إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [56]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أوجب الله عز وجل صلة الأرحام واشتق اسمها من اسمه، وقد تنازع العلماء في الرحم الواجب وصلها والأقرب أنهم الذين يحرم نكاحهم، وأما من لم يحرم نكاحهم فإن كانوا محتاجين وجب وصلهم وإلا كان مستحباً. وقد حث الله على دفع أموال الأيتام إليهم إذا أونس منهم رشداً ولا يستبدل الحسن من أموالهم بالقبيح، أو يخلط ماله السيء بمال اليتيم الحسن فإن ذلك حوب كبير أي إثم وجرم عظيم.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة..)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    توجيه القراءات الواردة في قوله: (والأرحام)

    فنكمل ما توقفنا عليه من تفسير آي الأحكام، ونستهل في هذا اليوم السابع والعشرين من شهر ربيع الأول من العام الخامس والثلاثين بعد الأربعمائة والألف, ونبتدئ بسورة النساء في قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً[النساء:1].

    في هذه الآية جملة من المسائل، وأظهر هذه المسائل وهو المراد بالكلام على ذلك ما يتعلق بالأرحام في قول الله عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ[النساء:1].

    ثمة قراءتان مشهورتان في هذه الآية بجر الأرحام وبفتحها، بجرها عطفاً على المجرور بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ[النساء:1]، يعني: بالله وبالأرحام.

    والقراءة الثانية بالفتح، يعني: اتقوا الله عز وجل واتقوا الأرحام، يعني: اجعلوا بينكم وبين ما أمركم الله عز وجل من امتثال أمره بأداء حقها وقاية، وذلك بالوفاء بحقوقها، وبصلتها ودفع وكف الأذى عنها.

    والله سبحانه وتعالى إنما قرن حق الأرحام بتقواه، وذلك لفضل صلة الرحم وعظم قطيعتها، وقد جاءت الأدلة في فضل ذلك في مواضع عديدة من كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الله جل وعلا أمر بالتقوى وأمر كما هو دلالة السياق بصلة الرحم, وذلك أن حق الرحم الوصل: الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ[النساء:1]، وبعض المتفقهة من المتأخرين قالوا: إن هذه الآية فيها دليل على الحلف بغير الله، وذلك أن الله عز وجل قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ[النساء:1]، على قراءة الكسر، يعني: بالله وبالأرحام.

    نقول: إن الله سبحانه وتعالى أمر بتقواه, وبين أن الناس يتساءلون به جل وعلا وبالرحم، وقد جاء عن غير واحد من المفسرين كـعبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر و إبراهيم النخعي و الحسن البصري أن المراد بقول الله جل وعلا: وَالأَرْحَامَ[النساء:1]، أي: أسألك بحق الله وبالرحم، فهو يسأل حقها -يعني: وصلها- ولا يحلف ولا يقسم بها، وهذا هو المراد، وهو الذي عليه عامة كلام المفسرين، أن هذه الآية ليست من مواضع الحلف بغير الله جل وعلا.

    وهنا حينما ذكر الله سبحانه وتعالى حق الرحم: (تساءلون به والأرحام) يعني: أن العرب في الجاهلية كانت تعظم الرحم، فإذا أرادت أن تسأل حقها سألت حق الرحم فيما بينها وبين رحمه من حقوق، وذلك بأداء الواجب وكف الأذى عند ورود خصومة، سواءً كان ذلك في الدماء، أو في الأموال، أو في الأعراض، فيسأل حق الرحم.

    وكان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يتساءلون بحق الرحم، كما جاء ذلك عن علي بن أبي طالب و عبد الله بن جعفر وغيرهما عليهم رضوان الله تعالى، مما يدل على جواز أن يسأل الإنسان برحمه، وأن يسأل بحق الرحم، وهو شبيه بالتوسل بالعمل الصالح أو بطلب حقها.

    وعلى هذا يحمل ما جاء في الحديث المتكلم فيه: ( أسألك بحق السائلين وبحق ممشاي )، وحق السائلين أن يجيبهم، وحق الممشى أن يعظم الله عز وجل أجر السائر إليه، وإلى مواضع العبادة، سواءً كان ذلك في صلاة أو في رباط أو في صلة رحم، أو غير ذلك من الأعمال الصالحة، كبر الوالدين وغير ذلك، وهذا من الجائز.

