إسلام ويب

اعتقاد سفيان الثوري [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين, يدعون إلى التوحيد الخالص، وسفيان الثوري مع كونه نشأ في الكوفة إلا أنه كان سليم العقيدة والجنان، وهذا ما ظهر في جوابه لسؤال شعيب بن حرب، وثمة مسائل فرعية ذكرها الثوري في ذلك, وليست من العقائد، وإنما لأنها تتكئ على أصل عقدي, وهو المخالفة للمبتدعة وغيرهم.

    1.   

    منزلة سفيان الثوري وسبب اختيار عقيدته

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    فكلامنا بإذن الله عز وجل سيكون على عقيدة سفيان الثوري .

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ، من أئمة السلف، ومن أئمة الاعتقاد في الكوفة, وهو إمام جليل القدر, ومن أهل السنة والأثر, وقد أطبق العلماء على إمامته في السنة، وإمامته في الفقه، وإمامته في الرأي والاتباع والاهتداء, وإمامته في الزهد والورع, فقد كان إماماً في ذلك كله، وقد سماه غير واحد من العلماء بأمير المؤمنين في الحديث.

    ومع كونه نشأ في الكوفة إلا أنه عليه رحمة الله كان من أنقى تلك الطبقة اعتقاداً وأسلمهم جناناً, وأبصرهم بسلامة العمل, واتباعاً لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومعلوم أن أهل الكوفة فيهم شيء من مخالفة هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مسائل الاعتقاد مما يتعلق ببعض مسائل التشيع, وبعض مسائل العقائد مما يتعلق بخلق القرآن؛ كقول طائفة منهم: إن القرآن مخلوق, أو ما يتكلم به بعض متأخريهم من قولهم: إن لفظي بالقرآن مخلوق, فكان سفيان رحمه الله سليماً من ذلك كله.

    وإنما كان الاختيار لعقيدة سفيان الثوري ذلك لأمور:

    الأمر الأول: لإمامة هذا الرجل وجلالة قدره.

    الأمر الثاني: لكونه من الأئمة المتقدمين، ومن طبقة متقدمة جداً.

    وتقرير ذلك على ألسنتهم مما ينبغي لطالب العلم أن يعتني به عناية بالغة, والعناية بذلك هي مما ينبغي لطالب العلم والمتعلم أن يسلكه، وأن يرجع إلى المنبع الأصيل على سبيل التدرج, فيرجع إلى الأئمة الأربعة, فأتباع التابعين, فالتابعين, فالصحابة, فالكتاب والسنة, وألا يأخذ العقائد عن المتأخرين؛ وذلك للبون والمدد المترامية بين المتقدمين والمتأخرين مما دخل في أبواب الاعتقاد والفروع من التغيير والتدليس, وربما التلبيس في بعض المواضع, وربما كان ذلك عند بعض أهل الأهواء من تحريف كلام الله جل وعلا عن غير ما أراده الله.

    وإذا كان هذا قد وجد في بعض القرون الأولى فإنه يوجد في العصور المتأخرة من باب أولى, فينبغي للإنسان إذا أراد أن يرجع إلى عقيدة أحد بعينه فليرجع إلى قائلها, فإنه لا أصلح من منهج الإنسان من قوله بنفسه, ومن قول أتباعه ومن كان قريباً منه؛ كحال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه, وحال الصحابة مع التابعين عليهم رضوان الله تعالى.

    1.   

    مكانة رسالة عقيدة سفيان الثوري

    وهذه الرسالة مع اختصارها فإنها جليلة القدر, وتوسم وتوصف بأنها عقيدة سفيان الثوري , و سفيان الثوري اعتقاده كغيره, وإنما تسمى هذه العقائد وتنسب إلى أصحابها باعتبار أنها نقلت ونسبت إليهم بأسمائهم, وإلا لو نظرنا إلى طبقة سفيان الثوري من أئمة السنة ومن سبقه لوجدنا أنهم على اعتقاد واحد في ذلك.

    والعلماء في أبواب العقائد عند تصنيفهم خاصة المتقدمين فإنهم لا يسلكون طريقاً واحداً في التصنيف في أبواب العقائد, وإنما يغايرون بين الأساليب والطرق بحسب ما يعيشونه في زمنهم من خلل في أبواب العقائد, ولهذا نجد في عقيدة سفيان الثوري عدم ذكر ما يتعلق بأبواب ربوبية الله جل وعلا, فجملة من مسائل الربوبية لا يذكرها؛ لأن تعلق البيئة التي هو فيها بيئة أهل الكوفة؛ إنما انحرفت في بعض مسائل الاعتقاد, ولهذا ربما يشير إلى بعض المسائل الفرعية التي هي من جهة الأصل، ولا تدخل في أبواب الاعتقاد، وإنما هي من فروع الدين, فذكرها لأنها هي الفيصل والفارق بين عقيدة أهل الإيمان وعقيدة أهل الابتداع.

    1.   

    أهمية العقيدة في حياة الإنسان

    وعلم العقائد مما ينبغي للإنسان أن يعتني به؛ لأنه هو الذي يدور عليه إيمان الإنسان من جهة السلامة, وأول ما يسأل عنه العبد, والله جل وعلا بعث الأنبياء كلهم إلى دعوة التوحيد, وقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: ( نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتنا شتى، وديننا واحد ), والمراد بذلك أنهم من جهة أصل العقيدة واحدة, ولكن الفروع وما يأتي مما يتعلق ببعض أجزائها فإنهم يتباينون في ذلك, ولهذا وجب أن يعتني الإنسان بمسائل العقيدة؛ لأنه لا تصح أعمال الإنسان إلا بصحة عقيدته, وهذا مما لا خلاف فيه, والله جل وعلا لا يبقي للإنسان كفة ثانية إذا لم يوجد لديه الإيمان, لهذا قال الله جل وعلا: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5], يعني: أن ذلك العمل الذي يعمله الإنسان إنما هو تكلف، ولا يغني عنه من الحق شيئاً, ولهذا وجب تصحيح الاعتقاد؛ لأنه بوابة الصراط المستقيم والمدخل إليه, ومن رام اتباع الفروع بعيداً عن الأصول فإنه عكس التشريع، وطلب شيئاً متوهماً لا يوصله إلى الغاية المنشودة.

    فطرة الله للناس على التوحيد

    والله جل وعلا جعل الفطرة قابلة لعقيدة التوحيد, وهذه هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها, قال الله جل وعلا: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30], ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة : ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ).

    وهذه الفطرة هي أن الإنسان إذا لم يكن لديه شيء يغيره ويطرأ عليه في هذا السبيل فإنه سيصل إلى الغاية التي أمر الله بها أنبياءه, وأول ما خلق الله جل وعلا الخلق أخذ من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172], وهذه الشهادة هي الإقرار بتوحيد الله سبحانه وتعالى وربوبيته وألوهيته, وأنه جل وعلا هو المستحق لذلك.

    اجتيال الشياطين للناس عن فطرة التوحيد

    وقد كانت الأمم على ملة واحدة وعلى دين واحد, حتى إن المدة التي كانت بعد أن أنزل الله جل وعلا آدم حتى جاء بعد ذلك نوح قيل: إنها عشرة قرون، كما جاء ذلك فيما رواه ابن جرير الطبري من حديث عكرمة قال: قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: (ما بين آدم ونوح عشرة قرون, كلهم كانوا على شريعة من الحق ثم اختلفوا, فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين), وهذه العشرة القرون التي كانوا عليها فيها إشارة إلى أن اجتيال الشيطان لفطرة الإنسان مما يشق, ولو كان الاجتيال لشيء من الفروع فإنه ربما يجتالهم في العام والعامين, ولكن تبديل الفطرة مما يشق أن يبدل ولو تسلط إبليس على ذلك, ولهذا أحتاج أمر تبديل العقائد إلى عشرة قرون حتى تغيرت عقائد الناس, فلما تغيرت ووجدت بذرة الشرك بدأ الانحراف لدى الناس، وبدءوا يتقلبون من حال إلى حال.

