إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [57]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حث الله عز وجل على رعاية الأيتام وحذر من ظلمهم، وأكل أموالهم، ورغب الوالي على اليتيمة أن ينكح غيرها مثنى وثلاث ورباع إن كان نكاحه لليتيمة يؤدي إلى ظلمها بأخذ صداقها ونحو ذلك، وكذلك إن تقدم لها غيره وكان أصلح لها منه. والتعداد في الزواج سنة عند عامة السلف، ويحرم عليه التعداد عند علمه أنه لن يعدل. والعدل المأمور به هو العدل الظاهر من نفقة وسكنى ونحو ذلك، أما الباطن وهو ميل القلب فليس عليه شيء؛ لأنه خارج عن قدرته.

    1.   

    قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فشرعنا في المجلس السابق بالكلام على أوائل سورة النساء، وتكلمنا على الآية الأولى والثانية، ونتكلم بإذن الله عز وجل في هذا المجلس على الآية الثالثة وما يليها.

    الحث على رعاية الأيتام

    يقول الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ[النساء:3] ، لما ذكر الله سبحانه وتعالى الأمر بتقواه, وعطف على ذلك شأن الأرحام ووجوب وصلها والتحريم والتشديد بقطعها، وذكرنا الكلام على الأرحام، وأنواعهم ومراتبهم ومنازلهم وحقهم في ذلك، والأدلة الواردة في كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق الأرحام.

    وتقدم أيضاً الإشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الأرحام ذكر بعد ذلك اليتامى, لأن الأصل أن الأيتام أو اليتامى يكفلهم أرحامهم, إما أن يكفل الأخ ابن أخيه، أو يكفل الخال ابن أخته وهكذا، وذلك أن القرابات يكون فيها كفالة الأيتام؛ ولهذا ذكر الله عز وجل حق الأيتام بعدما ذكر أمر الأرحام، وقلما يكون اليتيم الغريب في حجر البعيد، هذا قليل بالنسبة لأمر الأيتام.

    ولما ذكر الله سبحانه وتعالى أمر الأيتام للخصيصة من جهة الحياطة في حفظ حقهم، وعدم ظلمهم، ووجوب الوفاء لهم بما أوجب الله عز وجل لهم من الوفاء بصيانة المال، وصيانة العرض، وصيانة الدم من أن يطرأ عليهم شيء من المظالم. فالله سبحانه وتعالى حاط مال اليتيم بجملة من الحياطات، حاطها من الكفيل الذي يتولى أمر اليتيم، وحاط مال اليتيم من الأبعدين.

    وتقدم معنا أن جنس أكل مال اليتيم أعظم من جنس أكل مال الربا، وتقدم معنا التعليل لهذه المسألة, لما ذكر الله سبحانه وتعالى أمر الأيتام ووجوب الوفاء لهم بالمال والتحذير من خلط مالهم بقصد الإفساد، كما في قول الله عز وجل: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ[النساء:2]، والمراد بذلك: هي الخلطة بقصد الإنقاص، والإفساد للمال, وأخذ الطيب وترك الخبيث.

    وتقدم الإشارة والتدليل على ذلك في سورة البقرة.

    ثم ذكر الله سبحانه وتعالى تفصيلاً أدق فيما يتعلق بأمر الأيتام بعدما ذكر حياطة الأموال والاحتراز في المخالطة والمتاجرة؛ ذكر الله عز وجل نوعاً من أنواع مخاوف حق اليتيم, وذلك فيما يتعلق بالجواري الأيتام التي تكون تحت وليها أو كفيلها.

    الحث على نكاح غير اليتيمة لمن يكفلها إن كان نكاحها يؤدي إلى الجور عليها

    يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ[النساء:3]، جاء في كلام المفسرين من السلف في معنى هذه الآية عدة معان:

    أول هذه المعاني: أن هذه الآية إنما أنزلها الله عز وجل في اليتيمة تكون في حجر وليها، ثم تميل نفسه إلى مالها وإليها ولا ولي لها إلا هو لأجل يدافع عنها إن أضر بها، وينظر ويحوط مالها إن أراد خلطة له، فيجد في نفسه ميلاً إليها، وربما بميله إليها أجحف في حقها من جهة الصداق, فلم يعطها صداقاً مثلها، ولم يعطها رزقاً وكسوة مثلها، وإنما لأنه لا ولي لها إلا هو، فأراد أن يتزوجها لحظ نفسه، ولو قصر فيها لا تجد ناصراً ينصرها عند ورود المظلمة في حقها، سواءً كان ذلك في نفسها، أو مالها، أو دمها، أو عرضها.

    ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا[النساء:3]، يعني: خشيتم أن لا تعدلوا في أمر اليتامى من الجواري، وهذا المعنى قد جاء عن عائشة عليها رضوان الله تعالى كما رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن عروة بن الزبير سأل عائشة عليها رضوان الله تعالى عن قول الله جل وعلا: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ[النساء:3]، فقالت عائشة عليها رضوان الله تعالى: تلك الجارية تكون تحت الرجل, ويريد أن ينكحها وهو وريثها فيعطيها دون صداق غيرها, وربما أضر بها وضربها، وذلك أنه لا ولي لها إلا هو.

