إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [4]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة حديث: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت) تفرد به عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وقد تكلم فيه غير واحد، ووقع الاختلاف في الحديث بين الإرسال والوصل. ومما ينبغي لطالب العلم مراعاته ألا يحكم على الحديث بالاضطراب بمجرد رؤية كثرة طرقه، وكذلك عليه أن ينظر إلى سند الحديث ومتنه. ومن الأحاديث المعلة كذلك حديث: (لها ما أخذت في بطونها ولنا ما غبر طهور)؛ لتفرد عبد الرحمن بن زيد به وهو مضعف، ومنها حديث: ( الهر سبع)؛ لتفرد عيسى بن المسيب عن أبي زرعة به وقد ضعفه غير واحد.

    1.   

    حديث: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    الحديث الأول من أحاديث اليوم: هو حديث أبي واقد عليه رضوان الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت ).

    هذا الحديث قد رواه الإمام أحمد وأبو داود و الترمذي و الدارقطني و البيهقي وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث تفرد به من هذا الوجه على هذا النحو عبد الرحمن بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر وكلهم يروونه على هذا الوجه من حديث أبي واقد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    و عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار قد تكلم فيه غير واحد, فلينه أبو حاتم، وأشار إلى ضعف روايته يحيى بن معين.

    وقد خولف في روايته لهذا الحديث، فقد روى معن بن زائدة هذا الحديث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم فجعله من مسند عبد الله بن عمر فقال: عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت )، و هشام بن سعد من أوثق أصحاب زيد بن أسلم كما نص على ذلك أبو داود عليه رحمة الله في بعض أجوبته، ورواه كذلك عاصم بن عمر عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـهشام قد جعله من مسند عبد الله بن عمر ووافقه على ذلك عاصم بن عمر، ولكن قد اختلف في الطريق، فـهشام بن سعد رواه عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر ، وأما عاصم بن عمر فقد جعله من حديث عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث هشام أصح من حديث عاصم بن عمر ؛ وذلك أن عاصم بن عمر قد ضعفه بعض الأئمة.

    وهذا الحديث قد وقع فيه اختلاف أيضاً من وجه آخر، فإنه قد رواه عبد العزيز بن عبد الله الأويسي وتابعة على ذلك مسور بن الصلت , فقد رووه عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري فجعله من مسند أبي سعيد ، وعلى هذا فتكون الوجوه ثلاثة:

    الوجه الأول: من حديث أبي واقد.

    الوجه الثاني: من حديث عبد الله بن عمر.

    الوجه الثالث: من حديث أبي سعيد الخدري.

    وقد اختلف فيه على سليمان بن بلال ، فتقدم أن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي و مسور بن الصلت قد جعلوه من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد خولف في ذلك, فرواه خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار فجعله مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن زيد بن أسلم مرسلاً عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    ورواه عبد الرزاق في كتابه المصنف عن معمر عن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وقد جاء من حديث عطاء مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء من حديث تميم الداري كما رواه ابن ماجه في كتابه السنن من حديث أبي بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عن تميم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معلول من هذا الوجه؛ وذلك أن أبا بكر يسمى: سلمى وقد تكلم فيه غير واحد، وكذلك شهر مضعف، وحديثه عن تميم الداري في حكم المرسل، بل هو مرسل؛ وذلك أنه لم يسمع من تميم عليه رضوان الله تعالى شيئاً.

    وقد جاء هذا الحديث أيضاً مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير هذا الوجه، كما رواه عبد الرزاق في كتابه المصنف من حديث عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وهذا معلول بعلل:

    أولها: عبد الوهاب بن مجاهد ؛ فإنه قد ضعفه غير واحد من العلماء، بل بعضهم ضعفه جداً.

    ثانيها: أن روايته عن أبيه مرسلة, فإنه لم يسمع من أبيه كما نص على ذلك الإمام أحمد.

    ثالثها: أن رواية مجاهد أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلة، وعلى هذا فيقال: بأن هذا الحديث من هذا الوجه لا يصح.

    وقد صوب بعض العلماء حديث عبد الرحمن بن مهدي و معمر في روايتهما عن زيد بن أسلم مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وممن صوب ذلك الدارقطني، وصوب البخاري أن الحديث محفوظ من عطاء بن يسار عن أبي واقد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي صوبه البخاري قد نقله عنه الترمذي ؛ وذلك أن الترمذي قد سأل البخاري عن هذا الحديث, فقال: أتراه محفوظاً؟ قال: نعم، قال: فإن عطاء بن يسار قديم قد أدرك أبا واقد.