    إرسال الرسل لتصحيح مسار التوحيد

    وقد أرسل الله عز وجل رسله مبشرين ومنذرين, وأرسلهم تباعاً, وأنزل عليهم الكتب, يدعون أقوامهم إلى توحيد الله جل وعلا, يقول نوح لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59], ويقول شعيب: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ [الأعراف:85], ويقول إبراهيم: اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ [العنكبوت:16].

    وهذا فيه إشارة إلى أن هذه الدعوة التي أنزلها الله عز وجل على هذه الرسل كلها لتصحيح مسار التوحيد, وقد جاء في الخبر القدسي قول الله جل وعلا: ( خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين ), يعني: أنها أخذت بهم يمنة ويسرة, وأعظم وجوه الاختلاف هو كان في بني إسرائيل, ثم طرأ على أمة محمد, وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند والسنن من حديث أبي هريرة : ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة, وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة, وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ), وهذه الواحدة المستثناة هي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما جاء عند الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ( قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: من هم على مثل ما أنا عليه وأصحابي ), في إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتبع ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مسائل العقيدة في رسالة سفيان الثوري

    وما يتعلق بهذه المسائل التي نتكلم عليها وجاءت ووردت في كلام سفيان الثوري حينما سأله شعيب بن حرب هي في مجملها من مسائل العقيدة, والعلماء قد تقرر لديهم أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية, توحيد الألوهية, توحيد الأسماء والصفات.

    خلو عقيدة الثوري من مسائل الربوبية

    ونحن نجد أن هذه العقيدة تكاد تخلو مما يتعلق بتوحيد الربوبية؛ لماذا؟ لأن سفيان حال سؤاله وإجابته لـشعيب بن حرب في بلد الإسلام, وكان من ينكر ذلك شبه معدوم, ولهذا لا يوجد من لا يقر بوحدانية الله جل وعلا وانفراده في خلق الكون والتصرف فيه, وهذا أمر معلوم, فإن الجاهليين من كفار قريش كانوا يقرون أن الله جل وعلا هو الخالق والرازق، وهو المحيي المميت, يقول الله جل وعلا: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87], وقال الله جل وعلا: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25], فهم يؤمنون بأن الله جل وعلا هو الخالق, ويعلمون أن الله سبحانه وتعالى هو المتصرف بالكون, ويقول الشاعر الجاهلي مما يشير إلى شيء من نزوات التوحيد في قلبه وهو يزيد بن خذاق يقول:

    هون عليك ولا تولع بإشفاق فإنما مالنا للواحد الباقي

    يعني: أن ما لدينا من مخلوقات فإن مردها إلى الله جل وعلا, ويقول حاتم الطائي:

    فارحل فإن بلاد الله ما خلقت إلا ليسكن منها السهل والجبل

    فهم يدركون أن الله جل وعلا هو الذي خلق السهل، وهو الذي خلق الجبل, ويعلمون أن الله سبحانه وتعالى خلق العباد على هيئة وصورة، ولو شاء غيرها, ويدركون أن الله لو أراد أن يغير خلق الإنسان من حال إلى حال وأن يركبه من شخص إلى شخص لأمكن ذلك, ويقول بعض شُعَّار الجاهلية:

    لو شاء ربي كنت قيس بن خالد ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد

    وأشار الشاعر الجاهلي الأسلت إلى قدرة الله جل وعلا في اختيار دين الإنسان, وأن الله إذا قدر للإنسان قدراً خيراً أو شر لا بد أن يكون, فقال:

    لولا ربنا كنا يهوداً وما دين اليهود بذي شكوك

    ولولا ربنا كنا نصارى مع الرهبان في جبل الجليل

    يعني: أنهم يدركون أن ما هم عليه شيء من بقايا الحنيفية، ولكن الشياطين قد أتت عليهم، فبدلت شيئاً مما كانوا عليه, ويدركون أن ما كان عليه اليهود والنصارى مما حرفوه, فهم على شيء من الحنيفية أو بقايا الحنيفية السمحة, ولكن الله جل وعلا قد غير ذلك ببعث محمد صلى الله عليه وسلم.

    والشاهد من ذلك أنهم يدركون أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يجزي, وهو الذي يرزق, وهو الذي يعطي, وهو الذي يهب, وهو الذي يمنع الضر, ولكنهم يجعلون أولئك شفعاء.

    فلما كان الأمر على ذلك كان الكلام على ما يتعلق بقضايا الربوبية من الاستفاضة والذكر الذي لا حاجة إليه.

    الإشارة إلى بعض مسائل الفروع ضمن مسائل عقيدة الثوري

    وإنما أشار - وهذا من التباين في هذه الرسالة -إلى بعض المسائل التي تتعلق ببعض الفروع التي تعد من المسائل الفقهية, وترك أصولاً كلية من مسائل العقيدة في الربوبية وكثيراً من مسائل الألوهية وكثيراً من مسائل الأسماء والصفات, وإنما ذكر أصولاً يحتاج إليها في زمن.

    وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للعالم أن يعيش زمنه, فيعرف مواضع الخلاف التي تقع في زمنه ثم ينكرها, وهذا أمر إذا لم يتقنه العالم على هذا النحو فإنه يقع في الحرمان وعدم التوفيق وعدم وصول الرسالة التي أرادها الله جل وعلا أن تكون على يديه, ولهذا تجد سفيان الثوري يذكر ضمن مسائل العقيدة مسألة الجهر بالبسملة, والجهر بالبسملة من الفروع, ولكنه لما كان في الكوفة، وكان أهل الكوفة يغلب عليهم التشيع، وانفردوا عن غيرهم من أهل السنة والسلف بأنهم يقولون بالجهر بالبسملة عند قراءة الفاتحة في الصلاة, فقد أشار إلى مسألة عدم الجهر بالبسملة وأن هذا هو السنة.

    وفيه إشارة إلى أنه ينبغي المفارقة بين أهل السنة وأهل البدع حتى في الفروع، وبيان الفروع التي يخالفون فيها.

    وثمة فروع كثيرة يذكرها العلماء في مسائل العقائد, وليست هي من العقائد، وإنما لأنها تتكئ على أصل عقدي, وهذا الأصل العقدي هو المخالفة, وعدم المشابهة للكفار والمبتدعة وغيرهم, كحال الإنسان حينما يلبس، واللباس من الأمور المباحة, ولكن حينما يتشبه بأحد من الكفار رجعت المسألة إلى العقيدة وهي من القماش, والمسائل الفقهية التي يتباين فيها أهل السنة عن غيرهم ينبغي أن تبين أن هذه طريقة السلف وتلك طريقة المبتدعة، ولو كانت في الأصل هي من المسائل الفقهية, وقد ذكر أهل العقيدة فيما يتعلق بالفروع مثلاً الجهر بالبسملة في مسائل العقائد, ويذكرون المسح على الخفين, والصلاة في السراويل, وهذه مخالفة لمنهج الخوارج؛ لأنهم يحترزون احترازاً شديداً خشية أن يقع أو يصل إليها شيء من البول, بل يرون أن الإنسان إذا خرج من الخلاء فإنه يصلي في أقرب موضع عنده؛ حتى لا يتسلل شيء من البور أو القذر إلى ملابسه فتبطل بذلك صلاته, فيوردون هذه المسألة في مسائل العقيدة.

