إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [54]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أرشد الله عز وجل إلى كيفية استخدام المال كسباً وإنفاقاً، فبين ما يحرم من طرق الكسب كالربا وأن الجاهلية كانوا يأكلونه أضعافاً مضاعفة. ثم حث الله عز وجل على النفقة في السراء والضراء، وحث على كظم الغيظ، والعفو عن الناس، وذكر ذلك بعد الأمر بالنفقة لأن من لم يعف قد يشفي غيظه من مؤذيه بعدم النفقة عليه فأرشد إلى العفو وأنه سبحانه وتعالى يحب المحسنين.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة...)

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:

    يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] , تقدم معنا في سورة البقرة الكلام على الربا وبيان خطورته, وعقوبة فاعله, وأنه من المحاربين لله عز وجل, وذكرنا أن الله سبحانه وتعالى ما ذكر حربه مع أحد من عباده إلا في حال الكفر, ومعاداة المؤمنين, وكذلك في حال آكل الربا, وقرن الله عز وجل لذلك دليل على شدة ذلك الفعل وعظم إثمه.

    وهنا في هذه السورة ذكر الله سبحانه وتعالى الربا والأضعاف المضاعفة.

    بالنسبة لتحريم الربا تقدم الكلام عليه في سورة البقرة ومنزلته وخطورته, وذكر الله عز وجل للأضعاف المضاعفة في الربا ليس وصفاً للأمر المحرم بتقييده, وإنما ذلك حكاية حال أهل الجاهلية في تعاملهم بالربا, وذلك أنهم يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة.

    صور الربا في الجاهلية

    والربا كان في الجاهلية على صورتين: يبتدئ بيعاً ثم يتحول بعد ذلك إلى قرض فيزاد فيه, وهذه هي الصورة الأشهر.

    والصورة الثانية: أن يبتدئ قرضاً ثم يتحول بعد ذلك إلى قرض يزيد كلما زاد الأجل.

    وهذه الصورة من الربا المحرم الذي لا خلاف فيه.

    فالله سبحانه وتعالى حينما ذكر الأضعاف المضاعفة لا يعني جواز أن يأكل الإنسان الربا إذا كان دون الضعف، كأن يأخذ على قرضه الربع أو العشر أو الثلث أو النصف أو غير ذلك, فإن هذا ليس بمرابٍ باتفاق العلماء, وإنما هي حكاية حال لحال الجاهلية, وذلك أنهم يبيعون سلعة فإذا اقترب الأجل قالوا للمشتري: نربيك أو تعطينا, يعني: نربيك فنزيد في الأجل حتى تمهل في ذلك أو تعطينا حقنا.

    ونقول حينئذٍ: إن هذا أشد أنواع الربا تحريماً؛ لأنه لا يتوقف عند حد, فكلما زاد في الأجل زاد في الربا, وهذا هو المراد بالمضاعفة في قول الله عز وجل: أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] , يعني: تتضاعف بمقدار ذلك الأجل الذي يعطيه صاحب المال, فإذا كان في الحول زاد ضعفاً، وإذا كان في الحولين زاد ضعفين.

    وطريقتهم في ذلك على ما تقدم الزيادة, وهذا كان يتعامل به أهل الجاهلية وهو أمر مشهور عندهم, معروف عند أهل التجارة سواء كانوا من قريش أو من غيرهم, وقد وضعه النبي صلى الله عليه وسلم وسماه بربا الجاهلية, قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح: ( ألا وإن ربا الجاهلية موضوع, وأول رباً أضع ربا عمي العباس ) , والمراد بربا الجاهلية إذا أطلق هو التضعيف بمقدار زيادة الأجل.

    ولهذا نقول: إن الإنسان إذا باع سلعة إلى أجل ثم زاد في سعرها بمقدار ذلك الأجل, فهل هذا يحرم ويدخل في أمر ربا الجاهلية أم لا؟

    نقول: هذا لا يخلو من صورتين:

    الصورة الأولى: إذا قال الإنسان: أعطيك إياها ناجزاً بكذا وآجلاً بكذا, ثم يعطيه إياه, ثم يتملكها الإنسان, فعلق الأمر بين إنجاز القبض وبين الآجل, فهذا شبيه بصنيع أهل الجاهلية؛ لأنه لم يبع ناجزاً ولم يبع آجلاً، فعلق الأمر, فهذا يقال بتحريمه.

