إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [60]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تولى الله عز وجل قسمة التركات بنفسه فبين ذلك أيما بيان، وبدأ بالأولاد في الذكر؛ لأنهم الأحوج إلى هذا المال ثم ذكر بقية الورثة وما يجب لهم عند انفرادهم، وعند من يكون معهم من يحجبهم، ثم نبه على أهمية الوصية والدين وأن أداءهما هو المقطوع بنفعه بخلاف الآباء والأبناء فلا يدرى أيهم أقرب نفعاً.

    1.   

    قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم ...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    ففي هذا المجلس في الخامس والعشرين من شهر ربيع الثاني من عام خمس وثلاثين بعد الأربعمائة والألف نتكلم على أول آيات المواريث من سورة النساء، وتقدم معنا الإشارة إلى شيء من أحكامها وبعض المتعلقات بها, وذلك في قول الله عز وجل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11] .

    الطريقة الصحيحة لمعرفة أحكام الأموال

    ذكر الله سبحانه وتعالى جملة من الأحكام المتعلقة بالأموال، وذكرنا أن الإنسان لا يمكن أن يفهم إحكام الشريعة ودقة تفصيلها في أبواب الأموال حتى يعرف تسلسلها, ويعرف أحكامها كما أمر الله جل وعلا، وذلك أن الله سبحانه وتعالى رتب مصاريف الأموال بحسب وجودها في حياة الإنسان من جهة المال المكتسب، فبين الله عز وجل الأموال الحلال والأموال الحرام، ثم ذكر ما يخالط مال الإنسان من أمور الربا على ما تقدم معنا في سورة البقرة.

    وذكر الله عز وجل جملة مما يعترض الإنسان من خلطة ماله مما يتعلق بأمور المداينة، والرهان، وما يتعلق بأحكام مخالطة مال اليتيم.

    وتقدم معنا في قول الله عز وجل: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2] ، وأن الله سبحانه وتعالى حذر من أكل مال اليتيم في مواضع عديدة.

    وذكر الله عز وجل بعد ذلك ما يتعلق بأمر الصداق، وهو أول لبنة نفقة الرجل على المرأة، فذكر الله عز وجل صداقها، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة [النساء:4] ، يعني: فريضة.

    ثم ذكر الله سبحانه وتعالى ما يلي ذلك من الذرية والنفقة عليها بعد عقد النكاح والدخول بها، فإنه يلزم عليه أن ينفق على زوجه وكذلك ولده من ذكر وأنثى, فقال الله سبحانه وتعالى: وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:5].

    ثم يكون الإنسان في حال النفقة، ثم تأتيه أو يقرب أجله، فيكون في ذلك الوصية فلا يحيف الإنسان بها، فذكر الله عز وجل أمر الوصية، ثم ذكر الله عز وجل بعد ذلك ما يعقب الوصية من الأمر وهو التركة بعد وفاة الإنسان.

    هذه القسمة المالية التي ذكرها الله جل وعلا بإحكام، لا يمكن للإنسان أن يفهم إحكامه جل وعلا في قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، أن يعرف القسمة هنا والفرق بين حق ونصيب الذكر والأنثى في المواريث، لا يمكن أن يعرف ذلك بما أراده الله عز وجل إلا وقد عرف بقية الأحكام الأخرى.

    الحكمة من تقديم الأولاد في الذكر على بقية الوارثين

    وكذلك فإن الله عز وجل في هذه الآية في قوله جل وعلا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11]، قدم الله عز وجل فروض الأولاد على فروض غيرهم من الآباء والأمهات، والإخوة والأخوات، وكذلك الزوج والزوجة؛ لأن الأولاد هم أحوج الناس إلى المال بخلاف غيرهم، وذلك أن الزوجة ترث من غير الزوج، فإن لها أباً ولها أماً، وكذلك بالنسبة للزوج مع الزوجة بخلاف الأبناء، فغالباً التركة تكون من الأبوين، فذكر الله سبحانه وتعالى الأولاد اهتماماً بهما مع أن حق الأبوين أولى من حق الأولاد في البر، ولكن لما انقضى أجل الوالد، لما انقضى أجل الابن بالنسبة للوالدين لم يكن حينئذ اتجاه إلا إلى المال، والمال متعلق بالحاجة، فلما كانت حاجة الأولاد أعظم من حاجة الوالدين؛ فإنه يتوجه في ذلك إلى الاهتمام بهما, فإنه يغلب على الأبناء الضعف، وربما كان فيهما قصر بخلاف الوالدين فالغالب فيهما الكمال وتهيئة النفس قبل بلوغ العجز والهرم بالادخار والكفاية من الدور ومن الأوقاف، أو ربما من الكفاية من أمور البساتين، وغير ذلك مما يبقى للإنسان بخلاف من كان ناشئاً.

