى الظلمة، وهذه عقيدة يريدون بها أن يبرئوا الخالق جل وعلا من ظلم عباده فيما يزعمون، ومنهم من يقول: إن لنا آلهتين: آلهة الخير وآلهة الشر، وآلهة الخير هي النور وهي النهار، وآلهة الشر وهي الظلام، وهذه عقيدة وجدت قبل الإسلام، ونشأت في بلاد فارس, وبقي لها بقايا في بلدان المسلمين حتى تلاشت، وفي هذا يقول الشاعر العربي مشيراً إلى هذه العقيدة:

    وكم لظلام الليل عندك من يد تدل على أن المانوية تكذب

    يعني: الليل له حسنات، يلتقي في ذلك العشاق، ويلتقي في ذلك الأصدقاء ونحو ذلك، فكيف تكون في ذلك سيئة، والليل له يد من أمور الخير، وهذا فيه إشارة إلى انتشار هذه العقيدة حتى عند عامة العرب.

    الطائفة الجبرية

    الطائفة الثانية: الطائفة الجبرية، وهم الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على أفعاله, أي: أن الإنسان في ذلك مُسيَّر، وهذه العقيدة نشأت في الإسلام, وتسلسلت هذه العقيدة إلى أمور لا حد لها من الأفكار والعقائد، وسيأتي الكلام عليها بإذن الله عز وجل.

    1.   

    الطائفة القدرية

    الطائفة الأولى: هي الطائفة القدرية, وأتباعهم هم الذين نفوا قدر الله سبحانه وتعالى, وأن الله عز وجل لم يقدر شيئاً على عباده، وأن الأمر أنف.

    أدلة القدرية في نفي القدر

    وحملهم على ذلك قولهم: إن الله جل وعلا يجل أن يوصف أنه يقدر على عباده الخير والشر، ثم يعاقبهم على ذلك، وقالوا: وإذا قلنا: إن الإنسان مُسيَّر في هذه الأرض وليس بمخير؛ فالذي يكرهه على شيء من الشر يجب عليه أن يحاسب, تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً، فكيف يخلق الله جل وعلا الجنة ويخلق النار، ثم هو الذي أكره عباده على الأفعال الموجبة لها، فحملهم ذلك على اعتقاد نفي القدر وأن الأمر أنف.

    غلاة القدرية

    وهذه الطائفة تدرجت في اعتقادها وهي على فرقتين:

    الفرقة الأولى: طائفة الغلاة, وهم الذين قالوا: إن الله عز وجل لم يقدر شيئاً, وتسلسلوا في ذلك، فلما حاججهم أهل الإسلام وقالوا لهم: إذا نفيتم أن الله عز وجل قدر المقادير فيلزم من ذلك أن الله عز وجل لا يعلم شيئاً، أي: لا يعلم سبحانه وتعالى ماذا سيفعل العباد غداً وبعد غد، ولا يعلم ما في الأرحام جل وعلا، وهي من أفعال العباد، فحملهم ذلك أن يلتزموا بنفي علم الله سبحانه وتعالى، فأوقعهم ذلك في الكفر والزندقة الصريحة.

    وقد ذكر عن الإمام أحمد -كما نقل عنه ابنه عبد الله وذكر ذلك الشافعي - في مخاصمته للقدرية أنه خاصمهم في علم الله سبحانه وتعالى, فقال لهم: (إن كنتم تنفون قدر الله عز وجل فيلزم من ذلك نفي العلم)، يعني: أن الله سبحانه وتعالى جاهل، تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً، فوقعوا في ذلك وسلموا به, وقالوا لهم: وإن سلمتم بالعلم فيجب أن تسلموا بالقدر؛ لأنكم إذا سلمتم بالعلم سلمتم بالمعلوم، وإذا سلمتم بالمعلوم سلمتم بحدوثه ومتى يحدث، وإلا أصبح ذلك العلم قاصراً، فمنهم من آمن بالعلم ثم آمن بالقدر، ومنهم من آمن بنفي علم الله سبحانه وتعالى, وهذا جرهم إلى الزندقة.

    وقد تلاشت هذه الفرقة وخرجت عن دائرة الإسلام، بل إنها ارتدت عن مجموع الإسلام.