    أشار الله سبحانه وتعالى في هذا السياق إلى هذا المعنى، أن الإنسان إذا وجد في نفسه هذا الميل فعليه أن ينظر إلى سعة المباح, وذلك أن الله عز وجل قد جعل له المباح من النساء أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع, وأن لا يجعل مطمعه في هذه اليتيمة خشية الإضرار بها.

    وهذا المعنى قد جاء أيضاً عن جماعة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، فقد جاء عن عبد الله بن عباس ، و عبد الله بن مسعود ، وجاء عن غيرهم من المفسرين من التابعين، عن مجاهد بن جبر ، و عكرمة ، و الحسن ، و النخعي ، وغيرهم عليهم رحمة الله.

    التحذير من الزنا كما يحذر أكل مال اليتيم

    ومن هذه المعاني في قول الله عز وجل: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ[النساء:3]، قال غير واحد من المفسرين: إن هذه الآية نزلت في الحياطة من الزنا، ومعنى ذلك: أنكم كما تحتاطون وتتهيبون مال اليتيم الحرام أن تأكلوا فتهيبوا كذلك الزنا, واعلموا أن الله عز وجل قد جعل لكم سعةً في الحلال مثنى وثلاث ورباع، وهذا إشارة إلى أن الإنسان يدفع عن نفسه الحرام بالحلال.

    ويكون المراد بالوقيعة في الزنا في هذه الآية إما أن يكون ذلك في اليتيمة، فيجد الإنسان خشيةً من نفسه عليها، ثم أباح الله عز وجل له مندوحةً في ذلك أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع حتى يدفع عن نفسه ذلك.

    الخشية من الوقوع في الفرج الحرام كما يخشى من أكل المال الحرام

    وقيل: إن المعنى أعم من هذا، أي: ليس المراد في ذلك هو الخشية على اليتيمة، وإنما ما هو أوسع من ذلك، كما تخشون من أكل الأموال فاخشوا كذلك ما يتعلق بأمر الفروج والوقوع في الفرج الحرام وهو الزنا، واعلموا أن الله عز وجل قد جعل لكم مندوحةً في ذلك.

    وفي هذا السياق دلالة وإشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى إذا ذكر أمراً محرماً وقرب الإنسان منه جعل للإنسان مخارج في ذلك، وتقدم معنا في قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ[البقرة:220]، أي: أن الإنسان يحتاط إذا كان عنده مال اليتيم كابن أخيه أو ابن أخته أو ابن عمه أو غير ذلك، وقد قام بكفالة ذلك المال، يحتاط ويحترز ويتوقى، فيوقع ذلك حرجاً في نفسه، وهذا الحرج إذا كان غالياً ربما أفسد مال اليتيم.

    ومعنى فساد مال اليتيم من شدة الاحتياط، أي: أن الإنسان يحتاط من قربه فيدعه، فلا يجعله خليطاً لماله في التجارة يخشى أن يخسر، ثم بعد ذلك يتضرر ويقل نماؤه ويستهلكه اليتيم بأكله، ويستهلكه اليتيم والرجل يبعده عن المضاربة في تجارته خوفاً منه وشدة من الحياطة، فالله عز وجل هون هذا الأمر إذا قصد الإنسان الإصلاح والخير: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ[البقرة:220].

    يعني: عدوهم من إخوانكم البالغين إذا أردتم من ذلك خيراً ولو كان في ذلك خسارة إذا كان ذلك من أمر الخلطة، ولهذا جعل الله عز وجل الترخص في ذلك في أمر الخلطة فتجعل ماله كمالك: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ[البقرة:220]، يعني: لا تتعاملوا بمالهم منفردين فتخاطرون في ذلك؛ لأن الإنسان يتعامل مع حظ غيره تعاملاً يختلف عن شراكته مع غيره في أمر المال وغيره، ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل مثل هذا الأمر نوعاً من الترخص وعدم التشديد في ذلك، شريطة أن يكون ذلك مساوياً لمال الإنسان.

    وهذا أيضاً فيه رفع للحرج فيما يتعلق في أمر الأعراض، وذلك أن اليتيمة إذا لم يلها وليها وكفيلها إما أخ له وإما عم أو خال أو غير ذلك، فإن كفالته ستكون للأبعدين، فهل يترك لغير كفيل؟ كذلك الجارية من جهة كفالتها فإذا لم يكفل الجارية عمها أو خالها أو بعيد منها فهل يكفلها الأبعدون؟

    الله عز وجل ما أمر الإنسان في ذلك بالمفارقة أن يتبرأ الإنسان لنفسه، بل جعل له مخرجاً في الحلال مع بقاء الحياطة لحق اليتيم في ماله وعرضه.