    فتوجه هذا الأمر إلى الاهتمام بالأولاد قبل غيرهم من الوارثين, وذلك أن الأبناء يسبقون الابن عادة بالتهيئة للنفس وكفايتها في أمر الدنيا، والإخوة يقارنونه من جهة العناية بها ويساوونه غالباً، والأبناء هم أحوج الناس إليه, فقدمهم الله عز وجل على بقية الوارثين, فقال الله جل وعلا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11].

    الأمر بالوصية

    قوله جل وعلا: يُوصِيكُمُ [النساء:11]، الوصية هنا أمر بلا خلاف، فإذا أوصى الله عز وجل في كتابه وقضى فإن المراد بذلك الأمر، كما في قول الله جل وعلا هنا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11]، وكما في قول الله جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، يعني: وصى وقضى وأمر وأوجب، بمعنى واحد.

    وعلى هذا في هذه الآية نعلم أن الأمر في ذلك قطعي، وهو فرض، وجعله الله عز وجل من حدوده, كما يأتي الكلام عليه في الآيات التالية بإذن الله تعالى.

    إطلاق الولد على الذكر والأنثى

    وفي هذه الآية إشارة إلى أن الأولاد يتوجه إلى الذكور والإناث بخلاف ما يجري في ألسنة العامة توجيه لفظ الأولاد إلى الذكور، نقول: هذا مما جرت عليه العامة، وأما في اللغة فإنه يتوجه إلى الذكور والإناث، ولهذا قال الله جل وعلا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، يعني: للذكر من الأولاد، مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، منهم، فيدخل في هذا جميع الأجناس.

    وأما ما يأتي في كلام العلماء عليهم رحمة الله تعالى في مسألة الخنثى، فربما يأتي الإشارة إليه بإذن الله عز وجل في موضعه.

    دلالة نسبة الوصية إلى الله عز وجل

    يقول الله جل وعلا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11]، نسبة الوصية إلى الله تأكيد للمأمور به، وتعظيم لحق ما أمر الإنسان به من حق غيره, وذلك من حق الأولاد، فالله جل وعلا نسب الأمر إليه؛ لأن الأولاد لما يكتنفهم من عجز وضعف، بيان أن الله عز وجل تكفل بالوصية إليه، والإنسان حينما يدنو من الأجل يوصي بماله إلى غيره، فالله جل وعلا جعل نفسه هنا في مقام الموصي في هذا المال؛ لأنه أولى من العبد بنفسه وماله، فقال الله جل وعلا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11] .

    الأوصاف التي يتفق فيها الأولاد في الإرث

    أول أبواب أو فروض التركات هنا: أن بين الله عز وجل تركة وفروض الأولاد, فقال الله جل وعلا: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، ليتفق العلماء على أنه لا فرق في أبواب الذكورة والأنوثة بين الصغير والكبير، سواء كان مولوداً أو شيخاً كبيراً، فإنه لا فرق بينهم في هذا.

    كذلك يتفقون على أنه لا فرق بين العاقل والمجنون، والمكلف وغير المكلف، فقد يكون الولد في ذلك مجنوناً وتكون الأنثى عاقلة، أو الأنثى مجنونة والذكر في ذلك عاقلاً، فلا أثر في هذا في أبواب التركات، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى الذكورة والأنوثة؛ لأنها تشمل جميع الأنواع وجميع الأحوال، وتدفع جميع العوارض التي ربما تخطر في النفس، فذكر الله سبحانه وتعالى الذكورة والأنوثة وما ذكر الرجال والنساء؛ لأن الغالب في ذكر الرجال والنساء أنهم في الكبار، فذكر الله عز وجل الذكورة والأنوثة، لأنها تقع على الجميع.

    الحالة التي يرث فيها الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين

    وقوله هنا جل وعلا: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، يعني: من التركة، وهذا هنا عند وجود الفرع الوارث وتعددها، فإذا تعدد الفرع الوارث وتعددت الأجناس من الذكر والأنثى، فإنه يكون لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فكلما زاد في ذلك فإنه يقسم بحسب الرءوس، فيكون حينئذ للذكر رأسان، ويكون للمرأة رأس واحد.

    فإذا توفي رجل عن ابن وبنت، فيقسم حينئذ على ثلاثة، إلا إذا لم يكن ثمة أصل وارث, كما يأتي الكلام عليه بإذن الله.

    وإذا توفي عن ابنين وبنت فإن رءوس الأبناء في ذلك يكونون أربعة والبنت واحدة, فحينئذ يكون على خمسة، وكلما زاد زادت القسمة في ذلك, وهذا عند تعدد الفرع الوارث.