    والرحم مشتقة مما خلقه الله عز وجل في المرأة وهو رحمها، وقد جاء في الحديث: ( أن الله عز وجل لما خلق الرحم تعلقت بالعرش، وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ فقال الله عز وجل: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك )، فهي مشتقة من هذا.

    وعلى هذا نعلم أنه يخرج من القرابات أو مما يتواصل به الناس من غير الرحم في هذه الآية، وسواء كان بالرضاع أو كان ذلك بالمصاهرة، فالرضاع والمصاهرة لا يدخلان في أبواب الأرحام، وحينئذ لا تأخذ أحكامها من جهة وجوب الوصل ولا فضله، وإنما تتعلق بها أدلة مستقلة، فما كان من أمور المصاهرة والأنساب والزيجات فإن ذلك لا يدخل في أبواب الأرحام؛ لأنه ليس من أصل الاشتقاق، ولا من وضع الشارع، ولا عليه موارد الأدلة في كلام الله وفي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك في الرضاع, فإن الرضاع ليس من الرحم، ولا يجب في الرضاع ما يجب في الرحم، من الحقوق، ومن صلة الرحم وغير ذلك؛ لأن الله عز وجل لم يدخلها في هذا الباب، ولم يجعل لوازم الرضاع والمصاهرة كلوازم الرحم، وذلك من أمر الإرث ووجوب الوصل وغير ذلك من الأحكام والتشريعات.

    الرحم الواجب وصله

    وهذه الآية -كما هو ظاهر- فيها دليل على وجوب صلة الرحم، ولكن العلماء يختلفون في الرحم الواجب وصله، واختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: أن الرحم المراد بوجوب الوصل هم من يرث الإنسان ويرثهم، وهذا تقييد، وهو أضيق الأقوال، وقال به بعض الفقهاء من الحنفية وبعض الشافعية.

    والقول الثاني: أن الأرحام في الشريعة يدخل فيها سائر أنواع الأرحام، ما كان وارثاً أو ليس بوارث، ويدخل في هذا من جهة الأصل الآباء وإن علوا، ويدخل في ذلك الأجداد والأمهات وإن علوا من الجدات، ويدخل في ذلك الأبناء وإن نزلوا، والإخوة والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وأبناء العم، وأبناء الخالة، وغير ذلك، سواءً ورثوا أو لم يرثوا.

    ويجعلون القدرة في وجوب صلة الرحم الأدنى فالأدنى، كلما قدر الإنسان على أن يصل وأن يتوسع في الصلة قالوا: فالواجب عليه أن يصل، وهذا هو قول جمهور العلماء، أن الرحم شاملة للمحرم وغير المحرم، يعني: على الإنسان نكاحه.

    القول الثالث: ينظرون إلى الرحم ويجعلونها قسمين: رحم محرم، ورحم ليس بمحرم.

    أما الرحم المحرم: لو قدر أن الطرفين ذكر وأنثى قالوا: ما حرم النكاح بينهم فذلك من الرحم الواجب وصله، وكلما كان التحريم مغلظاً فالحق في ذلك أعظم، فتحرم الأم على ابنها والتحريم في ذلك مغلظ، والأبوة في ذلك مغلظة من جهة البنت، والأبوان يحرمان على أبنائهما والعكس.

    ثم يأتي بعد ذلك تحريم الإخوة فيما بينهم، الأخ والأخت، وكذلك تحريم العم على ابنة أخيه، والعمة على ابن أخيها وهكذا، وكلما كانت المحرمية في ذلك أعظم قالوا: فالحق بأداء الصلة أوجب.

    والنوع الثاني من المحارم: المحارم التي لا يحرم نكاحها, من أبناء العم، وبنات العم، وبنات الخال، وأبناء الخال والخالة وغير ذلك، وكذلك ما كان أبعد من ذلك، قالوا: فيجب وصل ذي الرحم المحرم، ولا يجب وصل ذي الرحم غير المحرم.

    وهذا القول قال به جماعة من الفقهاء، وقال به من الحنابلة أبو الخطاب ، وكذلك بعض الفقهاء من الحنفية، والمالكية كالإمام القرافي رحمه الله قال: وذلك أن الشريعة محكمة, ولا بد من ضبط الأرحام من جهة الوصل، وإذا قيل بأن كل قريب للإنسان يصله فيجب عليه أن يصل جميع الناس؛ لأنهم يتصلون معه بـآدم، وعلى هذا يجب أن يصل كل شخص ويجب عليه، فما مقدار الوجوب؟

    الشريعة محكمة, ومقتضى الإحكام هو الفصل بين الواجب والمستحب والمباح، قالوا: فلا فصل إلا في التفريق بين ذوي الأرحام، بين ما يحرم نكاحه وما لا يحرم نكاحه، ما يحرم نكاحه يجب وما لا يحرم نكاحه فإن الفضل في وصله متأكد, والأدلة واردة على ذلك، إلا أنه لا يجب على الإنسان.