    وفي هذا إشارة إلى أن البخاري عليه رحمة الله تعالى يرى الخبر صحيحاً من حديث عطاء عن أبي واقد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حكم العلماء على حديث: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت)

    وعلى هذا فيقال: إن الأئمة الأوائل في ترجيح هذا الخبر على أمرين:

    الأمر الأول: منهم من صوب المرسل, وهذا رأي الدارقطني عليه رحمة الله، بترجيحه لحديث عبد الرحمن بن مهدي عن زيد ، وكذلك تابعه معمر عن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الأمر الثاني: هو رأي البخاري ؛ وذلك أنه قال: إن عطاء في روايته عن أبي واقد قد أدركه وهو محفوظ، والموقف من هذا التعليل وهذه الطرق التي تقدم الكلام عليها أن خلاف العلماء في ذلك ينظر إليه من وجوه:

    منها: الجمع إذا أمكن الجمع بحيث يقال: إن الترجيح في كلام البخاري يختلف عن الترجيح في كلام الدارقطني ؛ وذلك أن الدارقطني قد قصد طريقاً يختلف عن الطريق الذي رجحه البخاري ؛ وذلك أن الدارقطني عليه رحمة الله في ترجيحه لرواية عبد الرحمن بن مهدي ورواية معمر عن زيد مرسلاً يقصد عليه رحمة الله الحديث الذي رواه سليمان بن بلال ، فإن سليمان بن بلال قد روى هذا الحديث وجعله من مسند أبي سعيد الخدري، فهو يرويه عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد الخدري ، وقد جاءت رواية عبد الرحمن و معمر عن زيد مرسلاً فلم يجعله موصولاً، وقد جاء أيضاً مرسلاً -وهو الوجه الثالث في هذا- من مرسل عطاء بن يسار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحتمل أن الدارقطني قصد طريق سليمان بن بلال عن زيد ، فرجح رواية عبد الرحمن بن مهدي عليه، وهذا محتمل.

    و أما البخاري عليه رحمة الله فإنما قصد أصل الطريق الذي أخرجه الإمام أحمد وأبو داود و الترمذي ، وهو ما تقدمت الإشارة إليه، وذلك في رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار في تفرده بهذا الحديث حيث صوب هذا الوجه، وعلى طريقة البخاري وترجيحه ذهب عامة المتأخرين، وهو الذي مال إليه الترمذي عليه رحمة الله في ظاهر صنيعه في كتابه السنن.

    كيفية التعامل مع كثرة طرق الحديث متباينة المخارج

    وهنا مسألة مهمة في أبواب العلل، وهي أن كثرة الطرق للحديث المتباينة من جهة المخارج ينبغي ألا تجعل طالب العلم يحكم على الحديث بالاضطراب، بل إنه إذا وجد مكثراً من الرواة قد روى عن غير واحد ويحتمل منه التنوع، فعليه حينئذ أن يميل إلى الترجيح، ولا يميل إلى إغلاق باب الترجيح في هذا الحديث باعتبار أنه مضطرب، ولا يمكن أن يكون له وجه صحيح.

    والفرق بين الحالين، أعني: حال الرد وحال القبول عند تعدد الرواية؛ أن حال القبول فيما إذا كان الراوي من أهل الإكثار كحال زيد بن أسلم فإنه من المكثرين وهو من أئمة الفقه والدراية والرواية في المدينة فهذا يحتمل منه تعدد الطرق والتنوع، وهذا ما مال إليه البخاري عليه رحمة الله, وذلك أنه لم يلتفت في ظاهر قوله إلى جملة الطرق المروية في هذا, وإلى هذا يميل الأئمة عليهم رحمة الله في جملة من الأحاديث في ذلك، منها ما جاء ولا يصح إلا من وجه واحد؛ كحديث عمر بن الخطاب ( إنما الأعمال بالنيات )، مع أنه روي من وجوه أخرى، فلم يلتفت الأئمة إليها ولم يعتدوا بها من جهة كونها متابعة، وكونها مؤثرة على حديث عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، بل يعدون هذا الخبر غريباً من هذا الوجه، وأما ما عداه فإنه لا يعتد به ولا يصح.

    مراعاة الحكم بالصحة على السند والحكم على المتن

    ومن الأمور التي ينبغي أن يتنبه لها أنه قد يكون الترجيح عند العلماء في أبواب العلل ويقصدون بذلك وجهاً من الوجوه داخل كلام عام في أحاديث؛ فيكون الحديث مثلاً قد جاء من حديث عبد الله بن عمر وجاء من حديث أبي سعيد وجاء من حديث أبي واقد , وجاء من حديث تميم , وجاء مرسلاً أيضاً, وهذه جملة من الطرق، والمرسل جاء من مرسل عطاء , ومن مرسل زيد بن أسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه الوجوه الستة في هذا الحديث، قد يرجح بعض العلماء وجهاً من وجهين في أحد هذه الوجوه ولا يعني بذلك ترجيحاً لأحد هذه الوجوه على مجموع الطرق، وهذا يكثر في كلام الأئمة في أبواب العلل، وهذا يصنعه الدارقطني كثيراً، وكذلك أبو حاتم و أبو زرعة ، ومن يميل إلى الاختصار، فإنهم يرجحون وجهاً من وجهين من طريق هو من طرق متعددة، ولا يقصد بذلك ترجيح هذا الوجه على سائر الوجوه المروية في هذا الحديث، وهذا ما ينبغي أن يتنبه له، خاصة أن كلام الدارقطني في ترجيح حديث عبد الرحمن بن مهدي عن زيد لم أره تاماً، وإنما ينقله بعض الأئمة ممن تكلم على العلل مما ينبغي ألا يجعل مصادماً لكلام البخاري عليه رحمة الله فيما نقله عنه الترمذي ، وكلام الترمذي عليه رحمة الله تعالى في نقله عن البخاري بين، وهو ظاهر أنه يرجح حديث عطاء بن يسار عن أبي واقد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعني: أن هذا له صلة ببقية الوجوه، وإنما سأله عن طرق أو وجوه حديث أبي واقد ولم يسأله عن المتن، فلو جاء سؤال عن ذات المتن وهو في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت )، لأمكن القول بأن البخاري عليه رحمة الله يقصد جميع الحديث، وهذا ما ينبغي أن ينتبه إليه طالب العلم.