    ميراث الولد إذا كان فرداً

    وأما إذا كان الفرع الوارث فرداً، سواء كان ذكراً أو أنثى, فالله جل وعلا يقول: فَإِنْ كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَة فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11] ذكر الله عز وجل الميراث للفرع الوارث وجعله الله جل وعلا على أحوال: أحوال الذكورة والأنوثة، وأحوال الانفراد والاجتماع.

    في أبواب الانفراد: فإذا انفردت البنت بالتركة عن الولد فإن لها النصف, وذلك لقول الله جل وعلا: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَة فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11]، وإذا انفرد الابن عن البنت فيكون له المال كاملاً, ودلالة المفهوم في هذه الآية, فإن الله عز وجل قد جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، فإذا أخذت البنت عند انفرادها بالتركة النصف من دون شريك وارث لها, فإنه إذا انفرد الذكر بالتركة فإنه يأخذ التركة كاملة, لأن هذا مقتضى أنه للذكر مثل حظ الأنثيين.

    وأما إذا كان ثمة اجتماع، فالله سبحانه وتعالى يقول: فَإِنْ كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، عند الاجتماع: إما أن يجتمع الذكور, وإما أن يجتمع الإناث، وإما أن يجتمع ذكور وإناث، فإذا اجتمع ذكور وإناث وهذه هي الحالة الأولى، فذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في صدر هذه الآية، قال: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، وهذا على ما تقدم قسمته.

    الحالة الثانية: إذا اجتمع الفرع الوارث من جنس واحد، فإذا كانوا إناثاً فاجتمعوا، فإنهما يشتركان بالنصيب الذي جعله الله جل وعلا لهن في قوله سبحانه وتعالى: فَإِنْ كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، يعني: ما ترك الأب، سواء كن ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة أو أكثر من ذلك، فإنهن يشتركن في الثلثين مما ترك الوالد.

    وأما إذا كان الاجتماع في ذلك في حق الذكورة، فكان الورثة من الأبناء، فاثنين وثلاثة أو أربعة أو خمسة ولم يكن ثمة شريك من الفرع الوارث من الإناث, فإنهم يشتركون فيما جعله الله عز وجل لهم من جميع المال، فإذا انفرد الابن بالمال دون البنت وأخذه كله, فإنه إذا شاركه إخوته في المال فإنهم يشاركونه أيضاً في المال كله، كما تشترك عند الجمع الابنتان والثلاثة بالثلثين؛ لأنه نصيبهم، كذلك بالنسبة للأبناء يشتركون في المال فيما قدره الله جل وعلا لهم في هذا.

    والعلماء عليهم رحمه الله تعالى يتفقون في هذا, ويختلفون في العدد في قول الله جل وعلا: فَإِنْ كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، ذكر الله عز وجل هنا الفوقية في قوله: فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11]، هل يدخل في هذا الاثنتين, أم المقصود بذلك ما زاد عن اثنتين: الثلاثة؟

    فالله عز وجل قد بين حال الاشتراك اشتراك الجنسين، وبيَّن حال انفراد الأنثى إن كانت واحدة فلها النصف، وبيَّن الله عز وجل عند التعدد، وعند التعدد إما أن تكون اثنتان, وإما أن يكن أكثر من ذلك ثلاثة فما فوق.

    عامة العلماء من السلف والخلف على أن الثلثين للإناث يدخل في ذلك الاثنتان فما زاد، ولا فرق بين الاثنتين والثلاث في هذا الباب، وقد حكى الإجماع على ذلك جماعة من العلماء كـابن عبد البر و ابن رشد وغيرهم، أنه لا فرق في العدد في هذا، ويروى عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى على أن حكم الاثنتين كحكم الواحدة، وأن الجمع في ذلك هو في الثلاثة. وهذا قول حكم بشذوذه، وهو من جهة الإسناد لا يصح عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى.

    وإنما قال عبد الله بن عباس هذا عند من قال أو اقتدى وأخذ بقوله، قالوا: لأن أقل الجمع في ذلك ثلاثة، والله سبحانه وتعالى أيد ذلك بقوله في ظاهر الآية، قال: فَإِنْ كُنَّ نِسَاء [النساء:11]، ذكر الجمع، فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11]، وما ذكر اثنتين, مما يدل على لحاق الاثنتين بحكم الواحدة.

    وهذا القول قول مردود, وذلك من جهات متعددة:

    أولها: أن الله سبحانه وتعالى بيَّن ميراث الواحدة في قوله جل وعلا: فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11]، وبقي عندنا الاثنتان والثلاثة، ثم بين الله عز وجل على قولهم لكان قولهم في ذلك صحيحاً، فعلى قولهم: أن الله عز وجل بين حكم الواحدة, وبين حكم الثلاث فما زاد، وبقي لدينا حكم الاثنتين، فما الدليل على إلحاقه بالواحدة، والله عز وجل يقول: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَة فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11] ؟

    فهذا حكم قطعي بين في حكم الواحدة، لا في حكم الاثنتين, مما يدل على أن استحقاق الواحدة للنصف أظهر وأبين من استحقاق الثلاثة للثلثين فقط من دون البنتين.

    ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى حينما بين فرض الواحدة وأن لها النصف، والله جل وعلا ذكر فوق اثنتين؛ دليل على دخول الاثنتين في أبواب الجمع وما زاد عن ذلك.

    وأما التمسك بذلك في قول الله جل وعلا: فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11]، نقول: إن كلمة (فوق) صلة وزيادة، وهذا معروف في كلام العرب, كما في قول الله جل وعلا: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ [الأنفال:12] ، يعني: اضربوا الأعناق وما فوقها.

    وكذلك هنا في قول الله سبحانه وتعالى: فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11]، يعني: اثنتان فما فوقها يدخلن في هذا الحكم.

    ومقتضى القول بهذا في قوله جل وعلا: فَإِنْ كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، أنه يلزم من هذا أن فرض الاثنتين متروك, وهو لم ينص عليه بعينه, دليل على أنه داخل في حكم الجمع.

    ومنهم من يقول: إن أقل الجمع ثلاثة، وهذا المعروف في لغة قريش، ويحملون الألفاظ في أمور الجمع في كلام الله سبحانه وتعالى على الثلاثة فما فوق، ويأتي هذا في مسألة الإخوة مع الأم, وذلك بحجب الأم من الثلث إلى السدس، وخلاف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في هذا الباب أنه من الذي يحجب الأم من الثلث إلى السدس: هل الاثنان يحجبانها، أم لا بد من ثلاثة فما زاد؟

    هذا أيضاً من مسائل الخلاف، ولكن هذه المسألة نقول: إنها مسألة لم ينص عليها بيقين, فيرجع في ذلك إلى الإجمال, ويأتي الكلام عليها بتفصيلها.

    أما هنا فالله سبحانه وتعالى حدد حكم الواحدة, وما حدد حكم الاثنتين، وحينما فصل في حكم الواحدة أن لها النصف دل على أن ما عداها يخرج عنها، وما عداها قال: فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11]، يعني: اثنتين وزيادة.

    والوجه الثاني من الوجوه الذي يرد على هذا القول: بأن القول بأن اثنتين تأخذ حكم الواحدة بالنصف, وأنه قول شاذ؟

    نقول: إن البنات أولى بالإرث من الأخوات مع الأخ، فإنه في حكم الكلالة في آخر سورة النساء لما ذكر الله عز وجل أحكام الكلالة، الذي يتوفى وليس لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176]، ولكن إذا كانوا جمعاً فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ [النساء:176].

    يعني: إذا كانتا اثنتين أخوات فيرثان الثلثين مما ترك الأخ، فأيهما أولى بالإرث بالاثنتين: الأخوات من الأخ أم البنات من الأب؟

    البنات من الأب.

    وهذا يدل على أن البنتين يدخلان في حكم الجمع في قوله سبحانه وتعالى: فَإِنْ كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11] .

    وأما من يقول: إن الله سبحانه وتعالى ذكر النساء هنا في قوله جل وعلا: فَإِنْ كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، نقول: ذكر النساء هنا جرت مجرى الأغلب على القول بأن اثنتين ليست بجمع.

    ومعنى الأغلب أن المتروك من النساء في الغالب أنه يكون جمع، إصابة الاثنتين قليلة، والغالب في الورثة أنهن يكن جمعاً, فجرى على هذا ظاهر اللفظ.

    ميراث الجمع من البنات

    وقوله سبحانه وتعالى: فَإِنْ كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَة فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11]، عند انفراد البنت عن الأخ فإنها تأخذ النصف، وإذا انفرد الابن ولم يكن ثمة فرع وارث من البنات، فإنه يأخذ المال كاملاً إذا لم يكن ثمة أصل وارث، وإذا كان ثمة أصل وارث فإنه يأخذ الأصل الوارث مع الفرع الوارث: السدس، والأصل الوارث من الأبوين: الأب والأم، عند وجود الفرع الوارث فإنهما يستويان في الفرض, وفرضهما في ذلك السدس, كما ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَة فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11] .

    بيان حجب الأولاد الأصل الوارث

    وفي قوله سبحانه وتعالى: إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11] . الولد هنا جنس على ما تقدم، سواء كان من الذكر أو الأنثى، ولا فرق في ذلك بينهما عند حجب الأم, فإنه يكون في ذلك النصيب للأب والأم في ذلك السدس عند وجود الفرع الوارث، سواء كان ذكراً أو كان أنثى.