    عدم الزواج باليتيمة إن كان سوف يظلمها في الصداق ونحوه

    وفي هذه الآية إشارة أن الله سبحانه وتعالى لما أمر بحياطة مال اليتيم وعرضه، إذا رغب الإنسان بها وأراد أن يتزوجها, وخشي ألا ينصفها من جهة الصداق والعطية؛ لأن المرأة إذا كان وليها ميتاً كأبيها وأخيها أو ليس لها أحد, فإن النفوس تضعف عن الحياطة في حقها بخلاف التي لها ولي يتعهدها من أب أو أخ فتضعف النفوس، فإذا وجد الإنسان في نفسه من جارية عنده يتيمة أن يقصر فيها، فعليه أن يكون هو ولياً لها, وأن يزوجها غيره، فينصفها عند غيره في صداقها، فيقوم حينئذ بمقام الولاية، ولهذا يقول الله عز وجل: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى[النساء:3]، يعني: فانكحوا غيرهن واتركوهن لغيركم بتزويجهن، وقوموا بحياطة أعراضهن وأموالهن، وهذا من التشديد في أمر مال اليتيم، ولو كان ذلك في أمر الصداق فربما تشوف الإنسان إلى المغالاة في مهر بنته وما تشوف للمغالاة في مهر غيرها لحظ بنته وربما لحظه هو، فيترخص إذا كان ذلك لحظه من جهة إنقاص المهر، وإذا كان ذلك في حظ غيره من جهة الزيادة يميل إلى النقص ولا يميل إلى الزيادة، فأراد الله عز وجل حياطة مال اليتيم، وحياطة عرضه في هذا الأمر.

    زواج الولي بموليته اليتيمة إن تقدم لها من هو أفضل منه

    ومن هذه المعاني أيضاً: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر أمر اليتيمة والتي تكون في حجر الإنسان وما لديها من مال، وكذلك ربما يكون لديها جمال، فيميل الإنسان إليها طامعاً بجمالها فيقدم نفسه على غيره الأحظ, وذلك أنه إذا وجد من هو أولى من ذلك من صاحب الخلق والدين الذي هو أفضل منه فيقدم مطمعه على مطمع وحظ غيره، ويظلم حينئذ اليتيم.

    وهذا إشارة إلى إنصافها في حقها حتى في أمر زواجها، فإذا علم أنه يتقدم إليها من هو خير منه فعليه أن يقدمه على حظ نفسه، وهذا من الأمور والمكامن الخفية في هذا من دوافع النفوس، فجاءت الحياطة في مثل هذا الأمر مخاطبةً لنفوس الأولياء والكفلاء الذين يتولون أمر الأيتام.

    المراد بالخوف في قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا..)

    وقول الله جل وعلا: وَإِنْ خِفْتُمْ[النساء:3]، يعني: وجلتم أو شككتم أو خفتم، وكل هذه المعاني جاءت عن غير واحد من المفسرين، فإذا وجد الإنسان شيئاً من نفسه في ذلك بأمر اليتيمة، فليعلم أن الله عز وجل قد جعل له أمراً وبداً إلى مباحة، وجعل لها سبيلاً أن تسلكه فيما أحله الله عز وجل لها من غير إضرار.

    وتقدم معنا الكلام عن اليتيم, وأن اليتيم هو من فقد أباه سواءً كان ذكراً أو أنثى، وأعظم اليتم هو فقد الأبوين، ثم يليه فقد الأب، ثم يليه فقد الأم، وفي مصطلح الشريعة اليتيم لا يطلق إلا على من فقد أباه، والعرب تسمي من فقد الأبوين لطيماً، ومن فقد الأب والأم يسمى يتيماً، ويقيدونه في الأم بيتيم الأم، ولا يقيدونه عند الأب باعتبار اشتهار ذلك ومعرفته.

    التعدد شريعة فطرية

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ[النساء:3]، هذا فيه إشارة إلى ما أحل الله عز وجل للرجال من النكاح، وهذه شريعة قديمة جعلها الله سبحانه وتعالى فطرية، وقد تزوج أنبياء الله عز وجل من ذلك عدداً، تزوج إبراهيم الخليل امرأتين، وتزوج داود ألفاً كما جاء في التوراة، وتزوج سليمان مائة، وتزوج النبي عليه الصلاة والسلام اثنى عشر وتوفي عن تسع.

    الاختلاف في التعدد

    واختلف العلماء في التعدد هل هو سنة أو مباح؟

    عامة السلف على أنه سنة، وقد جاء عند البخاري من حديث سعيد بن جبير أن ابن عباس قال له: أتزوجت امرأةً؟ يعني: أخرى، قال: لا، قال: تزوج, فإن خير الرجال أكثرهم نساء، والأصل في الصحابة عليهم رضوان الله تعالى التعدد، وأحد الباحثين أراد أن يجمع الصحابة المعددين فلم يجدهم إلا معددين, فكان الأصل في ذلك هو التعدد، بخلاف الزمن المتأخر فالأصل في ذلك التوحد أو التوحيد.