    مفاد إطلاق الحكم العام على حديث تعددت طرقه

    ومن المسائل الدقيقة في أبواب العلل: أن الأئمة عند كلامهم على حديث من الأحاديث يجملون تارة الحكم على مجموع الطرق، ويكون ذلك على سبيل الاختصار، فيقولون: هذا الخبر خبر منكر، ويريدون بذلك المتن، ولا يريدون بذلك طريقاً بعينه.

    وثمة وجه ضد ذلك: أنهم ربما حكموا على حديث بالنكارة أو الغرابة أو الرد، ولكنهم لا يقصدون الحديث بمجموعه، وإنما يقصدون وجهاً من وجوهه، فينقل عنه ذلك القول، وينزل على متن الحديث وأصله، وهذا يكثر في صنيع المتأخرين، فينبغي لطالب العلم أن يكون على عناية بها، فيفهم سياق الأئمة في أبواب الإعلال حتى يكون على دراية وبينة في هذا الأمر, حتى لا يقع في شيء من الخطأ والزلل.

    حكم تعارض المرسل بالموصول

    إذا تعارض المرسل مع الموصول فهل يسمى هذا تعارضاً؟

    يسمى: تعارضاً، وغالب صنيع العلماء أنهم يعلون الموصول بالمرسل، وغالب نهج أبي حاتم و الدارقطني أنهم يميلون إلى ترجيح المرسلات، إلا في أحوال:

    من هذه الأحوال: أن بعض الرواة يعرف عنه الإرسال وأنه لا يسند، وهذا يرد في بعض الأئمة الثقات الكبار كالإمام مالك ، فالإمام مالك يميل للإرسال، وميله للإرسال لوجوه:

    أولاً: لعلو الطبقة، ثانياً: لمعرفة شيوخه مما لا يحتاج إلى ارتجاله، وشيوخ الإمام مالك في ذلك معروفون، وثالثاً: أنه يميل إلى الاختصار بخلاف غيره، والغالب أن الشخص يحب التعلق بالمروي عنه مباشرة، خاصة إذا كان قريباً منه، فالإمام مالك عليه رحمة الله مثلاً يروي عن عبد الله بن عمر بواسطة، فتارة يسقط هذه الواسطة, وكذلك عن عمر فإن شيوخه في ذلك وأسانيده معروفة, خاصة فيما كان من أبواب الاحتجاج عند الكلام على بعض المسائل.

    وينظر في ذلك إلى حال الراوي, فالأصل المعارضة، والأصل التعليل، والغلبة في ذلك صحة المرسل على الموصول, والأئمة يرون في هذا الترجيح أسباباً:

    منها: الاحتياط، وأنه لا ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً إلا على الوجه الأحوط في ذلك، والأحوط في الإرسال، وذلك أننا إذا جعلناه متصلاً قطعنا وجزمنا بتلفظه، وإذا جعلناه مرسلاً لم نجزم بذلك مع نسبتنا له إليه.

    الأمر الثاني: أن الرواة الذين يرسلون الأحاديث خاصة إذا لم يكونوا من الأئمة الثقات ففي عدم إسنادهم شبهة قوية، وذلك أن الراوي -خاصة المتوسط- إذا كان لديه إسناد يفاخر به -خاصة إذا كان شيوخه في ذلك كبار- فإنه لا بد أن يسند، وثمة قرينة في هذا، إذا كان الذي يحدث عنه المرسل، ثقة كبيراً ولم يسم المرسل شيخه في ذلك فهذا قرينة على أنه لا يوجد لديه شيخ يعتمد عليه، وإلا لتفاخر به عند شيخه الذي هو أحفظ وأجل قدراً منه، فالشيخ له أثر كذلك التلميذ والمتن، والبلد التي هو فيها، فبعض أهل المدينة يرسل خاصة الذين احتفت القرائن بحد شيوخهم وعدم تشعبهم؛ وذلك لكونهم لم يغادروا البلدة التي هم فيها، فانحصروا في بلدة من البلدان ولم يخرجوا منها، وكحال المدنيين. وكذلك إذا تقدمت طبقة الراوي.

    وأما الراوي المكثر الذي يطوف البلدان فهذا يُخاف من إرساله أكثر من غيره؛ وذلك أنه لا يدرى من أسقط هنا، هل هو الكوفي، أو المدني أو المكي أو المصري أو الشامي ونحو ذلك, ولهذا يحتاط في متنوع البلدان، والحافظ الذي يكثر التنقل، فيحتاط في مراسيله أكثر من الشخص الذي هو مستقر في بلد واحد.

