إسلام ويب

اعتقاد سفيان الثوري [2]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • امتن الله جل وعلا على هذه الأمة بحفظ كتابه أن يقع فيه شيء من التبديل والتحريف والتغيير، والقول بخلق القرآن قول حادث في الإسلام لم يكن عليه الأمر، فالقرآن كلام الله غير مخلوق، تكلم به على الحقيقة، وهو صفة من صفاته جل وعلا.

    1.   

    المقصود بالقرآن

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الموحدين؛ نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

    فقال المصنف رحمه الله: [ القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، من قال غير هذا فهو كفر ].

    القرآن مشتق من قرأ يقرأ قراءة، والمراد بذلك هو ما أنزله الله جل وعلا على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام مما يتلى، وأمر الله جل وعلا بالتعبد بحروفه، وهذا يدل على أن القرآن عام فيما نزل على محمد صلى الله وسلم وعلى غيره، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في الصحيح: ( ما أذن الله لرجل إذنه لنبي يتغنى بالقرآن )، والمراد بذلك أن ما أنزله الله جل وعلا على سائر الأنبياء فهو قرآن، وهذا من جهة الأصل.

    والله سبحانه وتعالى قد جعل لهذا القرآن أسماء، وهي كما يطلقه الله سبحانه وتعالى على سائر الشرائع التي يبعث بها أنبياءه, فيطلق الله جل وعلا عليها الإسلام، قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، فالدين عند الله جل وعلا هو الإسلام، والإسلام هو سائر الشرائع التي أرسل الله سبحانه وتعالى بها الرسل، منذ آدم عليه السلام إلى نوح، إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، ولكن هذا القرآن يتميز من زمن إلى زمن.

    1.   

    خصائص القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم

    وقد أتم الله جل وعلا على هذه الأمة بأن حفظ لها قرآنها، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، وثمة خصائص لهذا القرآن اختص بها كتاب الله جل وعلا الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم التي ليست لغيره:

    قوة الإعجاز

    منها: قوة الإعجاز التي ليست لغير القرآن، والإعجاز يتباين، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد جعل في القرآن من وجوه الإعجاز ما يكون عاماً لسائر الناس، وسائر المخاطبين على اختلاف أنواعهم، وهذا لم يكن إلا لكلام الله سبحانه وتعالى في القرآن، وهذا قدر من الإعجاز الذي خص الله جل وعلا به كتابه الذي أنزله على رسوله عليه الصلاة والسلام.

    الحفظ من التغيير والتبديل

    ومنها: أن الله عز وجل حفظه من أن يقع عليه شيء من التبديل والتحريف والتغيير، وهذا ليس لشيء إلا للقرآن الكريم الذي بين أيدينا، قال الله جل وعلا: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، وهذا الحفظ يكون من الله سبحانه وتعالى قدراً, ويكون شرعاً تعبداً, فيأمر الله جل وعلا العباد بحفظه.

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] إشارة إلى أن من حفظ القرآن فهو من الله ومن خاصته، ولهذا قال: (( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ))، وهذه النسبة جاء معناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في المسند وغيره أنه قال: ( أهل القرآن أهل الله وخاصته )، يعني: أن الذين يعتنون بحفظ القرآن، وضبطه من التحريف والتغيير والتأويل، هم من أهل الله جل وعلا وخاصته.

    والقرآن أنزله الله سبحانه وتعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل الخطاب فيه عاماً، وهذا القرآن هو كلام الله جل وعلا، فهو يوصف بأنه كلام الله، ويوصف بأنه المسموع، ويوصف بأنه القول، ولهذا قال الله جل وعلا: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى [آل عمران:55]، والله سبحانه وتعالى تكلم به وسماه كلامه سبحانه وتعالى، فأسماء كلام الله جل وعلا متعددة, وأوصافه أيضاً متنوعة، وكلما تعددت الأسماء وتنوعت الأوصاف دلت على سعة الكمال. وقد جاء عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى أنه قال: (فضل كلام الله على غيره من الكلام كفضل الله على غيره)، فإذا أدرك الإنسان فضل الله جل وعلا على سائر مخلوقاته فإنه يدرك فضل كلام الله جل وعلا على سائر الكلام.

    وإنما قيدنا (المتعبد بحروفه المحفوظ) ليخرج من ذلك ما كان من غيره مما يوصف بأنه من كلام الله جل وعلا؛ كالأحاديث القدسية، وكذلك ما كان من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل، ويقول الأوزاعي كما رواه الخطيب البغدادي في كتابه الجامع: (إن جبريل نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما نزل عليه بالقرآن)، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    والنبي صلى الله عليه وسلم ما تكلم بشيء من عنده, فهو إما أن يأتي بشيء من اللفظ، ويكون هذا اللفظ من الله سبحانه وتعالى, وإما أن يأتي بشيء من المعنى، والمعنى من الله جل وعلا، وهذا يدخل فيه الأحاديث القدسية، ويدخل فيه الأحاديث النبوية التي هي من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظاً، ومعناها من الله.

    والأصل في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وحي، وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وحي يتلى، ونص عليه الشافعي أيضاً في كتابه الأم.

    ومعنى التلاوة أننا متعبدون بقراءة السنة، ومأجورون على ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في المسند والسنن من حديث زيد بن ثابت ، ومن حديث عبد الله بن مسعود : ( نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فبلغها، فرب مبلغ أوعى من سامع )، وهذا فيه إشارة إلى أن الإنسان يؤجر على سماع السنة وعلى تبليغها، ولكن تبليغ القرآن أعظم من ذلك؛ للخصيصة الواقعة فيه.

    عظم العقوبة بترك القرآن وعظم الثواب في الاعتصام به

    ومنها: أن الله سبحانه وتعالى جعل العقوبة بتركه تقابل الثواب فيمن اعتصم به، وقد جعل الله جل وعلا من اعتصم به فائزاً، وجعل من تركه هالكاً، ولهذا نقول: إن الله جل وعلا ما جعل ثواباً لعمل من الأعمال إلا وجعل عقاباً شديداً لمن ترك ذلك العمل، فإذا دل الدليل على عمل من الأعمال أن تركه جرم فإن ما يقابله من الثواب في المحافظة عليه دليل على أن الثواب جزيل، وكل الأدلة التي تدل على فضل التوحيد دالة على عظم وخطورة الشرك، وكل الأدلة الدالة على خطورة وعظم الشرك دالة على فضل التوحيد، وكذلك فيمن ترك كلام الله جل وعلا، وعاقبه الله سبحانه وتعالى بتركه مع علمه به؛ دليل على فضل من التزم به.

    وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح الإمام مسلم من حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أول من تسعر بهم النار ثلاثة، وذكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قرأ القرآن وأقرأه, فيقال له: ماذا عملت به؟ فيقول: يا رب! قرأت القرآن وعلمته فيك، فيقال له: كذبت, إنما قرأت القرآن ليقال: قارئ، فيؤمر به فيلقى في النار )، وهذا التشديد في العقوبة من كونهم أول من تسعر بهم النار فيه دليل على أن من اعتنى بالقرآن عناية تامة فإنه يكون من أول الداخلين، وهذا لازم ومقتضى رحمة الله سبحانه وتعالى، وسعة فضله جل وعلا، فإن رحمة الله سبقت غضبه.