    نسبة الأفعال لله مع الإيمان بعلم الله بها

    الفرقة الثانية: وهي الطائفة الأقل غلواً في ذلك, وهذه الطائفة موجودة إلى اليوم, وهم الذين يقولون: إن الله سبحانه وتعالى قدر المقادير على عباده عالماً بها جل وعلا، ولكن الإنسان يخلق فعله، وكأنهم أرادوا أن يتوسطوا مع إيمانهم بالعلم، فأرادوا أن يخرجوا من ذلك اللزوم الذي طرأ على الطائفة الأولى، والطائفة الأولى هي طائفة كفرية خارجة من الإسلام؛ وذلك للالتزام بما التزموا عليه، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: (خاصموهم بالعلم، فإن لم يقروا به كفروا). فمن نفى علم الله سبحانه وتعالى كفر، وهذا فيه أن الإنسان إذا وجد طائفة من الطوائف تلتزم بشيء كفري ينبغي ألا يبادر إلى تكفيرهم إلا بعد إلزامهم بذلك.

    وبعض من يناظر الطوائف يقوم بتمحيص أفكارها، وسبر أحوالها، ومن ثم يقوم بإلزامها ببعض الأشياء، وهذه الإلزامات صحيحة، ولكن بعضهم لا يستحضر هذه الإلزامات، فينبغي عدم التكفير باللازم حتى يلتزم ذلك الإنسان بذلك اللازم، فإن التزم الشيء المكفر فإنه يكفر حينئذٍ كما كفر أهل السنة غلاة القدرية في ذلك.

    أما الذين يقولون: إن الله عز وجل يعلم أحوال الإنسان، ويعلم ما يفعله الإنسان، إلا أن الإنسان يخلق فعله، فهؤلاء أثبتوا القدر لله جل وعلا، ونفوا عنه القضاء.

    ومعلوم أن لدينا أمرين: الأمر الأول: القضاء, والأمر الثاني: القدر، أي: قضاء الله جل وعلا وما يقدره الله سبحانه وتعالى على عباده, والمراد بذلك علمه, وما يكتبه الله جل وعلا في اللوح لعباده من أحوال وتقلبات, من إيمان وكفر، وسعادة وشقاوة، وكثرة وقلة، ومن معرفة الأعمار، والولادة وغير ذلك، وهذا علم الله سبحانه وتعالى.

    قالوا: وأما أفعال العباد فإنها مكتسبة من ذواتهم، وهم خالقون لها، وهذا وإن كان فيه تضاد مع التسليم بعلم الله جل وعلا إلا أن هذه الطائفة لا تكفر؛ لأنها لا تلتزم بشيء كفري، والإمام أحمد رحمه الله لما سئل عن الصلاة خلف القدري قال: (انظر إليه؛ فإن كان ممن يخاصم في العلم فلا تصل خلفه). يعني: إذا كان ممن يتكلم في قضايا علم الله سبحانه وتعالى فإنه يلزم من ذلك تكفيره وعدم جواز الصلاة خلفه.

    وأما إذا كان يتكلم على هذه القضية من خلال مسألة خلق أفعال العباد ونحو ذلك، فهذه من الشبهات العريضة التي لم يطلق السلف الصالح فيها تكفيراً، وهذه طائفة من طوائف الضلال، وبعض العلماء يطلق عليها التكفير؛ باعتبار نسبة الخلق إلى المخلوقين، ولكن إطلاقهم في خلق العباد لأفعالهم أن هذا الخلق لهذا الفعل لا يجعلونه خلقاً منفرداً، وربما يجعلونه كسائر ما يتصرف به الإنسان من الكون، ولكن جملة من إطلاقات أئمتهم تجعل البون بين ما يفعله الإنسان ويتصرفه في ملكه كبناء دار ونحوه وما يتصرفه الإنسان في أفعاله، فقالوا: فعل الإنسان في ذاته هو خلق له منفك عن سائر تصرفه في الكون.

    فهذه الطائفة تقول بخلق العباد لأفعالهم، وهي من طوائف الكلام، والأشاعرة يعتقدون بها إلى اليوم.

    وأما الفرقة الأولى فهم غلاة القدرية الذين ينفون القدر وينفون علم الله جل وعلا، وينفون أيضاً أن الله عز وجل يخلق أفعال العباد من باب أولى.

    وسبق أن قلنا: إن القدر: هو ما يقدره الله عز وجل على عباده في اللوح المكتوب، وأما قضاء الله سبحانه وتعالى فهو تصرفه في الكون، من خلق فعل العبد وصرفه يمنة ويسرة، ورزقه الخير والشر وغير ذلك.