    حد التعدد

    وقوله جل وعلا: مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ[النساء:3]، وفي قوله: مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ[النساء:3]، إشارة إلى هذا القيد, وأنه لا يجوز أكثر من ذلك.

    وجاء في هذه الآية حد التعدد وهو بالأربع، وكانوا في الجاهلية يتزوجون عشراً كما جاء ذلك عن علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى, ثم جعل الله عز وجل في ذلك العدد إلى الأربع, ولا تجوز الزيادة عن ذلك وهذا محل اتفاق، والزيادة عن ذلك خصيصة للرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة، والأمة في ذلك على هذه الإباحة؛ ولهذا قال الله جل وعلا: مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ[النساء:3]، فجعل الله حكم الرابعة والثالثة والثانية كحكم الأولى؛ ولهذا قال: مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ[النساء:3].

    وفي هذه الآية إشارة إلى معنى أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر اليتيمة، قال: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى[النساء:3]، وما قال: واحدة، إشارة إلى جملة من المعاني, ومن هذه المعاني: أن الأصل التعدد.

    وكذلك في هذا إشارة إلى معنى أن الرجل إذا كانت عنده يتيمة فلا يجعلها في داره وهو أعزب، ولهذا قال الله عز وجل: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى[النساء:3]، أين الأولى؟ موجودة مع اليتيمة، أي: أنها لا تكون في حجره وحدها حتى لا يكون في ذلك دافع للشيطان إلى السوء, فإن طول المكث والبقاء من غير وجود ما يدفع تهمة أو شبهة ربما يكون ذلك إضعافاً لوازع النفس, ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ[النساء:3].

    المراد بالعدل بين الزوجات

    ثم قال الله عز وجل: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ[النساء:3]، يعني: ألا تعدلوا في الإنصاف مع النساء من جهة القسمة، والعدل بين النساء باطن وظاهر، فبالنسبة للباطن هو الميل القلبي, وهذا أمر فطري ونفسي لا يكلف عليه الإنسان، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما جاء في السنن من حديث عائشة مرسلاً وموصولاً، قالت: ( كان النبي عليه الصلاة والسلام يقسم بين نسائه ويعدل, ويقول: اللهم هذا قسمي في ما تملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ). يعني: ميل القلب، فميل القلب إذا كان لا يلزم منه عمل وإجحاف وظلم من جهة العطية بالمال، أو بالقسم فإن ذلك لا يضر الإنسان.

    وأما العدل الظاهر فيجب ولا خلاف عند العلماء فيه، والعدل الظاهر يكون في المبيت, والنفقة بالمال والكسوة والسكنى وغير ذلك، فيجب في هذا العدل.

    أما الباطن سواء كان في الأبناء والبنات، أو في الأزواج، فإن الله عز وجل لا يؤاخذ عبده بما وجد في قلبه، ولهذا ربما بعض الآباء يجد ميلاً في قلبه لبعض أبنائه، أو يجد ميلاً في قلبه لذكر دون أنثى، أو لأنثى دون ذكر، والله عز وجل لا يؤاخذه بذلك، وإنما يؤاخذه في الأمر الظاهر ولو دق.

    ولهذا قد روى الحسين المروزي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يستحبون أن يعدلوا بين أبنائهم حتى في القبل، يعني: في القبلة، إذا قبل صبي غلام له فإنه يقبل الآخر, وذلك من العدل، وقد جاء في خبر مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء عن عمر بن عبد العزيز أنه كان جالساً, فجاء لرجل أحد أبنائه فأجلسه على فخذه, ثم جاء الآخر فأجلسه على الأرض, فقال: أجلسهما جميعاً على فخذك أو جميعاً على الأرض.

    وهذا من تمام العدل والإنصاف؛ لأن الأولاد يجدون في نفوسهم من الدقة في عدم الإنصاف ما لا يدركه الولي من دقائق الأمور لاختلاف نفوسهم، وتباينها عن نظرة الآباء، فالعدل الظاهر واجب في ذلك ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلاً.

    حكم التعدد لمن عرف أنه لن يعدل

    وفي قول الله جل وعلا: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ[النساء:3]، الله سبحانه وتعالى قيد الأمر بالنكاح أكثر من واحدة أن يكون ذلك بالعدل، وإذا غلب على ظن الإنسان أو تيقن أنه لا يعدل بين نسائه فهل يتحول ذلك إلى التحريم؟

    نقول: إذا تيقن الإنسان من ذلك أو غلب على ظنه أنه لا يعدل في الأمر الظاهر فيحرم عليه حينئذ النكاح.