    والتلميذ له أثر أيضاً فإذا كان التلميذ بلدياً لذلك الشيخ الذي أرسل فإنه يحتمل منه، بخلاف ما إذا كان ليس من أهل بلده فروى عنه ففي ذلك شبهة.

    وأيضاً ينظر إلى حال الرواة فهذا من آثاره، فيقارن بين الراوي المرسل إذا كان له دراية وبين الراوي المرسل الذي ليس له دراية، فالراوي المرسل الذي له دراية وفقه يعل الحديث به، ما الذي حملة على الإرسال؟ يغلب عليهم الفقه فإنهم يرسلون ولا يلتفتون إلى ضبط الأسانيد، فحينئذ هذا من القرائن الذي قد تحمل منه.

    فلهذا ينبغي لطالب العلم أن يكون من أهل العناية بالتمييز بين الرواة الذين هم من أهل الرواية فقط، وبين الرواة الذين لهم دراية ولهم فقه.

    والأئمة عليهم رحمة الله تعالى يجعلون كثيراً من آثار الأسانيد في أبواب الإرسال والاتصال, وفي أبواب ضبط الألفاظ وتغيير المعنى وأثر الرواة الذين لهم دراية فهم السبب في ذلك، وهذا ما ينبغي لطالب العلم أن يكون على عناية بها, خاصة في أبواب الترجيح بين تغير المتون، ووقفها ورفعها ونحو ذلك، فإن هذا من مسائل الاحتياط.

    ترجيح الرواة على حسب عنايتهم بالفن واختصاصهم به

    ومن القرائن في هذا الذي ينبغي للطالب العلم أيضاً أن يهتم بها: أنه بعض الرواة له عناية بالموقوفات أكثر من المرفوعات، فإذا اختلف الوقف والرفع عنده فإنه أضبط لغيره ولو كان ممن هو أحفظ منه، فيكون حينئذ الصواب في ذلك الوقف؛ وهذا كحال هشيم بن بشير السلمي , فإن هشيماً وإن كان من الأئمة الثقات إلا أنه ممن يكثر رواية الموقوفات على الصحابة، وكذلك المقطوعات، حتى قال الإمام أحمد عليه رحمة الله: أخذنا الموقوف عنه، يعني: الآثار الموقوفة، فهو ضابط وعالم وبصير بفقه السلف ومروياتهم, سواء من المدنيين أو من العراقيين، وقد نبه على هذا غير واحد، ولهذا يعتني بمروياته من يصنف في هذا الباب كـعبد الرزاق و ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهم، وثمة مرجحات في هذا كثيرة وسوقها مما يطول.

    1.   

    حديث: (لها ما أخذت في بطونها ولنا ما غبر طهور)

    الحديث الثاني: هو حديث أبي سعيد الخدري ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن سؤر السباع, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما غبر طهور )، ولنا ما غبر يعني: بقي طهور.

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد , والدارقطني من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث حديث ضعيف، رواه عبد الرحمن بن زيد وهو مضعف, قد ضعفه غير واحد من العلماء؛ كيحيى بن معين وعلي بن المديني , ونص أبو حاتم بن حبان على أنه مما لا يحتج به إذا انفرد، وقد انفرد بروايته لهذا الخبر عن أبيه عن عطاء بن يسار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث قد جاء من طرق متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقد جاء من حديث عبد الله بن عمر , وجاء من حديث جابر بن عبد الله ، وجاء موقوفاً على عمر بن الخطاب ، وجاء موقوفاً على أبي هريرة , وجاء مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يأتي بيانه.

    فقد رواه الحاكم و الدارقطني من حديث أيوب بن خالد عن محمد بن علوان عن نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الخبر معلول؛ لأنه تفرد بروايته أيوب بن خالد عن محمد بن علوان، و أيوب بن خالد ضعيف الحديث، ولا يحتج به، بل ضعفه بعضهم جداً، وقد ترك هذا الحديث وحكم ببطلانه ونكارته بعض العلماء؛ كـابن عبد الهادي.

    وأيضاً فإن شيخه في ذلك هو محمد بن علوان وهو أيضاً ممن لا يحتج به، وقد ضعفه غير واحد.

    وقد جاء هذا الحديث من حديث جابر بن عبد الله فقد رواه الحاكم من حديث داود بن حصين عن أبيه عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.

    وهذا الحديث قد تفرد برايته داود بن حصين عن أبيه عن جابر بن عبد الله ، و داود بن حصين قد تكلم فيه غير واحد وقال: إنه يهم ويغلط في روايته، فما يتفرد به مما لا يقبل من المتون التي لم يوافق عليها، وكذلك أبوه حصين فقد تفرد بروايته عنه ابنه بهذا الوجه، و حصين ممن لا يحتج به، وهو أبعد حالاً من أبيه عن التوثيق والضبط، فلا يصح أيضاً من حديث جابر بن عبد الله .

    وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلاً كما رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث عكرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء أيضاً من حديث ميمون بن أبي شبيب عن عمر بن الخطاب , ويرويه ميمون عن عكرمة .