    ولهذا نقول: يجب أن يؤمن الإنسان بالقضاء والقدر، والقدر: هو الأمر الماضي الذي يحدث على الإنسان، وتتباين درجة حدوثه بحسب الأفراد، وأما بالنسبة لقضاء الله جل وعلا فهو ما يقضي به الله سبحانه وتعالى حال وقوع الحدث.

    وبين القضاء والقدر عموم وخصوص, وهذا شبيه بما يذكره العلماء في مسألة الإسلام والإيمان, والفقر والمسكنة، فيقال: إذا افترقا اجتمعا، وإن اجتمعا اختلفا، أي: إن افترقا اجتمعا على المعنى الواحد، فكل واحد منهما يدل على الآخر, وإن اجتمعا فلكل واحد منهما دلالته على ما تقدمت الإشارة إليه.

    1.   

    الطائفة الجبرية

    الطائفة الثانية من الخائضين في القدر هي الجبرية، وتنقسم إلى فرقتين:

    غلاة الجبرية

    الفرقة الأولى: الغلاة, وهم الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على فعله, وليس له مشيئة، وأنه في تصرف الله سبحانه وتعالى، وأنه عز وجل لم يجعل للإنسان مشيئة على الإطلاق، ولا خياراً، وأنه ليس له اختيار في أي شيء، وهؤلاء جعلوا الإنسان لا يعبد إلا الله، فاتفقوا مع الطوائف القائلة بالحلول والاتحاد، والقائلة بفناء النار، وأن النار هي غضب الله جل وعلا وليست عقابه، وإنما يغضب الله عز وجل، ولا يعاقب أحداً.

    وهذه الطائفة -أي: التي تقول: إن الإنسان مجبور- تمثل الإنسان بأمثلة؛ فقالوا: حاله كحال جريان دم الإنسان فيه ولا تصرف له فيه، وقالوا: إن حال الإنسان في هذه الدنيا كحال الإنسان الميت بين يدي مغسله، يقلبه يمنة ويقلبه يسرة، وليس له تصرف في الكون، ويلزم من قولهم ذلك أن يكون حاله كحال نبضات القلب التي تضرب ولا خيار له فيها، وقالوا: حركاته وسكناته كذلك، فيتحرك الإنسان مجبوراً.

    التزامات وشبهات الجبرية

    وقد التزمت غلاة الجبرية بالتزامات, فقالوا: حينما يكون الإنسان مجبوراً على فعل الشر فيلزم من ذلك أن الله عز وجل لا يعاقب أحداً من عباده، وإذا كان الله لا يعاقب أحداً فإذاً لا يوجد نار في هذا.

    ومن الشبهات التي تستند إليها الجبرية قولهم: أنه يلزم من قضاء الله عز وجل وقدره ألا يكون للإنسان خيار، وذلك أن الله سبحانه وتعالى إذا قدر المقادير وخلق الأشقياء والسعداء, وخلق الشقاوة والسعادة، والجنة والنار، وقدر هذه المقادير على الخلق، فيلزم من ذلك الإيمان بأنه لا يوجد مشيئة للإنسان، ولو قلنا أن للإنسان مشيئة ضعفت قدرة الله سبحانه وتعالى، تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً، فأرادوا بذلك الاعتقاد تنزيه الله جل وعلا، فوقعوا في تكذيب كثير من النصوص في كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملهم على ذلك حسن القصد والظن.

    الرد على بعض أدلة الجبرية

    ومن شبه الجبرية: تعلقهم ببعض المتشابهات من كلام الله جل وعلا، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17]، فقالوا: إن الله جل وعلا ذكر حال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يرم حيث قال: (( وَمَا رَمَيْتَ ))، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي رمى (( وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى )).

    وتستدل الجبرية أيضاً بحديث أبي هريرة في صحيح البخاري , وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله جل وعلا: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة, ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, ولئن سألني لأعطينه, ولئن استعاذني لأعيذنه ).

    ولو تأملوا هذا الحديث والآية السابقة فهي حجة عليهم لا حجة لهم، فأما قوله جل وعلا: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17]، فإن الله عز وجل أثبت الرمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بقوله تعالى: (( إِذْ رَمَيْتَ ))، يعني: أنك أنت الرامي، ولكن المسدد هو الله، (( وَمَا رَمَيْتَ ))، يعني: الرمي الذي أوصل هذا الإثخان لهذا العدو ليس لك، وإنما هو لله جل وعلا، وإنما أنت سبب، وأمرك الله عز وجل بفعل هذا السبب، ولهذا أثبت الله جل وعلا السبب من نبيه، ونفى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التسديد ووصول الغاية؛ ولهذا قال الله جل وعلا: (( وَمَا رَمَيْتَ )) ، أي: مما يصل إلى الغاية، (( إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى )).