    إذاً يقال: إن من أخذ بالقرآن وعمل به فإن ثوابه عند الله جل وعلا أعظم من غيره، وأولى الناس في ذلك هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    شدة عقوبة من أخذ القرآن ونسيه

    ومنها: شدة عقوبة من أخذه ونسيه، وقد جاء في ذلك جملة من الأخبار وهي ضعيفة، وجاء في ذلك جملة من الموقوفات، منها أن أعظم الناس جرماً من أوتي سورة من القرآن ثم نسيها؛ وذلك الإنسان إذا أعطي شيئاً من الأثمان ثم فرط فيها، فعقابه ولومه يقع عليه بقدر قيمة ذلك الثمن، فحينما تعطي أحداً من الناس عشرة، وتعطيه مائة ألف، فإنه حينما يفرط في العشرة لا يقع عليه من اللوم كتفريطه في المائة ألف؛ وذلك معلوم لقيمة ذلك المفرط فيه، ولهذا جاءت العقوبة في التفريط بكلام الله جل وعلا أعظم من التفريط في غيره.

    والقرآن يوصف بأنه كلام الله وقول الله سبحانه وتعالى, وهذا من جهة بداءته من الله سبحانه وتعالى، فالقرآن موصوف أنه من الله ومنه بدأ، وقد جاء عن خباب كما رواه عبد الله بن أحمد في كتابه السنة وغيره أنه قال: (إنك لن تتعبد لله بشيء أفضل مما خرج منه)، فهو موصوف أنه خرج من الله وبدأ منه، ولهذا يقال: إن القرآن بدأ من الله وإليه يعود، ومقتضى قوله: (وإليه يعود) أنه لا يطرأ عليه تغيير.

    1.   

    مسألة خلق القرآن

    قال المصنف رحمه الله: [القرآن كلام الله غير مخلوق].

    المراد بذلك أن كلام الله جل وعلا منه، فإذا كان منه فهو صفة من صفاته، وكلام الله سبحانه وتعالى وقوله من صفاته جل وعلا.

    وإذا قلنا: (إن القرآن مخلوق) فهو إشارة إلى أن الخالق سبحانه وتعالى -تعالى عن ذلك علواً كبيراً- مخلوق، وهذا من المعاني المتضادة, وهو من الأقوال الباطلة التي قال بها جماعة من أهل الضلال والزيغ.

    بعض الأدلة على أن القرآن كلام الله

    وقد جاءت أدلة كثيرة في القرآن وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفي أقوال السلف من الصحابة والتابعين، تدل على أن القرآن كلامه جل وعلا, وأنه ليس بمخلوق.

    جاء في تفسير قول الله جل وعلا: قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر:28]، ما رواه ابن جرير الطبري وغيره من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس أنه قال: (( غَيْرَ ذِي عِوَجٍ )) غير مخلوق، وإسناده عن عبد الله بن عباس صحيح.

    وجاء تفسير ذلك أيضاً كما رواه ميمون بن مهران عن علي بن أبي طالب أنه لما وقعت الفتنة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إني أحكم فيكم شيئاً ليس بمخلوق)، يعني: ليس من الناس، والمراد بذلك هو كلام الله سبحانه وتعالى. وهذا قد رواه اللالكائي في أصول اعتقاده للسنة, ورواه عبد الله بن أحمد في كتابه السنة وغيرهم، وإسناده عن علي بن أبي طالب جاء متعدداً, وهو بمجموعه يصح.

    وروي في ذلك عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي العقيدة التي جرى عليها قول السلف من الصحابة والتابعين.

    إحداث القول بخلق القرآن

    وثمة إشارة إلى مسألة هامة، وهي أن الأصول المتقررة عند السلف يقل القول فيها؛ لاعتبار أنها مستفيضة ولا تحتاج إلى نقل, فإذا أردنا أن نلتمس شيئاً من المرفوع عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذه المسألة لا نكاد نجد شيئاً من ذلك صريحاً؛ لأن هذه البدعة طرأت بعد ذلك، والأمر في هذا مستقر.

    وأول من أشهرَ القول بخلق القرآن هو الجهم بن صفوان ، و الجهم بن صفوان أخذ هذا القول عن الجعد بن درهم ، و الجعد بن درهم أخذه عن شيخه أبان بن سمعان، و أبان بن سمعان أخذه عن طالوت ابن أخي لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أخذه عن لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم, وهو رجل يهودي أخذ هذه البدعة منه.

    وهذا القول بخلق القرآن قول حادث في الإسلام لم يكن عليه الأمر، لا في الصحابة ولا في التابعين، وأما الأقوال التي جاءت عن الصحابة في ذلك فمردها إلى تقرير هذا الأمر، وكونه من الأمور المسلمة، وربما نشأ ذلك الأمر وكان ضئيلاً.

    ومن العلماء من يستنكر ما جاء عن الصحابة في هذه المسألة باعتبار أن البدعة إنما جاءت بعد، وأشار إلى هذا غير واحد من النقاد, ولكن من التابعين من يشير إلى أن هذا القول موجود حتى عند الصحابة، فقد جاء عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أنه قال: (كل من أدركنا من الفقهاء يقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق), ومن أدركوه من أولئك هم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن عمرو بن دينار هو من أجلة فقهاء متأخري التابعين.

    وجاء هذا أيضاً عن جماعة كما جاء عن سعيد بن جبير وروي عن جماعة من الفقهاء والمحدثين, وهو عقيدة سائر الأئمة. وقد ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه وعن أبي زرعة أنه سألهم عن القرآن فقالوا: (القرآن كلام الله ليس بمخلوق)، وقال: (هذا ما أدركنا عليه الناس في الحجاز, في مكة، والمدينة، وفي الكوفة, وفي البصرة, وفي واسط, وفي بغداد, وفي الشام, وفي اليمن), أي: على هذا الأمر, وإنما ظهر واشتهر في أقوال التابعين، وأتباع التابعين، لما ظهرت هذه البدعة، واشتهرت من قول الجهم بن صفوان .

    و الجهم بن صفوان قد جاء ببدع متعددة، وأول هذه البدع وأخطرها هي نفي الصفات عن الله سبحانه وتعالى, وجاء كذلك بقول المرجئة في الإيمان، وجاء أيضاً بالجبر، أي: أن الناس مجبورون على أفعالهم، ونفى بذلك القدر، وهذا شر أقواله، وعنه اشتهرت هذه العقيدة وتنوع الناس في هذا الاعتقاد.

    أقوى الأدلة في الرد على من قال بخلق القرآن

    ومن نظر إلى كلام السلف الصالح وجد أن أقوى الأدلة التي يواجه بها هؤلاء، هي أن هذه المسألة من الأمور المتقررة عند السلف الصالح, والنصوص في ذلك متواترة، وإنما أوتي من قالوا بأن القرآن مخلوق بسبب العُجمة؛ لأن الإسلام انتشر في أقطار الدنيا، وكان أولئك من العجم, وكثير من أولئك من الموالي، الذين لا يدركون لوازم الأقوال، فيقولون مثلاً: إن القرآن مخلوق.