    الصورة الثانية: أن يقول: هذه السلعة قيمتها كذا إن أردتها, وإن أردتها بالآجل فقيمتها كذا، فاتفقا على آجل أو عاجل وقبض العاجل أو أجله إلى أمد معلوم، فيقال: هذا التورق عند العلماء, والخلاف فيه معروف.

    أهل الجاهلية يبيعون سلعة إلى أجل بزيادة, فإذا كان ذلك الأجل ولم يكن لدى المشتري سداداً لقيمتها، قال: أمهلك حولاً ثم أزيد في المال, فهذا محرم لسببين:

    السبب الأول: أن البائع قد باع السلعة مرة أخرى وهو لا يملكها, فقد باعها للمشتري وقبضها المشتري, فبقي له عند المشتري قيمة, فإذا قال: أمهلك مرة أخرى أو أبيعك إياها مرة أخرى إلى أجل بكذا, فهو قد باع ما لا يملك فحرمت من هذا الوجه, وحرم كذلك الزيادة لأجل الأجل.

    السبب الثاني: أنه جعل المال الذي في ذمة ذلك المشتري يزيد بالتأجيل, وذلك أن الإنسان إذا باع سلعة بمائة دينار ثم جاء الحول ولم يكن لدى المشتري قدرة على دفع المائة دينار, فيقول حينئذٍ: أزيدك حولاً أو شهراً وتزيدني عشرة دنانير, هذا العقد الجديد إما يكون على المال وإما أن يكون على السلعة, فإذا كان على السلعة فقد باع ما لا يملك على ما تقدم الكلام عليه؛ لأنها خرجت من ملكه إلى ملك المشتري.

    وإذا نزلت على المال فكأنه أعطاه مالاً بمال, فأعطاه مائة دينار ناجزة بمائة وعشرة آجلة, وهذا من الربا, وهو ما كان يسلكه أهل الجاهلية على اختلاف في طرائقهم, وكذلك مقدار الزيادة في ذلك, وهذا فيه إضرار بالفقير والمحتاج, وذلك لعجزه يؤجل ويزيد عليه فيتراكم عليه أضعافاً مضاعفة.

    تفاوت الربا في الحرمة

    وهل نأخذ من هذه الآية أن الربا من جهة تحريمه يتفاوت؟

    نقول: نعم, يتفاوت من جهة تحريمه, وإن كان أدناه مغلظاً وكبيرة من كبائر الذنوب؛ ولأن الله عز وجل قال: أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130], فكلما زاد الضعف زاد في ذلك الإثم, وبمقدار الزيادة فإنه يكون أكلاً لأموال الفقراء والمحتاجين بالباطل.

    ولا يختلف العلماء من أهل السنة على أن من أخذ مالاً محرماً ولو ربع درهم أو درهماً واحداً على أنه مستحق لوصف الفسق, خلافاً للمعتزلة فإنهم يقدرون أكل الحرام, منهم من يقول: إن الدرهم الحرام لا يوجب وصف الإنسان بالفسق حتى يصل إلى أربعة, ومنهم من قال: إلى عشرة, ومنهم من قال: إلى أكثر من ذلك, وهذا تعليق بتعليل لا دليل عليه. والفسق يتحقق في أدنى الحرام إذا كان في حقوق الآدميين، لأن حق الآدمي في الأموال والأعراض والدماء من الكبائر ولو كان حقيراً من جهة النظر؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، وحق الله عز وجل مبني على المساحة, فقد يغفر الله عز وجل للزاني وشارب الخمر والمفرط في الصلاة وغير ذلك, ولا يغفر الله عز وجل لمن أخذ درهماً أو ديناراً من حق غيره, فلا بد في ذلك من الوفاء يوم القيامة, وهذا مما لا خلاف فيه عند العلماء.

    وهنا في قول الله عز وجل: تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] هل في ذلك تقييد للتحريم بالتضعيف أن يكون من جنس المباع أو من جنس المال المقرض؟

    نقول: ليس في ذلك دليل, وإنما هي حكاية حال, فلو أعطى الإنسان أحداً قرضاً أو باعه سلعة, فطلب الزيادة من غير جنس المباع أو من غير جنس المقرض, يعني: من المال, فلو أقرضه مائة دينار أو باعه أرضاً ثم أراد من ذلك وفاء بقيمة كذا, فلما حل الأجل ولم يكن لديه وفاء وسداد، فقال: أنظرك سنة على أن تزيدني على الوفاء شاة أو سيارة أو ثماراً أو غير ذلك من غير جنس الدين أو من غير جنس البيع, فيقال حينئذٍ: هذا محرم، ولا خلاف عند العلماء في ذلك.