    نصيب الأبناء والبنات من جهة الفرض لا ينقصه الأصل الوارث، ولكن ينقص من جهة القيمة، وأما بالنسبة للأصل الوارث ينقصه وجود الفرع الوارث، فرضاً في ذلك وقيمة، كما يأتي بيانه بإذن الله تعالى.

    وذلك أنه إذا وجد الأولاد من البنين والبنات سواء وجد الأصل الوارث أو لم يوجد, فإن الفرض في ذلك واحد.

    ومعنى هذا: أن البنت إذا انفردت بالمال عن أخيها ولم يكن ثمة وارث معها, ووجد الأصل الوارث فإنها تأخذ النصف، وجد الأصل الوارث أو لم يوجد، وإذا انفرد الابن بالمال مع وجود الأصل الوارث من الأب والأم فإنه يأخذ ما تبقى من المال بعد أن يأخذ الأبوان السدس فهو يأخذ المال، فأخذه للمال فرض فرضه الله جل وعلا له، هو لم ينقص من جهة الفرق ولكنه نقص من جهة القيمة. وأما بالنسبة للأبوين مع الأبناء فإنه ينقص قيمة وينقص فرضاً.

    وذلك أن الله جل وعلا يقول في كتابه العظيم: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَة فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11] .

    وعلى ما تقدم فإن الولد هنا جنس شامل للجنسين, وكذلك لعددهما، سواء كان الفرع الوارث واحداً أو كان أكثر من ذلك، فالحكم في ذلك واحد: لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ [النساء:11] .

    الخلاصة في ميراث الأبوين

    ونلخص حكم الأبوين نقول: حكم الأبوين في ذلك على حالين:

    الحالة الأولى: مع وجود الوارث سواء كانوا أبناء أو بنات, فللأبوين السدس، وذلك لقول الله سبحانه وتعالى: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11] .

    الحالة الثانية: عند عدم وجود الفرع الوارث، بين الله سبحانه وتعالى عند عدم وجود الفرع الوارث نصيب الأم فقط، كما في قوله سبحانه وتعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [النساء:11] ، أين ذكر الأب هنا عند عدم وجود الفرع الوارث؟

    نقول: الأب يأخذ البقية أو له السدس, يبقى على النصيب الأول, ما الفرق بين القولين؟

    عند عدم وجود الفرع الوارث ذكر الله سبحانه وتعالى نصيب الأم قال: فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [النساء:11]، وما ذكر الله عز وجل الأب، هل يعني أن الأب لا يتغير حكمه باقياً على السدس؟

    نقول: سواء أخذ السدس فرضاً, فالمتبقي له بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( فما بقي فلأولى رجل ذكر ) يأخذه تعصيباً، وهذه المسألة منهم من قال في هذا: إنه يأخذ السدس فرضاً، ويأخذ المتبقي تعصيباً.

    ومنهم من قال: إنه يأخذ المتبقي كله تعصيباً.

    ومن قال: بأنه يأخذ المتبقي كله تعصيباً, بعض العلماء يُخطِّئ هذه العبارة قال: لأنها مخالفة لظاهر القرآن, وذلك أن الله عز وجل ذكر إرث الوالدين أنه لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء:11]، ثم ذكر إرث الأم, وأن لها الثلث قالوا: والله جل وعلا جعل لأولى أو لأقرب رجل ذكر وهو الأب المتبقي فهو باقٍ على سدسه.

    ولهذا عامر بن شراحيل الشعبي رحمه الله سأله رجل عن رجل ترك أباً وبنتاً، فقال له: أجب أنت؟ فقال: للبنت النصف وللأب الباقي تعصيباً، قال عامر بن شراحيل الشعبي : أصبت المعنى وأخطأت اللفظ، للبنت النصف, وللأب السدس, وله الباقي تعصيباً, فهو من جهة الحظ أخذ المال كله, قال: لأن الله سبحانه وتعالى بين حكم أو فرض الأب عند وجود الفرع الوارث في ذلك, وأنه له السدس, فيبقى على ذلك المعنى.

    وأما في الصورة الثانية عند عدم وجود الفرع الوارث، منهم من قال: إن الأب لا يرث إلا تعصيباً، ومنهم من قال: إنه يبقى على فرضه, ويأخذ ما تبقى تعصيباً.

    وهنا في إشارة إلى ما تقدم أن الأب والأم يتأثران بالفرع الوارث من جهة الفرض ومن جهة المقدار والقيمة.

    وأما بالنسبة للفرع الوارث فلا يتأثر بالأصل الوارث من جهة الفروض، ولكنهما يتأثران من جهة القيمة، فإذا قلنا: إن للبنتين الثلثين أو أكثر من ذلك يتشاركان في الثلثين, أو للذكر مثل حظ الأنثيين مع وجود الأب والأم ولهما السدس في ذلك, فإن القيمة تنقص عليهما في هذا الباب، وأما من جهة تسمية الفرض فهو باق من الأمور التي لا تتغير.