    وحملهم على ذلك جملة من التسلسلات العقلية؛ منها أن القرآن بين أيدينا في المصاحف، وكذلك هو ملفوظ بأقوالنا، فكيف نفصله عن أقوالنا؟ وهو أيضاً منفك عن الله سبحانه وتعالى، تعالى الله جل وعلا عن ذلك، فيرون أن ما كان خارجاً عن الله جل وعلا فهو مخلوق، ولم يفرقوا بين هذه اللوازم، وحملهم ذلك على التساهل بهذا القول.

    وثمة لوازم للقول بخلق القرآن شنيعة جداً، هي التي حملتهم على التسلسل في هذا الأمر كالقول بنفي الصفات، والإمام أحمد رحمه الله يقول: من قال: إن القرآن ليس بكلام الله وهو مخلوق فإنه يقول بأن صفات الله مخلوقة، والصفات هي للذات، ومعلوم أن الذات مجموعة صفات, فإذا كانت الصفات مخلوقة دل هذا على أن الذات مخلوقة، تعالى الله جل وعلا عن ذلك علواً كبيراً.

    ومن الأدلة التي يذكرها العلماء في الرد على هؤلاء الطوائف، وأن القرآن كلام الله وليس بمخلوق، منها: أن الله جل وعلا خلق الخلق بكن، وكن كلام الله سبحانه وتعالى، وإذ قلنا: إن هؤلاء المخلوقات مخلوقة بمخلوق فإنه يلزم أن يكون الخالق مخلوقاً، وهذا عين الباطل، وكذلك فإن الله جل وعلا له الخلق والأمر، وقد فرق الله سبحانه وتعالى بين الخلق والأمر، وجعل الله جل وعلا مخلوقاته هي التي خلقها سبحانه وتعالى على اختلاف أنواعها، سواء كان ذلك من البهائم أو الجمادات أو الملائكة أو غيرها، والله سبحانه وتعالى خالق ذلك كله، والله جل وعلا هو الذي فرق بين خلقه وأمره، وأمره ما جاء في كلامه سبحانه وتعالى، وهو حكمه الذي نسبه الله جل وعلا إليه في قوله جل وعلا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40].

    ومن أراد أن يستدل بأن كلام الله جل وعلا ليس بمخلوق، فإن الأدلة في ذلك كثيرة.

    الفرق بين قول: (كلام الله ليس بمخلوق) وقول: (كلام الله مخلوق)

    وثمة جمل من المسائل ينبغي أن نشير إليها؛ ومن أظهر هذه الجمل، وقد ظهرت في زماننا هذا: ما الفرق بين من يقول: (إن كلام الله ليس بمخلوق) ومن يقول: (إن كلام الله مخلوق)؟ فإذا كنا نؤمن بأن الله أمر بالصلاة، والأوامر كلنا ننفذها، وكذلك ما جاء فيه من أحكام نطبقها، فما الفرق إذاً؟ هل الخلاف في ذلك لفظي؟

    نقول: من الفرق بين القولين أنا إذا قلنا: إن كلام الله سبحانه وتعالى منه، وليس بمخلوق، فإننا نجعل هذه الصفة لله سبحانه وتعالى، ولا ننزع شيئاً من صفات الله جل وعلا منه، وإذا قلنا: إن صفة مثلاً السمع والبصر فيها تشبيه، أو مخلوقة، فإننا قد نقول على قولهم إنه لا فرق بين هذه وهذه، فإن كلام الله جل وعلا هو كسمعه وبصره، وكذلك كسائر صفاته المروية عنه.

    بعض لوازم القول بخلق القرآن

    من اللوازم الفاسدة للقول بخلق القرآن: نفي الإعجاز عن كلام الله، فإن المخلوقات يختلف قدر الإعجاز فيها عما كان من الله سبحانه وتعالى، فإذا قلنا: إن هذا الأمر مخلوق فإنه ينفى عنه الإعجاز والتعظيم والقدسية، والله جل وعلا هو الذي خلق آدم بيده، وخلق المصحف بيده، والإعجاز في ذات آدم لا يظهر كما الإعجاز في كلام الله سبحانه وتعالى.

    وكذلك من اللوازم الكفرية في ذلك أن من وطئ المصحف، أو رمى به فإنه يكون كسائر من وطئ مخلوقات الله جل وعلا، وإذا كان يؤمن أن هذه الألفاظ التي في كلام الله سبحانه وتعالى يجب علينا أن نتعبد بها، يقول: نحن مخاطبون، لكن لا حرج علي أن أرمي بهذا المصحف، كما أرمي ببني آدم، أو أرمي بشيء من الجمادات؛ لأن هذه مخلوقات، ويقولون: نحن متعبدون بالمعاني، ولسنا متعبدين بذات الألفاظ، وهذا غاية الأقوال الباطلة، ولزم من ذلك جملة من اللوازم، ونشأ عن ذلك جملة من الأقوال الإرجائية.

    وكذلك: إذا قلنا: إن القرآن مخلوق، فإنه يلزم منه أن نقول: إن صفات الله مخلوقة، والله جل وعلا متكلم، ومعلوم إن عدم الكلام صفة نقص في البشر، وكذلك في المألوه، والله جل وعلا عاب على سائر الكفار الذين يعبدون الأصنام أنهم يعبدون حجارة صماء لا تكلمهم، وهذا فيه إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى متكلم, وإذا قلنا: إن كلام الله مخلوق، فصفاته جل وعلا من السمع والبصر وغيرها كذلك.

    ويلزم من ذلك لازم آخر وهو: أن الذات أيضاً مخلوقة، وهذا مقتضى ذلك القول الفاسد, تعالى الله جل وعلا عن ذلك علواً كبيراً.

    أقسام الطوائف في كلام الله تعالى

    والطوائف في كلام الله سبحانه وتعالى نستطيع أن نجملها إلى ثلاث طوائف:

    الطائفة الأولى: طائفة المعتزلة, الذين قالوا: إن كلام الله سبحانه وتعالى لفظاً ومعنى مخلوق، وهذه شر الطوائف الذين التزموا بجملة من اللوازم في ما يتعلق في أبواب الأسماء والصفات, وما يتعلق بأبواب القدر, وما يتعلق بأبواب الإرجاء، وغير ذلك من اللوازم الفاسدة.

    الطائفة الثانية: الأشاعرة, الذين قالوا: إن المعنى قائم في ذات الله سبحانه وتعالى وبنفسه, ولكن الألفاظ مخلوقة، وليست من الله, وإنما أوجدها الله جل وعلا في جبريل, والله لم يتكلم, ونقلها جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم حرفاً.

    فهم يقولون: إن كلام الله تعبير عبر به جبريل عن المعنى القائم في ذات الله، والمعنى القائم في ذات الله ليس بمخلوق, وأما اللفظ فهو مخلوق، ومعلوم البون بين المعتزلة في هذا والأشاعرة, والفرق بين المعتزلة والأشاعرة أن المعتزلة في ذلك قد ضلوا ضلالاً بعيداً, والتزموا بأقوال كفرية في هذا, وأما الأشاعرة فيدركون الفرق بينهم وبين المعتزلة في هذا، ولهذا نجد أن الذين ردوا على المعتزلة من الأشاعرة أكثر من أهل السنة؛ لكثرة تصانيفهم, خاصة المتقدمين منهم.