    واختلف فيما إذا غلب على ظنه عدم العدل، والوقوع في الحرام، فلا يدفع الحرام إلا بالزواج من ثانية وثالثة، وإذا تزوج من ثانية وثالثة لم يعدل، واختلف في هذا الأمر, منهم من قال: يتزوج ولو غلب على ظنه عدم العدل ويدفع الظلم قدر وسعه وإمكانه.

    ومن العلماء من قال: يتوقى الحرام بنوعيه في ظلم المرأة، فلا يتزوج الثانية والثالثة إذا غلب على ظنه، وكذلك يجب عليه أن يحترز من الحرام. وإذا وقع في الحرام فهل له أن يتزوج حلالاً ويظلم المرأة إذا غلب على ظنه ذلك؟

    من العلماء من قال: يبقى الأمر حراماً عليه، ويجب عليه أن يتوقى من الزنا؛ لأن الظلم في حق المرأة كبيرة من جهة عدم العدل معها، وقد جاء في الخبر: ( أنه يأتي يوم القيامة وشقه مائل )..

    كذلك ما يتعلق بظلم النساء أو ظلم الناس عموماً في أموالهم وأعراضهم يكون من حقوق العباد, وحقوق العباد مبنية على المشاحة، فالعلماء يختلفون في تقديم هذا أو هذا, مع كون كلا الأمرين من كبائر الذنوب، ظلم المرأة من جهة حقها في القسم، وكذلك الظلم فيما يتعلق بأمر الزنا، وكلها كبائر، والمقارنة بين أمر الكبائر مما لا ينبغي, لكن ربما هذه المسألة مما تعرض حال الفتيا.

    المراد بعدم العدل في قوله: (ألا تعدلوا)

    وهنا في قول الله جل وعلا: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ[النساء:3]، يعني: فانكحوا واحدةً أو ما ملكت أيمانكم مما أحل الله عز وجل لكم من ملك اليمين، قال: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا[النساء:3].

    والمراد بقوله: أَلَّا تَعُولُوا[النساء:3]، يعني: ألا تظلموا وألا تحيفوا، وجاء في كلام بعض المفسرين: أن لا تفتقروا، كما نقل ذلك الإمام الشافعي عن ابن عيينة، أنه قال في قول الله عز وجل: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا[النساء:3]، يعني: أن لا تفتقروا. يعني: أن الله سبحانه وتعالى يرزق عبده إذا علم قصده الخير، فيعينه ويغنيه بالحلال، سواء كان ذلك من الأزواج، أو من الأموال.

    1.   

    قوله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة...)

    الآية الثانية في قول الله سبحانه وتعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا[النساء:4].

    المراد بالصداق

    الله سبحانه وتعالى أمر بإيتاء المرأة صداقها، والمراد بالصداق هو المهر، فيسمى: مهراً، وصداقاً، وفريضة وأجوراً، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً[النساء:24].

    حكم الصداق

    وصداق المرأة في نكاحها واجب باتفاق العلماء ولا خلاف عندهم في ذلك، ويستثنى من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, وذلك أن الله عز وجل قد جعل قبوله هبة المرأة نفسها من غير صداق: خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ[الأحزاب:50] ، وهذا دليل على أن بقية المؤمنين لا يدخلون في هذا الأمر.

    ويدل على الفرضية هذه الآية في قول الله جل وعلا: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ[النساء:4]، وفي قول الله عز وجل: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً[النساء:4]، وتقدم معنا الإشارة إلى أمر المهر في سورة البقرة، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( التمس ولو خاتماً من حديد )، يعني: ولو قل يستحل به الإنسان نكاحه، وهذا محل اتفاق كما حكى الاتفاق على ذلك غير واحد من العلماء كـابن قدامة و ابن رشد وغيرهم.

    وإنما اختلف العلماء في موضع الوجوب، منهم من قال: إن المهر والصداق شرط لصحة العقد فلا يصح العقد إلا بمهر، سواءً سمي أو لم يسم لا بد أن يكون ثمة مهر. وقالوا: إن تسميته أو عدم تسميته لا تضر بالعقد ما وجد ذلك.

    ولازم هذا القول أن العقد الذي ينص على عدم المهر فيقول: إن العقد في ذلك باطل، وهذا قول جماهير العلماء، في رواية الإمام مالك ، وقول أبي حنيفة ، و الشافعي ، وأحمد عليهم رحمة الله، وقول لبعض الأئمة من المالكية والشافعية أنه شرط للدخول لا شرط لصحة العقد، يعني: يصح العقد بلا مهر، ولكن لا يدخل بها إلا بمهر، سواءً كان مسمى أو كان مهر المثل لها في ذلك.

    والمهر بالاتفاق أنه فريضة ولا توطأ المرأة إلا بمهر على الاتفاق, وإنما الخلاف في صحة العقد بلا مهر إلا ما ملكت اليمين، فإذا ابتاع الإنسان جاريةً من ملك اليمين فإنه لا مهر في وطئها، باعتبار أن ذلك قيد في عموم النساء لا في الموالي.

