إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [3]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث التي أعلها العلماء حديث: (إذا ولغ الهر في إناء أحدكم غسل مرة) فقد تفرد به سوار وخالف فيه الثقات الكبار من أصحاب المعتمر بن سليمان، ومنها حديث: (أحلت لنا ميتتان ودمان)؛ لتفرد أبناء زيد بن أسلم به وكلهم ضعفاء. ومما ينبغي لطالب العلم عند نقده الأسانيد أن يراعي صوراً منها: أن يقرن فقه السلف بنقد الأحاديث، وكذلك أن ينظر فيما يتعلق بأبواب المتون وأن يفرق بين المسائل الظاهرة والمسائل غير الظاهرة, فهذا له أثر في أبواب العلل.

    1.   

    حديث: (إذا ولغ الهر في إناء أحدكم غسل مرة)

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى أله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فالحديث الأول من أحاديث هذا اليوم حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا ولغ الهر في إناء أحدكم غسل مرة ).

    هذا الحديث قد رواه الإمام الترمذي في كتابه السنن, ورواه الطحاوي من حديث سوار بن عبد الله بن سوار العنبري عن المعتمر بن سليمان عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وخولف في ذلك سوار ,وإن كان سوار ثقة في ذاته -قد وثقه غير واحد من الأئمة وعدله الإمام أحمد عليه رحمة الله- إلا أنه قد خالفه غير واحد من أصحاب المعتمر بن سليمان في روايته عن أيوب , فخالفه في ذلك مسدد بن مسرهد كما رواه أبو داود في كتابه السنن, ويعقوب بن إبراهيم كلهم عن المعتمر بن سليمان عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى موقوفاً عليه.

    وكذلك قد توبع المعتمر بن سليمان , فقد رواه إسماعيل , و حماد بن زيد و معمر بن راشد الأزدي كلهم يروونه عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى من قوله.

    وكذلك قد توبع عليه أيوب بن أبي تميمة عن محمد بن سيرين، فقد رواه هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى موقوفاً عليه.

    ورواه عبد الوهاب الثقفي عن محمد بن سيرين من قوله، وجعله مقصوراً على محمد بن سيرين وليس موقوفاً على أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى, وكذلك قد خولف فيه على محمد بن سيرين، فرواه قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى، واختلف عليه فيه, فتارة يروى مرفوعاً، وتارة يروى موقوفاً, فرواه موقوفاً علي بن نصر الجهضمي, ومسلم بن إبراهيم كلهم عن قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى موقوفاً عليه, ورواه الطحاوي من حديث أبي عاصم عن قرة بن خالد وجعله مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصواب في هذا الخبر أنه موقوف.

    وقد صوب هذا الوجه غير واحد من الأئمة؛ كـأبي حاتم والدارقطني و البيهقي وجماعة, وعلة هذا الخبر في المرفوع هو سوار بن عبد الله بن سوار العنبري , وهذا الإسناد إسناد بصري من أوله إلى أخره، فـسوار بن عبد الله بن سوار بصري, وأيوب بن أبي تميمة السختياني بصري, ومحمد بن سيرين الذي يرويه عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى بصري.

    وهذا الحديث إنما قلنا: بعدم صحته مرفوعاً لعدم كون العمل عليه, ولتفرد البصريين بروايته, وخص من البصريين من تفرد به من طبقة متأخرة هو سوار بن عبد الله بن سوار العنبري وإن كان من الثقات فهو قاض ابن قاض ومن دار فقه, وقد ذكر عند الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى فقال: لم يبلغني عنه إلا خيراً, إلا أن فيه شيئاً من جهة الضبط، ولهذا فإنه لم يضبط الخبر، والصواب في ذلك أنه من قول أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى, ومن فتيا محمد بن سيرين عليه رحمة الله.

    علل حديث: (إذا ولغ الهر في إناء أحدكم غسل مرة)

    ومما ينبغي لطالب العلم في أبواب العلل في أمثال هذا أن ينظر إلى المسائل التي تروى في هذا الباب, فهذا الحديث متضمن لحكم سؤر الهرة, وذلك أن الشارع إذا أمر بغسل شيء -والغسل هو أشد من النضح- فإن هذا أمارة على نجاسته, فإذا كان نجساً فإن الأصل في هذا أن يعمل به لثبوته مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنما أعللنا هذا الخبر مرفوعاً مع صحة إسناده وصوبنا في ذلك الوقف لوجوه:

    أولها: تفرد سوار بن عبد الله عن الثقات الكبار من أصحاب المعتمر بن سليمان عليه رحمة الله، فإنه قد خالف في هذا.

    ثانيها: كون سوار بن عبد الله من المتأخرين، فإن اختلاف الوجوه عند المتأخرين في الأغلب ترد فيمن زاد تلك الزيادة، وكلما تأخرت طبقة الراوي كلما زاد احتمال عدم ضبطه لذلك المروي, فـسوار بن عبد الله بن سوار العنبري من المتأخرين وتفرد بهذا الوجه لذا رددنا الحديث.

    ثالثها: وجود جمع من الأئمة الحفاظ الذين وقفوه، كما في رواية مسدد بن مسرهد , و يعقوب بن إبراهيم في روايتهما عن المعتمر بن سليمان , وكذلك في رواية إسماعيل و حماد و معمر في روايتهم عن أيوب , وكذلك في رواية هشام بن حسان عن ابن سيرين , وقد تفرد برفعه كما تقدم سوار ولا يحتمل منه هذا.

    رابعها: أن الحديث إذا وجد في بلد فإن الأصل في ذلك أنهم يعملون به، وهذا الحديث عراقي, وإذا نظرنا إلى فتيا العراقيين وجدنا أنهم يتباينون في هذه المسألة، ويوجد من كبار الفقهاء من العراقيين كــعلقمة و إبراهيم النخعي وغيرهم من يقول: بعدم التطهر من سؤر الهرة، وهؤلاء من كبار الفقهاء من العراقيين.

    وإذا وجد الحديث قريباً منهم ثم لم يأخذوا به دل هذا على عدم القطع بصحته مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    خامسها: أن هذا الحديث لم يكن موجوداً عند المدنيين ولا عند الحجازيين, والوحي إنما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة والمدينة، وثمة نزر يسير نزل عليه عليه الصلاة والسلام في غيرهما ونقله إليها من سمعه ممن رافقه من أهلها, فيكون حينئذ حكمه كحكم ما نزل عليه عليه الصلاة والسلام في مكة والمدينة.

    وبهذا نعلم أن الحديث الذي يطوف الآفاق وهو من الأصول الظاهرة التي يحتاج إليها كما في هذا الخبر لا بد أن يرجع إلى المدينة، وإذا نظرنا في فقه الكبار من فقهاء المدينة لم نجد العمل عندهم على هذا، يعني: على التنجيس من سؤر الهرة، ويكفي في هذا أن الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى قد أورد في هذا حديث كبشة عليها رضوان الله تعالى في روايتها عن أبي قتادة في حديث سؤر الهرة، وهذا مخالف لدلالة حديث أبي هريرة , فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنها ليست بنجس, إنها من الطوافين عليكم ), وقد أرخى لها الإناء أبو قتادة عليه رضوان الله تعالى حتى تشرب, وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا يرخيه لها؛ لأنه يلزم من ذلك أن يغسل الإناء مرة.