    وقد جاء أيضاً مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن جريج , بل معضلاً كما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد جاء أيضاً من وجه آخر عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى من حديث حبيب بن شهاب عن أبيه عن أبي هريرة بنحو ما جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى.

    وقد جاء أيضاً عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وجاء موقوفاً أيضاً في قول غير واحد من السلف من فقهاء المدينة.

    وهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصح بوجه من الوجوه؛ وذلك لعلل أسانيده في هذا، ويغني عنه ما تقدم الكلام عليه معنا على سبيل الاعتراض، وهو حديث أبي سعيد الخدري في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ).

    وأما ذكر السباع وإطلاق الكلام في طهورية سؤرها فلا أعلم فيه خبراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه، وإنما هي مجموع مرويات.

    وأمثل ما جاء في ذلك عن عمر بن الخطاب فما رواه الإمام مالك في كتاب الموطأ من حديث محمد بن إبراهيم التميمي عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى بنحو ما جاء في مرسل عمر السابق، ورواية يحيى بن عبد الرحمن قد حكم غير واحد من العلماء ببطلانها؛ وذلك أن يحيى بن عبد الرحمن لم يدرك عمر بن الخطاب .

    قال يحيى بن معين : رواية يحيى عن عمر بن الخطاب باطلة، لم يسمع منه, بل لم يدركه، والإمام مالك عليه رحمة الله تعالى إنما أخرج هذا الحديث في كتابه الموطأ؛ وذلك لاستقامة متنه، ولعه قد علم الواسطة, والمتن في ذلك مستقيم، فلا يمكن أن يقال: بنكارته؛ فإن الأصول تدل عليه، وإنما أوردنا هذه الأحاديث على سبيل الخصوص؛ لأنه يدور في كلام العلماء في دواوين الفقه الاحتجاج بهذه الأحاديث على طهورية سؤر السباع، وعدم السؤال عنها، وإن كان الأصول تعضد ذلك.

    1.   

    حديث: (الهر سبع)

    الحديث الثالث: حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الهر سبع )، يعني: أنه في حكم السباع.

    وحديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى يرويه وكيع بن الجراح عن عيسى بن المسيب عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و وكيع قد توبع على روايته في هذا الحديث، فقد تابعة أبو هاشم عن عيسى بن المسيب عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه قد خالف في هذا المتن، فقال: ( السنور سبع )، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، فقد رواه مسكين بن خالد ، و محمد بن ربيعة عن عيسى بن المسيب عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( السنور سبع )، وهذا الحديث قد تفرد به من هذا الوجه عيسى بن المسيب عن أبي زرعة عن أبي هريرة ، و عيسى بن المسيب قد ضعفه غير واحد، فقد ضعفه النسائي، وطعن فيه ولينه أبو حاتم , والإمام البخاري ، فهذا الحديث من هذا الوجه لا يصح.

    وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صح هذا الحديث ( الهر سبع )، يحتج به من قال: بإلحاق الهر بالسباع لمن قال: بطهوريتها أو نجاستها، قالوا: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعلها في حكم السباع، وهذا إذا قلنا بذلك في أبواب الطهورية فيلزم من هذا أن ندخل السباع في حكم الهرة باعتبار أن الهرة أصرح دليلاً، والكلب قد استثني بالدليل، وأما إذا أدخلناها في أبواب النجاسة فيلزم من ذلك أن نعلل حديث كبشة بنت كعب بن مالك، ولكن لا يمكن أن نعل ذلك الحديث لما تقدم الكلام عليه من القرائن المقوية لهذا الحديث.

    وأصح الطرق في هذا الحديث ما جاء بلفظ: ( السنور سبع )، ولكن هذا الحديث مع إعلالنا له مرفوعاً إلا أنه قد جاء موقوفاً كما ذكر ذلك أبو زرعة، فقد قال أبو زرعة : رواه أبو نعيم موقوفاً، وأبو نعيم يروي عن عيسى بن المسيب عن أبي زرعة عن أبي هريرة ، وصوب أبو زرعة في ذلك الوقف.

    وعلى هذا فنقول: إن هذا الحديث عن عيسى بن المسيب على وجهين:

    الوجه الأول: الرفع، ورواه عنه في ذلك وكيع بن الجراح و مسكين بن خالد و محمد بن ربيعة و أبو هاشم فقد رووا هذا الحديث عن عيسى بن المسيب عن أبي زرعة عن أبي هريرة مرفوعاً، ورواه أبو نعيم الفضل بن دكين عن عيسى بن المسيب عن أبي زرعة عن أبي هريرة موقوفاً، وصوب هذا أبو زرعة، وهو الأقرب؛ وذلك أن أبا نعيم وهو الفضل بن دكين من أئمة الحفظ والرواية، وإن خالفه في ذلك جماعة من الرواة وعلى رأسهم وكيع بن الجراح في روايته لهذا الحديث؛ وذلك أن وكيعاً في ذلك دون أبي نعيم في الحفظ والضبط, مع جلالة الاثنين في الدراية والفقه، فإن أبا نعيم مقدم في الحفظ ومقدم في الفقه أيضاً، وإنما مال أبو نعيم إلى ضبط الموقوف وذلك لنكارة المرفوع، ثم إنه مع كون أبي زرعة وهو من أصحاب أبي هريرة وأصحابه في ذلك كثر، فتفرد عيسى بن المسيب في ذلك مما لا يحتمل.