    فإذا أقرضه دراهم ثم أراد التأجيل بالزيادة بشيء من غير جنس الدراهم، فهذا محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل قرض جر نفعاً فهو ربا ) , فإذا أقرض الإنسان أحداً كمائة أو مائتين ثم انتفع من ذلك ولو بنفع يسير فيعطيه القرض على أن يقوم بكذا بمئونة كذا, أو أعطاه قرضاً على أن يشفع له شفاعة أو أعطاه قرضاً على أن يهديه هدية أو غير ذلك, فهذا من الربا, فكل نفع سواء كان مادياً أو معنوياً يشترطه الإنسان عند العقد فهذا محرم، أو يكون شرطاً للتأجيل, ولكن إذا جاءه من غير قيد فأعطى أحداً مائة دينار قرضاً ثم لما جاء الوفاء أعطاه مائة دينار ثم زاده هدية، إما ثمراً وإما مالاً أو غير ذلك من الهدايا مما يتعاطاه الناس.

    فنقول: هذه محكومة بالهدية؛ لأنها ليست مشارطة وليست ملزمة للإنسان، والأولى للإنسان أن يتورع عنها.

    اتقاء الربا سبب للفلاح

    وقول الله عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:130], المراد بالأمر بتقوى الله عز وجل يعني: باجتناب ذلك الربا وتجاوزه والحذر منه، والفلاح من ذلك هو الفوز والنجاة من عقاب الله سبحانه وتعالى, لأن الله عز وجل يتوعد آكل الربا بمبارزته ومحاربته.

    وقد تقدم معنا في سورة البقرة كما جاء عن غير واحد من السلف أن المرابي يعطى سيفاً يوم القيامة فيقال له: بارز الله, ولا أحقر ولا أصغر ولا أضعف منه يوم القيامة ولا أذل منه في ذلك الموضع والموقف.

    ولهذا الله عز وجل لما أمر بتقواه بتجنب ذلك الربا حتى يفلح الإنسان وينجو من عقاب الله سبحانه وتعالى ووعيده.

    أنواع المحرمات في الأموال

    تقدم معنا أيضاً الإشارة إلى أن المحرمات في الأموال على نوعين لا تخرج عنهما, وكل الفروع تتفرع عنه:

    النوع الأول: الربا.

    والنوع الثاني: الجهالة والغرر.

    والجهالة والغرر يدخل فيها القمار والميسر, ويدخل فيها أنواع الغرر, وذلك من بيع الملامسة والمنابذة والمزابنة, وغير ذلك من أنواع البيوع، سواء كان ذلك في المبايعات أو كان ذلك في أمور المزارعة, كالمخابرة وغير ذلك مما يتكلم عليه الفقهاء في هذا الباب.

    وهذه إنما حرم الربا وعظم أمره لأنه يؤخذ عن يقين, وأما الغرر فيؤخذ عن ظن, واليقين في ذلك مكابرة وعناد, فهو يأخذ العشرة بعشرين أو يأخذ المائة بمائتين.

    وأما بالنسبة للجهالة والغرر فهو محتمل أن يربح ومحتمل أن يخسر كما هو في القمار والميسر وفي البيوع المحرمة كالمزابنة والملامسة والمنابذة وغير ذلك.

    والآيات التي تأتي بعدها أيضاً هي تبع لها, كذلك في التفسير من التحذير من أمور الربا, من اتقاء عقاب الله عز وجل الذي توعد الله سبحانه وتعالى آكل الربا بالنار, ويحتمل أن الله جل وعلا لما ذكر الكافرين: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران:131] , بعد ذكر الربا, هل المراد بهذا أن آكل الربا كافر؟

    ليس المراد بذلك إلا إذا كان المراد بمن يأكله استحلالاً.

    وكذلك من الصوارف أن الله سبحانه وتعالى يقول: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران:131] , فالنار من جهة الأصل أعدت للكافرين ما أعدت للمؤمنين ولو كانوا فساقاً، فدخول المؤمن للنار تبعاً, والجنة أعدت لأهل الإسلام والإيمان فلا يدخلها إلا مؤمن.