    أحقية المرأة بالمهر

    وقول الله عز وجل: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً[النساء:3]، في هذا دلالة على أن الصداق ملك للمرأة، لا لوليها، والدلالة على ذلك جملة من المواضع في هذه الآية:

    أولها: في قول الله عز وجل: وَآتُوا النِّسَاءَ[النساء:3]، فما أمر الله بإيتاء الولي, وإنما أمر إيتاء المرأة؛ لأنه حق له.

    وكذلك قوله: صَدُقَاتِهِنَّ[النساء:3]، يعني: لهن لا لأوليائهن.

    وكذلك من دلائل الوجوب في الفرضية أو التملك لهن قال: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا[النساء:3]، فإذا طابت المرأة لزوجها بأن يأخذ شيئاً من مهرها لا جميع مهرها فإنه حينئذ يجوز له أن يأكله هنيئاً مريئاً، وإذا أجاز وليها أن يأخذ الزوج من مهرها لم يحل له ذلك، وإنما قيد الله عز وجل الحلال أن تأذن هي بنفسها؛ لأن المال ملك لها، ولهذا يقول الله جل وعلا: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ[النساء:3]، يعني: النساء عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا[النساء:3].

    تحريم ما أخذ على وجه الحياء

    وفي هذا أيضاً دلالة على قاعدة فقهية يذكرها الفقهاء ويحكون الإجماع عليها وهي: أن ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام، ولهذا قال الله عز وجل: طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا[النساء:3]، يعني: بنفوسهن طائبة من غير خجل، ومن أخذ المال بالخجل يأكل حراماً، سواءً كان من الرجال أو كان من النساء، فمثلاً: إذا كنت تعلم أن الرجل يستحيي فتأتي إليه أمام الناس وتقول: ما شاء الله السيارة جميلة هل تبيعها بكذا، تريد أن تستدر طيبه أو كرمه وتعلم أنه يخجل، أو ما هذا القلم الذي لديك لماذا لا تهدني إياه وأنت كريم ونحو ذلك، وتعلم أنه يخجل ليهديك إياه، فهذا حرام باتفاق العلماء، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء كـابن مفلح رحمه الله، بل قيل: إن سيف الحياء أشد من سيف الخوف والرهبة، وذلك لأمر قائم في نفس الإنسان؛ لأنه لا يحب أن ينقد ويلام فيخاف على نفسه من ذلك كما يخاف على نفسه الأذية.

    ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى طيب النفس بهذا، قال: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا[النساء:3]، ويدل على تأكيد هذا في قول الله جل وعلا: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا[النساء:3]، يعني: بنفوسهن من غير حيف، قال: فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا[النساء:3]، إشارة إلى أن النفوس الطيبة الزكية الصالحة لا تستطيب المال وتتهيبه، فأراد الله تطمينها: فَكُلُوهُ[النساء:3] وما سكت، قال: هَنِيئًا مَرِيئًا[النساء:3]، إشارة إلى دفع الوجل الذي يكون في النفس.

    أما النفوس الدنيئة والضعيفة التي لا توجل فإنها لا تخاطب بذلك, لأنها لا تحترز في الأمر أو في المال الحلال، وفي هذا دليل على أن العقد لا يصح إلا بمهر مسمى أو غير مسمى، والدليل على ذلك: أن الله عز وجل يقول في هذه الآية: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ[النساء:3]، ما قال: كله، يعني: أن المرأة لو أسقطت مهرها كله ما صح ذلك منها هي وهي تملكه، لأنه في هذا إسقاط لحق الله في العقود وفي حق النكاح.

    يعني: أن المرأة إذا كانت عند العقد فوضع لها مهر مقداره ألفاً أو مائة، فقالت بعدما دُونِّ: أسقطت المائة والألف، ما اعتبر ذلك، لأنها تسقط المهر كله, وإسقاطه كله تعدٍ على حق الله وليس حقاً لها، وإنما لها أن تسقط شيئاً منه، فتقول: وضعت الربع أو الثلث أو الشطر أو الثلثين أو غير ذلك، ولهذا قال الله عز وجل: عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا[النساء:3]، وما قال: إسقاطه له كله، يعني: أن إسقاط المهر كله لا تملكه حتى المرأة؛ لأنه حق لله سبحانه وتعالى في العقود، وهذا يؤيد ما تقدمت الإشارة إليه إلى أن المهر إنما هو فرض في العقود، وأنه لا يصح عقد إلا بمهر سواء سمي أو لم يسم، فإذا قيل: إنه يجب عليك أن تدفع لها مهراً ولم يسم فهذا كاف، ولها في ذلك مهر المثل.

    وتقدم معنا الإشارة في سورة البقرة في المرأة المدخول بها وغير المدخول بها مما يغني الكلام عليه هنا.