    الراجح في الرحم الذي يجب وصله

    والأظهر والله أعلم أن يقال: إن أقرب الأقوال إلى الصواب هو القول الثالث الذي يفرق بين ذوي الأرحام المحارم وبين ذوي الأرحام الذين لا يحرم نكاحهم. ولكن قد يقال بشيء من التفصيل، وهو: أن ذوي الأرحام الذين يحرم على الإنسان نكاحهم أنه يجب وصلهم في هذا بالاتفاق.

    وأما بالنسبة لذوي الأرحام الذين لا يحرم نكاحهم, كأبناء العم بالنسبة للبنات، وبنات العم بالنسبة للأبناء، وبالنسبة لبنات الخال وأبناء الخال، فهل يجب وصلهم أم لا؟

    نقول: إنهم في ذلك على حالين:

    الحالة الأولى: إذا كان صاحب الرحم محتاجاً إلى رحمه وجب وصله من أرحامه ولو كان لا يحرم عليهم، فأبناء العم يجب أن يتواصلوا إذا كان أحدهم محتاجاً للآخر, وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد جعل ذوي الأرحام بعضهم أولى ببعض وذلك من غيرهم، فإذا كانوا أولى ببعض من جهة الصلة، ومن جهة الكفاية، ومن جهة الميراث، فإنهم يتوارثون، كذلك أيضاً يسد بعضهم حاجة الآخر.

    فيجب حينئذ أن يتواصل الناس ولو كانوا من غير رحم، كلما كان الإنسان أقرب إلى رحمه وجب وصله إذا كان محتاجاً ولو كان من غير المحارم من ذوي الأرحام.

    وأما إذا كان من الأرحام من غير ذوي المحارم ولكنه ليس بمحتاج، فيقال: إنه داخل في عموم الأدلة في فضل صلة الرحم بالاتفاق، وفضله في ذلك متأكد إلا أنه لا يجب.

    والتعليل في ذلك أن يقال: إن الشريعة الأصل فيها الإحكام، والفصل بين الحقوق الواجبة وغير الواجبة، كذلك ما يجب على الإنسان ويأثم به وما لا يأثم به، فإذا قيل بصلة الرحم فما الحد في ذلك وما الضابط؟

    وذلك أن للأب إخوة وهم الأعمام، وللأعمام أبناء، وللجد إخوة وهم أعمام الأب، ولهم أبناء، ويتسع هذا الأمر، فمتى يسقط التكليف عن الإنسان؟

    يقال: إن التكليف يسقط عن الإنسان إذا وصل ما يحرم نكاحهم من ذوي الأرحام، وأن يسد حاجة المحتاج من غيرهم من ذوي الأرحام الذين لا يحرم عليه نكاحهم, وذلك كأبناء العم وأبناء الخالة وإن نزلوا، وكذلك وإن بعدوا، ويسد الحاجة في ذلك بالأدنى والأقدر، أي: أدناهم إليه هو أولى بالوصل وسد الحاجة، وكذلك أقدرهم يداً أعظم من جهة نزول الوجوب عليه ومن جهة أداء ذلك الحق.

    ومن الأدلة على رجحان هذا القول: أن الذي يجب في صلة الرحم من ذوي الأرحام أنهم المحارم: أن الله سبحانه وتعالى حرَّم على الإنسان أن يجمع بين الأختين. ومعلوم أن الجمع بين الأختين محرم, وقد جاء في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام جملة من الأحاديث، منها: ما جاء في حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها ) ، وفي قول الله عز وجل: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ[النساء:23] . والجمع بين الأختين محل اتفاق على تحريمه.

    إذا قيل بهذا أنه مما يحرم على الإنسان نكاحه، فالله عز وجل أجاز للرجل أن يتزوج المرأة على سبيل الانفراد، ولو طلقها وتزوج أختها جاز له ذلك، وأما الجمع بينهما فبسبب القطيعة فقد حرمه الله جل وعلا ولو كان مباحاً، والقاعدة: أن الله لا يحرم المباح إلا لتفويت واجب، أو الوقوع في محرم.