    والأحاديث المتضمنة للأحكام التي تعم بها البلوى الأولى اشتهارها وروايتها من وجوه متعددة, فإذا كان حديث الكلب وهو الذي لا يخالط أواني الناس وبيوتهم كمخالطة الهرة قد ثبتت فيه الأسانيد بقوة وكثرة، وقد ظهر هذا في رواية كبار أهل المدينة لهذا الحديث كالإمام مالك عليه رحمة الله تعالى وغيره، ومخالطة الهرة للناس أكثر بل تدخل في دورهم وربما تبيت وتشرب, بل قد تكون على الفرش، ولم يرد في ذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, بل الوارد في ذلك خلاف هذا, وعضد هذا ورود العمل عندهم, ولما كان سؤر الهرة لم يكن عملهم على هذا, وكذلك الحديث لم يوجد مرفوعاً عندهم, ولم يوجد موقوفاً، ولم يوجد الخبر موقوفاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المدنيين دل حينئذ على عدم صحته.

    وقد جاء هذا الخبر من وجه عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى من حديث أيوب عن نافع عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى، وقد تكلم فيه غير واحد, فقد أخرجه من هذا الوجه الدارقطني عليه رحمة الله تعالى في كتابه السنن, حيث رواه من حديث محمد بن عقيل بن خويلد وإن كان ثقة في ذاته إلا أنه تلتبس عليه أحاديث بعض شيوخه, ولهذا قد رد هذا الحديث وهذا الوجه، وحمله بعضهم على أنه قد وهم فيه كـابن عدي في كتابه الكامل, وابن حبان في كتابه الثقات في ظاهر قوله.

    الصور التي ينبغي مراعاتها عند نقد الإسناد

    وبهذا نعلم أنه ينبغي لطالب العلم في أبواب العلل كما تقدمت الإشارة إليه على سبيل الإجمال أن يقرن فقه السلف بنقد الأحاديث، وذلك على صور كثيرة ممكن أن تذكر على سبيل الإجمال:

    من هذه الصور: أن ينظر في الإسناد ودخوله للبلدان, فإذا كان الإسناد بصرياً فينظر في فقه البصريين, وإذا كان الإسناد كوفياً فينظر في فقه الكوفيين, وإذا كان الإسناد مدنياً فينظر في فقه المدنيين.

    الصورة الثانية: أن ينظر ويقارن ما تقدم بفقه أهل مكة والمدينة، فإذا كانت المسألة ظاهرة عند المكيين والمدنيين على سبيل القوة والوفرة، ولم يرد عندهم أو في أقوالهم ذلك الحديث الذي يروى في غير بلدهم، فإن هذا من قرائن الضعف وعدم الاعتبار بذلك الخبر.

    الصورة الثالثة وهي من دقائق الصور: أنه ينبغي لطالب العلم أن ينظر في الطبقة التي فيها الراوي وفقه بلده في تلك الطبقة؛ فعلى سبيل المثال: نجد سوار بن عبد الله تفرد بهذا الحديث وهو من البصريين، فننظر في تلك الطبقة التي تفرد بها وفقه البصريين في هذه الطبقة.

    ولو قلنا: إن هذا من مفاريد محمد بن سيرين مثلاً فينظر في تلك الطبقة التي هو فيها؛ لأن الحديث قد يدور في البلدان ولا يدخل بلد من البلدان -كالكوفة- إلا في طبقة واحدة ثم يخرج منها؛ فيوجد مثلاً في طبقة أيوب أو يوجد في طبقة الحسن ثم يخرج منها فيكون شيخه في ذلك مدني وتلميذه في ذلك مدني، فدخل في هذه الطبقة ثم خرج منها، فينظر في تلك الطبقة والعمل بها.

    والصورة الرابعة - وهي من المهمات أيضاً: أن الرواة ينقسمون إلى قسمين:

    رواة لهم دراية, ورواة ليس لهم دراية, والأكثر أن الرواة ليس لهم دراية, أي: أنهم ليسوا من أهل الفقه، وإنما نقلة للأخبار, وهذا أكثر رواة الحديث، أنهم من حملة الأخبار، ولا يذكرون شيئاً من الفقه, وهذا هو الأعم الأغلب.

    ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يضبط الرواة في كل بلد، فيعرف البلد الذي فيه الفقهاء وعددهم، وشيوخهم، وتلاميذهم, والأبواب التي يعتنون بها، فإن معرفة ذلك تجعله من أصحاب البصيرة في أبواب النقد, فإذا وجد راو من الرواة روى حديثاً مرفوعاً، ثم جهل طالب العلم أو الناقد فقهه فإنه ربما يقع في قصور في حكمه عليه, فإن الراوي قد يروي حديثاً مرفوعاً وفي فقهه ما يخالف ذلك المرفوع, وعند الأئمة أن الراوي إذا روى خبراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفي فقهه ما يخالف الخبر المرفوع أن هذا علامة على ضعف المرفوع.

    قد يقول قائل: الأصوليون يقولون: إن العبرة بما رواه الراوي لا بما رآه, فنقول: هذه قاعدة غير صحيحة في أبواب العلل غير, قد تكون قاعدة نظرية عند الأصوليين، وعند الفقهاء من جهة رواية الأقوال وحكايتها ونحو ذلك, ولكن من جهة العلل فإن الأئمة يقولون بعكسها، وعكسها في هذا أن الراوي إذا روى خبراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أفتى بخلافه فإن هذا من علامات الضعف لذلك الحديث, وقد يقطع بعض الأئمة بذلك, ثم قد يكون هذا من الصحابة, وقد يكون من التابعين, وقد يكون من أتباع التابعين, فلهذا ينبغي لطالب العلم إذا وقف على إسناد أن ينظر في الرواة من منهم الفقيه, فإذا كان فيهم فقيه رجع إلى فقهه ليقارنه بالمتضمن في هذا المتن, فإذا كان ذلك المتن يدل على معنى من المعاني ووجد الفقيه يفتي به فهذا من قرائن تقوية الحديث, كما أن المخالفة من قرائن التعليل، وكذلك الموافقة للحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرائن القبول, وهذا هو في كل طبقة.

    ولهذا الأئمة عليهم رحمة الله تعالى يضعفون بعض الأحاديث لمخالفة بعض الرواة لها؛ كما ضعف الإمام مسلم عليه رحمة الله تعالى في كتابه التمييز حديث أبي هريرة في المسح على الخفين؛ قال: لأن أبا هريرة يخالف ذلك, ولو صح عنده الحديث لما قال بخلافه.

    كذلك تضعيف أبي داود عليه رحمة الله تعالى لحديث أبي هريرة في أخذ المرأة من مال زوجها؛ لأن عطاء وهو راوي الحديث وهو من التابعين يفتي بخلاف الحديث المرفوع.