    وفي هذا أنه ينبغي للإنسان أو صاحب النفس الزكية أن يتفقد طيب النفس, وأن يمحصها في أمور الحقوق، وأن يستفصل هل كان ذلك بطيب نفس أو من غير طيب نفس؟ ويأخذ بذلك بالقرائن حتى لا يأكل في ذلك مالاً حراماً فيأثم بذلك.

    وفي هذا إشارة إلى أنه ليس للأولياء من المهر شيء، فإذا دفع عند العقد فإن ذلك للمرأة لا لوليها, ولا يجوز له أن يضع من ذلك شيئاً, ولا أن يأكل منه إلا بطيب نفس من صاحبة الصداق.

    1.   

    قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم)

    وفي قول الله جل وعلا: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا[النساء:5] ، بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى أمر الحقوق في الأموال بما يتعلق بأمر الأيتام وكذلك الأزواج من مهورهن؛ ذكر الله سبحانه وتعالى نهياً في قوله: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا[النساء:5]، والنهي في ذلك يقتضي التحريم.

    المراد بالسفيه في قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم)

    والمراد بالسفه في لغة العرب: عدم إحسان التصرف ولو كان من عاقل من جهة الأصل مكلف، لأن الإنسان قد يكون مكلفاً ولكنه لا يحسن التصرف، وعدم إحسانه التصرف علامة على السفه.

    ويغلب في عرف الناس اليوم أن السفه يطلق على من كان به جنون أو نحو ذلك، ولكن المراد بذلك هو الذي لا يحسن التدبير والتصرف ولو كان مكلفاً, كالبالغ غير الراشد، أو كالمرأة التي لا تحسن الضرب بالمال في الأسواق، أو لا تحسن حفظ المال ولو كانت مكلفة إلا أنها لا تحسن التدبير في ذلك، فهي داخلة في هذا باتفاق المفسرين.

    وقد جاء عن جماعة من المفسرين النص على أن المراد بالسفهاء هنا: النساء والأطفال، جاء عن عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن مسعود ، و مجاهد بن جبر ، و سعيد ، و الحسن ، و قتادة وغيرهم عليهم رحمة الله، على أنه يدخل في هذا المعنى النساء والأطفال، فنهى الله عز وجل عن إعطائهم مالاً زائداً عن قدر النفقة والكفاية يتصرفون فيه في غير مرضاة الله سبحانه وتعالى، وإما أن يكون ذلك في السرف وهو ما لا ينتفع فيه ولو كان قليلاً، وإما أن يكون ذلك في الحرام, وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ[النساء:5]، قال: (أموالكم) وما قال: أموالهم. لأن أموالهم حق لهم كمهر المرأة، فبعدما ذكر الله عز وجل أمر المرأة من جهة مهرها أوجب أن تعطى إياها وجعل الصداقة لها حقاً لا يؤخذ منها، فجعل الله عز وجل مال الرجل في ذاته يختلف عن مالها في ذاتها، فتتصرف فيه من جهة الصدقة والنفقة والعطية والهبة، وأما من جهة كفايتها في المطعم والمشرب والسكنى والكسوة فإن ذلك حق لها، وأما من جهة السرف فالله عز وجل نهى عن ذلك أن يعطى، حتى لا يدخل في ذلك في دائرة السرف.

    وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في السنن من حديث عبد الله بن عمرو قال: ( كل واشرب والبس وتصدق من غير سرف ولا مخيلة )، والمراد بالسرف هو الإنفاق أو الاستهلاك من غير حاجة، أو استهلاك شيء كثير بنفع ضئيل قليل حقير، وهذا يدخل في دائرة الحرام، وذلك كالذي ينتفع ساعة بمبلغ عال جداً من الأموال، أو ربما يشتري الإنسان شيئاً يهلك سريعاً ولا ينتفع منه طويلاً بمال عظيم، فحينئذ يحرم ولو وجد فيه جنس الانتفاع.

    ولهذا السرف في ذلك أمر نسبي، فقد يضع الإنسان من الطعام مائدة عريضة ويكثر من الطعام وأصنافه والناس كثير، فحينئذ لا يدخل في دائرة السرف، ولو وضع طعاماً دون ذلك والناس قليل، كأن يضع طعاماً لعشرين ولا يوجد إلا عشرة أو خمسة ثم يرمي ما زاد عن ذلك، فهذا داخل في السرف، ولكنه لو وضع طعام مائة ويوجد مائة، فهذا لا يدخل في السرف، بل من المستحبات.

    ولهذا لا ينظر إلى جنس المال ومقداره، وإنما ينظر إلى إهلاكه والانتفاع منه، ولهذا الإمام أحمد رحمه الله كما ذكر ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل في ترجمة الإمام أحمد أن الإمام أحمد وضع لهم غداء ومعهم بعض الأئمة، فاستكثروا الطعام, فقال الإمام أحمد رحمه الله: لو أن الدنيا كلها وضعت لقمة في فم عبد ما كان ذلك كثيراً، يعني: أن العبرة بالاستهلاك وليس العبرة بالقيمة، فإذا وجد ألف رجل ووضع طعام ألف رجل ما كان ذلك كثيراً، لكن لو وضع طعام عشرة لاثنين أصبح إسرافاً أو منهياً عنه.