    وأما في الأبناء فإذا لم يحجبهما الأصل الوارث فغيرهما من باب أولى، فغير الوالدين من باب أولى أنه لا يحجب الفرع الوارث، وإذا كان الأصل الوارث لا يتأثر إلا بالفرع الوارث وهم الأولاد, ولا يتأثر بغيرهما، فنقول حينئذ: إنه لا يتأثر ببقية الورثة, فيبقى الحكم في ذلك.

    حينئذ نقول: إن الأب والأم لا يتأثران بالزوج والزوجة، ولا يتأثران بغيرهما ممن كان ممن هو أبعد منهما من أهل الفروض أو كان من الأقربين؛ لثبوت هذا الحكم؛ لأنهما من جهة الحكم جاءا بعد ذكر الأولاد، بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى الأولاد ذكر من ينازعهما من جهة الفرض، وكذلك من جهة القيمة. وما ذكر الله عز وجل في ذلك إلا الأبوين؛ دليل على أنهما هما اللذان يؤثران على بعضهما, وما عداهما فلهم تأثير آخر.

    وفيه إشارة: أن الأبناء إذا أثروا على الوالدين فيؤثرون على غيرهما من باب أولى, وذلك أنهما يؤثرون على الزوج والزوجة عند وفاة الأب, فإن المقدار في ذلك يختلف إذا توفي الزوج عن زوجته, وليس له فرع وارث، فلها في ذلك الربع، وإذا كان له فرع وارث فإنه يكون لها الثمن، وكذلك بالنسبة للزوجة إذا مات عن زوجها إذا كان ثمة فرع وارث فإنه يختلف بذلك, على ما يأتي بيانه بإذن الله تعالى.

    على هذا نقول: إن أعظم الورثة نصيباً في المواريث هم الأولاد، ثم بعد ذلك الأبوين، ويأتي شيء من تفصيل ذلك في الآيات التالية بإذن الله تعالى.

    ميراث الأم عند وجود الجمع من الإخوة

    وفي قوله جل وعلا: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11] ، بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى تأثير الأبناء على الأم من جهة ما فرض الله عز وجل لها، أن الأولاد إذا وجدوا فإن الأم تأخذ في ذلك السدس، وإذا لم يكن ثمة أبناء فإنها تأخذ الثلث.

    ثمة مؤثر آخر على نصيب المرأة في أبواب الثلث, وهو وجود الجمع من الإخوة؛ ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11]، هذه من المسائل التي وقع فيها كلام على ما تقدم الإشارة إليه في أبواب الجمع من البنات، هل الذي يحجب الأم من الثلث إلى السدس: الاثنان من الإخوة أم الثلاثة؟

    يتفق العلماء على أن الثلاثة يحجبون, وإنما اختلفوا في الاثنين.

    عامة العلماء على أن الاثنين يحجبون، وجاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى على أن الاثنين في ذلك لا يحجبون, وذلك أن الله جل وعلا قال في كتابه: إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11]، (إخوة) وأقل الجمع في ذلك ثلاثة, وهذا في كلام العرب.

    وجاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أنه ناظره عثمان بن عفان عليه رضوان الله تعالى في هذا، فقرأ عبد الله بن عباس له قوله جل وعلا: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11]، قال: الإخوة ثلاثة فما فوق، هذا لساني ولسان قومك، يقول لـعثمان بن عفان ، قال عثمان بن عفان : ما كنت أن أدع ما أجمع عليه الناس، يعني: أن الاثنين يحجبون, وهم داخلون في حكم الجماعة.

    وهذه المسألة عليها عمل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى والخلفاء الراشدين الأربعة, وبقي على هذا الأمر.

    ومنهم من يضعف هذا القول الذي جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أيضاً في مخالفة عثمان بن عفان , وذلك أنه يرويه شعبة مولى عبد الله بن عباس عن عبد الله بن عباس , و شعبة مولى عبد الله بن عباس لا يحتج بروايته فيما يتفرد به, وهو أقرب إلى الستر.

    وعلى هذا نقول: إن ما جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى في هذا القول لا يصح عنه، والأصل في ذلك أنه يجري مجرى ما عليه عمل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في أن الذي يمنع الأم من إرث الثلث هو الاثنان من الإخوة، كحال البنتين من جهة الإرث فهم جماعة، وكذلك حال الأختين مع الأخ الذي لا وارث له إلا الأخوات, فإن الاثنتين لهما حكم الجمع في ذلك, كما يأتي في آية الكلالة بإذن الله عز وجل في آخر هذه السورة.