    وبهذا نعلم أن عناية الناقد بفقه الأئمة في البلدان وخاصة أهل الحجاز: مكة والمدينة من أعظم ما يعطي طالب العلم ملَكة في أبواب النقد, وهذا ما يجهله كثير من طلاب العلم, بل أكثرهم, بل عامتهم يجهلون هذا الأمر، وإذا وجدوا في كلام العلماء من الأوائل من الأحكام على سبيل الأجمال استغربوها, باعتبار أن الأئمة قد حكموا بالسبر في أبواب الفقه وأبواب الرجال، ثم حكموا بكلمة مختصرة على هذا الحديث بأنه منكر أو لا يصح، وإنما حكموا على ذلك بسبر تام لأبواب الفقه وأبواب الرواة, وأبواب المتون، فعرفوا هذا الحديث وهل هو فرد أم ليس بفرد؟ وهل صح عندهم الخبر أو لم يصح؟ وهذه ينبغي لطالب العلم أن يأخذها بالحسبان.

    وهذه المسألة من أظهر المسائل التي يجهلها عامة المتأخرين، وهي فيصل بين أحكام كثير من الأئمة الأوائل وبين كثير من المتأخرين, والأئمة عليهم رحمة الله من المتأخرين قد يخالفون بعض الأئمة من المتقدمين وإذا أراد طالب العلم أن يتوسع في أبواب النقد وأن يسلك هذه المسالك استنار له موضع الخلاف, وكثير من طلاب العلم لا يستبين الخلاف في أمثال هذه المسائل؛ لأنه لم ينظر ولم يمكن نفسه أن ينظر في أبواب الفقهيات، بل لم يكن لديه مبادئ التفريق بين أن هذا الراوي له دراية وهذا الراوي ليس له دراية, فهذا الأصل ليس موجوداً في ذهنه بل غاية ما يعرف من هذا الراوي أنه ثقة وأدرك فلاناً وهو من أخص تلاميذه أو ليس من أخص تلاميذه, وأما أبواب الدراية فهذا ليس من نظره.

    أهمية النظر في فقه المتون عند الحكم على الحديث

    كذلك ينبغي لطالب العلم أن ينظر في ما يتعلق بأبواب المتون وأن يفرق بين المسائل الظاهرة والمسائل غير الظاهرة, فهذا له أثر في أبواب العلل, وظهورها يأتي تطبيقه، ولها إشارة في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى هنا في ما تقدمت الإشارة إليه في التفريق بين حديث أبي هريرة في ولوغ الكلب, وحديث أبي هريرة في ولوغ الهرة، وأن الحاجة إلى حكم الهرة أولى من الحاجة إلى حكم الكلب، والحاجة إلى الهرة إذا حملناها على الأصل فالأولى في ذلك ألا يرد فيها حديث؛ لأننا لو ألزمنا بكل ما كان على الأصل أن يرد فيه حديث لألزمنا بورود الحديث على الحصى والحجر والتراب, والثياب والأقمشة واللعاب وغير ذلك، وألزمنا بورود أحاديث بأسانيد قوية يرويها الكبار من أهل المدينة, ولكن ما كان على الأصل لا يطلب فيه الأسانيد القوية في هذا, وإنما يلتمس فيه المتوسط أو ما دونه، ويأتي الكلام إلى شيء من هذا بإذن الله تعالى فيما يأتي من الأبواب.

    1.   

    حديث: (أحلت لنا ميتتان ودمان)

    الحديث الثاني من أحاديث الباب: حديث عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أحلت لنا ميتتان و دمان ), وهذا الحديث حديث عبد الله بن عمر قد اختلف في صحته, وكذلك اختلف في رفعه ووقفه.

    هذا الحديث يرويه الإمام أحمد والترمذي وجماعة من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أحلت لنا ميتتان ودمان, فأما الميتتان: فالحوت والجراد, وأما الدمان: فالكبد والطحال ), وهذا الحديث قد توبع عليه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في روايته عن أبيه، فإنه قد رواه البيهقي وغيره من حديث إسماعيل بن أبي أويس عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وعن أخيه عبد الله وأخيه أسامة كلهم عن أبيهم زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث تفرد به هؤلاء الإخوة من هذا الوجه، وروي من غيرها بوجه لا يصح, وهؤلاء عبد الرحمن و عبد الله و أسامة , كلهم من الضعفاء, وأحسنهم حالاً عبد الله , وقد وثقه الإمام أحمد وعلي بن المديني , وضعفه جماعة كـيحيى بن معين والنسائي , ويظهر لي والله أعلم أن أسامة و عبد الله إنما أخذ هذا الحديث من عبد الرحمن؛ لأن عبد الرحمن هو ممن يأخذ من أبيه ويكثر من الرواية عنه في أبواب الأحكام وغيرها.

    وعدم الإسناد يسوغ في أخذ أهل البيت الحديث عمن يثقون به، فإنه معلوم أن أهل البيت ومن كان مستديماً أنه في الأغلب لا يسند عمن يخالطه كثيراً، وهذا في الضعفاء أظهر من كونه في الثقات, وإنما قلنا بذلك لقرينتين:

    القرينة الأولى: أن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو من أظهر الرواة عن أبيه, أكثر من عبد الله و أسامة , فهذا الحديث أولى أن يحمله عبد الرحمن من غيره.

    القرينة الثانية: أن ابن عدي في كتابه الكامل لما أورد هذا الخبر في مسند عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عبد الله بن عمر وغيره قال: وهذه الأحاديث هي أحاديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهي غير محفوظة، فجعلها من أحاديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, و عبد الله وإن كان معدلاً يظهر.. وتفرده في هذا أيضاً لا يحتمل منه برفع هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد توبع عليه هؤلاء في روايتهم, فقد رواه سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر، واختلف فيه على سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم، فرواه عبد الله بن وهب كما رواه البيهقي عن سليمان بن بلال عن زيد بن وهب عن عبد الله بن عمر موقوفاً عليه, ورواه يحيى عن سليمان بن بلال عن زيد عن عبد الله بن عمر مرفوعاً، ووافق فيه عبد الرحمن و عبد الله و أسامة , و يحيى ممن لا يحتج به, و عبد الله بن وهب في روايته لهذا الخبر قد رواه على الوجه الأصح, وهذا أصح الأسانيد في رواية عبد الله بن وهب عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر من قوله, وقد صحح هذا الوجه البيهقي عليه رحمة الله في كتابه السنن, وهذا الحديث أيضاً قد جاء من وجه آخر فقد رواه أبو هاشم عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر مرفوعاً, ولا يحتج به بل هو ضعيف.

    فهذا الحديث الصواب فيه الوقف, وله حكم الرفع، وأصح أسانيده ما رواها البيهقي من حديث عبد الله بن وهب عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر قال: ( أحلت لنا ), فكانت من قول عبد الله بن عمر لا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وإنما صوبنا الوقف ولم نصوب الرفع؛ وذلك أن الذي رفع الخبر ضعفاء، وأن من رواه من الثقات عبد الله بن وهب و سليمان أدق وأضبط في هذا الحديث.