    وإنما قلنا: (تبعاً) لأن المسلم لا يخلد في النار, ولو كانت النار لفساق المؤمنين ولم تكن للكافرين لم تكن خالدة لأنهم لا يخلدون فيها, فالله سبحانه وتعالى ذكر أنها أعدت للكافرين، أي: اتقوا النار التي تجمعكم بالكافرين وهي قد أعدت لهم فتشاركوهم في العذاب, وهذا من الصوارف في هذه المسألة, ويحتمل أن المراد بذلك هو الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة.

    1.   

    قوله تعالى: (الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس...)

    الآية الثانية: قول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134].

    فضل النفقة في السراء والضراء

    في هذه الآية بين الله سبحانه وتعالى فضل النفقة في السراء والضراء وذلك في حال الرخاء وحال الشدة, في حال الفرح وفي حال الحزن؛ مما يدل على أن الإنسان يديم الإنفاق بكل حال, وهذا فيه إشارة إلى أن النفقة والزكاة لا تنقطع من الناس من جهة الأمر وكذلك التكليف بها, والشدة والضر إما أن تكون من المنفق وإما أن تكون من حال الناس, فيتربص الإنسان ويرقب مواضع الحاجة والفقر والفاقة, وأعظم الصدقة والنفقة إذا كانت في أحوج الناس, فبمقدار حاجة الإنسان فالنفقة عليه أعظم, فإذا اجتمع في المحتاج الفقر واليتم والمرض فإن الصدقة فيه أعظم.

    وإذا كان يتم بلا فقر فالنفقة عليه دون ذلك, وإذا كان فقر بلا يتم فالنفقة دون ذلك, وإذا كان مرض بلا فقر ولا يتم فالنفقة دون ذلك, ولهذا في هذه الآية إشارة إلى أهمية الاحتراز في جانب الزكاة وتحري مواضع الحاجة حتى يعظم في الإنسان الأجر عند الله سبحانه وتعالى.

    فضل كظم الغيظ والعفو عن الناس

    وهنا في قوله جل وعلا: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134] , لما ذكر الله سبحانه وتعالى النفقة في السراء والضراء ذكر الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس, كاظم الغيظ الذي يغضب في ما له حق فيه أو ما لا حق له فيه, وكلما كان الحق للإنسان وهو على الانتقام والانتصار أقدر فالعفو منه عند الله عز وجل أعظم, فالذي يكظم غيظه ولا يستطيع انتصاراً لنفسه؛ فإن كظمه لغيظه عجز وثوابه من ذلك دون ذلك.

    ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخبر، قال: ( ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً ) , يعني: أن الله عز وجل يزيد العبد بعفوه إذا عفا وهو قادر على الانتقام والانتصار لنفسه يجعله الله عز وجل عزيزاً؛ ولهذا ذكر الكاظمين الغيظ، يعني: لا ينتصرون لأنفسهم.

    قيل: إن المراد بذلك أن يكظم الإنسان غيظه عمن أخطأ عليه ممن كان قريباً منه, قيل ذلك في الخدم، وقيل في الأزواج، وقيل في الأولاد وغير ذلك.

    وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العفو عن الخادم: ( قيل له: كم أعفو عن الخادم في اليوم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: سبعين مرة ).

    وهذا إشارة إلى أهمية العفو, وهذا إذا كان في خادم, فكيف في زوجة؟ وكيف في ولد من ابن وبنت ممن كان قريباً من الإنسان, فإن الأجر فيه أعظم؛ لأن الخطأ منه أكثر, وذلك لكثرة المخالطة والمعاشرة, فيلحظ منه من الأخطاء ما لا يلحظه من الأبعد, وكلما كان الإنسان أكثر عفواً عمن كان قريباً منه، فإن الأجر في ذلك عند الله عز وجل أعظم, وذلك أن عفو الإنسان عن الخطأ مرة يختلف عن عفوه عن الخطأ مرتين وثلاث؛ لأن المرتين والثلاث والأربع إذا جاءت بعد الأولى فيها إشارة إلى عدم اهتمامه بالمخطأ في حقه, فربما حمله ذلك إلى الانتصار في نفسه ولعدم الاعتداد برأيه أو قوله أو نحو ذلك, والعفو في ذلك أقرب وأعظم أجراً عند الله سبحانه وتعالى.