    وأما قول الله جل وعلا في الحديث القدسي في حديث أبي هريرة : ( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه )، فهذا جاء في سياق العبد الصالح، فإذا قلنا: إن الإنسان مجبور؛ فيلزم من ذلك ألا يكون اختصاص للولي، وهذا جاء في سياق العبد الصالح أن الله عز وجل يكون سمعه وبصره، فالله عز وجل جعل الإنسان مجبوراً إذا كان صالحاً, وغير مجبور إذا كان سيئاً، والسياق هنا في حال العبد الصالح، وإذا كان العبد الفاسد والعبد الصالح على السواء، فالله عز وجل معه، هذا يسدده للشر، وهذا يسدده إلى الخير، ولا مزية لأحد.

    وكذلك في قول الله جل وعلا في هذا الخبر: ( ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه )، يعني: أن تسديد الله عز وجل لعبده لم يكن موجوداً إلا بعد إكثار العبد من الطاعة، وأن المراد بذلك هو التشديد، وإلا للزم ألا يكون الله عز وجل حاضراً مع عبده قبل الطاعة ووجد بعد الإكثار من الطاعة، وأن الله عز وجل لم يكن مُجبراً لعبده قبل طاعته ومُجبراً لعبده بعد طاعته على الخير، وهذا فيه ما فيه.

    وكذلك فإنه في بعض روايات الحديث، وقد ذكرها بعض الأئمة ولم أجدها مسندة, يقول الله جل وعلا في الخبر: ( فبي يسمع, وبي يبصر, وبي يمشي, وبي يبطش )، يعني: أن الله سبحانه وتعالى ليس هو الذي يسمع، وليس هو الذي يبصر، وليس هو الذي يبطش، وليس هو الذي يمشي، وإنما بتسديده جل وعلا.

    لوازم غلاة الجبرية

    وهذه الطائفة من الغلاة الذين قالوا: إن الله جل وعلا يتصرف بالإنسان وليس له مشيئة، فالتزموا بلوازم فاسدة كثيرة جداً, وكذلك ينبغي لهم أن يلتزموا بأشياء لم يلتزموا بها أصلاً، قالوا: إذا كان الإنسان مجبوراً على الخير والشر فما الفائدة أصلاً من إرسال الرسل، والنذر وكذلك تبليغ العلم، وكذلك هداية الناس ودلالتهم؟!

    وكذلك التزموا بأن الإنسان إذا كان الله عز وجل يجبره على الشر؛ فإنه يلزم من ذلك عدم العقاب، وأن الإنسان لا بد أن يكون عابداً لله جل وعلا.

    والتزموا أيضاً بأن الله جل وعلا حال في سائر عباده لقولهم هذا، وقالوا: إذا كان الله عز وجل جابراً لعباده فهو حالٌ فيهم، وإذا حل فيهم سبحانه وتعالى فإنهم لا يفعلون شيئاً إلا كما يريده الله سبحانه وتعالى، فمن عبد الشجر، والصنم، والكوكب، والجان فإنه يعبد الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله عز وجل صيره وأراد به ذلك سبحانه.

    ويستدل غلاة الجبرية بقول الله جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، فقالوا: قضى الله جل وعلا ألا نعبد إلا إياه، ومعنى (قضى) أي: قدر، يعني: أن الله عز وجل قدر علينا ألا نعبد إلا إياه، وإذا حوججوا بعبدة الأصنام قالوا: هذه منافاة للقضاء الذي أراده الله سبحانه وتعالى, ولكن نقول: إن قضاء الله عز وجل هنا أمره، كما جاء تفسير ذلك عن عبد لله بن عباس و عبد الله بن مسعود وغيرهم.

    وأما قولهم: إن هذا هو القدر؛ فهم التزموا أن عبادة الأصنام لما كان قضاء الله لا بد أن يكون نافذاً، وقالوا: إذاً من عبد الصنم فهو عابد لله لأنه على قضاء الله، ويلزم من ذلك أن نقول: إن الله عز وجل حينما قال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، أنه لا يوجد عقوق في البشرية، فمن ضرب أمه وضرب أباه فهو بار بأبيه وأمه، وهذا لا يستقيم أيضاً مع قول أهل التحسين والتقبيح العقلي في أفعال العباد، ويلزم من ذلك أيضاً ألا نقول بإقامة الحدود والعقوبات على الناس، وعلينا إبطالها؛ لأن الإنسان لا يعاقب على شيء أجبره الله سبحانه وتعالى على فعله، وهذه الالتزامات منهم من يلتزم بها، ومنهم من لا يلتزم بها.