    وكذلك فإن لوازم أقوال الأشاعرة في قولهم ذلك: إن اللفظ بالقرآن مخلوق, لم تكن طارئة، حتى طرأت بعد ذلك، فالتزم كثير من الأشاعرة بأقوال المعتزلة، أو ربما اندرجوا في مدارج المعتزلة والجهمية في ذلك.

    الطائفة الثالثة: طائفة أهل السنة, الذين يقولون: إن الله تكلم بالقرآن على الحقيقة, وأنه من الله جل وعلا بدأ، وإليه يعود, وأن الله سبحانه وتعالى تكلم بكلام مسموع؛ سمعه جبريل, وسمعه محمد صلى الله عليه وسلم.

    وثمة طوائف تضل ممن يدخل في أبواب أهل السنة في هذا، فمنهم من يقول: إن الله جل وعلا تكلم بذلك، وأن الله جل وعلا أعطاه جبريل.

    وثمة طائفتان: الأولى: تقول: إن جبريل أخذه من اللوح, وهذه طائفة أيضاً تنتسب لأهل السنة، ولا توافق عقيدة السلف الصالح في هذا، ويقولون: إن الله جل وعلا تكلم بذلك. والثانية: تقول: إن الله جل وعلا تكلم بذلك كلاماً وسمعه جبريل، ونقله جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم كلاماً، وهو كلام مسموع من الله إلى جبريل ومن جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم, ومن محمد إلى الناس مسموع، وتتحقق فيه هذه الصفة، قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، فهو موصوف بالسماع، وموصوف أيضاً بالبلاغ، والبلاغ هو الذي يصدر من المبلِّغ، والسماع هو الذي يحصل من المبلَّغ، لهذا قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين وغيرهما: ( بلغوا عني ولو آية )، فهو مبلَّغ من المبلِّغ، ومسموع من المخاطب, وهذا من الصفات لكلام الله سبحانه وتعالى.

    أقوال العلماء في مسألة (لفظي بالقرآن مخلوق)

    ونأتي هنا إلى ما يتعلق بمسألة (لفظي بالقرآن مخلوق) وهذه العبارة توقف فيها البعض، وبعض الناس تجرأ عليها، وبعض الناس تسببت هذه العبارة في دخوله في دائرة الأشاعرة، ثم إلى دائرة المعتزلة، وذلك أنهم يقولون: إننا نتلفظ بالقرآن، ونكتب القرآن بالمصاحف، فأين كلام الله جل وعلا من بين هذا المكتوب ومن بين هذا الملفوظ.

    وقد نشأ في ذلك جملة من الطوائف:

    الأولى: طائفة متوقفة, قالوا: لا نقول: إن كلامنا بالقرآن مخلوق, ولا نقول: إنه ليس بمخلوق، ونتوقف في هذه المسألة.

    الثانية: يقولون: إن كلامنا بالقرآن مخلوق، أو لفظنا بالقرآن مخلوق.

    الثالثة: يقولون: هذه الكلمة باطلة، فلا نقول: إن كلامنا بالقرآن مخلوق, ولا نقول: إن كلامنا بالقرآن ليس بمخلوق.

    فالطائفة الأولى التي آمنت بهذه الكلمة, وقالت: إن كلامنا بالقرآن مخلوق, وجرته إلى ما هو أبعد من ذلك, لم يفصلوا بين اللفظ والمتلفظ, ومعلوم أن لدينا متكلم وكلام؛ فالكلام هو الذي يخرج من الإنسان, ولفظ التكلم: هو ذلك الكلام الذي يخرج من الإنسان, واللفظ هو ذلك المسموع.

    وعقيدة أهل السنة والجماعة في ذلك يقولون: إن الكلام كلام الله، والصوت صوت القارئ، ويجملون ذلك في قولهم: الكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ، يعني: هذا الصوت وهذه النبرة هي صوت فلان, ولهذا يتباين الناس، فهناك صوت أجش, وهناك صوت رقيق، وهناك الصوت الذي يترنح ويتغنى بالقرآن, وهناك الصوت الذي يحدر، وهناك الذي يرتل، فهذا الصوت هو صوت القارئ, أما الكلام فهو كلام الله سبحانه وتعالى.

    والطائفة التي تقول: نتوقف في هذا القول, وهذا التوقف لا يجوز في هذه الكلمة، وهذه هي الطائفة التي تسمي نفسها بالواقفة في هذا الباب, وهناك طائفة هي أشد من ذلك، وهم من يتوقفون أيضاً في القرآن هل هو كلام الله، مخلوق أو ليس بمخلوق؟ يقولون: نتوقف في هذه المسألة خروجاً من لوازم الأقوال بهذا.

    ونحن نقول: إن قولهم: (لفظي بالقرآن مخلوق) يتضمن معنى باطلاً في النفي والإثبات، فإذا قلنا: (كلامنا بالقرآن مخلوق) فإنه يلزم من هذا أن ثمة فعلاً من القارئ، وهو التلفظ, وثمة كلاماً، وهو كلام الله جل وعلا، وإذا قلنا: (كلامنا بالقرآن مخلوق) فإنا ندخل كلام الله سبحانه وتعالى مع الشيء المخلوق، فثمة شطران: الشطر الأول: هو كلام الله، والشطر الثاني: هو التلفظ من ذلك المتكلم، والتلفظ مخلوق, واللفظ ليس بمخلوق، وإذا قلنا: (إن كلامنا بالقرآن مخلوق) أدخلنا ما ليس بمخلوق، وجعلناه مخلوقاً، الأمر الثاني: أننا إذا قلنا: (إن كلامنا بالقرآن ليس بمخلوق, وهو كلام الله) فإنه يلزم من هذا أن نجعل فعل الإنسان ليس بمخلوق، وهو من فعل الله سبحانه وتعالى, فيلزم الباطل على كلا المعنيين.

    والدقة في ذلك أن نقول: إن الكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ, وهذا هو الدقة في هذه المسألة.

    وهناك طوائف في هذه المسألة, ومعلوم ما طرأ من الفتنة في زمن الإمام أحمد رحمه الله؛ حينما ضل في ذلك من ضل من الطوائف في هذه المسألة, فهناك من توقف, وهناك من ترهب وأمسك في هذه المسألة, وهناك من تأول وقال: لفظي بالقرآن مخلوق, وهناك من تأول بعض المسائل فقال: هذا مخلوق وكأنه يشير للمصحف، ويريد من ذلك الورق ونحو ذلك, وهذه كلها تأويلات يريدون بها الخروج من بطش السلطان.

    سبب الضلال في مسألة خلق القرآن

    والذين ضلوا في هذا الباب ضلوا لأسباب متعددة:

    السبب الأول: أنهم أخذوا المتشابه من كلام الله سبحانه وتعالى، وحملوا بعض الألفاظ العامة على بعض معانيها، ومن ذلك في قول الله جل وعلا: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف:3]، فقالوا: (جعل) هنا بمعنى خلق, وذلك أن الله سبحانه وتعالى استعملها في كثير من المواضع بهذا المعنى, وهذا بسبب الجهل بلغة العرب.

    ومعلوم أن (جعل) تأتي على معنيين:

    المعنى الأول: إذا كانت متعدية إلى فعلين فإنها لا تكون بمعنى الخلق, وإنما تكون بمعنى التصيير, فقول الله جل وعلا: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف:3]، أي: صيرناه قرآناً عربياً، وهذا في الفعل المتعدي.