    ومن الوجوه أيضاً: الأخذ بالاحتياط, فأنه عند المخالفة في الوقف بين الوقف والرفع ولم يكن ثمة مرجح أنه يرجح الوقف على سبيل الاحتياط؛ كيف وقد ظهر في ذلك المرجح وهو عبد الله بن وهب في روايته عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى من قوله لهذا.

    أصل ورود الأسانيد القوية في المسائل الظاهرة

    ثمة مسألة قد ورد أصلها في كلامنا وهي أن المسائل الظاهرة ينبغي أن يرد فيها أسانيد قوية ومتينة, وهذه المسائل هي من المسائل الظاهرة, فقوله: ( أحلت لنا ميتتان الحوت والجراد ) يفتقر إلى نص قوي، وإذا كان هذا من الأصول فلماذا لم نطلب فيها أسانيد قوية، ولم نحل فيها إلى هذه القاعدة؟ فيقال: إن الأصل في ذلك قد ثبت في كلام الله جل وعلا, وأما الجراد فقد جاءت فيه أسانيد ظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن هذا الحديث في قول عبد الله بن عمر: ( أحلت لنا ميتتان ودمان ), له حكم الرفع؛ لأنه لا يحل ولا يحرم إلا الله جل وعلا, ومن ينقل عن الله وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه لا ينطق عن الهوى, إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4], فكان الأمر متحقق في ذلك.

    وكانت العلة في ذلك الحديث إنما هي علة لا أثر لها على الحكم الشرعي، وإنما لها أثر على أبواب الاحتياط ونسبة الأقوال والألفاظ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    نعم ثمة خلاف عند الأصوليين في هذا إذا قال الصحابي: أحل لنا كذا وكذا, فمنهم من يحملها على الرفع, ومنهم من يحملها عن الوقف, ومنهم من يفرق بين الصحابي الكبير وبين الصحابي الصغير, و عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى معلوم تشدده واحتياطه في أبواب الأحكام فعنده شدة لا يضاهيه فيها أحد من طبقته من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الفقه, فكان شديد الاحتياط والاتباع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم, مما يؤخذ بأنه لا ينسب تحليلاً وتحريماً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإلا لأشبه من يقول ذلك بطريقة أهل الكتاب، الذين ينسبون التحليل والتشريع لغير الله جل وعلا، كما قال الله سبحانه وتعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31], كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعدي بن حاتم: ( أليس إذا أحلوا ما حرم الله أحللتموه، وإذا حرموه ما أحل الله حرمتموه؟ قال: نعم, قال: فتلك عبادتهم ), وبه نعلم أن ورود هذه القاعدة هنا أثرها في ذلك ضعيف.

    المطالبة بالأدلة القوية على المسألة إذا جرى عليها العمل

    كذلك مما ينبغي أن يكون محل اعتبار عند طالب العلم في أبواب العلل: أن يقرن الحديث بالعمل, فإذا كانت ثمة عمل مستقر لا يحتاج إلى نقل عِلية القوم فإنا لا نلزم في ذلك بالأسانيد القوية؛ مثال ذلك: قد يكون هناك مسألة من المسائل الظاهرة ولا نطلب لها إسناداً قوياً باعتبار أن العمل قد ورد عليها مما يحتاجه الناس على سبيل الاستدامة, ولا مخالف لهذا مع ورود اليقين كالأصول في كثير من الأشياء الطهارة، فإننا لا نحتاج إلى التماس الطهارة في ذلك, فالأصل في الأشجار ونحو ذلك الطهارة، وأنه لا يفرق بين بعضها فلا يقال: هذه الشجرة نجسة، وهذه طاهرة, مما يغلب وجوده في جزيرة العرب؛ لأن الأصل مخالطة الناس في هذا الأمر واستقرار الأمر عليه.

    كذلك ما كان من المسائل مما يتواطأ عليه العمل لا يلزم من ذلك الاستفاضة, فهناك من المسائل ما ينبغي أن يرد فيها عشرة أحاديث وعشرون وثلاثون, ولا يكفيها باعتبار أنها من المسائل الظاهرة القوية التي لا بد من نقلها, ولا ارتباط لها بعمل مستديم، وهذا يظهر في صور كثيرة؛ فعلى سبيل المثال الصلوات الخمس من جهة فرضها وأهميتها هذا يحتاج إلى نصوص كثيرة جداً مستفيضة, وأما من جهة عدد تلك الركعات في الصلوات، فإننا لا نلزم بوفرة الأسانيد, وإنما نلزم بالصحة لاقتران ذلك بالعمل المستديم؛ ونمثل لهذا كثيراً بصلاة الظهر والعصر وأنها أربع ركعات، فإذا أراد طالب العلم أن يستحضر مثلاً أن صلاة الظهر أربع ركعات وأراد أن يستحضر في ذلك دليلاً هل تستحضر الدليل؟

    إن قلت: فعل النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: هذا كلام عام، لكن لو سألتك عن السواك فقد تجيبني بثلاثة أحاديث وأربعة، لكن في الصلاة قد يقال: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا [الزخرف:22], ممكن يقول لك شخص هذا الكلام صحيح، لكن أنا أريد أن أبين أثر الاستفاضة على التوطين وعدم طلب الإسناد, ولهذا تجد طالب العلم يستحضر في مسائل دقيقة كأحكام السواك، ولكن لا يستحضر دليلاً في كون الظهر أربعاً، باعتبار أن هذا من المسائل المستفيضة، وهذا ينبغي لطالب العلم أن يدركها في أبواب النقد والتعليل, فلهذا تجد طالب العلم يحرص في أبواب الطلب على مسائل قد تدخلها النكارة والمخالفة، أما الصلاة أربع فلا تدخلها النكارة والمخالفة ومع ورود الأحاديث لا يستحضرها, ولهذا يوجد في دواوين السنة من هذه الأحاديث ما هي كالشمس, ويثبت إن صلاة الظهر أربعاً وصلاة العصر أربعاً والمغرب ثلاثاً والعشاء أربعاً والفجر ركعتين, لكن تجد العلماء في مباحثهم لا يوردون أمثال هذه الأحاديث باعتبار أنها محل إقرار، ولا يخالف في ذلك أحد من أهل الملل الإسلامية، سواء كانت سنية أو بدعية, ولكن من المسائل ما هي مسائل دقيقة جداً ينبغي أن يرد فيها حديث, ومن المسائل ما لو ورد فيها أحاديث كثيرة لكان علامة على ضعفها, فإذا جاءنا في مسألة من المسائل بعشرين طريقاً فإن هذا من قرائن التعليل, وقرائن الضعف؛ لأن هذه المسألة لا تستحق، ولدينا أصول عامة في الشريعة ينبغي أن تتدفق عليها وجوه الرواية.