    وكذلك ما يتعلق بمسألة البداءة باليمين في حال الوضوء, فإن الرافضة يوجبون ذلك, فعندهم أن الإنسان إذا بدأ بيده اليسرى في وضوئه قبل اليمنى بطل وضوءه, ويوردون مسألة الوضوء باليسرى قبل اليمين أن ذلك جائز من عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل العقائد.

    وكذلك يوردون ما يتعلق ببعض المسائل من الصلاة خلف البَر والفاجر, والصلاة في الجنازة خلف المؤمن الطائع, والمؤمن الفاسق العاصي, ويرون أن هذا من عقيدة أهل السنة والجماعة, والدعاء لهم.

    وكذلك الدعاء لأئمة الجور بالصلاح والهداية ونحو ذلك, وهذه من المسائل التي لا تتعلق من جهة الأصل بالعقيدة, وإنما يذكرونها لتعلقها بأهل البدع والمفارقة بين أهل السنة وبينهم, ولهذا يدخلونها في هذا العلم, وهو يسمى بعلم العقائد.

    1.   

    اصطلاحات وأسماء علم العقائد

    هذا العلم يسمى بعلم العقائد، ويسمى بعلم التوحيد, ويسمى بعلم أصول الدين أو السنة أو الشريعة, أو الأصول الكلية من مسائل الدين, وهذه أسماء كلها ترجع إلى أصل واحد وهو توحيد الله جل وعلا.

    وهذه الاصطلاحات مردها ومآلها إلى معانٍ واحدة, ويختلف في ذلك أهل السنة عن غيرهم في هذا الباب.

    اختلاف مصطلحات أهل البدع حول مسائل العقائد

    وكثير من المتكلمين يستعمل بعض هذه الألفاظ، وربما يخالف في جوهرها وحقيقتها, وبعضهم يستعمل ألفاظاً أخر كما يستعملون علم الكلام, فيستعمله الأشاعرة والمعتزلة, ويريدون بذلك علم العقائد, ويستعمل المتصوفة مصطلح التصوف, ويريدون بذلك علم العقائد الباطن, أي: الذي يصدر عنه شيء من الأفعال والسلوك ونحو ذلك, وربما يستعملون مصطلح الفلسفة أيضاً كما يطرأ على بعض المتكلمين, أو ربما بعض المستشرقين, ويسمي ذلك أيضاً الماديون بما وراء الطبيعة, في إشارة إلى ما لا يراه الإنسان من علم الله جل وعلا مما يخص علم البرزخ أو علم الآخرة, أو ما كان غائباً عن حال الإنسان حتى من العلوم السابقة أو العلوم المستقبلية التي تقع في الدنيا, وربما يشاهدها غيرنا, فتكون إذاً مما وراء الطبيعة في حال الإنسان في يومه وربما تكون من الطبيعة لغير …

    وهذه المصطلحات ينبغي معرفتها حتى تُعرف مسالك الناس وطرائق القوم.

    مصطلحات أهل السنة في مسائل العقائد

    وأما من جهة طرائق أهل السنة والجماعة فإنهم يطلقون على مسائل العقائد بعلم العقيدة أو علم التوحيد, وهذه من جهة الاصطلاح مصطلحات حادثة، فلم يرد في كلام الله جل وعلا ولا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المصطلح والمصدر العقيدة، وكذلك مصطلح التوحيد، وإنما يوجد أصلها وهو أحد ووَحِّد ونحو ذلك، فإن هذا موجود، أما هذا الاصطلاح في قوله: (التوحيد أو العقيدة) فإن هذا لا يوجد في كلام الله ولا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم جاء في حديث عبد الله بن عباس لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله )، وقد ذكر هذا البخاري في كتابه التوحيد من كتابه الصحيح، وذكره بالمعنى، وإلا فالأصل في ذلك هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )، وهذا من الاصطلاح الذي لا مشاحة فيه، وهو من تقريب المعاني, ويذكرها العلماء على طرق متنوعة، ويتباينون في ذلك.

    1.   

    بعض المؤاخذات على سفيان الثوري

    وهذه العقيدة وهي عقيدة سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري , وهو من أئمة أهل الكوفة وأئمة أهل الأثر والنظر, والرأي والاتباع والزهد والورع، فكان إماماً في الزهد والورع متبعاً لنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكد يأخذ عليه أحد من أهل العلم شيئاً من مسائل العقائد، وربما أخذوا عليه ما يروى عنه النقل من تفضيل علي بن أبي طالب على عثمان بن عفان عليه رضوان الله تعالى, وقيل: إنه رجع عنه كما نسب هذا إليه جماعة من الأئمة؛ كـابن كثير و ابن تيمية رحمه الله، والمشهور عنه تقديم علي بن أبي طالب على عثمان ، أما الرجوع عن ذلك فالله أعلم فيه، وهذه من المسائل التي يوافق فيها سفيان الثوري طريقة أهل الكوفة.

    ومعلوم أن ثمة مدارس فيها أهل الشام يقدمون عثمان ويغلون فيه، وأهل الكوفة يقدمون علي بن أبي طالب ويغلون فيه، فالمسألة فيها ليست مفاضلة مجردة, وإنما نوع غلو في هذا, وربما يحملهم ذلك على الإزراء بغيره، وثمة أناس وطوائف متبعون لذلك فيميلون إلى التفضيل في بعض الوجوه, ولا يقومون بالإزراء بالآخر والتنقص منه، وقد كان سفيان الثوري يقول: (إذا كنت في الشام فاذكر مناقب علي بن أبي طالب , وإذا كنت في الكوفة فاذكر مناقب عثمان بن عفان ), يريد الإشارة إلى نوع من التوازن في ذلك عند المخالفين.

    1.   

    السلالة التي ينتمي إليها سفيان الثوري

    سفيان الثوري من سلالة علم، فأبوه من الرواة, وجده قيل: إنه صحابي، وقد روى عنه كما عند عبد الرزاق في كتابه المصنف عن عبد الرزاق عن أبيه عن جده؛ وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري .

    وجده مسروق يحتمل أن يكون صحابياً، وإن لم يكن صحابياً فلا يبعد أن يكون ممن عاصر أواخر زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الخلفاء الراشدين الأربعة عليهم رضوان الله تعالى.

    1.   

    فوائد من سؤال شعيب بن حرب لسفيان الثوري

    قال المصنف رحمه الله: [سمعت شعيب بن حرب يقول: قلت لـأبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري : حدثني بحديث من السنة ينفعني الله عز وجل به، فإذا وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى وسألني عنه، فقال لي: من أين أخذت هذا؟ قلت: يا رب! حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري ، وأخذته عنه، فأنجو أنا، وتؤخذ أنت].

    سفيان بن سعيد أجاب في هذا السؤال لمن سأله وهو شعيب بن حرب ، و شعيب بن حرب هو أبو صالح المدائني ، وهو من أئمة الرواية، وروى عن جماعة من الأئمة كـسفيان الثوري و شعبة بن الحجاج و زهير بن معاوية , وتتلمذ عليه جماعة, وأخذ عنه، منهم الإمام أحمد رحمه الله، وقد أخذ عن شعيب بن حرب جملة من مروياته, وروى عنه شيئاً في كتابه المسند، وروى عنه ابنه عبد الله بواسطة أبيه عن شعيب بن حرب في كتابه السنة وفي مواضع من كتابه العلل, وفي بعض مسائله. وقد توفي شعيب بن حرب بمكة.