    وأما بالنسبة لغير المحارم: هل يجوز للإنسان أن يجمع بين بنات العم وبنات الخال؟ نقول: يجوز لهم ذلك، وقد حكى غير واحد من العلماء الاتفاق، ولهذا يقول ابن قدامة رحمه الله: وهذا قول عامة العلماء. -يعني: الجواز في ذلك- ولو كانت صلة الرحم واجبةً على أبناء العم وبنات الخال وبنات العم فيما بينهم؛ لحرم الله عز وجل أن يجمع الرجل بين البنتين إذا كانت الصلة بينهما كبنات العم وبنات الخال، ولما أجاز الشارع ذلك والقطيعة في ذلك غالبة فلما كانت كذلك دل على أن القطيعة لا يأثم بها الإنسان ولو تسبب بها.

    وأما في الأختين والمرأة مع عمتها وخالتها، فيحرم عليه أن يجمع بينهما؛ لأن ذلك يتسبب بقطيعة محرمة, وذاك يتسبب بقطيعة مكروهة لا محرمة فجاز، ويقال حينئذ: إن الإباحة أقوى من الكراهة وهي مقدمة عليها، وأما بالنسبة للتحريم فإنه يقدم على الإباحة؛ لقوته ولعظم أثره وسببه.

    ولهذا نقول: إن الوجوب في الأرحام وأن يصل الإنسان ذوي المحارم من أرحامه ويتأكد عليه في غيرهم، وأما إذا كانت ثمة حاجة من غيرهم الأبعدين، فإنه يجب عليه مقيداً بالحاجة، ويتأكد عليه في هذا.

    وأما من يستدل من الفقهاء بعموم الأدلة الواردة في وجوب صلة الرحم وتعظيم القطيعة؛ كما في قول الله عز وجل: أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ[محمد:22]، فقد قرنها الله عز وجل بالإفساد في الأرض، وجعلها أيضاً من أسباب التولي، وكذلك أيضاً في قول الله جل وعلا في الحديث القدسي: ( ألا ترضين أن أقطع من قطعك وأن أصل من وصلك ).

    فالمراد بهذا: هي الرحم ذات المحرم، فإطلاقها هكذا يعني منه المساواة في الحق، فهل يتساوى الأب مع الأخ؟ وهل يتساوى العم مع الأب، والخالة مع الأم، وإن تقاربا من جهة الفضل والمنزلة؟ ثمة تباين.

    وإذا قيل بإنزال الأدلة على ذلك فيجب أن تنزل أدلة القطيعة على الإخوة، كما تنزل على الأعمام والإخوان ومن كان بعيداً، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم حينما أمر بالوصل بالدليل الظاهر بالتسمية ما أمر بوصل إلا من يحرم على الإنسان نكاحه.

    وقد جاء في حديث أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله رجل: من أحق الناس بحسن صحبتي؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك )، جاء في رواية: ( ثم أخاك، ثم أدناك فأدناك )، ولهذا سمى الله عز وجل من يتعين على الإنسان، ثم جعل ذلك على القدرة، كما جعل الله عز وجل الباقي في ذلك على القدرة.

    ولهذا نقول: إن أظهر الأدلة في صلة الرحم هو على هذا التفصيل، أن يقال: إنه يتعين على الإنسان أن يصل أرحامه من المحارم عيناً ولو كان مستغنياً أو مستغنين عنه يجب عليه عيناً ممن يحرم عليهم، لو كان ذكر وأنثى أن يتزوج أن يكون ثمة نكاح بينهما فهذا يجب عيناً.

    وأما إذا كان من غيرهم، فمن كان محتاجاً وجب وصله وكفاية حاجته، ومن لم يكن محتاجاً فإن وصله في ذلك مستحب، ويتأكد بحسب القرب، وهذا يدخل في قوله: ( ثم أدناك فأدناك )، ويدخل في ذلك عموم الفضائل الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الحديث قال: ( من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أجله، فليصل رحمه )، يدخل في ذلك عموم الصلة سواءً كان ذلك الواجبة أو كان ذلك من الوصل المستحب.

    وأضعف الأقوال الذين يجعلون الصلة فيمن يرث من الإنسان، ممن سماهم الله عز وجل في كتاب، وهذا ضعيف؛ لأنه يخرج العم والعمة، والخال والخالة، وهي من المحارم، وذلك أن العم ليس من أصحاب الفروض، وكذلك الخال والخالة، وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام تعظيم العم والعمة والخال والخالة وأنها من المحارم.

    فقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( الخالة بمنزلة الأم )، جاء ذلك في إقراره كما جاء في صحيح البخاري، وجاء من قوله عليه الصلاة والسلام في حديث البراء بن عازب وعلي بن أبي طالب، وجاء في مسند الإمام أحمد عليه رحمة الله من حديث أسماء بنت عميس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الخالة والدة )، يعني: في مقام الأم، وهذا فيه تضعيف لقول من قال: إن الأرحام الذين يجب أن يصلهم الإنسان هم الذين يرثون الإنسان ممن سماهم الله عز وجل في كتابه العظيم.

    ويدل أيضاً في إخراج العم أن الله عز وجل قد جعل العم في مقام الأب عند فقده، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: ( أما شعرت يا عمر أن العم صنو أبي الرجل )، والصنو في ذلك هي النخلة التي تخرج بساق واحدة ثم يصبح لها في ذلك جذعان، فهذا يقال: صنو، فالصنو قد يكون اثنين، وقد يكون ثلاثة من الشجر، يعني: أنهما يشتركان في ساق واحدة، ولكن انفصلا فأصبح للنخلة في ذلك ساقان.

    ولهذا نقول: إن أقرب الأدلة إلى الصواب هو على التفصيل السابق، ثم في الرجحان وهو قول جمهور العلماء الذين يجعلون وجوب صلة الرحم مطلقاً ويعلقون ذلك بقدرة الإنسان، والإنسان ينظر إلى قدرته ولا يعلق نفسه بالفرض عليه، وذلك أن صلة الرحم من عظائم الأعمال الفاضلة وأثرها على الإنسان عظيم وبركتها ونفعها عليه وعلى ولده ونفسه وماله وعمره أثرها عليه في ذلك عظيم.

    والعبد كلما كان أقرب إلى التعلق بالعمل الصالح كان أظهر في تتبع الأعمال الفاضلة، وبالنسبة للكفاية والاقتصاد في ذلك وإسقاط التكليف والواجب، فهو على التفصيل الذي تقدم الكلام عليه.

    وربما يستدرك البعض ويقول: إن التفصيل الذي تقدم الكلام عليه في التفريق بين ذوي الأرحام المحتاج وغير المحتاج ما هو الدليل عليه؟

    نقول: إن الله سبحانه وتعالى قد جعل الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، هذا أمر.

    الأمر الثاني: أن الله عز وجل جعل الصلة بالأرحام الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى، ولهذا جاء في حديث أبي هريرة، قال: ( ثم أدناك فأدناك )، يعني: أن الأمر مطلق.

    وإذا كان ثمة حاجة في الإنسان في الفقر، فيتعين على أهل اليسار أن يسدوا حاجته، وأي أهل اليسار أقرب وأوجب؟

    هم أصحاب القرابة منه، فلا يؤمر صاحب يسار بأن يسد حاجة فقير وابن عمه قريب منه، بل يؤمر ابن عمه بذلك، ولو لم يكن أيضاً من جهة المحارم يدخل في هذا القول, فيدخل في هذا من باب أولى.

    كذلك أنهم من أهل الإرث عند عدم وجود صاحب الفرض الوارث مما بينه الله سبحانه وتعالى في كتابه، وكذلك من وجوه التعليل والرجحان في هذا: أن الله عز وجل قد جعل في أحكامه حقوقاً بين ذوي الأرحام من غير المحارم، كالدية على العاقلة، فإنها تجب على قوم الرجل أدناهم فأدناهم، وذلك بحسب القرب، ويدخل في ذلك الأعمام، ثم أبناء الأعمام، ثم أبناء أعمام الأب، وأبناء أعمامهم، وغير ذلك القرابات بحسب القرب يدخلون في عاقلة الرجل.

    ولما كان بينهم حق بنص الشريعة عند الغرم، فوجب أن يوصلوا عند وجود الحاجة والفقر، ولهذا قيد بالحاجة، ولما جعل الله سبحانه وتعالى الحاجة في العاقلة عند ورود الدية جعلها عند الحاجة واجبةً بين الناس ولو لم يكن بينهم صلة، فإنها تكون كذلك عطاءً ووفاءً عند وجود الحاجة والفقر، بل قال غير واحد من العلماء: إنه يجب على الحاكم أن يلزم أهل الأرحام عند وجود الفقير منهم ولو كان من غير أرحامهم أن يسدوا حاجته، وذلك للحقوق التي تكون بينهم.