    المعنى الثاني: إذا تعدت إلى فعل واحد فإنه يراد بذلك الخلق، والله جل وعلا جعل السموات والأرض، وجعل البشر، وجعل الجبال ونحو ذلك, وهذه من الأفعال اللازمة أو المتعدية لفعل واحد فتكون بمعنى خلق.

    السبب الثاني: ما يأخذونه من بعض الشبهات، وفي ذلك ما تقدم الكلام عليه من لزوم ما يتعلق بالألفاظ؛ مما يتعلق أيضاً بلفظنا بالقرآن مخلوق, وما يتعلق بالمصاحف، ونحو ذلك، وهذه كلها لوازم حلها معلوم.

    والسلف من جهة الأصل يرون السكوت في هذه المسألة، وعدم الخوض فيها, خاصة (لفظي بالقرآن مخلوق)؛ وسبب ذلك أن أفهام كثير من الناس لا يدركون الفصل بين المعنى الصحيح والمعنى الباطل في أمثال هذه الألفاظ المجملة.

    وقول المصنف رحمه الله: (كلام الله غير مخلوق) هذا في مسألة الخلق, ولا يظهر الإعجاز على الأغلب كما يظهر في كلام الله سبحانه وتعالى, وهذا من أظهر العلل في مواجهة أهل السنة للطوائف المبتدعة في هذا؛ من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم.

    1.   

    بدء القرآن وعوده

    قال المصنف رحمه الله: [منه بدأ وإليه يعود ].

    قوله: (منه بدأ) أي: خرج منه، ومن العلماء من يقول: (منه بدأ) يعني: ظهر، يقال: بدأ فلان إذا ظهر.

    وفي قوله: (وإليه يعود) إشارة إلى أن المراد بذلك هو البدء, وهذا ظاهر في قول خباب : (إنك لن تتقرب إلى الله بشيء كما تتقرب إليه بما خرج منه)، والمراد هو بكلام الله سبحانه وتعالى، يعني: أن الله جل وعلا ابتدأ هذا الكلام، وأنزله على محمد صلى الله عليه وسلم.

    وفي قوله: (وإليه يعود) إشارة إلى حفظ القرآن, وأنه إذا تصرف به مخلوق من المخلوقات فإنه عاد إليه من جهة العبث, وهذا ينافي الحفظ، وقد قال الله جل وعلا: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، وهذا يكون في آخر الزمان حينما يقبض الله سبحانه وتعالى العلماء وأرواح المؤمنين, ويقبض الله سبحانه وتعالى المصاحف، ولا يبقى في الأرض خير، فتقوم الساعة على شرار الخلق.

    1.   

    تكفير من قال بخلق القرآن

    قال المصنف رحمه الله: [ من قال غير هذا فهو كافر ].

    ذكر من قال بكفر من قال بخلق القرآن

    التكفير لمن قال بأن القرآن مخلوق مما يتفق عليه السلف، بل إن السلف ينصون على أن من قال: إن حرفاً من القرآن مخلوق فهو كافر. وقد نقل اللالكائي في كتابه أصول اعتقاد أهل السنة عن خلق من السلف الصالح؛ من التابعين، وأتباع التابعين، وأئمة الإسلام يقولون بذلك، وقد جاء هذا عن جماعة، فجاء عن سعيد بن جبير و عمرو بن دينار و ابن أبي حاتم و أبي زرعة و البخاري , ونصوص الإمام أحمد كثيرة في ذلك, وقال ذلك أيضاً سفيان الثوري و سفيان بن عيينة وغيرهم من أئمة الإسلام, بل إنهم لا يعلمون قولاً يخالف هذا القول مروي عن السلف الصالح.

    وقد روى اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة عن البخاري رحمه الله قوله: (لقينا شيوخنا زمناً بعد زمن، في ست وأربعين سنة, كلهم يقولون: القرآن كلام الله ليس بمخلوق, ومن قال كلام الله مخلوق فهو كافر، لقيناهم بالحجاز؛ مكة والمدينة, وفي العراق, وفي الشام, وفي اليمن).

    وفي هذا إشارة إلى أنهم يتفقون على ذلك، والذين نصوا على أن قائل ذلك كافر خلق يزيدون عن ألف من أئمة أهل السنة, وقد ذكر اللالكائي جماعة كثيرة، وقد ذكر أنه أحصى أكثر من خمسمائة إمام من أئمة السلف الصالح يقولون: إن من قال القرآن مخلوق فهو كافر خارج عن ملة الإسلام.

    سبب التكفير

    وسبب التكفير للَّوازم التي طرأت عليهم، وهذا ما ينبغي أن نحذر منه، فكثير من الأقوال التي تظهر ظاهرها في ابتداء الأمر قد يكون من المعاني التي يرى بعض الناس ابتداء أو قليلو العلم أنها من الألفاظ التي لا مشاحة فيها، وهذا في كل علم, فتجد مثلاً في كلام المتكلمين أنهم حينما يقسمون ابتداء الأخبار يقسمونها إلى يقين وظن، وقالوا: اليقين هو المتواتر، والظن هو: أخبار الآحاد, والعلماء لم يواجهوا هذا التقسيم، حتى هلك الجيل الذين قالوا بهذا التقسيم, ونشأ جيل آخر وقالوا: إن أخبار الآحاد ظن، والله جل وعلا يقول: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12]، وقد أمر الله جل وعلا باجتناب الظن؛ بسبب وجود البعض، وهذا البعض أمر الله جل وعلا لأجله باجتناب الكل، وقالوا: فلا نأخذ بأخبار الآحاد، ونشأ عن ذلك تلك الأقوال.

    ولو رد أهل السنة ذلك القول، وشنعوا عليه ابتداء لما كانت هذه اللوازم، فنشأت طوائف كثيرة معلومة في بلدان المسلمين، من الطوائف القرآنية، أو الذين يحتجون بالسنة في أبواب الأحكام، ولا يحتجون بها في بأبواب العقائد, أو يحتجون بالفروع، ولا يحتجون في الأصول وغير ذلك من الفرق في أبواب السنة.

    والعلماء إنما كفروا أولئك وشددوا فيه للوازم الظاهرة في هذا، منها ما يتعلق في صفات الله جل وعلا.

    ومن يقول: (إن كلام الله مخلوق) فهو بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن ينفي الصفات ويجعلها معدومة, ويجعل لله جل وعلا ذاتاً بلا صفات، وإما أن يقول بأن صفات الله جل وعلا مخلوقة؛ لأن كلامه سبحانه وتعالى مخلوق، فالله سبحانه وتعالى ذكر في كلامه جل وعلا الصفات من السمع والبصر, والغضب والرحمة والحكمة، وغير ذلك مما هو معلوم، وكذلك الصفات الذاتية كصفة اليد، وصفة الساق، وغير ذلك مما جاء في كلام الله جل وعلا، وكذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يلزم من ذلك إما أن يقولوا بأن الصفات مخلوقة, وإما أن ينفوا هذه الصفات ليهربوا من لازم قولهم ذلك.