    أما سفيان الثوري فقد توفي عام مائة وواحد وستين, وله تأثر بالرأي, وإن كان من أهل الأثر, وربما قلد أبي حنيفة في بعض المسائل, يقول أبو يوسف: (إن سفيان الثوري يقلد أبا حنيفة أكثر مني)، ولهذا في مسائل الخلاف تجد إن مدرسة سفيان الثوري هي قريبة من مدرسة الكوفيين ومدرسة أهل الرأي، وهذا يُشاهد كثيراً في موافقته لهم في بعض المسائل، وكان من المكثرين برواية الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, واجتمع فيه خصال الفضل, وهي: الإمامة في الرواية, والإمامة في الدراية، فكان مبرزاً نابغاً نابهاً في ذلك.

    أهمية سؤال أهل العلم

    في سؤال شعيب بن حرب لـسفيان الثوري إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يسأل من يعلم عند عدم علمه ما يتبين الله جل وعلا به، وأن يعمد إلى سؤال أهل العلم والمعرفة لا أهل الجهل، فـشعيب بن حرب عمد إلى سفيان الثوري لإمامته وجلالة قدره، وأكد سؤاله ذلك بجملة من المؤكدات كما يأتي, وهذا فيه أنه ينبغي للإنسان أن يحترز لدينه, وألا يقلد في دينه أقواماً لا يدري ماذا يقولون، فإن التقليد في مسائل الاعتقاد مما ينبغي للإنسان أن يحذر منه، ويأتي تفصيل هذه المسألة وهل هو جائز أم لا.

    طلب الدليل من السنة

    قوله: (حدثني بحديث من السنة ينفعني الله عز وجل به) هنا سأل سفيان الثوري أن يحدثه بحديث من السنة, وما سأله عن رأيه في مسألة من المسائل، وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يطلب الدليل حتى من الإمام القدوة، وهنا مع جلالة سفيان الثوري عند شعيب بن حرب , وكونه من تلامذته والرواة عنه، وإنما أراد أن يرجعه إلى الدليل من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحجة في هذا الباب هو كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, والطاعة لا تكون إلا لهما, قال الله جل وعلا: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59]، فالخروج عن ذلك هو طاعة لغيرهما على سبيل اللزوم, وهذا أمر معلوم، فمن لم يطع الله ورسوله فقد طاع غيرهما.

    ويذكر العلماء بعد الأصل الأول وهو كلام الله جل وعلا, والأصل الثاني هو السنة, يذكرون أصلاً ثالثاً في ذلك وهو إجماع الصحابة عليهم رضوان الله تعالى, فإن إجماعهم في ذلك هو الحجة، قالوا: ولا يمكن أن يجمعوا على شيء إلا وقد استقر معناه في نفوسهم مستلهماً من الكتاب أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: أخذوه عنه بالنص أو بالتقريب, وما كل شيء ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً، وإجماع الصحابة هو أعلى الإجماع، فإذا تبت إجماعهم فلا يصار إلا إليه، ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله فيما نقله القاضي ابن أبي يعلى في كتابه الطبقات: الإجماع إجماع الصحابة ومن بعدهم تبع لهم، ويقول هذا أيضاً ابن حزم الأندلسي كما في كتابه الإحكام, فإذا ثبت إجماع الصحابة لم يجز لأحد أن يتجاوزه إلى غيره.

    وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتمسك بهدي أصحابه, وأنهم هم الأمنة للأمة؛ كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح من حديث أبي موسى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد, وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون, وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهبوا أتى أمتي ما توعد )، في إشارة إلى أن الصحابة أمنة للناس في عقائدهم ودينهم، وذلك أن الله جل وعلا قد فضلهم على غيرهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث عمران بن حصين : ( خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم ).

    وقد وقع الخلاف هل ما بعد القرن الثالث أو القرن الثالث وما بعد هل التفاضل في ذلك يكون على سبيل التدرج أم يستوي الناس، فربما يأتي قرن بعد ذلك يفضل ما سبقه من قرون، ويستثنى من ذلك القرون المفضلة؟

    هذا من مواضع الخلاف, والذي يظهر والله أعلم أن أفضلية القرون ذلك من جهة مجموعها على سبيل التدرج في التغليب, فقد يأتي قرن متأخر أفضل مما سبقه, والدليل عليه ما جاء في البخاري من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه ), وجاء من حديث عبد الله بن مسعود قال: ( لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه, لا أقول: عام أبطل من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير, ولكن ذهاب علمائكم ), في إشارة إلى مسألة التغليب, ولكن قد يصح في زمن ما هو أفضل من زمن آخر, والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد امتدح زمن المهدي, فإنه ينشر العدل بعدما ملئت الأرض ظلماً وجوراً من قبل, مما يدل على أن هذا الأمر له استثناء بالنص الشرعي, فإذا استثني بالنص الشرعي فإنه لا حرج من استثنائه في أكثر من موضع؛ وإذا منعنا الاطراد في موضع فلا حرج من الزيادة في ذلك شريطة ألا يخرج هذا عن التغليب النصي بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    المراد بالسنة

    وفي قوله: (حدثني بحديث من السنة) السنة المراد بذلك هو الكتاب والسنة؛ لأنه أراد بذلك الطريقة, وهذا من بعض الألفاظ التي يطلقها السلف في هذا, وهذا فيه جملة من المعاني:

    أولها: أن يكون الحديث من السنة وليس منك, وفي هذا إشارة إلى أنه لا حرج على السائل أن يسأل الدليل من العالم, وكذلك ينبغي للعالم أن يتواضع، وألا يعنف على من طلب منه الدليل, فإن في ذلك إنصافاً وعدلاً, وإقامة للحجة, وفيه من التواضع ما فيه.

    وينبغي للإنسان إن سئل الدليل من الكتاب والسنة على قول يقوله أن يحيل إلى ذلك الدليل, وربما حينما قال شعيب هنا: (حدثني بحديث من السنة) نعلم أنه في ذلك لم يذكر الأدلة، وإنما ذكر المعاني, يعني: طلب منه أن يكون ذلك مستنداً إلى دليل ولو كان من عنده, ومن ألفاظه, فهو قد أتى بالمعاني, ومن جهة الأصل هي من كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثانيها: قوله: (بحديث من السنة) يدخل في ذلك أصالة كلام الله جل وعلا, ويليه بعد ذلك كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا هو الوحي, فالسنة وحي، والقرآن وحي, أما وحي القرآن فهذا أمر لا يخفى على أدنى الناس معرفة, وأما كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظهر في قول الله جل وعلا: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4], وقد اتفقت الأمة على أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وحي من ربه, أي: ما كان على سبيل التبليغ, وعلى سبيل الأمر والنهي, وعلى سبيل التعبد, أما كلام النبي صلى الله عليه وسلم في غير ذلك فليس بوحي بالإجماع؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم حينما ينادي أحد أزواجه: يا عائشة , يا ميمونة , وغير ذلك, فإن هذا من ألفاظه عليه الصلاة والسلام التي لا يقال: إن ذلك من الوحي, وإنما المراد بذلك هو ما كان على سبيل الأمر والنهي ومقتضاه التعبد, وهذا اتفقت الأمة عليه.

    يقول الأوزاعي : (إن جبريل نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما نزل عليه بالقرآن), يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل بأحكام في سنته كما ينزل عليه بأحكام القرآن, ويؤيد ذلك ما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث يعلى بن أمية في قصة صاحب الجبة الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( يا رسول الله! ما تقول في رجل عليه جبة وتضمخ بخلوق؟ فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أطرق, قال: فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رفع بصره وقال: أين السائل عن العمرة؟ فأتي به, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الجبة فانزعها واغسل عنك أثر الخلوق, واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك ), فهذا الحديث فيه إشارة إلى أن هذه الأوامر التي جاءت من النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل جاءت بعد جهل منه عليه الصلاة والسلام بجواب ذلك السائل, فانتظر الوحي من الله, فلما جاءه أمره به, فقوله عليه الصلاة والسلام: ( أما الجبة فانزعها, واغسل عنك أثر الخلوق, واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك ), هذا من الوحي، لكنه ليس من القرآن.