    فلو جاءنا شخص على سبيل المثال بأحاديث في فضل أكل الجراد أو أكل الجرجير أو في أكل البطيخ, وجاء بأحاديث كثيرة, فلا نقول: هذه يعضد بعضها بعضاً بل نقول: كثرة هذه الطرق يدل على ضعفها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما جاء لبيان فضل البطيخ والجرجير, بل جاء بفضل الصلاة والعبادة, فإذا جاءت أسانيد كثيرة على هذا النحو كان كثرتها دليلاً على ضعفها.

    ولهذا أبو موسى المديني لما ذكرت له أحاديث البطيخ قيل له: إن أسانيدها كثيرة, قال: كثرتها دليل على ضعفها، يدل على أن وراءها بطاخ أو جرجار يبيع هذه، فأراد أن يروج لها, وإلا لا يليق بمقام النبوة أن تورد عشرين أو ثلاثين حديثاً في فضل طعام, فالثريد وهو أفضل الطعام جاء فيه حديثان أو ثلاثة, ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يقرن ذلك بمعرفة الأصول العامة للإسلام، وهذا ما ينبغي أن يفرق معه طالب العلم بين الأصول العامة الكلية, وأن يفرق في هذه الأصول العامة الكلية بين ما يُحتاج إلى إيراد دليل وبين ما يتلبس بعمل الناس في اليوم والليلة, فإن مثل ذلك نطلب منه دليلاً أو دليلين أو ثلاثة أو أربعة ولا نطلب الكثرة, وهناك ما يكون في أيام متباعدة فنطلب فيه أكثر من ذلك؛ لأن ما كان على سبيل الاستدامة وجاء فيه دليل فإن الذي لا بد أن يظهر هو مخالفة ذلك الدليل, فلهذا مسائل العلل لا ترجع إلى ذوق الإنسان وحسه، وإنما ترجع إلى الأصول العامة في الإسلام, وهذا ما ينبغي أن يكون ظاهراً.

    تفرد راو بدليل إحدى المسائل المشهورة

    ومن المهم أيضاً التفريق بين المسائل الكلية والمسائل الفرعية وبين أعلام المسائل, فثمة مسائل أعلام ليست من الأصول الكلية ولكن هي من فروع الشريعة ونتطلب لها أسانيد أكثر من غيرها، ولا نرجع هذا إلى الحكم, فقد يقول قائل: هذا الفرض من الفروض لماذا لم يرد فيه إلا حديثان أو ثلاثة؟ وإذا كانت المسألة دونه فإننا نطلب له أسانيد أكثر من ذلك, عشرة وعشرين فيقال: إن هذا باعتبار أنه من أعلام المسائل ومشهورها، ومن الأمثلة على أعلام المسائل التي ليست من أركان الإسلام ولا من أصول الكلية مسألة: الجهر بالقراءة، فلو أن إنساناً أراد أن يصلي المغرب وأسر خالف السنة وصلاته صحيحة, وإنما قلنا: إن هذه من أعلام المسائل؛ لأنها كل يوم.

    وكذلك تسوية الصفوف، وتقدم الإمام على المصلين وقراءة البسملة في الصلاة الجهرية وغير ذلك فأعلام المسائل ومشهورها هي ما يراها الناس بارزة, لا بد أن تنقل, ولهذا الأئمة عليهم رحمة الله إذا وجدوا مسألة من أعلام المسائل ومشهورها قد تفرد بها راو من الرواة ولو من المتوسطين أو من الثقات فإنهم لا يقبلون روايته؛ لأن هذه المسألة ليست أصلاً مستقلاً بذاتها، فالجهر بالصلاة ليست هي الصلاة، وإنما داخل الصلاة, فهي شعيرة داخل الصلاة لا بد أن تظهر بنص على سبيل الاستقلال.

    كذلك أيضاً من أعلام المسائل طريقة تسليم النبي عليه الصلاة والسلام, وهذا باعتبار أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد كل صلاة، وطريقة انفتال النبي عليه الصلاة والسلام لا بد أيضاً أن تنقل, وكذلك إذا جاءنا وصف من صفات أذان رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأذان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فهذا من الأعلام التي لا بد أن تنقل وينقلها أكثر من ثقة, وتفرد الراوي ولو كان في ذاته ثقة في مثل هذا يقال برده وعدم قبول تلك الرواية.

    1.   

    حديث: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)

    والحديث الثالث في هذا: حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ), هذا الحديث رواه الإمام أحمد و الترمذي و النسائي و ابن ماجه و الدارقطني و البيهقي وغيرهم, وقد اختلف في لفظه.

    فهذا الحديث يرويه سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن ابن وعلة عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد روي بلفظ: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر )، وروي بلفظ: ( إذا دبغ الإهاب فقد طهر ), والإهاب هو: الجلد، فجاء بلفظ: (إذا)، وجاء بلفظ: (أيما إهاب دبغ)، وقد رواه بلفظ (أيما) سفيان بن عيينة وسفيان الثوري فيما رواه عنه عبد الرزاق به وجعله بلفظ ( أيما ), ورواه سفيان بن عيينة كما رواه الإمام مسلم في كتابه الصحيح من حديث سفيان بن عيينة قال: ( إذا دبغ الإهاب فقد طهر )، ولم يذكره بلفظ: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ), وهذا الحديث في رواية سفيان بن عيينة على الوجهين ذكر بعضهم أنه تابعه عبد العزيز بن محمد الدراوردي فيما رواه قتيبة عن سفيان بن عيينة و عبد العزيز بن محمد الدراوردي فروياه وقالا: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ).

    ومتابعة عبد العزيز بن محمد الدراوردي لـسفيان بن عيينة في ذلك فيها نظر؛ وذلك أنها جاءت بالعطف في رواية قتيبة , وقد روى ابن أبي مدعور كما رواه الدارقطني والبيهقي في كتابه السنن عن قتيبة عن عبد العزيز بن الدراوردي به وقال بلفظ: ( إذا دبغ الإهاب فقد طهر ).

    اختلاف ألفاظ الحديث إذا عطف بعض رواته على بعض في السند

    وهذا من الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يكون على حيطة منها، وهي: أن بعض الرواة يعطف المتابعين فيقول: فلان وفلان وفلان ثم يذكر الإسناد, ويذكره على سبيل التجوز؛ كما هنا، فبعضهم قد جعل عبد العزيز بن محمد الدراوردي متابعاً لـسفيان في هذا الحديث في روايته: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ), ورواه مالك وغيره كـسفيان من هذا الوجه بلفظ: ( إذا دبغ الإهاب فقد طهر )، من غير لفظ: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ), وذلك أن عبد العزيز بن محمد بن الدراوردي قد رواه منفرداً، فبان أنه رواه على الوجه الأصح، ولم يروه بالوجه المرجوح وهو لفظ: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ).

    ولهذا إذا وقف طالب العلم على رواة معطوفين على بعض فلا يجزم ويقطع، بل الأغلب أن اللفظ يكون للأول، ولهذا من حكم على هذا الحديث بصحة لفظ ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ), قال عبد العزيز بن محمد الدراوردي قد تابع في ذلك سفيان فصح الحديث بالوجهين, فقال: بالمتابعة, ولكن لو وجد رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي منفردة لوجدها أنها بلفظ: ( إذا دبغ الإهاب فقد طهر ), وبه نعلم أن ما وقع في حديث سفيان هو نوع من أنواع التدليس الذي يقع فيه بعض الثقات، في تدليس بعض الرواة, كأن يقول: رواه فلان وفلان وفلان، واللفظ هذا إنما هو لواحد.