    ومعلوم أن كثيراً من العقائد التي تطرأ في بدايتها فاسدة، فيلتزمون بها شيئاً فشيئاً حتى ينحرفوا عن الصراط المستقيم، وهذا ظهر عند المرجئة ابتداء, وظهر في الجهمية الذين قالوا بأن الله سبحانه وتعالى حينما أمر عباده بهذا الخطاب من التشريع: أن الناس مجبورون على ما هم عليه, ونفوا القدر، وقالوا: كيف يعاقب الله سبحانه وتعالى من جبره على ذلك؟ ونفوا المشيئة عن الناس، وقالوا: الناس كلهم يعبدون الله سبحانه وتعالى، وجعلوا أيضاً نفي العلو لله سبحانه وتعالى على عرشه, وأن الله جل وعلا حال في كل مكان، فهو حال في الجماد, وحال في الأرض, وحال في ذوات الناس، وقالوا: إذا تعبد الإنسان لصنم ووثن فهو يتعبد الله؛ لأن الله في كل مكان، إذاً هو يتوجه إلى الله.

    ولزم من قولهم أنهم لا يكفرون إلا بالاعتقاد، ولا يكفرون بالعمل الظاهر، فلو توجه لصنم ولم يتوجه إلى القبلة فهذا ليس بموجب للتكفير؛ لأنه ربما يتوجه إلى الله، والله في كل مكان، ولهذا حملهم ذلك على جملة من العقائد, حتى لما قيل لأحدهم: إنك تقول: إن الله حال في كل مكان، قيل له: هل الله حال مثلاً في البهائم؟ وحتى إن أحدهم يقول عن نفسه: ما في الجبة إلا الله، يعني: أن الله حال في ذواتنا، وقالوا: إذا لم يكن حال في ذاتنا فيعني أنه غائب عن ذلك.

    وحتى أُلزموا بأن هل الله عز وجل موجود مثلاً في المواضع النجسة؛ كالجيف ونحو ذلك، وبعض الضُلال لالتزامه بذلك مر بجيفة كلب فقال: فيها الله، يريد بذلك كمال الله سبحانه وتعالى، حتى إن بشر المريسي كان إذا سجد قال: سبحان ربي الأسفل؛ يريد بذلك تعظيماً لله جل وعلا.

    وهذا التزام لقولهم الأول حينما قالوا: إن الله جل وعلا في كل مكان, ونفوا علوه, ولزم من ذلك لوازم عديدة جداً، نتج عنها لا يوجد في الأرض مكلفون، ولهذا يقول شاعرهم:

    العبد رب والرب عبد فيا ليت شعري من المكلف

    وإذا كان الإنسان يخاطبه الله جل وعلا بالخطاب، والله حال في كل مكان، فالخطاب صدر ممن وتوجه إلى من؟

    وأخذوا يتشبثون ببعض النصوص في كلام الله، فتشبثوا بقول الله جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وقالوا: قضى الله يعني قدر، أي: أننا إذا عبدنا الأصنام والأحجار والأوثان فإننا لا بد أن نكون على قدر الله, ولازم ذلك أن نكون على توحيد، وهذا من اللوازم الفاسدة التي التزموها.

    ونشأ في ذلك طوائف كثيرة جداً حتى قالوا: إن اليهودية، والنصرانية، والوثنية، المجوسية، والإلحاد كلها عقائد صحيحة؛ لأن الله جل وعلا قدرها, وهؤلاء لا بد أنهم صائرون إلى الله سبحانه وتعالى، ولزم من ذلك القول أنهم أبطلوا معنى النار، وأخذوا يتأولون ذلك بجملة من التأويلات، فقالوا: إن ثمة مخلوقات غير هؤلاء الخلق, وهؤلاء يلزم من قولهم ذلك: هل الله عز وجل موجود معهم كذلك؟ وإن التزموا بذلك فقد استمروا في هذا الغي والضلال.

    ولهذا نقول: إن التزام العقائد الفاسدة ظهر بأهل البدع ظهوراً بيناً, وإنما أهل السنة يردون على الطوائف القول من أول ظهوره حتى لا يلزم منه لوازم كثيرة، قد لا يدركها كثير من الناس، ولهذا بعض العامة شن على الإمام أحمد رحمه الله قولاً؛ ولماذا استمسك بهذا القول، وتحمل ما تحمل، وما أوذي في ذلك؟ لأنه يعلم أن ثمة لوازم عظيمة, وقد ظهرت تلك اللوازم في من التزم بهذا القول.

    1.   

    العلامة الجامعة عند كثير من الذين ضلوا في أبواب الاعتقاد

    والعلامة الجامعة عند كثير من الذين ضلوا في أبواب الاعتقاد فيما يتعلق بالإيمان، وفيما يتعلق في كلام الله، وفيما يتعلق بالأسماء والصفات, أنهم من العجم؛ إما أن يكونوا من الموالي, أو يكونوا من العرب, وولدوا في بلدان العجم، فدخل إليهم الإسلام، فدخلوه على سبيل العقيدة والتدين، ولهذا نجد أن أكثر أئمة اللغة العربية إما من الأشاعرة أو من المعتزلة، فهم من أهل البصيرة بلغة العرب من النحو، والبلاغة، وأشعار العرب، ومعرفة الأدب وغير ذلك، وذلك أنهم أخذوا العربية على التقعيد، وما أخذوها سليقة، وذلك أن السليقة لا يمكن أن تؤخذ بالدراسة.

    ولهذا علينا أن نرجع كثيراً إلى أقوال السلف، إلى أقوال الصحابة عليهم رضوان الله تعالى؛ لأن هؤلاء أهل سليقة، وهم أفهم، فيفهمون ما وراء الخطاب، وهؤلاء العجم أخذوا لغة العرب، وأبدعوا فيها على سبيل التراكيب, لا على سبيل التمام ومعرفة السياق، وهذا معلوم ولا يعرفه إلا من أدرك لغة العرب.

    ولذلك تجد مثلاً في قول الله جل وعلا في قول قوم شعيب له: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87]، فإذا أردت أن تفصل هذه الآية بمعاني الجمل، وتأتي إلى كلمة الحليم الرشيد، فتفسر الحلم بأنه عدم الغضب والأناة، والرشد هو العقل والاتزان، أي: أنك من أهل العقل والاتزان، فلماذا تقول بهذا القول؟ وهذا التفسير خاطئ، وهو من جهة التركيب اللغوي في معاجم اللغة صحيح؛ وذلك لأن السياق والبلاغة التي تؤخذ سليقة لا تظهر فيه، ولهذا تجد المفسرين كـعبد الله بن عباس و سعيد بن جبير من أهل السليقة يقولون: إنك لست بحليم ولست برشيد، وهذا يعلم في من سبر كلام العرب في هذا.

    1.   

    الإيمان وأركانه

    قال المصنف رحمه الله: [والإيمان: قول وعمل ونية ].

    الإيمان: هو التصديق، يقال: آمن فلان بكذا إذا صدق به، والتصديق أصل محله القلب.

    والإيمان له أركان أربعة: أولها: قول اللسان، ثانيها: عمل القلب، ثالثها: قول القلب، ولدينا في القلب أمران: قول وعمل، رابعها: هو عمل الجوارح، وهذه الأركان الأربعة لا بد من توفرها.

    الركن الأول: قول اللسان, وهو: أن يتلفظ الإنسان بألفاظ التوحيد التي تدخله في الإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله )، فالشهادة المراد بها هي الإخبار عما يعلمه الإنسان يقيناً في قلبه، وقال الله جل وعلا: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ[محمد:19]، أي: فاعلم أنت في ذاتك، وهذا العلم لا يتحقق إلا بشيء معلوم في الباطن، إذاً قول اللسان: هو إخبار عما في القلب.