    علامة كظم الغيظ والعفو عن الناس بالأمر بالنفقة

    وقوله: الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134] , هل هذا له صلة بأبواب الإنفاق؛ لأن الله عز وجل يقول: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134] , أمر بالإنفاق ثم حث على كظم الغيظ والعفو عن الناس, فهل دلالة الاقتران هنا محل اعتبار؟

    أي: أن الله عز وجل أمر وحث الناس أن ينفقوا على من أساء إليهم وألا يمنعهم ذلك من النفقة والإحسان, وهذا من أعلى مراتب صلاح القلب, وذلك أن النفوس مجبولة على الشح والطمع والانتصار لنفسها.

    كذلك فيه إشارة ودلالة إلى أن الإنسان ربما ينتصر لنفسه بالمنع, لا ينتصر لنفسه بإلحاق الأذى والمباشرة في ذلك, فإن الإنسان إذا أوذي بسبه وشتمه أو تعييره أو الوقيعة فيه أو كان يستطيع أن يؤذي أحداً إما بضربه أو بقتله أو بسلب ماله أو غير ذلك، فالله عز وجل نهى عن ذلك, وأمر بكظم الغيظ, ولكن من الأمور الخفية أن الإنسان يمنع شيئاً كان يجريه لأجل الأذية التي بلغت إليه, فيقول: لا أعطي فلاناً لأنه وقع في عرضي وتكلم في أو غير ذلك, ويظن أنه قد كظم غيظاً لأنه ما انتصر لنفسه بقوله وفعله, وهو قد منع النفقة التي كان يجريها والعطية التي كان يمضيها, لذلك الفقير أو المحتاج. وهذه بأنواعها إما أن تكون صدقة, وإما أن تكون هدية وهبة وعطية.

    إسقاط الزكاة بإسقاط الدين عن المدين

    وهل في هذه الآية دلالة على إسقاط الدين عن المدين, إذا أنفق الإنسان أو أعطى أحداً, ومعلوم أن الدين هو نصف الصدقة, فإذا أعطى الإنسان أحداً ديناً ثم عفا عنه, هل ذلك يجزئ من الزكاة أم لا؟

    أظن أنه تقدم الإشارة معنا إلى هذا في سورة البقرة:

    اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في هذه المسألة على قولين: ذهب عامة العلماء إلى أن الدين لا يسقط من الزكاة, وهذا قول عامة العلماء, وهو قول أبي حنيفة والإمام أحمد و سفيان و الأوزاعي , وذهب إلى هذا ابن تيمية , بل نص ابن تيمية رحمه الله إلى أنه لا يُعرف في هذه المسألة نزاع, فإذا أقرضت أحداً ديناً ثم أعسر, فليس لك أن تسقط ذلك الدين من زكاتك.

    وثمة قول آخر عن عطاء وقال به الظاهرية, ويروى عن الحسن تقييد ذلك بالديون لا في البيوع.

    والأظهر والله أعلم أنه لا يجوز إسقاط الدين عن الزكاة, فإذا كان الإنسان لديه حق عند أحد ديناً ثم افتقر, فليس له أن يسقط ذلك, وهذا لعدة أمور:

    الأمر الأول: أن هذا موضوع وليس مأخوذ, والله عز وجل أمر بأخذ الزكاة, فقال جل وعلا: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة:103] , والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لما بعث معاذاً إلى اليمن، كما جاء في الصحيحين وغيرهما, قال: ( واعلمهم أن الله عز وجل قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ) , فهذه الزكاة مأخوذة وليست موضوعة.

    الأمر الثاني: أن في إسقاط الدين منة من الدائن على المدين, وأما بالنسبة للزكاة فلا منة فيها؛ لأن الإنسان أخرجها استجابة لله قبل أن يسقطها على الإنسان.

    الأمر الثالث: أن في إسقاط الدين على المدين المعسر أمراً لا خيار للإنسان فيه لأنه معسر, أما الزكاة فهي خرجت من الإنسان باختياره.

    وفي هذا تفويت لمصلحة شرعية أن الإنسان إذا أخرج الزكاة من ماله يملك حق اختياره والبحث عن الأحوج من الناس من الفقراء, وهذا يدفع التماس الأحوج من الناس, فهذا قدم حظ نفسه الذي عند ذلك الفقير, مع أنه يرى من هو أحوج منه فتركه لحظ نفسه حتى لا يخرج الزكاة مرة أخرى.