    وكذلك فإن أبا هريرة ممن تأخرت وفاته وأصحابه في ذلك كثر، فإنه لم يروه عنه أحد من أصحابه المشهورين أصحاب الرواية الدراية، فإن أبا زرعة وإن كان من أهل الرواية إلا أنه مقل في أبواب الدراية، وهذا متعلق بشيء من الفقه، وإن كان المعنى يحتمل في ذلك الطهارة والنجاسة فهو يرجع فيه إلى النصوص الصريحة، والله أعلم بالصواب.

    والفرق بين السنور والهر أن كلمة السنور هي أعم من الهرة، فكل هر سنور، وليس كل سنور هر، فيدخل في أبواب السنور كل ما دنى من الأرض، فقد يدخل في هذا السناجب التي تدخل البيوت، فكلما كان يأكل اللحم، وهو من ذوات الأربع التي تأتي الناس وترد عليهم سواء في البساتين أو في البيوت، فإنها تدخل في هذا العموم، أما الهر فله الوصف المعلوم.

    1.   

    حديث: (إن دموعك التي بين عينيك، وماءك الذي في ركوتك هو كنخامتك)

    الحديث الرابع: حديث عمار بن ياسر قال: ( أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسقي ناقة لي، قال: فتنخمت فأصاب ثوبي، فأخذت من الركوة التي أسقي منها لأغسل نخامتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمار إن دموعك التي بين عينيك، وماءك الذي في ركوتك هو كنخامتك، إنما يغسل من البول والغائط والمني، والدم والقيء ).

    هذا الحديث رواه أبو يعلى في كتابه المسند من حديث ثابت بن حماد عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن عمار بن ياسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث قد تفرد به ثابت بن حماد ، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة وهو ممن لا يحتج به.

    وكذلك علي بن زيد بن جدعان فقد ضعفه غير واحد، وقد تفرد بروايته عن سعيد بن المسيب , وهو من الأئمة المشهورين، ومع كون هذا المتن يتضمن أحكاماً يوردها من يتكلم على مسألة نجاسة المني على سبيل الخصوص، وأما مسألة الدم والبول والغائط فالنصوص فيها كثيرة ولا يوردون فيها هذا الخبر.

    وهذا الخبر منكر، بل حكم ببطلانه بعض العلماء؛ كـالبيهقي عليه رحمة الله فقال: هو خبر باطل، وذلك لتفرد ثابت بن حماد ، وقد وهم في هذا الإسناد إبراهيم بن زكريا كما رواه الطبراني في كتابه الأوسط، وكذلك رواه ابن عدي من حديث إبراهيم بن زكريا عن حماد بن سلمة فجعله من حديث حماد بن سلمة ولم يجعله من حديث ثابت بن حماد ، وقد وهم في ذلك لسوء حفظه.

    والصواب في ذلك أنه من حديث ثابت بن حماد فيما يرويه عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن عمار ، وقد ظن بعضهم أن رواية إبراهيم بن زكريا عن حماد بن سلمة متابعة، وهذا وهم وغلط، والصواب في ذلك أن هذه الرواية وهم، فإنه من مفاريد ثابت بن حماد.

    عدم الاقتصار على النظر في الإسناد دون المتن عند الحكم على الحديث

    وهنا قاعدة يتكلم عليها العلماء في أبواب العلل وهي: أنه ينبغي للناظر في إعلال الأحاديث عدم الاقتصار على الإسناد، وهذه ما تقدمت الإشارة إليه مراراً، ولكن نشير إليه هنا باعتبار أن هذا الحديث قد يحتمله بعضهم من جهة صدق بعض رواتها، وعدم كَذِب ونكارة الرواة, فإن الإنسان إذا نظر في تراجمهم قد يجد لهم تعديلاً، فيقبل هذا الحديث، ولكن هذا الحديث قد جاء معارضاً لأحاديث أصح منه وهي في الصحيحين، وهي ما يتعلق بحكم المني، فالمني طاهر عند جماهير العلماء بل عند عامتهم من السلف، وبعض العلماء قال بنجاسته، والصواب في ذلك أنه طاهر.

    وقرنه هنا مع البول والغائط والدم فهذا من علامات النكارة، فإن الحديث إذا ورد وهو مخالف لما هو أصح منه فإن ذلك من علامات النكارة، ولو لم يرد في طهورية المني شيء لقلنا: بنكارة هذا الحديث؛ لأن هذا الحديث لا يحتمل تفرد ثابت بن حماد به؛ وذلك لأنه يتضمن معنى من المعاني المهمة، وهو حكم المني, والحاجة إليه ماسة لأنه مما تعم به البلوى.

    وكذلك أيضاً فإن ذكره للغسل من البول والغائط مما لا يحتاج إليه، والغالب في نصوص الشريعة أنها لا تعطف المستقذرات والنجاسات المتباينة، فالقيء عطفه على البول والغائط منكر، إلا لغرض غير هذا الغرض وهو غرض بيان التنجيس أو التطهير، وهذا مما يدل على نكارة المتون.