    ويغلب في اصطلاح العلماء واصطلاح المتقدمين إطلاق السنة على ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والسنة في لغة العرب هي: الطريقة, ويقال: سُنن, وسَنن, إشارة إلى الطريقة, وفي الحديث: ( لتتبعن سَنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ), وهذا فيه إشارة إلى اتباع الطريقة والنهي.

    وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هي الاتباع لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام, من جهة الأقوال، ولا فرق بينها, وإنما تختلف من جهة الصيغة بحسب الرجوع إلى العرف وإلى لغة العرب, فما كان بصيغة الأمر فإنه على التأكيد, وما كان بصيغة النهي فإنه على التأكيد, وأما ما كان على الحث والاستحباب و الترغيب في ذلك فإنه يحمل على الندب والاستحباب, وأما ما كان من أفعاله عليه الصلاة والسلام فإنه داخل أيضاً في سنته من جهة الأصل.

    وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أحوال:

    الحال الأولى: أفعال عبادة, وهذا هو الأصل, ولا يخرج من ذلك إلا بقرائن.

    الحال الثانية: هي أفعال عادة, أي: يفعلها الإنسان عادة, والقرينة في التمييز بين العادة والعبادة: هو ما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم من غير حث على ذلك الفعل, ووجود قرينة تصرف ذلك الفعل، كاشتراك غيره من غير أهل ملته في ذلك الفعل, فيصرفه عن خصيصة أهل الإيمان؛ كلباس النبي صلى الله عليه وسلم من العمامة والإزار والرداء, فإن النبي صلى الله عليه وسلم يلبس هذه الملابس كما يلبس أبو جهل و أبو لهب على حد سواء, فجعلنا هذا عادة, ولم نجعله عبادة؛ ؟ للاشتراك مع غيره، ولم يدل دليل من جهة القول أن هذا نزع من هذه الخصيصة فجعل في دائرة العبادة.

    الحال الثالثة: وهو فعل الجبلة, أي: يفعلها الإنسان جبلة, ومعنى الجبلة منزعه الفطرة, فلا يرجع الإنسان فيه إلى رغبة الناس، وإنما يرجع إلى رغبته المغروسة في نفسه, فيتباين الناس في البلد الواحد في هذا الأمر؛ وهذا كحال مشية الإنسان, ( فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى كأنما ينحط من صبب ), يعني: كأنه منصب من رأس الجبل لسرعة مشيته, فلا يقال: إن الإنسان يتصنع ذلك حتى يهتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم, والناس لهم طبائع في ذلك, فمنهم الذي يسرع في مشيه, ومنهم من يبطئ في مشيه.

    ومن ذلك أيضاً: الأكل, أي: رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في نوع الأكل, فهذا منزعه الفطرة, والناس يميلون إلى نوع من المشروب, ونوع من المطعوم, وربما تجد من الأبناء من صلب واحد؛ هذا يميل إلى شراب، وهذا يميل إلى شراب, وهذا يميل طعام، وهذا يميل إلى طعام, مع أن أباهم علمهم شيئاً واحداً, أو عرض عليهم الطعام واحداً, فاختاروا شيئاً دون شيء, وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم الدباء, وأكل الكتف, فهل نقول هذا سنة أم ليس بسنة؟ نقول: هذا من الجبلة, أي: مما يجبل عليه الإنسان.

    وهل يؤجر الإنسان عليه أم لا؟

    نقول: يؤجر على محبته الناشئة في قلبه لذلك, ولهذا عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى كان من أشد الناس اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقلده حتى في مواضع خطاه, وحتى في مواضع الخلاء, وهذا مما يلتمسه الإنسان وهو أسمح لخروجه.

    وهناك قرائن كثيرة تخرج الأفعال الجبلية أو العادات إلى كونها عبادة, وهي كثيرة جداً؛ منها: دخولها في إطار عام من أبواب العبادة, ومن ذلك أن يسلك النبي صلى الله عليه وسلم طريقاً، وهذا المسلك داخل في دائرة عبادة؛ كما مر النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً بالأبطح؛ لأنه داخل في دائرة الحج, فجعل ذلك من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإسراع النبي صلى الله عليه وسلم في وادي المحصب ونحو ذلك.

    ومسألة الإسراع في المشي والإبطاء فيه إذا اقترن داخل إطار عبادة فيقال: إنه مما يحث عليه ويحض, وأما إذا كان متجرداً وليس مقترناً بشيء من أنواع العبادة فيقال: إن هذا يرجع إلى أصله, والشاهد من ذلك أن هذا إذا اكتفى بقرائن فإنه يؤخذ به على هذا النحو.

    البحث عن الفائدة والنفع عند السؤال

    وهنا في قوله: (حدثني بحديث من السنة ينفعني الله عز وجل به) فيه إشارة إلى عدم الركون إلى فضول القول, وأنه ينبغي للإنسان أن يعتني بالزبدة والخلاصة, وهذا مما ينبغي للإنسان أن يحرص عليه, ولهذا قال: (ينفعني الله به)، وهذا فيه إشارة إلى ثقته بـسفيان الثوري , وأنه ينبغي للإنسان أن يحرص على ما ينفعه, بعيداً عن ميل الإنسان ونهمه إلى نوع من العلوم الذي يعد من الفضول, فالإنسان ربما يميل إلى نوع من العلوم، ويكون من الفضول؛ كالذي يميل إلى بعض الأخبار والقصص والحكايات، وهو قد ترك مسائل العقائد, ولكن نقول: ينبغي للإنسان أن يتدرج في ذلك, فإن استوعب ما يجب عليه عيناً فإنه ينصرف إلى غيره مما يأخذه الإنسان من فضول العلم؛ كمسائل الأخبار والآثار والتاريخ والمغازي, وأخبار الأمم وأحوالهم, والأنساب وغير ذلك, التي تعد من فضول العلوم, وليست من الأصول العامة في ذلك.

    السؤال عما يمحص عقيدة الإنسان

    قال: (فإذا وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى) إيراد هذه العبارة من شعيب بن حرب إلى أنه لا يريد بذلك مزيد تعلم وتفقه مجرد, وإنما هو يريد بذلك اعتقاداً وعملاً يسأل عنه يوم القيامة, بخلاف الإنسان الذي يريد بذلك علماً مجرداً يتزود به, علماً متسعاً من أقوال الموافقين وأقوال المخالفين وغير ذلك, ولكنه أراد بذلك الكفاية في أن يجيب الله جل وعلا عند سؤاله له عما يعتقد.

    وفي هذا إشارة إلى أن الإيمان بأن الله جل وعلا يسأل الإنسان عن عقيدته دافع للإنسان أن يمحص عقيدته, وأن يتجرد في ذلك, ولهذا لما استقر هذا الأمر وخوف الله جل وعلا في قلب شعيب بن حرب أراد أن يعد للسؤال جواباً, وهذا من كمال العقل ورجاحته, ومن خشية العاقبة.

    سؤال الله للعباد

    وفي قوله: (وقفت بين يدي الله) إشارة إلى أن الله جل وعلا يسأل كل عبد من عباده ليس بينه وبينه حجاب. وفيه إثبات صفة اليدين لله جل وعلا, وهذا مما استقر عليه السلف, وأراد بذلك الوقوف بين يدي الله جل وعلا, أي: أمامه من غير واسطة, وهذا أمر معلوم.

    وإثبات اليدين لله جل وعلا مما ثبت في القرآن, قال الله جل وعلا: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64], ولله جل وعلا يدان, يمين وشمال, (وكلتا يديه يمين), يعني: أنه لا يوجد في يديه فاضل ومفضول كحال الناس, ويأتي مزيد كلام في هذه المسألة.