    ويكفي في ذلك أن الزكاة أراد الله عز وجل بها تطهيراً للمال, والمال هو المقبوض لدى الإنسان، بخلاف الذي لدى غيره فهو لا يملكه كحال المال المفقود, ثم لا يدري هل يرجع إليه أو لا يرجع إليه؟ وربما رجع إليه نصفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في الدين في الشفاعة للدين, أمر النبي عليه الصلاة والسلام الدائن أن يضع شطر دينه. فإذاً: أنت تضع زكاتك في مال مظنون أن يعود إليك.

    الأمر الرابع: أن الله عز وجل أرشد إلى إنظار المعسر, ولو كان إسقاط الحق فيه من الزكاة مشروعاً لدل عليه لأنه أقرب إلى الاستجابة, فإن الإنسان يجد من إنظار المعسر من المشقة عليه لحبه لماله أكثر مما يجده في إسقاطه من حق زكاته؛ لأنه يرى من ذلك إسقاطاً للتكليف الذي يكون عليه.

    وكذلك في هذا أن الزكاة شرعها الله سبحانه وتعالى ليطهر فيها نفس صاحب المال, وذلك بإبعاد الشح من نفسه والطمع وغير ذلك, أما إذا كان المال مفقوداً وليس موجوداً لديه ثم يسقطه فلا أثر لذلك في أبواب وضع المال الذي يكون عند المعسر من الزكاة، فلا قيمة له في ذلك, وربما تعطلت الزكاة.

    وأما من قال بجوازها من المتأخرين الذين يعللون ذلك ببعض العلل, فيقولون: إنه كما تجوز من جهة النظر أن المدين إذا أعاد المال إلى الدائن جاز له أن يعيده إليه زكاة, فأن يسقطه عنه يجوز كذلك, وهذا نقول: فيه في نظر, لأن هذا افتراض على قدرته, وقدرته في ذلك مظنونة, بل ربما إنه في ذلك ليس بقادر على الوفاء, فنفترض أنه أعاده إليه, بل نقول ما هو أبعد من ذلك: أن الإنسان إذا أهدى لأحد هدية وكان ذلك المهدي فقيراً, ثم أعاد المال إليه بنية أن يكون من زكاة ماله, فهل يجوز ذلك أم لا؟

    أهديتني أو أهديتك عشرة آلاف هدية وأنا فقير حباً لك, ثم علمت بفقري, ثم أردت أن تعطيني هذا زكاة عن مالك, يجوز هذا أم لا يجوز؟ هل تحرم الزكاة علي منك إذا كنت فقيراً؟

    لا تحرم. ولهذا يجوز للإنسان أن يعيده.

    هل نقول بهذا أن الإنسان إذا علم أن فلاناً سيهديه هدية أن يقول: لا, اجعلها من زكاة مالي؟ هذا توسع في أبواب الأموال, ولهذا لا نقول بذلك.

    وثمة صورة أجازها بعض العلماء في مسائل إسقاط بعض الدين عن الزكاة, وإذا كان الدين على الإنسان مثلاً مائة, يقول ابن تيمية رحمه الله: يجوز في صورة واحدة أن يسقط زكاة المال الذي عند المدين, مثلاً: زكاة المال هي ربع العشر (2.5%), وأقرضت رجلاً مائة دينار, ثم لما حال الحول ليس لك أن تخرج زكاة مالك الذي عندك ثم تقوم بإعطائه إياه, ولكن المال الذي عنده، تقول: إني أطلبك وفاءً مائة دينار, وفي هذه المائة زكاة, فـ(2.5%) أسقطتها لك, فهو قد أسقط من المال الذي عنده أو المال الذي عند الفقير؟ يقول ابن تيمية رحمه الله: ويجوز هذا؛ لأنه يأتي عليه قول الله جل وعلا: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ [التوبة:103], وهو قد أخذ من ماله الموجود عند الفقير لا أسقط مالاً عند الفقير ليس في ملكه من المال من نصاب ماله الذي في ملكه, وهذا قول له حظ من النظر, وإن كان على قول جمهور العلماء لا يجري, وأنهم لا يرون إسقاط الدين أن يكون من الزكاة.

    ونقول: إذا أسقط نصاب الزكاة من الدين الذي في الذمة جاز, أما إسقاطه من ماله الذي عنده فلا يجوز, ويظهر أن في هذه المسألة اتفاقاً, وليس في هذه الآية دليل, فإن الله سبحانه وتعالى إنما أمر بالنفقة في السراء والضراء, وقوله جل وعلا: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134] , ليس العفو عن القروض؛ لأن الله عز وجل أمر بالإنفاق, وهذه الآية شاملة للإنفاق الذي يكون من الأمور المستحبة, والأمور الواجبة من زكوات الأموال والزروع والثمار وبهائم الأنعام, وغير ذلك مما أوجبه الله عز وجل كعروض التجارة وغيرها, ولا صلة لها في أبواب الديون التي تبقى في الذمة.