    الطريقة المثلى في الحكم على الأحاديث

    ولا يمكن لطالب العلم أن يتحقق له النقد والدراية إلا بالتوسع في ضبط أحاديث الباب، ولهذا طالب العلم إذا أراد أن يخرج حديثاً أو أن يحكم عليه فلا بد أن يجمع أحاديث الباب، والنصوص الواردة في ذلك الموقوفة والمرفوعة، فإذا جمع الأحاديث المرفوعة فلينظر فيها ويرتبها على حسب قوتها، فينظر في أحاديث الصحيحين في الباب، ثم ينظر فيما دونها، ثم ينظر في الحديث الذي معه، وما موقفه منها، فإذا كان الحديث مما يعارض الأحاديث التي هي أصح منه فإنه يقطع بنكارته، وأن ينظر إلى المتن فإذا كان المتن من الأحاديث التي يحتاج إليها فينظر إلى قيمة الإسناد بالنسبة لقيمة المتن، فإذا كانت قيمة الإسناد أعلى من قيمة المتن فإن هذا من علامات النكارة، فلا بد من تساوي المتن مع تساوي الإسناد، وإذا كانت القيمة مهمة ولم يرد مما هو أولى منه، وأخرج البخاري في بابه ما هو أولى منه فإن هذا من علامات النكارة، وقد تقدم معنا الكلام على حديث الهرة، وأنه لا يصح مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعني: الحديث في غسلها مرة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي تكلم على الكلب وبيان نجاسته، وورود الكلب على الناس وإن كان كثيراً في البوادي والقرى فإنه دون الهرة، فالهرة تخالط الناس أكثر من مخالطة الكلب، فلما ورد النص بإسناد قوي في الكلب ولم يرد في الهرة دل على نكارة ما يرد في ذلك، وأنه ينبغي أن يرد في ذلك إسناد قوي يحسم المسألة.

    وتوسع طالب العلم في إدراكه يرجع فيه إلى توسعة في ذات الباب وكذلك الأبواب المشاركة له، فإذا تكلمنا على سبيل المثال على المني فينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يحكم على حديث أن يكون محيطاً بالأحاديث التي وردت في حكم المني، وأدق من ذلك أن يكون محيطاً بأحاديث النجاسات، أو ما تعم به البلوى على نحوها؛ فعلى سبيل المثال يستطيع طالب العلم أن ينكر حديث نجاسة المني بإيراد الأحاديث التي دلت على نجاسة الكلب، فإن حاجة الإنسان في بيان حكم المني أكثر من حاجته إلى حكم نجاسة الكلاب، فكل الناس من البالغين يحتاجون إلى حكم المني من جهة الطهورية والنجاسة، فلما دل الدليل على حكم الكلب، ولم يدل على ما هو أولى منه وهو حكم المني دل على نكارته، فإذا كثرت هذه الأحوال عند طالب العلم وعند الناقد واعترض جملة من الأمور التي تعم بها البلوى, وعرف مراتبها من جهة المخالطة، فورد فيها النص ولم يرد فيما هو أولى منها فإن هذا يعطيه نكارة.

    وقد يعل طالب العلم حديثاً ليس في باب الطهارة، وإنما في باب آخر بحديث في الطهارة، وكذلك أيضاً العكس لمسألة عموم البلوى.

    وكذلك بذات الراوي، فالرواة من الأئمة، منهم من هو من أهل الفقه والضبط وأهل الدراية فإنه يعتني بأحاديث، ومنهم من هو من أهل الرواية دون الدراية.

    فإذا جاءنا حديث قد كثر الرواية عن هذا الراوي الذي له دراية، وتعددت الطرق عنه ونحو ذلك في أثر لا يعتني به، وهو من المسائل الدقيقة في الفقه، فهذا لا يحتمل معه تنوع المجالس وتعددها، ولا يحتمل معه أن يروي هذا الحديث في أكثر من موضع؛ فإذا روى هذا الحديث مثلاً كـسليمان بن يسار أو سعيد بن المسيب أو خارجة بن زيد وغيرهم, فهؤلاء من الفقهاء من المدينة ومن كبارهم، فلا يحتمل أن يرووا الحديث أكثر من مرة، فيروي عنه الكوفي والبصري والشامي أثراً واحداً، لا مما تعم به البلوى, وإنما من الأمور اليسيرة، وينفرد راو من الرواة بما هو دونه مرتبة, فيروي في معنى مما لا يحتاجه الناس، فعلى هذا ننكر الأول، والثاني قد نحتمله، وهذا ما ينبغي لطالب العلم أن يلتفت إليه فيما يخص الراوي في ذاته، وكذلك عنايته بالمتن.

    كذلك أيضاً ذات المتن وتعلقه بالباب الذي هو فيه، وتعلقه بأبواب ما تعم به البلوى في أمور النجاسات، وكذلك في أمور الأقوال، وعناية أهل الفقه به, وكذلك العناية بأهل تلك الطبقة.