    من أدلة ولاية الرجل على المرأة في الأموال

    وقول الله جل وعلا: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا[النساء:5]، في هذا دلالة ضمنية على أمر الولاية والقوامة، ويأتي الكلام عليه بإذن الله عز وجل في أمر الأموال، وفي أمر النساء.

    جعل الله عز وجل الولاية حتى في أمر الأموال، ولهذا نعلم أن النظريات الحديثة التي تقول: إن ولاية الرجل على المرأة يجب أن تسقط أو تعلق في أبواب ضيقة أو يعلقونها في أمر معين كالنكاح ويخرجونها فيما عدا ذلك، نقول: هذا أمر باطل, ولا خلاف عند العلماء في بطلانه، ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل أمر القوامة والولاية واسعاً، حتى في السفر فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة إلا مع محرم.

    إذاً: أمر السفر متعلق بأمر الولاية وهو ركوب ونزول، وهذه الولاية والمحرمية التي قيدها الله سبحانه وتعالى بالأولياء ليس المراد بذلك المرأة من المرأة, ولكن حماية للمرأة من غلبة الرجل، فجعل الله عز وجل بين المرأة والرجل رجلاً آخر يحميها؛ لأنها لا تنصف نفسها وتغيب موازينها فيظلمها في ذلك، فجعل الله سبحانه وتعالى ذلك الأمر حماية لها، ولكن لو كان الأمر بين امرأة وامرأة ما كان لوجود الرجل حاجة.

    إذاً: الأمر يتعلق بالرجل الآخر أن يقابله رجل يحمي المرأة من فقدان حقها مما يغلب في علاقات الرجال والنساء بغلبة العاطفة أو الحياء والانكسار، فإذا جاء رجل فإنه يعيد الأمور إلى نصابها.

    ويأتي الكلام على القوامة بإذن الله عز وجل في مواضع عديدة معنا، وتقدم معنا الإشارة على هذا في مسألة الولاية في النكاح في سورة أيضاً البقرة.

    الإنفاق على من لا يحسن التصرف بالمال بقدر ما يحتاجه

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا[النساء:5]، أي: أن الله عز وجل كما نهاكم عن أن تعطوا أموالكم من لا يحسن التصرف فيها فلا يعني ذلك أن تمنعوهم حقهم من الطعام والشراب والكسوة وقول المعروف، فلا يكون المنع احتقاراً وازدراءً وتسفيهاً, وإنما حفظاً لحق الله عز وجل، فإن للمال حرمة, وحرمته في ذلك من حق الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أقواماً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار ).

    كما أنك لا تملك التصرف في نفسك وهي بين جنبيك ويجب عليك حياطتها وعدم إلقائها إلى التهلكة كذلك في أمر المال، فالله عز وجل أوجده لك لتنتفع منه لا أن تسرف فيه ولو كان ملكاً لك، وهذا من أمر الموازنة أن المنع والحياطة للمال من جهة التدبير في أمور تدبير النساء والصغار له ممن لا يحسن التعامل في ذلك أنه لا يعني شدةً في القول, بل يقول لهم قولاً معروفاً من اللين والرفق والإحسان والإكرام.

    وهنا في ذكر السلف عليهم رحمة الله تعالى للنساء مع الصغار نقول: إن الأصل أن النساء يغيب عنهن معرفة ضرب الأسواق، لأن غالب ضرب الأسواق يكون من الرجال, فلا يعرفن أقيام الأشياء، ولا أصنافها، ولا جودتها، ولا معرفتها، وربما كان في ذلك استغلال لهن من الرجال في ذلك، فجعل الله سبحانه وتعالى الحياطة في هذا الأمر أن يكون في ذلك حفظاً لمالهن من أوليائهن من الرجال.

    ومن العلماء من قال: إن الله سبحانه وتعالى حينما نهى عن إيتاء السفهاء الأموال ما أراد من ذلك المنع، وإنما أراد من ذلك استقلال التصرف، وهذا في أموالهم.

    أما في أموالهن إذا ملكت المرأة مالاً في ذاتها ولها مال, هل للزوج أو للأخ أن يمنعها من التصرف في مالها؟

    نقول: لا يمنعها, وإنما النهي في ذلك مما يتعلق في مال الإنسان، قال: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا[النساء:5].

    وأما في حال التصرف في عدم إحسانه فهذا ربما يقع من الرجل كما يقع من المرأة, وحينئذٍ يمنع من كمال التصرف بالمال، وهذا ما يتكلم عليه العلماء عليهم رحمة الله تعالى في أبواب الحجر.

    نكتفي بهذا القدر.

    وأسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة, إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.