    سبب سؤال شعيب لسفيان الثوري

    قال: (وسألني عنه فقال لي: من أين أخذت هذا؟) هذا فيه إشارة إلى أن الإجابة لا تكون للناس، وإنما تكون للمرسلين: مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65], فهذا الذي يسأل عنه الناس, لا يقال: ماذا أجبت سفيان الثوري ؟ وماذا أجبت سفيان بن عيينة أو مالك بن أنس أو أحمد بن حنبل ؟ وإنما (ماذا أجبتم المرسلين), وما عداهم من نقلة تلك النصوص إنما هم نقلة وحي, ينقلونها ويحملونها, ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67], فهذا البلاغ، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم مع مزيته وفضله وجلالة قدره، وأنَّا أمرنا باتباع قوله، إنما هو حامل علم، وحامل وحي يوصله إلى غيره, ولهذا مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65], لكونهم آخر حامل من الله جل وعلا.

    وقد جاء عند الخطيب البغدادي عن أحمد بن زيد بن هارون أنه قال: (إنما هي الشريعة والوحي, إنما هو صالح عن صالح, وصالح عن تابع, وتابع عن صاحب, وصاحب عن رسول الله, ورسول الله عن جبريل, وجبريل عن الله), فهذا إسناد الشريعة كلها, ويستثنى من ذلك مسألة الصلاة كما لا يخفى، فإن الله جل وعلا أعطاها محمداً عليه الصلاة والسلام كفاحاً, وهذا فيه إشارة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ عن الله, وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4], وقد أمره الله جل وعلا بالبلاغ, والبلاغ كما أنه جاء إلى العلماء جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ [المائدة:67], والنبي المأمور بالبلاغ قال: ( بلغوا عني ولو آية ), فالكل مأمور بالبلاغ, ولكن للنبي صلى الله عليه وسلم خصيصة ليست لغيره، وهي خصيصة العصمة من الوقوع في الخطأ في الشريعة, وهذا مما لا خفاء فيه.

    وقوله: (فقال لي: من أين أخذت هذا؟) يعني: أن الإنسان لا يرجع في تقرير العقيدة إلى مسألة العقل والقياس والاستحسان وغير ذلك, فضلاً عن تقليد غيره, فإذا كان الإنسان لا يرجع إلى مداركه العقلية المجردة واستحسان عقله المجرد فإنه لا يرجع إلى استحسان عقل غيره ومدارك غيره العقلية, وإنما قال: (من أين أخذت هذا؟) يعني: أن الإنسان يسأل عن عقيدته من أين جاء بها.

    أقوال العلماء في التقليد في مسائل العقيدة

    قال: (قلت: يا رب, حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري ) سفيان الثوري إنما حدث بهذا الحديث، ولم يقل بهذا القول من تلقاء نفسه, وفي هذا إشارة إلى ما تقدم الكلام عليه, أنه لا ينبغي للإنسان أن يقلد في مسائل العقيدة.

    والتقليد في مسائل العقيدة هل هو جائز أم لا؟

    ينبغي أن يعلم أن التقليد في مسائل العقيدة ممنوع فيما لا يصح دين الإنسان إلا به, وهذا محل اتفاق عند السلف, أي: مما لا يوصف الإنسان بالإسلام إلا بهذا الشيء, فإنه لا يجوز له أن يقلد غيره به, أما ما عدا ذلك من فروع مسائل العقائد, ومما يأخذها الإنسان عن غيره, فربما يأخذها بعيداً عن التماس الدليل أو الاستدلال, فهل يسوغ في ذلك التقليد أم لا؟

    للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

    القول الأول: يقولون بالمنع مطلقاً من التقليد في سائر مسائل أصول الدين.

    القول الثاني: بعضهم وهم ندرة قالوا بمنع التقليد مطلقاً حتى مسائل الفروع, وهذا قول لا يعول عليه, فإن ذلك من تضييق الواسع, وهو قول مردود.

    والذين منعوا من التقليد في هذا يستدلون ببعض النصوص التي يخاطب فيها الإنسان، كقوله: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ [النساء:84], وفي حال سؤال الإنسان في قبره عن ربه, فإذا قيل له عن عقيدته: من أين أخذت هذا؟ فيقال: (هاه .. هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون هذا فقلته), وهذا نوع من التقليد, وهل عذر الإنسان به؟ لم يعذر, وكذلك فإن الله عز وجل ذكر الكبراء وذكر الضعفاء, وذكر الذين اتَّبعوا والذين اتُّبعوا، وأنهم كلهم في النار, في إشارة إلى أن التقليد في هذا لا يجوز, واستدلوا بهذا وأجروه على العموم.

    وقالوا: إن التقليد في مسائل العقائد ليس بجائز, وأن من قلد شيئاً ولم يفهم الدليل ووجه الاستدلال، ووقع في خطأ فإنه آثم بذلك, وقالوا: وأما من قلد غيره فصادف الحق فإنه يؤجر على ذلك؛ وذلك لتعلق ذلك بالتوفيق والتسديد؛ كحال الإنسان الذي يوفق قدراً على الولادة من ظهراني أبوين مسلمين, فهذا من التوفيق الذي ربما لا يوفق له الإنسان إذا ولد من أبوين غير مسلمين, فذاك يؤاخذ بالمخالفة, وهذا يؤاخذ بالموافقة لوالديه للحق, فيؤجر على الموافقة, وذاك يعاقب على مخالفته لأمر الله جل وعلا لتقليده لوالديه إذا بلغه الدين, لعموم قول الله جل وعلا: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

    وهذا القول بمنع التقليد في مسائل الاعتقاد عموماً, أرى أنه مرجوح, والراجح هو القول الآخر, الذين يقولون: إن التقليد في مسائل العقائد جائز فيما لا يصح دين الإنسان إلا به؛ كجملة من المسائل فيما يتعلق بمسائل الصفات, أو ما يتعلق ببعض جزئيات مسائل الإيمان ونحو ذلك فلا حرج على الإنسان أن يقلد.

    ومعنى التقليد: هو أن يتبع الإنسان غيره من غير معرفة للدليل أو بمعرفة الدليل مع جهل الاستدلال, فإما أن يكون ليس لديه نص فضلاً عن أن يكون لديه معرفة معنى الاستدلال, أو يكون لديه دليل، ولكنه لا يعرف وجه الاستدلال على تلك المسألة, فهذا مقلد في الحالين, وأما من عرف الدليل ووجه الاستدلال فإنه ليس بمقلد.

    وإنما قلنا بالأصل الأول أن الإنسان لا يقلد غيره؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمر ببلاغ الأدلة للمشركين من كفار قريش, قال الله جل وعلا: بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67], يعني: في هذه الرسالة يجب أن تبلغ النصوص, وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6], فأمره بإسماع كلام الله, لا بإسماع كلامه هو أو شرح المعاني, مما يدل على أن ذات الدليل ينبغي أن يصل, والأصل في بلوغ الدليل هو فهم الحجة, وإلا بلوغ الدليل مع عدم فهم الحجة هذا من الفضول, ولا يأمر الله جل وعلا -تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً- بمثل هذا, وما أمر الإنسان بإسماع الدليل له إلا وقد فهم ذلك.