    الركن الثاني: قول القلب، وقول القلب المراد بذلك هو الإخلاص؛ أي: أن يخلص الإنسان نيته لله، فإذا أراد أن يعمل كأنه يتلفظ بباطنه أني أريد بهذا العمل الله جل وعلا.

    الركن الثالث: عمل القلب، وعمل القلب المراد بذلك هو التصديق، وهذا الركن أشكل على كثير من أهل العقل، فقالوا: إن الإنسان إذا صدق بقلبه وجب أن يحكي بإيمانه، وذلك أن الإيمان أصلاً لا يطلق إلا على تصديق القلب، والتصديق: هو الاعتقاد الجازم في قلب الإنسان، وقالوا: سواء أخبر بلسانه أو بجوارحه عن صدق اعتقاده، وهذا مع عدم الإيمان بصحة هذا القول، ولكن قالوا: يلزم من ذلك أن نقول بإيمان كل من صدق بالله سبحانه وتعالى بقلبه.

    الركن الرابع: عمل الجوارح، والمراد بعمل الجوارح هي: عمل الأركان بما اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم, وما زاد عن ذلك فإنه مما يزيد الله جل وعلا به الإيمان، وانتفاء العمل بالكلية نفي للإيمان.

    1.   

    طوائف المرجئة في الإيمان

    وثمة أقوال للمرجئة في هذا الباب كثيرة، أخطرها هو قول الغلاة، والمرجئة في ذلك على طائفتين:

    غلاة المرجئة

    الطائفة الأولى: الغلاة الذين يقولون: إن الإيمان هو عمل القلب، ومعلوم أن اعتقاد القلب يسمى عملاً، قال الله جل وعلا: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72]، والمراد بهذا العمل هو الاعتقاد, وقال تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:92]، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134]، أي: عن لا إله إلا الله، يقول البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح: باب من قال: إن الإيمان هو العمل، وأورد قول الله جل وعلا: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72]، وقوله: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:92]، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134]، يعني: أن لا إله إلا الله، وقد جاء تفسير ذلك عن غير واحد من المفسرين.

    فجعل الله جل وعلا الإيمان هو قول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح.

    والغلاة من المرجئة هم الذين يقولون: إن الإيمان هو عمل القلب، وعمل القلب التصديق، ولا يكاد يوجد مخلوق إلا وهو يؤمن أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق حتى كفار قريش، قال الله جل وعلا عنهم في كتابه العظيم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، وقال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، فهم يؤمنون أن الخالق هو الله جل وعلا، ويؤمنون بذلك يقيناً, ولكن إنما خطأهم في صرف العبادة لله سبحانه وتعالى، حتى قوم فرعون قال الله جل وعلا عنهم: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، أي: جحدوا بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم مع الإيمان بالقلب، فـأبو طالب الذي لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم كان يصدق بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم في داخله, لكنه لم يقر باللسان.

    وغلاة المرجئة يرجعون الإيمان إلى القلب مجرداً، وقالوا: وأما قول اللسان وعمل الجوارح فهذا قدر زائد عن الإيمان، ولازم قولهم فاسد فإنه يدخل كل من على هذه البسيطة في الإيمان حتى إبليس، فإبليس لما خاطب الله جل وعلا قال: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:36]، فخاطبه بربوبيته أنه هو الذي رباه, وهو الخالق له جل وعلا, وهو الذي يرعاه، فهو مؤمن بربوبيته، وكذلك فرعون مؤمن؛ لأن الله جل وعلا قال عنه وعن قومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، إذاً هم يستيقنون في دعوة أنبياء الله جل وعلا، ومع ذلك خالفوا أمره جل وعلا قولاً، وعلى هذه العقيد كل من آمن بالله بقلبه فهو مؤمن.

    وعقيدة أهل السنة في هذا أنهم يقولون: هذه الأركان الأربعة متساوية، فلا نقول: إن العمل لازم للإيمان، أو من مقتضيات الإيمان، أو شرط كمال للإيمان، أو شرط صحة للإيمان, بل نقول: إن القول والعمل والاعتقاد هي الإيمان، وإذا قلنا ذلك فإنه يلزم فيما يقابلها أيضاً في أبواب الكفر، فيكفر الإنسان بقوله, ويكفر بفعله, ويكفر باعتقاده، فإذا ورد منه مكفر بفعله كفر, ولو تلفظ بالإيمان، وإذا تلفظ بكفر فقد كفر ولو فعل إيماناً، فسائر أعمال الناس من الظاهر والباطن هي من الإيمان الظاهر, عمل الجوارح وقول اللسان واعتقاد القلب.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله )، وهذا لفظ, ( وأدناها إماطة الأذى عن الطريق )، وهذا فعل، ( والحياء شعبة من الإيمان ) ، وهذا عمل القلب، وفي هذا إشارة إلى الأعمال الثلاثة التي هي الإيمان، ولهذا نقول: إن قول اللسان فعل، واعتقاد القلب فعل, وعمل الجوارح فعل، وكلها تسمى أفعالاً.

    وثمة إشكال عند بعضهم: هل الأقوال تسمى أفعالاً أم لا؟

    الصواب أنها تسمى أفعالاً، قال الله جل وعلا: زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112]، فسماه قولاً، ثم سماه فعلاً، ولهذا الأقوال تسمى أفعالاً، وأما الأفعال فلا تسمى أقوالاً إلا على سبيل الحكاية، فيقال: قال فلان كذا، ولهذا في وصف العرب يقولون: قال فلان كذا، يعني: بيده, مع أنه لم يتكلم, وهذا على سبيل التجوز.

    وعقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يجعلون هذه كلها من الإيمان، وإذا كانت كلها من الإيمان فإنه يكون ما يضادها من الكفريات كلها موجبة للكفر, سواء وقع من القول، أو الفعل، أو الاعتقاد.

    مرجئة الفقهاء

    الطائفة الثانية: مرجئة الفقهاء، وهم على فرقتين:

    الفرقة الأولى: وهذا هو المشهور عن أبي حنيفة وعن شيخه حماد بن أبي سليمان , وهو قول كثير من أهل الكوفة في زمنهم، الذين يقولون: إن الإيمان هو اعتقاد القلب، وقول اللسان, وأما العمل فليس من الإيمان.

    الفرقة الثانية: يقولون: إن الإيمان هو اعتقاد القلب, وأما بالنسبة لقول اللسان وعمل الجوارح فهذا ركن زائد عن حقيقة الإيمان، وهؤلاء في قولهم ذلك يوافقون أهل السنة في المآل، يعني: في العقاب, ويخالفونهم حكماً في الدنيا.

    كيف يكون المآل؟ أي: عند الله سبحانه وتعالى، قالوا: نرجع ذلك فيما هو في اعتقاده, وأما إذا عمل شيئاً من المكفرات فلا يكفر, وأما عند الله عز وجل فإنه إذا علم أن ذلك مصاحب لقلبه فقد كفر بالله سبحانه وتعالى, وهذا من الأقوال التي يوافقون فيها أهل السنة في بعض الوجوه في المآل، ويخالفونهم جملة في الحال في أمر الدنيا.