    ولهذا الإمام مسلم عليه رحمة الله في كتابه الصحيح من أدق الأئمة في نقل الألفاظ، وهو أدق من البخاري، في ألفاظ الحديث, فيروي الحديث فيقول: رواه فلان وفلان وفلان واللفظ لفلان, أي: أن هؤلاء متابعين له في أصل الحديث، ولكن الألفاظ يتباينون فيها، وأكثر الأئمة لا يدققون في أبواب الألفاظ, فيعطفون الرواة ولا يبينون ذلك، وهذا مما ينبغي لطالب العلم أن يعتني به.

    وثمة مسألة في هذا الحديث وهي أنه إذا روي على الوجهين بلفظ: ( أيما ), فقد روى سفيان الوجهين, وروى سفيان بن عيينة و مالك بن أنس وجه ( أيما ), فنقول: الأرجح في ذلك لفظ: (إذا), و(أيما) معلول.

    وما الفرق بين ( إذا دبغ الإهاب فقد طهر )؟ وبين ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ), نقول: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر )، هذا شاملاً لسائر أنواع الجلود، وبهذا أعله الإمام أحمد عليه رحمة الله فأنكر هذه الرواية, وقد بين رجحان لفظ: ( إذا دبغ الإهاب فقد طهر ), غير واحد من الأئمة؛ كـأبي زرعة وغيره, وأن الأصوب في ذلك: ( إذا دبغ الإهاب فقد طهر ).

    ومن وجوه الترجيح في هذا: أن الإمام مسلم عليه رحمة الله قد تنكب الحديث بلفظ: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر )، مع وجوده عنده من حديث قتيبة عن سفيان , ومع ذلك ما ذكره بلفظ (أيما) وإنما ذكره بلفظ (إذا).

    حكم الألفاظ التي يتركها الشيخان مع وقوفهما عليها

    وهذه مسألة مهمة: أن صاحبي الصحيح: البخاري و مسلم إذا تنكبا لفظة مع وقوفهما عليها فإن هذا من قرائن التعليل, وقد يكون كالنص.

    وهذا من المسائل التي ينبغي أن نتحدث عنها، وهي الأحاديث التي يخرجها البخاري في الصحيح، وفيها ألفاظ خارج الصحيح بهذا الطريق أو بغيره فنقول: هذا دليل على إعلالها، ولم نقل: قرينة، وإنما قلنا: دليل, وذلك مقيد بقيود:

    القيد الأول: أن تكون هذه الزيادة مما يتضمن حكماً, فإذا كانت هذه الزيادة مما تتضمن حكماً ولم يوردها، ويورد البخاري و مسلم حديثاً يعضد هذه الزيادة منفرداً، فإن هذا من أدلة الضعف لها، ويتأكد هذا إذا تنكب البخاري و مسلم هذه الزيادة وأورد حديثاً مستقلاً يخالف هذه الزيادة فإن هذا كالدليل القاطع بالنص منهما على ضعف هذه الزيادة.

    كذلك أيضاً: إذا روى البخاري و مسلم حديثاً فيه زيادة، وهذه الزيادة متعلقة بالباب الذي ورد فيه هذا الحديث فإن هذا أيضاً كالنص على إعلالها.

    وفي مسائل الإعلال في عدم إخراج البخاري و مسلم إشكالات ترد على كثير من طلاب العلم في أبواب التعليل ومنها لماذا ننسب إلى البخاري و مسلم تعليل هذا الحديث مع أننا لم نجد نصاً لهما أنهما أعلا هذا الحديث؟

    وكذلك يتبادر إلى ذهن طالب العلم أن البخاري و مسلماً إنما أوردا في كتابيهما الصحيح أحاديث، وانتقيا منها من مجموع ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يوردا كل شيء، فإذا كنا لا نعل حديثاً على سبيل الاستقلال؛ لأن البخاري و مسلماً لم يخرجاه فهو ضعيف, فمن باب أولى ألا نتكلم على أبواب الألفاظ في إلحاق ذلك بالبخاري و مسلم وأنهما يعلان ذلك.

    أولاً: نقول: إن هذا الكلام يرد كثيراً في بعض كلام أهل العلم وبعض طلاب العلم ونقول: هذا الإطلاق فيه نظر؛ وذلك لوجوه متعددة:

    أولها: أن البخاري و مسلماً إنما أرادا أن يجمعا في كتابيهما الصحيح في أصول المسائل، وأصول الأحكام وأعلام المسائل ومشهورها وأصول الفروع, أن يجمعا أصول الفروع في كتابيهما الصحيح، ويظهر هذا في أسماء الصحيحين, فـالبخاري كتابه الصحيح سماه: الجامع المسند المختصر الصحيح من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأقواله، فقوله عليه رحمة الله: الجامع المختصر المسند الصحيح، إشارة إلى أنه أراد أن يجمع الأحكام الظاهرة، المسائل الكلية وأعلام المسائل, وما وقفا عليه وهما من كبار مسندي الدنيا على الإطلاق فإذا تركا حديثاً في بابه وهو أصل ولم يخرجاه فإن هذا من علامات ضعف الحديث، وهذا ليس قولاً جديداً, بل قد نص عليه جماعة من الأئمة منهم الدارقطني, والبيهقي في كتابه السنن, والحاكم , وابن رجب عليه رحمة الله في كتابه شرح العلل, وقال: إن البخاري و مسلماً قد يتركان الحديث وذلك لبيان علته، فكان صمتهما عليهم رحمة الله كالإعلال لذلك الحديث، وبين عليه رحمة الله أنه تقصر أفهام كثير من الناس عن إدراك ذلك لقصورهما عن مرتبتي الإمامين: البخاري و مسلم ، وقد أشار إلى هذا أيضاً ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه زاد المعاد، وكذلك ابن الصلاح وجماعة من الأئمة.

    إذاً: إذا كان من الأصول الكلية، ومن أعلام المسائل ومشهورها، أو من فروض الأعيان, أو من فروض الكفايات فإنه لا بد أن يخرج في البخاري و مسلم حديثاً يعضد هذه الأمور, وهذا أمر معلوم متقرر عند الأئمة.

    وأما ما كان من خلاف في ذلك؛ كفضائل الأشخاص, والبلدان, والأعمال, وبعض الأحكام العامة من السنن والنوافل والرواتب، وعلاقة المرأة بزوجها والزوج بامرأته وغير ذلك من مكارم الأخلاق, وكذلك بعض أحكام اللباس التي لا تصل إلى الفروض ونحو ذلك, فإن البخاري و مسلماً يتنكبان ذلك, وربما يصححانه كما نقل ذلك عنهم الترمذي عليه رحمة الله, وقد يصححه البخاري في نقل أو في بعض كتبه, وكذلك الإمام مسلم عليه رحمة الله.