    الحكمة من ختم قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ...) بقوله: (إن الله كان عليكم رقيباً)

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[النساء:1] ، ذكر الله عز وجل بعد بيان الرحم والسؤال بها وحق الله عز وجل وحق عباده؛ ذكر الله جل وعلا رقابته على عباده، فذكر اسماً من أسمائه وهو الرقيب؛ لمناسبة السياق, وذلك أن حق الرحم والصلة والوفاء والتتبع في ذلك، وكذلك عموم تقوى الله عز وجل في السر والعلانية تحتاج إلى رقابة باطنة من الإنسان، واستحضار لعظمة الله سبحانه وتعالى وذلك كلما كان الإنسان أكثر استحضاراً لعظمة الله عز وجل، فإنه أكثر مراقبةً ومتابعةً واتقاءً له في ظاهر أمره وباطنه.

    1.   

    قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم...)

    والآية الثانية في قول الله سبحانه وتعالى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا[النساء:2]، أمر الله جل وعلا بإيتاء اليتامى أموالهم، وقد تقدم معنا الإشارة إلى هذا في قول الله سبحانه وتعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى[البقرة:220]، تقدم الكلام في أموال اليتامى والشراكة في أموالهم ومخالطتها في البيع والشراء.

    1.   

    المقدم في النزول قوله: (ويسألونك عن اليتامى) أم قوله: (وآتوا اليتامى أموالهم)

    وقد اختلف العلماء في أيهما السابق في النزول: هذه الآية أم الآية السابقة؟

    قال غير واحد من العلماء: إن قول الله عز وجل: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ[النساء:2] ، كان ذلك ابتداءً، ثم لما أذن الله عز وجل بمخالطتهم على ما تقدم معنا رخص الله عز وجل ودفع المشقة عن العباد بجواز المخالطة بالبيع والشراء، واليتيم هو من فقد أباه صغيراً، فيسمى يتيماً بشرطين:

    الشرط الأول: أن يكون الفقد لأبيه.

    الشرط الثاني: أن يكون دون البلوغ، وبعضهم قيده بالرشد.

    وعلى هذا من كان بالغاً أو راشداً على قول لا يسمى يتيماً ولو فقد أبويه جميعاً، ومن فقد أمه ولو كان صغيراً لا يسمى يتيماً إلا تجوزاً يقال: يتيم الأم بالقيد، ولكن إذا أطلق من جهة الاصطلاح الشرعي فإنه يتوجه إلى من فقد أباه, وتحقق فيه القيد الثاني وهو السن، ولو قيل بكل من فقد أباه أنه يتيم لأصبح الشيوخ الكبار أيتاماً وكبير السن في التسعين يقال له: يتيم، وليس كذلك، فيقال: إن هذا على الشرطين.

    المراد بالأموال في قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم)

    وفي قول الله جل وعلا: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ[النساء:2] ، الأموال شاملة لجميع ما يتمول، سواءً كان ذلك من النقدين أو كان من بهائم الأنعام، أو كان مما له قيمة مما لا يقبض، من البساتين أو الأراضي والعقار، وكذلك من الثمار التي تكون على رءوس الشجر، أو غير ذلك مما له قيمة.

    المقصود بإيتاء اليتامى أموالهم

    والمراد بقوله: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ[النساء:2] ، يعني: مكنوهم من التصرف فيها، وهل هذا على إطلاقه فيقال: إن الله عز وجل أمر بإعطاء اليتيم حقه في ماله فيتصرف مع وصف اليتم فيه؟

    نقول: ليس المراد ذلك، لأن الله عز وجل ذكر بعد هذا في قول الله سبحانه وتعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ[النساء:5].

    والمراد بالسفهاء هو الذي به سفه ولا يحسن التدبير، ويدخل في هذا الأطفال.

    وهل يمكن اليتيم من ماله فيتصرف فيه؟

    يقال: ليس المراد ذلك، وإنما المراد في هذا: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ[النساء:2] بنفعهم وعدم حبسها عنهم إن احتاجوا إليها، فلا يمسكها شحاً أو أثرةً أو تحوطاً زائداً فيلحق الضرر بهم، وإنما المراد بذلك صيانتها وعدم حبسها عند حاجتهم إليها، وذلك لعلاج مرض أو دفع لعري فيكسى، أو لجوع فيطعم، أو لعطش فيسقى، أو لجهل فيعلم، وهكذا فيسد بحسب حاجته، وهذا هو ظاهر المراد من قوله: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ[النساء:2].