    ثم إن الله سبحانه وتعالى لما ذكر في قوله في سورة البقرة: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280] , أرشد إلى الإنظار, ولو كان الإسقاط للحق في الزكاة يجزئ عن ذلك, وهو كحال الإنفاق لأرشد الله عز وجل إليه؛ لأن إقبال النفوس تتشوف إليه أكثر من غيره, لأن الإنسان يسقط زكاته عن دينه الذي في ذمة غيره أولى من أن يرجو مالاً يأتيه أو لا يأتيه, ثم يخرج غيره إلى فقير آخر.

    ويعضد ذلك أن هذه الآية ليس فيها دلالة على ذلك, أن الله سبحانه وتعالى ذكر الإحسان, وقوله جل وعلا: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] , الإحسان في ذلك هو مبادرة الإنسان بالخير بلا منة, وذلك فيه منة؛ لأنه يسقط ذلك عن الفقير ويظهر فيه المنة, والزكاة واجبة على الإنسان افترضها الله سبحانه وتعالى على الغني, فيخرجها واجبة عليه ليرفع التكليف عن نفسه, وكذلك طهرة لماله, بخلاف هذه الآية فإنها في سياق الإحسان, وبذل المعروف, وهذا يعضده جملة من القرائن، أن الله عز وجل ذكر الإنفاق وهو في الأمور المستحبة في ظاهر الآية.

    المفاضلة بين العفو والانتصار للنفس

    كذلك: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134] في الأمور المستحبة, أي: أن الإنسان له حق أن ينتصر لنفسه, وإذا لم ينتصر فقد حمد الله عز وجل له كظم غيظه وعفوه, وحمد الله عز وجل له عفوه عن خطأ غيره عليه بصبره على أذاه.

    وهل ذلك على الإطلاق: أن الإنسان يحمد له العفو؟

    نقول: العفو يحمد ويذم, يحمد إذا كان في مقدور الإنسان ويطيقه ويصبر عليه, ولا يجرئ الباغي عليه، فيزداد في ذلك ويستطيل في الشر.

    ولا يحمد إذا كان فيه شدة أذية لا يطيقها الإنسان, ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في المسند: ( لا ينبغي لمؤمن أن يؤذي نفسه ) , وجاء في رواية: ( أن يذل نفسه. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يتحمل من البلاء ما لا يطيق ) يعني: ما لا تطيقه العفو فيه غير محمود, ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، يتحمل من البلاء ما لا يطيق ) .

    1.   

    قوله تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان...)

    أنواع التولي في غزوة أحد

    وقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا [آل عمران:155] , بين الله سبحانه وتعالى أن أقواماً ممن كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد, تولوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان توليهم على نوعين:

    الأول: تولي تام, وذلك بتخلفهم عن اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا كان من المنافقين, فلم يلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبقوا في المدينة. وكان على رأس أولئك من المنافقين عبد الله بن أبي وأتباعه, وذلك إذ رجع بثلث الجيش.

    الثاني: الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد, ولما استطار الأمر بين المسلمين والمشركين واشتد الكرب, منهم من لاذ ببعض الجبال, وكذلك من خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فوصف بهذا الوصف.

    وقد عفا الله عز وجل عن من تولى رحبة, ورحمة الله سبحانه وتعالى في ذلك واسعة, ويظهر أن الله عز وجل إنما عفا لوجود بعض الأخيار من الصحابة في ذلك ممن يبرئ من النفاق, فعفا الله عز وجل عن أولئك جملة.

    كذلك أيضاً أن عفو الله سبحانه وتعالى عن أولئك إنما كان لأن المسلمين في بادئ الأمر, فالمسامحة في بداية الأمر وفي الزلات الأولى من الأمور المحمودة، بخلاف ما يقع من الإنسان مرات وكرات, فإنه يؤاخذ في ذلك ويلام ويعاقب عليه.

    تحريم التولي يوم الزحف

    ذكر الله سبحانه وتعالى هنا: يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [آل عمران:155] , في هذه الآية دليل على تحريم التولي يوم الزحف, سواء كان ذلك عند التقاء الصفين وهو أعظم أو من نصف الطريق, فإنه دون ذلك، ولكن فيه خذلان للمسلمين.