    وأما ما يتعلق بذلك من جهة الحكم فنقول: إننا وجدنا أن ثمة أحاديث على هذا النحو قد أعلها البخاري في كتابه التاريخ، ومسلم في كتابه التمييز فهي داخلة في هذا الباب, ولا يكاد يوجد حديث تنكبه البخاري و مسلم وهو داخل في ذلك ويصح من وجه, نعم, قد يجد طالب العلم بعض الأئمة قد صحح هذه الأحاديث ونقول: إن تصحيح بعض الأئمة لهذه الأحاديث لا يعني أن هذا ليس برأي البخاري و مسلم, ونحن نتكلم على رأي البخاري و مسلم لا رأي غيره, فقد يخالف البخاري و مسلماً في هذا الأمر, ويظهر الإعلال صراحة إذا تنكب البخاري و مسلم حديثاً هو أصل في بابه فأورد ما يخالفه، ويظهر هذا في أمرين:

    الأمر الأول: إذا أورد البخاري و مسلم حديثاً يخالف أصلاً في بابه هو دون مرتبة الإسناد المتروك, فنقول: إنه حينما أخرج ما يخالف ما هو أصح إسناداً بإسناد دونه في المرتبة دل على عدم الاعتداد بقوة ذلك الإسناد.

    الوجه الأخر: أن البخاري عليه رحمة الله قد يخرج حديثاً يخالف ذلك الحديث الذي تنكبه في كتابه الصحيح بالموقوف، فقد يخرج البخاري موقوفاً، ولا يجد مرفوعاً يعضد مخالفة المرفوع ولكنه يورد موقوفاً، فيخالف المرفوع فيريد بذلك أن يضعف المرفوع خارج الصحيح بموقوف هو الأصل في بابه فيورد ما هو أصح في هذا الباب، فينبغي لطالب العلم أن يكون أيضاً من أهل العناية.

    وثمة مسائل وإشارة في هذا أن بعض الأحاديث التي يوردها البخاري في كتابه الصحيح في غير بابها الفقهي، ويكون في بعض ألفاظها دلالة فقهية فيورد ما يخالف ذلك الحديث, فنقول: إن هذا لا يقطع به, باعتبار أن البخاري ما أورده في بابه التام، وإنما يلتمس في ذلك ويتحرى، والأغلب أن البخاري و مسلماً لا يتنكبان حديثاً هو من الأصول إلا وفيه علة.

    ثمة أحاديث يتنكبها البخاري و مسلم لكن رسوخ أصلها لا يحتاج إلى إيراد حديث فيها, ورسوخ هذا الأصل مما إذا خالف فيه أحد كفر؛ مثال ذلك: شخص يقول: المياه نجسة, فنجد البخاري و مسلماً ما أوردا أصلاً في إطلاق طهارة المياه، باعتبار أن هذا أمر ثابت في القرآن وهو أصل أكثر رسوخاً مما يورده البخاري في كتابه الصحيح, ولو جاءنا شخص وقال: إن الأصل في المياه النجاسة كلها, ولا يتوضأ بالماء, بل: بالعصير، واللبن، والتراب, ونتيمم بالحصى, فنقول: هذا ضلال وكفر وخروج من الملة, ولهذا نقول في مثل هذه الأمور: إن ثمة أفراداً قليلة لا تخرم تلك القاعدة التي نتكلم عليها.

    ومن الأمور المهمة في هذا: أن البخاري في الأحاديث التي يحتاج إلى إيرادها يترجم لها ويورد حديثاً بعيد الدلالة، ويكون الحديث ظاهر الدلالة خارج الصحيح ويتنكبه البخاري , فيترجم ترجمة صريحة ويورد في الباب حديثاً ليس بظاهر الدلالة, بل ضعيف الدلالة أو قاصر الدلالة, فماذا نحكم على الحديث خارج الصحيح؟ فالبخاري ما خالفه, بل أورد في بابه ما يعضده فنقول: هذا إشارة أو كالنص بإعلاله؛ لأن البخاري في ذلك يريد أن يدلل على شيء يعضده، فلما تنكب ذلك الحديث دل على أنه معلول عنده أو لا يرتقي إلى درجة الصحة.

    معرفة شروط الأئمة في مصنفاتهم

    وشروط الأئمة في مصنفاتهم تعرف بثلاثة أمور:

    الأمر الأول: في مقدمات كتبهم وما ينصون عليه في ثنايا الكتاب، من أنه سيلتزم بكذا وشرط هذا أن يكون كذا, ولهذا البخاري لا نجد له مقدمة، فشرط البخاري في هذا النوع معدوم ولا يوجد مقدمة للبخاري.

    الأمر الثاني: بسبر الكتاب, وهو أن يسبر الكتاب، والسبر لسان ناطق, لا يراه الإنسان ولا يسمعه إلا السابر، وكثير من الناس لا يقر بسبر السابر حتى يسبره بذاته ثم يخرج بهذه النتيجة, ولهذا فالذي يكون من أهل التمكن وسبر الكتب يعرف شرط ذلك الإمام ويقطع به, ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يسبر الكتب التي ليست لها شروط حتى يخرج بقاعدة في هذا.

    الأمر الثالث: بعناوين المصنفات، ولهذا نأخذ من شرط البخاري في كتابه الصحيح في قوله: الجامع, أنه أراد الجمع فيما نتكلم عليه من أصول المسائل وأحكام الديانة، ونأخذ في قوله: المختصر أنه لا يريد أن يخرج كل شيء في الباب, فقد يترك الحديث الصحيح, فما أورده في بابه فإنه أورد أصلاً وترك الآخر وقد يصح، وأنه يأخذ ما يوافق شرطه, وفي قوله: (المسند) نعلم أن المعلقات ليست من شرط البخاري ، ونعلم أيضاً أن ما يذكره البخاري في تراجمه من بعض الآثار فإن هذا ليس له حكم, ونأخذ قوله: (من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله): أن الموقوفات ليست على شرط البخاري ، وإنما يوردها البخاري لحاجة إليها, وهذا يستخدمه طالب العلم في كثير من الكتب, سواء في البخاري أو في مسلم ، وإنما قلنا في مسلم : لأنه أظهر في أبواب بيان منهجه من البخاري، فإن الإمام مسلم قد بين في مقدمة كتابه الصحيح نهجه وطريقته، ولأنه كتاب يشمل الإسناد والصحة, ودقة المتون, ومع أن كونه كتاب صحيح فيه علل، وهذا قد بينه في كتابه المقدمة، وأشار أيضاً إلى هذا في كتابه التمييز.

    أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لمرضاته.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    علاقة علل الحديث بتغير رأي الراوي الفقهي

    السؤال: قد يكون قول الراوي الفقهي تغيراً من رأي إلى رأي؟

    الجواب: تغير الأقوال بالنسبة للأقوال التي يثبت عليها الفقيه كم نسبتها؟ قليلة، تجد الإمام خاصة الأئمة في الزمن الأول لم تكن شائبة الفقه والآراء قد ظهرت وانتشرت, فكان لديهم استقرار على المسائل، فالرجوع عن الأقوال هو في مسائل معدودة، فتجد مثلاً لديه ألف مسألة ولا يرجع إلا في خمس عشرة مسألة إلى عشرين, وهذه لا حكم لها في بابنا، ونحن نتكلم على أبواب العلل ونقول: هي مسائل وقواعد أغلبية، ونتكلم أيضاً على أبواب قرائن، وفرق بين القرينة وبين القاعدة, فالقاعدة أغلبية وهي شبيهة بالتأكيد, وأما القرينة: فهي ما لا يمكن أن تصل إلى قاعدة وهي تحتاج إلى عاضد يعضدها في هذا.

    إعلال الحديث بمخالفة راويه له

    السؤال: هل كل مخالفة من راو لما روى يعتبر علة؟

    الجواب: هذا هو الأصل؛ لأن الأئمة من رواة الأخبار إنما رووا الأخبار تديناً وورعاً، ويفتون بالفقه وهم يوقنون أن مصدر التشريع هو من الوحي، ولا يتصور أن إماماً من فقهاء التابعين أو في زمنهم يصدر للفتيا وهو من الرعاع, بل كان الواحد في زمنهم يجمع مع الفقه الديانة والعبادة، ولا يتصور أنهم يصدرون أحداً، بخلاف كثير من أحوال المتأخرين, وللأوائل خصيصة, فلهذا إذا ظهرت المخالفة فإن هذا من قرائن أن هذا الخبر ما ثبت لديه، وإلا كان هو أولى بالاتباع لذلك الحديث.

    إعلال الحديث بمخالفة الراوي إذا وجد لدى الراوي مرجح

    السؤال: قد يخالف الفقيه من السلف الحديث لمعارض راجح؟

    الجواب: أولاً: المعارض الراجح لا بد أن يعلم؛ لأن هذه مسائل دينية ولا بد أن تظهر، ولو لم يظهره أظهره غيره, فإذا كان ثمة حديث مخالف للحديث الذي رواه أعللنا به ولم نعلل بالراوي؛ لأنا لسنا بحاجة إليه, فلم نلجأ إلى إعلال الحديث المرفوع بمخالفته هو إلا وقد قصرنا عن وجود حديث يخالف ذلك الحديث حتى يعله, وإنما لجأنا إلى إعلال الحديث المرفوع بقول تابعي لأننا فقدنا حديثاً يخالفه إما يكون ناسخاً أو مخصصاً له أو مقيداً لعمومه, أو أثر صحابي أقوى من قول التابعي فيعل ويبين, ولهذا نقول: لم نلجأ لإعلال الحديث بقول التابعي أو تابع التابعي الذي خالف مرويه إلا وقد تلاشت لدينا أسباب وجوه وقرائن التعليل.

    كيفية معرفة إعلال مسلم بعض ألفاظ الحديث مع أنه لم يضع أبواباً لصحيحه

    السؤال: مسلم لم يضع أبواباً لكتابه على الصحيح، إذاً: كيف نقول بأن تصرفه يدل على إعلال بعض الأحاديث؟

    الجواب: لــمسلم طريقة في سرده للأحاديث, الأصل أن الإمام مسلماً رتب الأحاديث ترتيب الأبواب لكنه ما سمى الأبواب على الصحيح, ما بَيَّض له, فما يذكره في صدر الباب فالأصل والأغلب في ذلك أنه هو الأصح, ثم يورد ما خالف في ذلك, وفيها راجح وفيها مرجوح, لكن الأرجح لديه هو الأول, وتقدم معنا هذا في حديث أبي هريرة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ). نعم.

    حكم مخالفة الراوي بعض الحديث الذي رواه

    السؤال: ما حكم مخالفة الراوي لجزء من حديث رواه؟

    الجواب: إذا كانت هذه الجزئية تؤخذ على سبيل الاستنباط وليست بدلالة ظاهرة فهذا يضعف جانب التعليل, ولكن إذا كانت حكماً ظاهراً بيناً ثم خالفه فهذا لا يمكن أن يخالفه إلا والخبر معلول عنده.

    وقد يشكل لدى البعض مسألة وهي أنه قد يكون الراوي أفتى بهذه الفتيا قبل سماعه لهذا الحديث وروايته له, فنقول: الأئمة من فقهاء السلف من الصحابة والتابعين لهم أصحاب يعلمون الناسخ من المنسوخ من أقوالهم, وآخر أقوالهم, ويعتنون ويعرفون أقوالهم, ولا يكاد يوجد فقيه من الكبار سواء من الصحابة أو من التابعين كـسعيد بن المسيب , والقاسم , و سليمان بن يسار و خارجة وغيرهم إلا وله أصحاب يعرفون القول الأول من الآخر، ولا ينقلون إلا ما كان أمره عليه، فحينئذ يدخل باب السابق واللاحق في هذا وهو باب ضيق مع احتماله إلا أنه لا يلتفت إليه؛ لأنه وهم، والأغلب بقاء الإنسان على قوله، وهذا داخل فيما تقدم أن الإنسان في الأقوال التي يقولها قد يكون رجع عليها أن هذا باب ضئيل جداً، وكذلك أيضاً في استقراره على أمره, هذا هو الأصل وأنه لا يفتي إلا على بينة ودليل.

    حكم الحديث إذا كان فيه علة

    السؤال: [ ما حكم الحديث إذا كان فيه علة؟ ]

    الجواب: نحن نتكلم على أبواب الإعلال، فالإعلال قد يضعف به وقد لا يضعف؛ لأنه قد يكون الحديث معلولاً وهذه العلة غير قادحة, لكن لا ترقى إلى صحة البخاري، فيكون الحديث صحيحاً وقد يكون حسناً وقد يصححه البخاري لكنه يبقى معلولاً, وهذه العلة لا تمنعه.

    فعلل الأحاديث كعلل الأبدان, فالبدن قد يكون معلولاً بعلة ولكن لا تمنعه من وجوب حضور الجماعة فيأتي للجماعة، كأن يكون به صداع رأس يسير، أو يكون به زكام، أو ألم أو جرح في يده ونحو ذلك ولكن لا يمنعه من حضور الجماعة, وهناك علل تقعده ولا تقيمه, ولهذا نقول: علل الحديث كعلل الأبدان, منها ما يطرح الإنسان ويبقيه، وهذا هي العلل القوية، ومنها ما هي علل لا تطرح الإنسان، وهذه مما يشترط انعدامها البخاري و مسلم في الحديث, فقد يوجد علل يسيرة كالعلل اليسيرة في الإنسان؛ فالبخاري و مسلم لا يلتفت إلى إخراج هذا الحديث إذا كان فيه هذا القدر من العلة ولا يخرج إلا الصحيح التام, وهو شرط ارتآه الشيخان في كتابيهما.

    وثمة علل قد يصفها بعض الأئمة بأنها علل لكن البخاري و مسلم لا يرى أن هذه عله، وإن رأى غيره أنها علة. أسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.