    والعلماء يربطون قيام الحجة بسماع الدليل لا بفهمه، أي: إذا كان ذلك على لغة يفهما لو أراد أن يفهم, فإذا خاطبت رجلاً بدليل وهو يفهم معنى هذا الدليل لو أراد أن يفهم قامت عليه الحجة، ولو قال: إني لم أفهم ذلك؛ لأنه يحتمل أنه أراد بذلك المكابرة؛ لماذا؟ لأننا لو أحلنا الأمر إلى فهم الحجة لأحلناه إلى عدم, وهو عمل القلب, وعمل القلب لا يعلمه إلا الله, ويلزم من ذلك أننا نعلق كثيراً من الأحكام الشرعية كالجهاد في سبيل الله حتى يفهمه, وربما يفهم هذه السَنة أو التي تليها أو التي تليها أو التي تليها, أو يعلق الفهم ويقول: لم أفهم, ولهذا ينبغي ألا يلتفت إلى مسألة فهم الحجة إذا أقمنا الحجة على الوجه المشروع.

    وبلوغ الحجة على الوجه المشروع أن يكون الإنسان واعياً منصتاً لذلك القول, بمعنى: ألا يكون مثلاً في وضع لا يدرك ذلك؛ كأن يكون الإنسان في حالة نوم أو إغماء أو شغل أو نحو ذلك, بل ينبغي أن يكون واعياً مدركاً لذلك, وكذلك أن يكون بلغته التي يفهمها, فلو خوطب بشيء من أمر الدنيا على ذات النسق والسياق, وفهم ذلك, قامت عليه الحجة, ولهذا قال الله جل وعلا: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6].

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ( والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ), فقال: (يسمع بي) يعني: مجرد السماع أن هذا نبي أرسله الله, فيجب أن تؤمن به, وهذا كافٍ لوجوب الاتباع, وكذلك فإن العقاب يتحقق في عدم الاتباع في قوله: ( لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار ), يعني: كان يهودياً أو نصرانياً.

    القول الثالث: يجوز الاعتقاد في مسائل العقائد ومسائل الفروع مع فهم الدليل أو فهم الاستدلال أو عدمه, والتقليد في ذلك لا يقال بنفيه مطلقاً ولا بإثباته مطلقاً، وإنما هو بحسب الأصول العامة, ولهذا قلد فئام من كفار قريش أسيادهم، وبقوا على ما هم عليه, وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22], فهؤلاء يقلدون أقوامهم, إذاً نصوا هم على التقليد, ومع ذلك الله عز وجل منعهم من هذا التقليد, ولو كان التقليد في ذلك صحيحاً لصحت مخالفتهم للأنبياء, ودل ذلك على بطلان ذلك, وأنهم في تقليدهم لهذا الأصل أصحاب مخالفة وأصحاب شر, وأنهم يجب عليهم أن يتبعوا الحق الذي لا يصح الإسلام إلا به.

    ضبط الإنسان لعقيدته

    وفي قوله: (حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري ) إشارة إلى أنه ينبغي أن يضبط الإنسان عقيدته كما يضبط الإنسان نسبه, وذلك أنه سيسأل يوم القيامة عنه, وسيسأل عمن أخذ ذلك, وعمن حدثه, وذلك أن الإنسان إذا أفرغ وسعه بالأخذ عن أعلى ما يثق فيه من أهل العلم في زمانه فإنه قد برئت ذمته، وكأنه حمل الأمانة إلى غيره, ولما عدم الأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة فإن الأمانة تكون على أعتاق نقلة الأخبار, ولهذا نقلة الأخبار الذين ينقلون إلينا أخبار النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء مع فضلهم وجلالتهم والحسنات التي تلحقهم فإنه ربما يلحقهم أوزار في نقل الأخبار من غير تروٍ وتحرٍ, ونحن نسلم بذلك إذا استفرغنا الوسع بنسبة القول إلى أعلى ما وصل إلينا من أهل العلم والديانة والأمانة.

    وهنا في قوله: (سفيان الثوري ) الثوري نسبة إلى ثور بن أد بن طابخة .

    طلب الإنسان لنجاة نفسه

    قوله: (وأخذته عنه، فأنجو أنا وتؤخذ أنت) إشارة إلى ما تقدم الكلام عليه؛ أن الإنسان إذا بلغه مخبر وكان ثقة، وأخطأ فيه فإنه لا يتحمل الخطأ, أي: إذا استفرغ وسعه في معرفة أمانته, فإذا استفرغ الوسع في ذلك ولم يأخذ الخبر عن كل أحد فإنه يسلم, والذي يهلك إن حدثه من حدثه بذلك على سبيل الخطأ والاستعجال من غير تروٍ, وإنما غلب جانب المؤاخذة ولم يذكر جانب الأجر, فما قال: (أنجو أنا وتؤخذ أنت) ولكن ذكر المؤاخذة, يعني: أن الإنسان يؤاخذ على ذلك.

    ضرورة الحذر عند الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم

    وفيه إشارة إلى أنه ينبغي أن تحذر فيما تحدثني به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا الأسلوب هو مما قبله النبي صلى الله عليه وسلم واحترز فيه الأعراب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد جاء في الصحيحين من حديث طلحة قال: ( جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني سائلك فمشدد عليك في المسألة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سل ما بدا لك, فقال: إني سائلك بالذي رفع السماوات وبسط الأرض وخلق الجبال: آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم ), إلى آخر الخبر.

    الاحتراز في مسائل العقيدة واستحضار خشية الله عز وجل

    وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان فيما يتعلق بمسائل العقيدة, وما يتعلق بمسائل الحساب والأمور العظام أنه لا حرج عليه أن يحترز شدة الاحتراز, وأن يستحلف غيره مما وقع فيه الريبة أو نحو ذلك من كلامه.

    وفيه أيضاً شحذ لعقل الإنسان وقلبه, وأنه ينبغي في مثل هذا أن يستحضر خشية الله عز وجل, وأن يتحرى في حديثه, فربما كان الإنسان يحدث حديثاً مسترسلاً فيه، فوقع فيه شيء من الزيادة أو النقصان, وإذا جاء على سبيل التشديد والتخويف والترهيب فإنه يتوقف في ذلك ويدقق في العبارة, وهذا لا يكون إلا عند استشعار الأمانة.

    1.   

    أهمية كتابة العلم وحفظه

    قال المصنف رحمه الله: [فقال لي: يا شعيب ! هذا توكيد وأي توكيد, اكتب ].

    قوله: (فقال لي) يعني: سفيان الثوري , (هذا توكيد وأي توكيد, اكتب) فهم سفيان الثوري من هذا الكلام الذي قاله أنه ينبغي الكلام أن يكون ليس منك، وإنما تحدثني به عن السنة, وأن هذا فيه إشارة إلى أن الأمر ينبغي أن يكون من فوق لا منك, وكذلك الإشارة إلى أمر المؤاخذة, وأمر النجاة, وهذا أيضاً فيه تأكيد, وفيه الإشارة للتذكير بأمر الله جل وعلا, أنه سيقف بين يديه ويسأله عنه.

    وفي قول سفيان الثوري : (اكتب) إشارة إلى أهمية كتابة العلم, وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ كما جاء في حديث أبي شاة في الصحيح حينما أورده البخاري في كتاب العلم, قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اكتبوا لـأبي شاة ), ففيه أهمية الكتابة وأهمية حفظ العلم وضبطه, وفي حديث وفد عبد قيس قال ابن عباس : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحنتم, والدباء, والمزفت, والنقير, وربما قال: المقير, قال: احفظوهن، وحدثوا بهن أو أخبروا من ورائي ), فقال عليه الصلاة والسلام: (احفظوهن) يعني: ينبغي للإنسان إذا بلغ شيئاً أن يوصيه بالتوثيق, وأن يوصيه بالكتابة, أو الحفظ والاستحضار, ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى من كلامه قال: (احفظوهن), وقال في المرة السابقة: ( اكتبوا لـأبي شاة ), يعني: اكتبوا هذا الكلام الذي تحدثت به, وفيه أهمية الكتابة وأهمية الحفظ, والتقييد يحفظ العلم.