    مفهوم الوصية

    في قوله سبحانه وتعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11] ، تقدم معنا الكلام عن الوصية, وهي التي يكتبها الإنسان ضرباً في ماله بعد وفاته، وأما ما يخرجه الإنسان في حال حياته فلا يسمى وصية، وإنما يسمى نفقة، وهدية، وهبة، ووقفاً، وغير ذلك.

    أما الوصية هي: التي يأمر الرجل أو المرأة بإنفاذها بعد موته.

    فهي على حالين: إما معينة، فيجري تعيينها في حياته وبعد مماته, كأن يقول: إذا مت فبستاني كذا، أو بيتي كذا، أو عقاري كذا، فهو في مصرف كذا وكذا، فهو أوصى بهذا، فهو حينئذ وصيته في حال حياته تبقى عيناً إلى ما بعد مماته.

    وإذا كان ذلك غير معين، كأن يقول الإنسان: إني أوصي بثلث مالي، لا يجري على ماله الذي أطلق الوصية في وقته، كأن يكون الإنسان أوصى في هذا اليوم أنه إذا مات فثلث ماله صدقة، هذه وصية، وكان ماله ألفاً, فلما مات وجد من ماله خمسمائة, هل يجري الثلث على الألف أو على الخمسمائة؟

    يجري على الخمسمائة ما لم يعين, فإنه إذا عين شيئاً في حال حياته، فقال: إن ثلث مالي وكذا أو بستان كذا أو أرض كذا أو نحو ذلك، فإنها تكون في المساكين أو الفقراء، فإذا عينها تجري في تعيينها, على خلاف عند العلماء في مسألة إذا نقص ماله وزادت عن الثلث, على ما تقدم الكلام عليه في مجالس سابقة.

    إخراج الوصية

    وهنا في هذه الآية دليل على أن الوصية تخرج قبل التركة، قبل ميراث الوارثين؛ ولهذا قال جل وعلا: من بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11]، وهذا دليل على أن الدين يقدم على الميراث، وهذا باتفاق العلماء على خلاف عندهم في الدين إذا كان يستغرق التركة، كأن يكون عليه دين مائة ألف وتركته في ذلك مائة ألف، فلا يبقى للورثة شيء، هل يخرج في ذلك الدين كله من تركته ولا يبقى لورثته شيء، أم تقصيره في سداد دينه إلى وفاته يحول المال إلى الورثة حينئذ حتى لا يضر بهم، فالضرر فيهم أعظم من الضرر في غيرهم، وتقصيره في ذلك يبوء به؟

    هذا خلاف عند العلماء: وجمهور العلماء على أن الدين قبل قسمة التركة سواء كان ذلك كثيراً أو قليلاً، كان يستغرق التركة أو لا يستغرقها.

    والدين والوصية على ما تقدم يقدمان على إرث الورثة، وهذا ظاهر في قوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11] .

    أخذ مئونة تجهيز الميت وما يدخل في ذلك

    وهنا مما لم ينص عليه، مما يجري عادة من نفقة الإنسان بعد وفاته, هل تجري على نفقته في حال حياته؟ وذلك من تغسيله وتكفينه وتجهيزه؟ أو إذا كان بعيداً عن أهله بحمله بتابوت ونفقة إتيانه إلى بلده إذا أوصى أو لم يوص أن يدفن في بلدة كذا وكذا، هل يؤخذ مال تجهيزه من أصل ماله أو من ثلثه إذا أوصى بالثلث عاماً؟

    نقول: إن العلماء عليهم رحمة الله اختلفوا في هذه المسألة, فمنهم من قال: إنها تؤخذ من أصل المال لا من الثلث، وإذا قلنا بأنها تؤخذ من أصل المال، فإنه إذا أوصى بالثلث يؤخذ ويضرب الثلث بعد أخذ التجهيز، يخرج في ذلك الثلث.

    وإذا قيل: إنه تؤخذ من الثلث فيؤخذ الثلث قبل تجهيزه, ثم يؤخذ من ذلك المقدار، فيكون حينئذ الزيادة والنقصان في أمر الثلث يؤثر عليها أمر تجهيزه وتكفينه, وتغسيله ونقله إذا كان في بلد بعيد.

    ويدخل في هذا أيضاً: المئونة التي تتبع جنازة الميت, كأن يكون الميت مفقوداً أو غريقاً وإخراجه من البحر أو إخراجه من فقده من صحراء أو نحو ذلك له مئونة ونفقة، فهذا يدخل في هذا الباب، وأما عدم ذكر ذلك لجريان العادة عليه وعدم مخالف في عادة الناس في هذا الباب.