    ومن قال: إن هذه الآية منسوخة بما تقدم من جواز الخلطة بأموالهم، فحينئذ يقال: إن الأمر بذلك كان ابتداءً، فلهم أن يأخذوا من أموالهم ما شاءوا إذا كان ذلك لا يفسد أصل المال.

    ولكن نقول: إن هذه الآية سواءً كانت محكمةً أو منسوخة فإنه لا يمكن أن يقال بأن الشريعة ابتداءً أمرت بإعطاء أصحاب السفه الذين لا يحسنون تدبير الأموال أن يتصرفوا فيها، ولكن ربما المراد هو التوسع في ذلك، ثم ضبط هذا الأمر.

    معنى قوله: (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب)

    وفي قول الله جل وعلا: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ[النساء:2] ، يحمل هذا على عدة معان ومن هذه المعاني: أي: لا تأخذوا الحسن من أموالهم فتجعلوه في أموالكم, وتستبدلوا السيئ من أموالكم وتجعلوه في أموالهم، وهذا عند المخالطة بالأموال، ويظهر ذلك بالدنانير الزيف والصحيحة, وعند البهائم الجيدة السليمة والرديئة المريضة، أو في الثمار الحسنة التامة، أو الفاسدة، أو غير ذلك، فأمر الله عز وجل بعدم خلط الرديء البين، ولكن عند الاشتباه والاختلاط إذا اختلطت الأموال ولم يكن ثمة تمييز، فلا يجحف الإنسان في حق نفسه, فتكون القسمة حينئذ بالتساوي، فإذا خالطت مال اليتيم بمالك فوجدت أن في مجموع المال زيفاً فيشطر الزيف والصحيح ويقسم بالنسبة والتناسب بمقدار ذلك، ويكون ذلك من الإنصاف.

    وأما إذا قصد الإنسان إبدال الرديء من ماله بالحسن من مال اليتيم، فإن ذلك من إبدال الخبيث بالطيب، وهذا داخل في قول الله عز وجل: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ[النساء:2]، بل جعله الله عز وجل من أكل أموالهم بالباطل، وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ[النساء:2] ، يعني: لا تتعمدوا ولا تتقصدوا ذلك، وقد جاء عن غير واحد من السلف كـسعيد بن المسيب وابن شهاب الزهري وغيره أن المراد بذلك هو خلط الدنانير الصحيحة بغيرها؛ حتى يكون الزيف من حظ اليتيم، ولكن نقول: إن المراد بذلك هو أعم، وإنما يفسر السلف في ذلك تقريباً للمعنى، ويدخل في ذلك سائر أنواع الخبيث من الأموال وكذلك الطيب.

    ومن المعاني التي تدخل في هذا في قول الله عز وجل: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ[النساء:2]، يعني: أن الإنسان إذا خالط ماله مال اليتيم فلا يخلط من جهة الأصل رديء المال بطيبه ابتداءً، فإذا كان ماله رديئاً من جهة الأصل، ومال اليتيم صحيحاً سليماً من جهة أصله؛ فلا يخلط الرديء ابتداءً حتى لا يختلط عليه نتاج ذلك المال بعد ذلك، فيجب عليه ابتداءً الفصل بين هذه وهذه.

    وأما إذا كان أصل ماله مختلطاً بين رديء وجيد، وأصل مال اليتيم بين رديء وجيد، فيجوز حينئذ إن تقاربت النسب أن يخلط بين ذلك المال.

    وهنا في تسمية الخبيث بالطيب تسمية نسبية، فسمي خبيثاً لطيب غيره، وسمي طيباً لخبث غيره، وقد يكون المال الخبيث المسمى في هذه الآية طيباً إذا كان مستقلاً، كبعض الثمار وبعض نتاج النخل إذا قرن بغيره يقال: هذا طيب، وهذا خبيث، يعني: رديء، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في كسب الحجام، قال: ( كسب الحجام خبيث )، يعني: إذا قرن بغيره من الكسب الطيب، فيقال: هذا تمر طيب وهذا تمر خبيث يعني: رديء.

    وإذا قصد الإنسان الخلط بين هذا وهذا، فخلط الخبيث بالطيب كخلط الرديء بالحسن، وأكل أموال اليتامى من أعظم أكل المال الحرام، بل قال بعض العلماء: إن أكل مال اليتيم أعظم من أكل الربا، قالوا: والعلة في ذلك إنما حرم الله عز وجل الربا وشدد فيه؛ لأن فيه أكلاً لمال الضعيف, ولا أضعف من اليتيم.