    أخف طوائف الجبرية

    الفرقة الثانية من طوائف الجبرية: الذين يقولون: إن الإنسان مجبور قلبه على الشيء، وأما جوارحه فله اختيار فيها، وهذه أخف طوائف الجبرية, وهذا الاعتقاد يقول به أهل الاعتزال اليوم، وهم يتباينون في ذلك من جهة اللوازم ومن جهة ما يقولون به؛ ولهذا نجد الطائفة الواحدة تشكك في هذه العقيدة، والبعض لا يأخذ بتلك الإلزامات، والبعض الآخر يأخذ بها، ونحن نجد بعض أئمة الرافضة ينفون القدر، وآخرين منهم لا ينفون القدر ويثبتونه لله جل وعلا؛ وذلك لأنهم استحضروا العلم، فيقولون: إن الله عز وجل يعلم؛ فيلزم من ذلك أن الله عز وجل قدر، ولا يكون إلا ما علم، وحينئذٍ يلزم من ذلك أن الله عز وجل قدر هذه المقادير، وطوائف الرافضة في ذلك يتباينون، فمنهم من ينفي القدر، ومنهم من لا ينفي، والمشهور عنهم نفي القدر، لكن يوجد من أئمتهم من يثبت ذلك.

    وطوائف الضلال والزيغ في أمثال هذه المسائل يترددون، ويستجيبون بحسب ما يقع في قلوبهم من لوازم، ولو استرسل الإنسان في لوازم أصول الباطل وقع في ضلالٍ متناهٍ لا حد له، فتتساقط أحكام الشريعة كحال تساقط الأعمدة، يضرب بعضها بعضاً حتى لا يبقى من الشريعة أصل ولا فرع، ولو التزموا بذلك وألزموا به فعليه لا يوجد خير ولا شر في جميع الأفعال، وحتى الأخلاق لا يوجد فيها خير ولا شر.

    1.   

    مخالفة القدرية للوحي

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ يا شعيب بن حرب ! والله ما قالت القدرية ما قال الله، ولا ما قالت الملائكة، ولا ما قالت النبيون، ولا ما قال أهل الجنة، ولا ما قال أهل النار ].

    قوله: (ولا ما قالت الملائكة، ولا ما قال النبيون) فيه إشارة إلى أن هذا ليس من الوحي، والوحي منه براء، ومنه نعلم أن شريعة الإسلام ما جاءت إلا بواسطة الأنبياء عن الملائكة عن رب العالمين.

    يقول أحمد بن زيد بن هارون : (إنما هي -يعني: الشريعة- صالح عن صالح, وصالح عن تابع، وتابع عن صاحب، وصاحب عن رسول الله، ورسول الله عن جبريل , وجبريل عن الله). وهذه هي الشريعة, فلا يوجد شيء لدينا من علم الدين ينتهي إلى أحد إلا بهذا الإسناد، ومن جاء بشيء من الدين عن غير هذا الإسناد فهو دين مختص له وليس لنا، ولهذا قال: (ولا ما قالت الملائكة، ولا ما قالت النبيون) بعد قوله: (ما قال الله), ففيه إشارة إلى الإسناد الذي ينتهي بالعلم, وذلك أن العلم هو إلى الله سبحانه وتعالى.

    والملائكة: هم من عباد الله عز وجل، وإنما سموا ملائكة من الألوكة، والألوكة: هي الرسالة؛ لأنهم يحملون الرسالة، فاشتق لهم من محمولهم اسماً.

    والنبيون إنما سموا أنبياء لنبأ السماء, وهو الخبر، والنبأ يتقطع من وقت إلى وقت، فيسمى نبأ بعد عدم وجوده، ولهذا نقول: إن كلمة التنبؤ أو النبوة ونحو ذلك اصطلاح شرعي لا ينبغي أن يكون إلا لأنبياء الله عز وجل من أمور الوحي، وقد يقول بعض الناس على سبيل التجوز: تنبأت بكذا, أو يتنبأ الناس بهذا الشيء. وهذا خطأ من الأخطاء اللفظية التي يقع فيها كثير من الناس، والأولى في ذلك القول بأنها تخرصات أو توقعات أو نحو ذلك، كما ينبغي أن تجتنب كلمة تكهنات؛ لارتباطها بالكهانة، وهي مصطلح مذموم، ومرده في ذلك إلى الكهنة والسحرة والجان الذين يسترقون السمع.