    وعقيدة أهل السنة أن الإنسان يستوجب النار بفعله المكفر ولو اعتقد خلافه؛ كأن يفعل ذلك عناداً، مثلاً يقول: أنا أعلم أن الله عز وجل حرم السجود للأصنام، ولكن عناداً سأسجد، وهذه طريقة إبليس، فإبليس يعلم أن هذه محرمة، ومع ذلك فعل فهو كافر بفعله ذلك.

    وهذا حال كثير من المعاندين الذين عاندوا أمر الله سبحانه وتعالى, ويلزم من ذلك على قولهم أن نقول بإيمانه.

    وهذا له لوازم عديدة في مسألة الإيمان، منها أن نقول بإيمان كل من ظهر أنه آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم بالمعنى، أو بلفظ مغاير غير الشهادتين. وأهل السنة يقولون: إن الإنسان يدخل في الإيمان بالشهادتين.

    وهل يدخل الإيمان بغير الشهادتين؟ يعني: إذا كان لدينا أعجمي يتكلم، وقلنا له: ادخل الإسلام، قال: نعم سأدخل، ولكن لم نلقنه الشهادة، وبدأ يصلي معنا الصلوات الخمس ويصوم, ولكنه جاهل ببعض الأحكام، ولم يتلفظ بالشهادتين، فهل هذا يدخل الإسلام أم لا؟

    في ذلك قولان لأهل السنة:

    ذهب بعض أهل السنة إلى دخوله الإسلام، وهو قول ابن تيمية رحمه الله, قال: ولو لم يتلفظ بالشهادتين، أي: إذا فعل اللازم لها ولم يأت بمناقض لها.

    وبعض أهل السنة يقول: لا يدخل الإسلام حتى ينطق بالشهادتين, قالوا: وهذا ظاهر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله )، فخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم, ( وأن محمداً رسول الله ), وقيدها النبي صلى الله عليه وسلم بهذا التقييد حتى يقولوا، وجاءت في بعض الألفاظ: ( فإن قالوها )، في إشارة إلى أن العصمة لا تكون لهم إلا بهذا القول، وهذا القول له وجه, والقول الأول أيضاً له حظه من النظر، وذلك أن بعض الذين يدخلون في الإسلام ربما يجهل من حوله وجوب ذلك.

    وقد وقفت على أحد ممن كان من الوثنيين ثم أدخل في الإسلام، وأخذ يصلي مع المسلمين قرابة أسبوعين ثم توفي، وقال من قام على حالته: لم ألقنه الشهادة، فأخذ يأتي إلى الصلوات الخمس وقال: إني مسلم، وأصبح من يسأله يقول: إني دخلت الإسلام, وأخبر من حوله أنه دخل الإسلام، ولكنه ما تلفظ بالشهادتين، فمثل هذا يرجى له خيراً إذا تجرد من المناقض لها، وعمل بلوازمها.

    والمرجئة يقولون: إننا إذا قلنا: إن أفعال الجوارح وأقوال اللسان ليست من الإيمان فإنه يلزم من ذلك أن من أقر بقلبه فإنه مؤمن, وأقرب منهم إلى الحق الذين يقولون: من أقر بقلبه، وتلفظ بلسانه بشيء من المصدقات فهو داخل في الإيمان، ولا نكفره ولو سجد لصنم؛ لأن الفعل أصلاً لم يدخله في الإيمان، فكيف ندخل المناقض للكفر؟ وهذا لازم لقولهم.

    ومن أعظم التناقض حينما يقول الإنسان: الإيمان قول واعتقاد، وعمل بالجوارح على حد سواء، ثم لا يكفر الذي يسجد لصنم حتى يرجعه إلى قلبه، فهذا من المتناقضات؛ لأنك إذا جعلته ركناً للإيمان فاجعل نقضه منافٍ له.

    وهذه الطائفة ظهرت في بعض البلدان الإسلامية، وانتشرت في زماننا, والتزموا ببعض اللوازم الباطلة في هذا القول، وحينما نقول: إنهم يقولون بإيمان من أظهر التصديق بما في قلبه، فإنه يلزم من هذا إيمان أبي طالب ، و أبو طالب صدق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالحق, ولكنه ما فعل شرائع الإسلام, وما التزم بذلك قولاً, وما نطق بالشهادتين وأمر بها, وهذا يخرج عن حالتنا الأولى؛ وهي أننا إذا قلنا: إن الإنسان لم يتلفظ بالشهادتين غفلة، بخلاف الإنسان الذي نقول له: قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله وامتنع، فمثل هذا لا ينفعه وما نعلمه من صدقه, ولهذا أبو طالب يقول في نونيته في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا

    فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر بذاك وقر منه عيونا

    ودعوتني وزعمت أنك صادق ولقد صدقت وكنت ثَمَّ أمينا

    وعرضت ديناً لا محالة أنه من خير أديان البرية دينا

    لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك يقينا

    فقال: (عرضت ديناً) من خير أديان البشرية، وقال: (فاصدع بأمرك)، (والله لن يصلوا إليك) وهذا كله من علامات التصديق لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

    وإيمان أبي طالب لا يختلف عن إيمان فرعون إلا بشيء من درجات التصديق في بعض القول, وكذلك من حميته لرسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا كان أخف أهل النار عذاباً؛ ولم يدخل في الإيمان؛ لأنه ما التزم بعمل الجوارح، لأنها هي الإيمان.

    إذاً نقول: الإيمان هو أربعة أركان: قول اللسان، قول القلب، عمل القلب، عمل الجوارح.

    1.   

    نوع عمل الجوارح الذي يتحقق به الإيمان

    ما هو عمل الجوارح الذي يجب على الإنسان أن يتحقق به حتى يكون من أهل الإيمان؟

    نقول: هي شريعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي اختصت به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بأمرين:

    الأول: جاء بأمر مؤكد للشرائع السابقة.

    الثاني: جاء بشيء اختصت به شريعته، فالمؤكد لما كان من الشرائع السابقة مثل: بر الوالدين، الصدق، الأمانة، حسن الجوار، إكرام الضيف، وغيرها.

    والذي يفعل هذه الأعمال هل أتى بركن الإيمان الذي يجب أن يتحقق في المؤمن حتى يوصف بالإيمان؟ لا؛ لأن هذه يفعلها حتى الملحد، وإنما لا بد أن يأتي بشيء اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، إما الصلاة أو الزكاة، أو الحج، أو العمرة، أو شيء من خصائص شريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي تدل على أنه آمن بهذه الشريعة بخصوصها.

    وثمة أمور خلاف عند السلف في كفر فاعلها؛ كالأركان الخمسة، فثمة قول بتكفير تاركها كسلاً وتهاوناً, وأما من تركها جحوداً فهذا مما لا خلاف فيه، والصلاة أقوى الأركان في ذلك، والأدلة في ذلك متضافرة, والذي أرى أن المسألة فيها إجماع, ولكن من يحكي الخلاف في هذا يقول: إن التكفير الوارد عن السلف هو تكفير نؤمن به، لكن هل هو كفر أصغر، أو كفر أكبر؟ هذا هو موضع الإشكال, كما نقول في الكفر في قتال المؤمن أنه كفر.

    نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.