    وقد يقال أيضاً: من وجوه النكارة في هذه الحديث أن هذا الحديث يروى عن فقيه أهل المدينة وهو سعيد بن المسيب عن عمار بن ياسر وهذا من وجوه النكارة, أن يروى هذا الحديث عن سعيد ، ولو روي عن غير سعيد لكان أهون.

    ولهذا بعض الناظرين في الأسانيد فينظر إلى الراوي وإلى جلالته فقط ثم يصحح المتن، بل قد تكون جلالة الراوي مما يقضي على المتن؛ لأن سعيد بن المسيب ممن يقول بطهارة المني، وهذا ما تقدمت الإشارة إليه، أن الراوي إذا روى حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتضمن حكماً ثم أفتى بخلافه، فإن الفتيا تعل المرفوع، وكذلك فإن سعيد بن المسيب بلغ من الفقه والدراية ما لا يروي مثل هذا الحديث بمثل هذا السياق.

    ثم أيضاً ينبغي أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما نهى عمار بن ياسر بالتضمين أن يغسل ما تنخم، الأولى في ذلك أن ينهى عن ما تنخم ولا يبين له نجاسة البول والغائط؛ لأن البول والغائط مما لا يحتاج إلى بيان، وهذا من نكارة المتون.

    أيضاً من الوجوه في هذا: أن هذا الحديث خرج من المدينة ثم شرق، ولم يوجد عند المدنيين ما يدل على عدم قبوله. والله أعلم.

    وأسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق.

    1.   

    الأسئلة

    وجود أحاديث صحيحة لم يروها الشيخان

    السؤال: هل يوجد أحاديث صحيحة لم يروها كبار المحدثين كـالبخاري و مسلم وغيرهما؟

    الجواب: نعم، يوجد، لكن ليست أصولاً أو مما تعم بها البلوى, أو من أعلام المسائل ومشهورها، قد يوجد أحاديث صحيحة ليست عند الأئمة الكبار، فتجدها مثلاً عند الطبراني أو عند البيهقي أو عند الدارقطني لكن هذه الأحاديث ليست مما تعم بها البلوى، ولا تكون من أعلام المسائل ولا من أصول الدين، فثمة مسائل تتعلق بأصول الدين لكنها ليست من الأصول؛ كبعض الصفات لله عز وجل، فقد لا تجدها في الصحيحين وقد لا تجدها في الكتب الستة، باعتبار أنها من فرعيات أصول الدين؛ وذلك أن إثبات الصفات الظاهرة استقرت، وما عدا ذلك إحصاؤه صعب، فيوردون ما يثبت هذا الأمر ثم يدعون ما عدا ذلك، وما يجب إحصاؤه فإنه يورد، وما يمكن إحصاؤه يورد، وما لا يمكن يوردون الأصول في ذلك فقط، فما يمكن إحصاؤه من الأحكام مما يحتاج إليه وتسمى من الأصول على سبيل المثال: نواقض الوضوء، فنواقض الوضوء لا يستطيع الإنسان أن يجمعها، وما لا يمكن إحصاؤه يوردون فيه الأصول كـالأسماء والصفات، وحصرها مما لا حد له، وهي تحتاج إلى مدونة كصحيح البخاري ، ولهذا البخاري سمى كتابه: الجامع المسند المختصر، فهو إذاً: اختصر ما يحتاج له الإنسان في يومه وليلته، وهذا ما يشكل عند بعض الناس إذ كيف يكون هذا الحديث معلولاً بسبب أن البخاري ما أخرجه، وهو يرى أن هذا الحديث صحيح وإسناده لا بأس به من وجوه:

    الأمر الأول: أن البخاري له أحاديث يصححها ولم يخرجها في كتابه الصحيح، وينقل عنه الترمذي وغيره.

    الأمر الثاني: أن البخاري و مسلماً قد نصا على أنهما ما أوردا كل شيء في كتابيهما.

    فنقول: إن هذا من الأمور المسلمة, فقصدنا في أن الأحاديث قد تصح خارج الصحيحين, أنها قد تصح، ولكن ليست من أصول الديانة ولا من أعلام المسائل، ولا مما يحتاجه وتعم به البلوى، أما ما عدا ذلك فإنه قد يرد.

    الحكم على زيادة غسل الأنثيين من المذي

    السؤال: [ هل تصح رواية غسل الأنثيين من المذي؟ ]

    الجواب: لا, ما تصح، رواية غسل الأنثيين ما تصح، قد جاء حديث المقدام وهو عام وهو في الصحيحين.

    التساهل في رواية التفسير والسير والمغازي إذا تضمنت أحكاماً

    السؤال: [ هل يتساهل في الرواية في أبواب التفسير والسير والمغازي إذا تضمنت أحكاماً؟ ]

    الجواب: نقول: يشدد في روايته، إلا في حالة واحدة إذا كانت روايته نسخة، فإذا كانت نسخة فنتساهل فيها؛ لأن الإحالة إلى ضبط الكتاب وليست إلى ضبط صدره، فضبط صدر هذا الراوي إذا وكلناه إليه فهو ضعيف، ولكن هو ضابط للكتاب بعنايته به، واعتمدنا على ذلك بقبوله والتساهل في روايته، وأما ما عداه فلا يقبل.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.