    وقوله: (ولا ما قال أهل الجنة، ولا ما قال أهل النار) يعني: أن الله عز وجل قد خلق الجنة، وخلق النار، وأمر الناس بأن يسعوا إلى جنته, وهذا مقتضى بيان طريق الخير وطريق الشر, وقد جاء الخطاب في كلام الله سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة ببيان مشيئة الله لعباده: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]، فالله جل وعلا قد جعل للإنسان مشيئة، ولكنها بعد مشيئة الله جل وعلا، وجعل الأمر على استطاعته، والله جل وعلا جعل للإنسان كُلفة يطيق بها الخطاب، وإذا كان الإنسان مجبوراً فلا حاجة إلى الإشارة إلى الكلفة، وقد قال الله عز وجل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، يعني: أن الإنسان يعرف قدرته وطاقته في ذلك من جهة الاختيار وعدمه، ولو كان مجبراً على شيء فإنه ليس له أن يورد مسألة التكليف هنا.

    1.   

    احتجاج إبليس بالقدر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا ما قال أخوهم إبليس لعنه الله ].

    المراد بالأخوة هنا: أخوة العقيدة، وفيه إشارة إلى تكفير القدرية؛ وذلك أن إبليس ما نفى القدر وإنما أثبته, ولهذا في احتجاجه أن الله عز وجل كتب عليه ذلك قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف:16]، أي: أن الله جل وعلا كتب عليه ذلك وقدره عليه، أي: أراد أن يسير في هذا الطريق، ولكنه أخطأ في الالتزام بذلك الإيمان التزاماً باطلاً، وهذا فيه مسألة الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي، فالله جل وعلا يقدر الخير والشر، والحسنات والسيئات على عباده، وما يقع من الإنسان من ذنب فقد قدره الله جل وعلا عليه، ولكن الاحتجاج بالقدر على المعصية لا يجوز، وهذه طريقة إبليس.

    الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي

    يقول العلماء: من احتج بالقدر على الذنوب والمعاصي فهو إبليسي، ومن لم يحتج بالقدر على الذنوب والمعاصي وتاب وأناب فهو آدمي، وآدم حينما عصى الله عز وجل في الجنة لم يحتج بالقدر، وإنما استغفر وأناب، وأما إبليس فقد احتج بالقدر على الغواية التي هو فيها، فوافق إبليس طوائف من الكفرة الذين استدلوا بمشيئة الله عز وجل على مخالفتهم لأمره، وهذا ما يغفل عنه كثير من العصاة، والذين يقولون: كتب الله عز وجل علي الضلالة, وقدر الله عز وجل علي الفسق والفجور والمخالفة, أو عدم الصلاة أو عدم إتيان الزكاة أو عدم فعل الخير ونحو ذلك لا يجوز.

    لعن إبليس

    وقوله هنا: (ولا ما قال أخوهم إبليس لعنه الله) فيه جواز لعن إبليس، لأن الله عز وجل لعن إبليس واستحق اللعنة، والأمر ذلك مقضي، ولكن عند ورود الموجب العظيم في بيان خطر اعتقاد أو قول فلا حرج على الإنسان من لعن من أوجب الله عليه اللعنة ولو كان ماضياً أو هالكاً كـفرعون، فللإنسان أن يقول: لعنه الله، أو هو ملعون، أو حال إبليس الذي قضى الله عز وجل عليه ذلك الأمر, ولكن نقول: إنه يجوز للإنسان أن يلعن من استوجبت عليه اللعنة ومن قضى الله عز وجل عليه ذلك إذا كان ثمة موجب؛ كأن يوجد -مثلاً- أتباع لـفرعون، فإذا أراد الإنسان أن يبين تلك العقيدة ويبين ضلال صاحبها فيقول: لعن الله فرعون كيف يتبعه الناس! فهذا من الأمور الجائزة.

    1.   

    أركان الإيمان بالقدر

    وفي مسألة القدر والإيمان به يجب على الإنسان -إذا أراد أن يؤمن بالقدر- أن يعلم بأن للإيمان بالقدر أركاناً وهي:

    الركن الأول: العلم

    الأول: الإيمان بعلم الله جل وعلا، وعلم الله سبحانه وتعالى السابق لكل الحوادث، وأن الله جل وعلا قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام.