    ومن العلماء من قال: إن الله عز وجل لم يذكره؛ لأنه أولى من الوصية والدين، ومنهم من قال: إن الله عز وجل ما ذكره لأنه يأخذ حكم النفقة عليه في حال حياته، وكذلك في حال مرضه، إذا كان في آخر حياته وأغمي عليه فإنه ينفق عليه من ماله إجماعاً في علاجه وتطبيبه وكسوته، وإن لم يكن عاقلاً مدركاً, قالوا: كذلك حاجته بعد موته حتى يوارى، فإنها تكون من أصل ماله.

    وأما الخلاف عند العلماء عليهم رحمة الله تعالى: هل يكون ذلك من أصل ماله أو يكون ذلك من ثلثه؟

    هذا خلاف أيضاً, ولا أعلم دليلاً فيصلاً في هذه المسألة، وإنما هي من مسائل الاجتهاد السائغ.

    المبادرة إلى الوصية وقضاء الدين لأنه المقطوع بنفعه

    وقوله جل وعلا: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا [النساء:11] ، في هذه الآية إشارة إلى معنى عظيم جداً, وهو: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر أمر المواريث، وأمر الوصية والدين، قال سبحانه وتعالى: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَة مِنَ اللَّهِ [النساء:11] .

    النفع المراد به: أن الإنسان ينفع في حال حياته وينفع في حال مماته.

    وفي الآية إشارة إلى أن الإنسان يعد في حال حياته لنفسه، وألا يعلق أمله بغيره، وأن أولى ما ينفع الإنسان في حال الحياة لأنه يقيني, بخلاف النفع الذي يأتيه بعد مماته فإنه ظني.

    قال بعض السلف عليهم رحمة الله: وفي هذا إشارة إلى استحباب المبادرة بالوصية وقضاء الدين، لأن الإنسان لا يدري أورثته ينفعونه أو لا ينفعونه، أيقضون دينه عنه أو لا يقضونه، أو ينفذون وصيته أو لا ينفذونها؟

    فأمر الله سبحانه وتعالى بالمبادرة بذلك حتى يقضي الإنسان ما عليه من حقوق الناس، وكذلك النفقة في حق الفقراء والمساكين؛ ليكون ذلك أعظم عند الله جل وعلا.

    كذلك ربما ينفع الإنسان ولده الفاسق، ولا ينفعه ولده الصالح، فإذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الخبر قال: ( لا تدري ما أحدثوا بعدك ) ، لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( ألا ليذادن أقوام عن حوضي, فأقول: يا رب! إنهم أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ).

    قال: فإذا كان هذا فيمن تركهم النبي عليه الصلاة والسلام من أصحابه فإنهم في الأولاد من باب أولى؛ ولهذا جاء الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الرجل ليرفع درجة في الجنة، فيقال: أنى لي هذا يا رب؟ فيقال: بدعاء ولدك لك )، يعني: جاءه شيء لم يتحره, ولا يعلم موضعه.

    وقوله جل وعلا: لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا [النساء:11] ، يعني: لا يعلق الإنسان أمره بالنفع إلى بعدين، فليقدم لنفسه ما دام حياً.

    المواريث لا تتعلق بالنفع وغيره بل هي فريضة من الله

    قال: فَرِيضَة مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:11]، في هذا إشارة إلى أن الفرائض التي فرضها الله سبحانه وتعالى والمواريث لا تتعلق بالمودة والقربى والنفع، ربما بعض أولادك يكون أنفع لك، وكذلك بعض الأقربين أحسنوا إليك، وبعضهم ربما يؤذيك أو نحو ذلك, فريضة الله سبحانه وتعالى لا تتعلق بالنفع وغيره، هو حق مالي جعله الله سبحانه وتعالى إليهم.

    ويتضمن هذا المعنى النهي عن الوصية للورثة إضراراً بالورثة الباقين.

    وقوله سبحانه وتعالى: فَرِيضَة مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:11] ، إشارة إلى أن قوله جل وعلا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11] ، أن المراد بها الأمر والفرض، ولهذا قال في آخر ذلك: فَرِيضَة مِنَ اللَّهِ [النساء:11].

    قال: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:11] ذكر الله جل وعلا اسمين من أسمائه العليم والحكيم، يعني: العليم بما يصلح أحوالكم وما يفسدها، والحكيم هو الذي يضع الأشياء في موضعها, فيعلم سبحانه وتعالى ما يصلح الحال وما يصلح المآل, فيقسم الله عز وجل الأموال بما يصلح الحالين.

    وربما ضعف نظر الإنسان عن إدراك المآلات فأخطأ في الحالات العاجلة، أو ربما تجرأ ورد حكماً من أحكام الله سبحانه وتعالى لنظره القاصر، وحكم الله سبحانه وتعالى أولى بالأخذ من كل نظر، ولهذا الله جل وعلا يقول في كتابه العظيم: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] يعني: لا اختيار مع أمر الله سبحانه وتعالى.

    نتوقف عند هذا القدر، وأسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.