    ثم إن أكل الربا يكون بتحايل، وأكل مال اليتيم يكون بلا حيلة, فيأخذه استغفالاً واستغلالاً لضعفه وجهله وعدم قدرته وغبنه في ذلك, فهذا أظهر في التحريم، ويظهر التحريم في ذلك أن الربا يكون برضا الطرفين، وأما بالنسبة لأكل مال اليتيم فيكون بغير رضاه لو علم، وأما بالنسبة للربا فيتراضى الطرفان، ومع تراضي الطرفين شدد الله عز وجل في ذلك، وإذا أخذ المال من غير تراض كحال المغبون أو الضعيف أو غير القادر كاليتيم، فإن التحريم في ذلك يكون أظهر وأعظم، وتعظم الحرمة في ذلك إذا جوزه الإنسان لنفسه؛ لأنه تضمن تشريعاً للمال الحرام وجعله في حكم المال الحرام.

    وعلى هذا يمكن أن تجرى أدلة أكل الربا على أكل مال اليتيم، ويأتي التغليظ في ذلك في هذه السورة؛ كما في قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا[النساء:10]، يأتي الكلام عليه في موضعه.

    معنى الحوب

    وفي قول الله عز وجل: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا[النساء:2]، الحوب: هو الإثم والجرم. وقيل: إن العرب لا تسمي الحوب إلا ما كان عظيماً من عظائم الأمور، فعلى هذا القول يكون الحوب هو رديف للمهلك والموبق، وهذا نظير ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة : ( اجتنبوا السبع الموبقات )، يعني: المهلكات، كما تسمى عظائم الأعمال من الطاعات: منجيات، كذلك عظائم الأعمال من المحرمات مهلكات.

    وعلى هذا فإن قوله جل وعلا: إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا[النساء:2]، فعلى هذا القول يكون المهلك يعني: تهلك صاحبها هلاكاً كبيراً.

    وقيل: إن المراد بالحوب هو الذنب بعمومه، سواءً كان صغيراً أو كبيراً، قالوا: والقرينة على ذلك أن الله عز وجل وصفه بالكبير، ولو كانت الدلالة في ذلك بالحوب كافيةً لما وصفه بالكبير, وإنما قال: إِنَّهُ كَانَ حُوبًا[النساء:2]، يعني: مهلكاً، وإنما وصفه الله عز وجل بالكبير لدخول الصغير والكبير فيه، إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا[النساء:2]، يعني: ذنباً كبيراً، وظلماً مهلكاً، فيجب على الإنسان أن يتقيه، وإنما ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وصدرها بحق الأرحام، ثم عطف الله عز وجل بعد ذلك على الأيتام، قالوا: للاشتراك في حق اليتيم والرحم.

    وذلك أن الإنسان يلي اليتامى من ذوي أرحامهم، وأنه أحق بهم، قالوا: وفي هذا دلالة اقتران، أن الله عز وجل حينما ذكر الأرحام والأيتام أن أولى الناس بكفالة اليتيم أقربهم إليه رحماً، فإن اليتيم إذا توفي وكان جده حياً فإن الجد هو أقرب، ثم بعد ذلك الأخ، ثم بعد ذلك العم، وهكذا أدناهم فأدناهم، قالوا: لأن الله سبحانه وتعالى ذكر الرحم, ثم ذكر أمر اليتامى لأنهم من الأرحام وهم أحق أصحاب الأرحام.

    وكذلك في هذا دلالة اقتران على ما تقدم ترجيحه أن الله سبحانه وتعالى حينما ذكر الرحم ووجوب الصلة ذكرنا أن الأرحام على نوعين: أرحام يحرمون، وأرحام لا يحرمون، ومن كان محتاجاً فصلته واجبة ولو لم يكن محرماً؛ لأن الله ذكر اليتامى بعد ذكر الأرحام, وهم أحوج الناس لقضاء الحاجة والوصل، فذكرهم الله عز وجل وخصهم ولو كانوا من الأبعدين.

    ويقاس على هؤلاء غيرهم, كالأرملة إذا كانت بعيدة، كبنت العم الأرملة، وكبنت الخال الأرملة، وغير ذلك ولو لم تكن -على هذا القول- مما يجب وصلها ولكن يستحب، إذا كانت كذلك ومحتاجة فيجب وصلها لدخولها في الحاجة، وقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم الأرملة باليتيم في غير ما حديث.

    نتوقف عند هذا القدر.

    وأسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة, إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.