    1.   

    الابتداء بالبسملة في التصنيف

    قال المصنف رحمه الله: [بسم الله الرحمن الرحيم ].

    مواضع استحباب الابتداء بالبسملة

    البداءة ببسم الله من الأمور المتأكدة والمستحبة، ويتأكد ذلك في الأمور الفاضلة ذات البال, ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة الذي يروى موصولاً ومرسلاً, والصواب فيه الإرسال, قال: ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أجذم أو أبتر ), وجاء بالحمد لله, وجاء بذكر الله, وأصحها الحمد لله, وأما ما جاء بقوله: ببسم الله أو بذكر الله فإنه ضعيف جداً, والحديث بمجموع طرقه وألفاظه ضعيف, ويكفي في ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من البداءة ببسم الله في الكتابة؛ كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم ), وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم عند الكتابة.

    أنواع الكتابة

    والكتابات على نوعين:

    النوع الأول: كتابات رسائل؛ كما في هذا, فيشرع فيها البسملة، ولا يشرع فيها الحمدلة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    النوع الثاني: كتابات على هيئة الخطب؛ كالمصنفات والكتب الكبيرة ونحو ذلك, التي تشابه خطب الإنسان, فهذه يستحب فيها الحمدلة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والتشهد وغير ذلك, ولهذا هنا اقتصر سفيان الثوري على بسم الله الرحمن الرحيم, وهذا هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويظهر لي إن الزيادة على بسم الله الرحمن الرحيم بالحمدلة أو الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المقالات أو الكلام القصير أن هذا لم يكن عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أمر السلف الصالح, وإنما كان على ما ظهر هنا في أنهم يقولون: بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحكمة من الابتداء بالبسملة

    والبداءة ببسم الله الرحمن الرحيم هي تيمناً بهذه الكلمة, وأن الإنسان يستعين بذكر الله جل وعلا, وإنما كان الاختيار لهذه اللفظة اقتداء بالكتاب العزيز وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك فإن البداءة بالبسملة للتيمن؛ حتى لا يبتدئ الإنسان وينشئ كلاماً مجرداً من تلقاء نفسه, فيبتدئ بذكر الله عز وجل, سواء كان ذلك من أمر الدين أو أمر الدنيا, وقد اتفق العلماء على تأكيد ذلك, أي: البداءة ببسم الله الرحمن الرحيم.

    البداءة بالبسملة في الأشعار

    واختلفوا في البداءة بالأشعار والدواوين والمنظومات هل تبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم؟

    للعلماء في ذلك قولان:

    القول الأول: المنع, أي: أن الأشعار لا يبتدئ بها ببسم الله الرحمن الرحيم, وذلك أنها تخرج عن المنثور, وإنما هي نوع من السجع، وإنما تكون إنشاء لهذا القصد في الغالب فلا يناسب أن تبتدئ ببسم الله, وربما يندرج فيها شيء من المعاني المخلة؛ كبعض أشعار الغزل, أو المبالغة في المديح, مما يتنزه ذكر الله جل وعلا عن البداءة به, وجاء هذا القول عن عامر بن شراحيل الشعبي كما رواه الخطيب البغدادي في كتابه الجامع من حديث مجالد عن عامر بن شراحيل الشعبي قال: (أجمعوا على أنه لا يكتب بسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء الشعر), وجاء عن سلم بن جنادة كما رواه الخطيب البغدادي من حديث إسحاق بن إبراهيم عن سلم بن جنادة قال: (أجمعوا على أنهم لا يكتبون بالشعر بسم الله الرحمن الرحيم), وجاء عن ابن شهاب الزهري فيما رواه الخطيب البغدادي أيضاً في كتابه الجامع عن ابن أخي ابن شهاب عن ابن شهاب أنه قال: (مضت السنة ألا يكتب في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم).

    القول الثاني: إن الشعر كالنثر, يبتدئ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم في الحسن كمسائل العلم وغير ذلك, وأما المذموم من أشعار الغزل والقبيح, والغلو في المدح أو السب والتعيير ونحو ذلك مما هو معروف عند الجاهليين وعند المنحرفين من الشعراء, فهذا ينهى عنه, وأما إذا كان من الأمر المباح فإنه يتأكد البداءة فيه, ويتأكد إذا كان من مسائل العلم, وقال بهذا سعيد بن جبير كما رواه الخطيب البغدادي عنه في كتابه الجامع, قال: (يُبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في الشعر والنثر).

    وهذا فيه إشارة إلى مسألة، وهي أنه في الصدر الأول لم يكن العلماء قد اشتهر لديهم نظم العلم في أبيات, وإنما كان منثوراً, وهذا جاء متأخراً, وقد كانت المسألة على هذه الحال, فوجد من ينهى عن ذلك؛ والشعر له منحى إما بالغلو في المديح أو الغلو في الذم, أو الغزل القبيح ونحو ذلك, أما نظم العلم فلم يكن قد ظهر في ذلك الزمن في زمن التابعين, ولما توسع الناس في الشعر والمنظومات والكلام المسجوع فنظموا العلم، فكانت البداءة ببسم الله الرحمن الرحيم في منظومات العلم وأهميات المسائل من الأمور المستحبة؛ كحال النثر, ويروى في ذلك خبر منكر عند ابن علي من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى, قال: ( الشعر كالنثر، حسنه حسن وقبيحه قبيح ), وهو منكر.

    التصنيف في أحكام البسملة

    وبسم الله الرحمن الرحيم صنف خلق من الأئمة فيها مصنفات, فصنف الخطيب البغدادي و ابن عساكر , وصنف أيضاً ابن … الرسالة الكبرى في أحكام البسملة, وصنف ابن عبد البر , وصنف ابن خزيمة , وصنف ابن عبد الهادي في أحكام البسملة, ففيها أحكام كثيرة جداً تتعلق بها, مما يتعلق بالبداءة بها, وما يتعلق بمعانيها, وما يتعلق هل يبتدئ بها كاملة, بسم الله الرحمن الرحيم, ويقتصر على بسم الله, وهل يضاف إليها شيء غير بسم الله الرحمن الرحيم.

    أحوال الابتداء بالبسملة

    وعلى كل فبسم الله من جهة البداءة فيها على ثلاثة أحوال:

    الحالة الأولى: البداءة بها تامة, بسم الله الرحمن الرحيم, وهذا يكون في الصلاة, وفي قراءة القرآن, وعند المراسلات والمكاتبات ونحو ذلك.

    الحالة الثانية: أن يبتدئ ببسم الله، ويضاف إليها شيء آخر غير الرحمن الرحيم؛ كوضع الميت في القبر: (بسم الله وعلى ملة رسول الله), أو مثلاً عند الخروج من المسجد كما في حديث كعب بسم الله والحمد لله وغير ذلك.

    الحالة الثالثة: الاقتصار على بسم الله من غير زيادة, وهذا يكون عند الذبح والأكل, وما جاء في هذا من قول الله أكبر عند الذبح, فبعض العلماء استحبه, وبعض العلماء استحب الاقتصار على بسم الله, أما عند الطعام فالسنة أن يقول: بسم الله, ولا يقول: الرحمن الرحيم, وكذلك عند الذبح يقول: بسم الله، ولا يقول: الرحمن الرحيم؛ لأن مقتضى الفعل هو الرحمة والشفقة, ولا يناسب إيراد هذا الاسم عند هذه الحال, وإنما يقال: بسم الله طلباً للعون, وكذلك الإهلال: بسم الله سبحانه وتعالى.

    ونقف عند هذا القدر, ونسأل الله جل وعلا العون والسداد والتوفيق والهداية والرشاد, إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.