    وهذا التقدير من الله جل وعلا للكون تقدير واقع وصائر من سائر الكائنات, سواء كانت أحياءً -يعني: حيوانات بهيمية أو ناطقة- أو كانت جمادات كالكواكب ومشيها، والتطام النجوم وسقوطها وغير ذلك، وكذلك ما كان من المعاني من الأزمنة، كتغير الليل والنهار، والنور والظلمة, وقيام الساعة، وتقلبات الأحوال, وكذلك من المعاني النفسية التي تطرأ للإنسان فإنها سابقة في علم الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن للإنسان أن يختص بشيء مما كان من علم الله جل وعلا إلا بسبب.

    وهذه الأسباب التي لا سبيل إلى علم الله جل وعلا إلا بها هي على نوعين: أسباب مشروعة، وأسباب طبيعية.

    والأسباب المشروعة هي التي جاءت الشريعة بها، والأسباب الطبيعية هي التي جعل الله عز وجل آثارها معلومة عند الناس، كعلم الإنسان مثلاً بأنه إذا فعل سبباً معيناً فإن آثاره ستحدث، أو كعلم الإنسان بأن الشمس إذا غابت جاء الظلام، أو كعلمه بأنه لا يمكن أن ينزل المطر إلا بنزول السحاب، وهذه أسباب خلقها الله عز وجل ليعلم الإنسان فيها الخير والشر، ويتقي فيها لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى.

    الركن الثاني: الكتابة

    الركن الثاني: الكتابة، وهذه ما ينفيها غالب القدرية حتى من يثبت منها علم الله سبحانه وتعالى والذين هم ليسوا من الغلاة، فالله جل وعلا كتب مقادير الخلائق في لوح عنده، وكتب الله جل وعلا أهل الجنة وأهل النار، وأن كلاً منهم في فريقين، وقد جاء في ذلك جملة من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خصيصة في بيان أهل الجنة وأهل النار، وفي الحديث: ( جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابين فقال: هذا فيه أسماء أهل الجنة، وهذا فيه أسماء أهل النار ).

    الركن الثالث: الخلق

    الركن الثالث: أن الله عز وجل خلق الخلق وما يعملون، يعني: أن الله سبحانه وتعالى حينما خلق الخلق خلق لهم جوارح كاليدين والرجلين، وخلق لهم حواساً كالسمع والبصر وغير ذلك، وهذه الحواس لها أعمال، وهذه الأعمال مخلوقه بخلقه، فالله جل وعلا خلقهم وما يعملون.

    وهذه الأعمال التي تقع من الإنسان على اختلافها من القول والفعل والاعتقاد كلها من خلق الله جل وعلا, على خلاف طوائف الضلال من القدرية كالجهمية الذين يقولون: إن الإنسان يخلق عمله، والذين يقولون: إن الإنسان لا يخلق فعله وإنما هو مجبور، والذين يقولون: إنه لم يخلق فعله على التفصيل الذي تقدم الكلام عليه، وكلا الطائفتين فيهما غلاة وغير الغلاة سواء الجبرية أو القدرية.

    الركن الرابع: المشيئة

    الركن الرابع: مشيئة الله سبحانه وتعالى، فلله عز وجل مشيئة، وهذه المشيئة لا تنزع مشيئة الإنسان، وإنما جعل الله عز وجل للإنسان مشيئة، ولكنها بعد مشيئة الله جل وعلا.

    الركن الخامس: الحكمة

    الركن الخامس: حكمة الله جل وعلا، فإن الله سبحانه وتعالى لا يقدر شيئاً على عباده إلا لحكمة، فإذا علم الإنسان الحكمة التي يقدرها الله عز وجل لعباده فهذا يغرس فيه يقيناً وإيماناً بأن الله عز وجل لا يقدر على عبده شراً محضاً, وإنما خيراً إذا أخذ بالاعتبار الحكم، فإبليس لم يأخذ بحكمة الله عز وجل, وإنما احتج بظاهر القدر من غير نظر إلى حكمة الله، والاسترسال في الباطل، وأما آدم عليه السلام فأخذ بحكمة الله عز وجل، وهي أن الله يبتليه ويريد به وبأمته خيراً، فلم يحتج بالقدر على المعصية، فتاب وأناب.

    وحكم الله عز وجل على نوعين: حكم عامة، وحكم خاصة، فالحكم العامة هي التي يريدها الله عز وجل للكون كله، والحكم الخاصة هي التي يريدها الله عز وجل لآحاد الناس، والناس في ذلك متباينون.

    وقد تنقسم الحكم في ذلك إلى نوعين آخرين باعتبار الزمن وهي: حكم عاجلة، وحكم آجلة.

    وقد تنقسم أيضاً باعتبار الظهور والخفاء, فيقال: حكم ظاهرة، وحكم خفية، ولله عز وجل في ذلك مقادير لا يعلمها إلا هو جل وعلا، ولهذا ينبغي للإنسان إذا نزلت به مصيبة، أو قدر الله عز وجل عليه أمراً في ظاهره سوء عليه، أن يأتي بالمشروع في ذلك، وأن يعلم أن ذلك خيراً له، وأن الله عز وجل قدر له الخير في ذلك.

    1.   

    إثبات القدر والاختيار والمشيئة للعبد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال الله عز وجل: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23] ].

    مشيئة العبد في اتخاذ إله يعبده

    قوله: (قال الله عز وجل: (( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ))) فيه إشارة إلى أن الإنسان قد اتخذ هذا الإله, وهذا الاتخاذ يقتضي أن الله جل وعلا جعل للإنسان مشيئة يتخذ ويختار بها الباطل أو الحق، وذكر الله عز وجل هنا حال من اختار الباطل في قوله: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23]، أي: كان له اختيار ومشيئة, ولو كان مجبوراً ما ذمه الله سبحانه وتعالى، وأثبت الله عز وجل هنا علمه بذلك ونسب إليه الاختيار، فقال: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية:23]، يعني: هذا بعلم من الله سابق. ولكن له اختيار لهذا الفعل.

    وإذا أراد الإنسان أن يدرك حال علم الله عز وجل وأثره على الإنسان من جهة وقوع الحدث، فإنه لن يتمكن من إدراك ذلك على التمام تاماً؛ لأن علم الله عز وجل وسَننه في الكون واسع، ولا يحيط الناس به علماً، والإحاطة بعلم الله عز وجل هي التي تورث الإنسان الإدراك التام في هذا، فالاسترسال في لوازم القضاء والقدر والأمور الغيبية ربما تورث في الإنسان شكاً وريباً؛ ولهذا يجب عليه أن يوقن إيقاناً تاماً بصدق المخبر عليه الصلاة والسلام عن ربه جل وعلا.

    معاني الإله

    وقوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23]، المراد بالإله: المعبود من دون الله سبحانه وتعالى، والعرب يفسرون الإله بمعان عديدة، ومن هذه المعاني المعبود، كقول الشاعر:

    لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي

    ومن معاني الإله: المرتفع، أي: أن ما ارتفع يسمى إلهاً وآلهة، وتسمي العرب الشمس آلهة، ولهذا يقول الشاعر:

    تروحنا من الدهناء عصراً وأعجلنا الآلهة أن تغيب

    ويراد بذلك أيضاً ما كان خافياً ولا يرى, وفي ذلك يقول الشاعر العربي:

    لاهت فما عرفت يوماً بخارجة يا ليتها برزت حتى رأيناها

    يريد بذلك المعشوقة، أي: أنها اختفت عن الأنظار واحتجبت عنه فقال: لاهت، وهذا من اشتقاق المعاني في معنى الإله.

    ومن المعاني أيضاً: الثبات والدوام وعدم الزوال، ويظهر هذا في قول الشاعر:

    كأن بقاياها رسوم على اليد

    يعني: أنها لا تزول وثابتة، وأظهر المعاني هنا أن يقال: إنها منصرفة إلى عبودية الله جل وعلا، وقد يقال: إن الإله مشتق من مجموع تلك المعاني, والذي يظهر -والله أعلم- أن لفظ الجلالة (الله) هو اسم الله الأعظم؛ لاشتماله لسائر المعاني.

    تقدير الله للشر على العبد

    وقوله تعالى: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [الجاثية:23]، فيه إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى يقدر على عباده الشر، ويقدر عليهم الخير، ولكن هذا لا يخرجهم عن الاختيار، فللإنسان مشيئة، وهذا يظهر في قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]، ففيه أن للإنسان مشيئة، سواء في أبواب الخير أو أبواب الشر.

    نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق والإعانة والتسديد, إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.