    الذنوب وآثارها في تحقق الهزيمة

    وفي هذه الآية إشارة إلى معنى عظيم جداً: أن الإنسان لا يحرم الخير إلا بالذنب, لهذا الله سبحانه وتعالى لما ذكر من تولى من المسلمين عن النبي عليه الصلاة والسلام يوم أحد جعل الله عز وجل سبب ذلك استزلال الشيطان لهم في ما سبق من ذنوب ومعاص, قال: بـ مَا كَسَبُوا [آل عمران:155] , يعني: بما اقترفوا من ذنوب ومعاص.

    لهذا يثبت الله سبحانه وتعالى صاحب الطاعة، والمعصية تقيد الإنسان وتثقل كاهله حتى يضعف عند الإقدام, والانتكاسة بسبب معصية إما ظاهرة وإما باطنة, والمعاصي الباطنة أعظم عند الله عز وجل من المعاصي الظاهرة؛ لأن المعاصي الباطنة فيها تخصيص للخالق سبحانه وتعالى بالاستهانة, وأما في الظاهر فإنه يستهين بالخلق والخالق, وأما في الباطن فيعظم المخلوق ولا يعظم الخالق, وكأنه رفع المخلوق هيبة في قلبه على الخالق, وأما في العلن فقد جعل الخالق والمخلوق سواء, وفي السر رفع هيبة المخلوق على الخالق.

    ولهذا كانت ذنوب الخلوات أعظم عند الله عز وجل من ذنوب الجلوات, ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى لا يحرم عبده من أمور الخير إلا بسبب ذنب, فإذا انتكس الإنسان أو ارتد فبسبب ذنوب عاقبه الله سبحانه وتعالى بها, وفي هذا أيضاً إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يعلم أن الله عز وجل إذا حرمه من عمل خير فليعلم أنه بسبب ذنب اقترفه فليبحث عن ذلك الذنب ليزيله؛ لأنه هو العائق, وإما بالتوبة والاستغفار ونحو ذلك, فإذا حرم من عمل خير، من سفرة الخير، أو من صحبة خير، أو من نفقة، أو غير ذلك, أو حيل بينه وبين عمل البر وحيل بينه وبينه فليعلم أن الله عز وجل حرمه إياه بسبب ذنب؛ فإن الله عز وجل لا يحرم عبده إذا اكتمل قصده وصلح ظاهره.

    والتولي يوم الزحف سيأتي معنا بأقسامه وأنواعه ومراتبه فيما نستقبل بإذن الله تعالى, ونرجئ الكلام عليه بتفصيله هناك.

    1.   

    قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة...)

    قول الله سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161].

    سبب نزول قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل ...)

    هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عبد الله بن عباس: ( لما فقد الصحابة قطيفة من الغنيمة، فقالوا: ربما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161] ) .

    وهذا تنزيه للنبي عليه الصلاة والسلام أن يساء الظن به ولو كان بعض الصحابة أطلقها؛ لأنه ربما رأى أن الله استثناه في هذا الأمر.

    وفي هذا تعظيم لجانب الغلول في الأموال، وخاصة في الأموال التي يكتسبها المسلمون من الغزوات.

    تحريم الغنائم على الأمم السابقة والحكمة من ذلك

    والغنائم حرمها الله سبحانه وتعالى على سائر الأنبياء ولم تحل إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم, كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر وغيره قال: ( أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي ) , وفيها: ( وأحلت لي الغنائم ) .

    وذلك أن الأنبياء فيما سبق كانوا يغزون فإذا غنموا جمعوا الغنائم في موضع, ثم أرسل الله عز وجل عليها ناراً تحرقها فلا تكون في حظ النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه, ولا في حظ الكافرين وأتباعهم, وإنما حرم الله سبحانه وتعالى الغنائم على من سبق لعلل, منها:

    ألا يتشوف الناس إلى القتال لأجل أن يغنموا بعيداً عن نصرة الدين.

    وأيضاً ألا يقع في النفوس تسويل، فيجعلون من الظن يقيناً, فيشكون هل هذا كافر أو مسلم, ثم يقتلونه حباً في الغنيمة فيترجح عندهم الظن الذي يخالف الحق. وهذا عصمة لتلك الأموال.

    تولي الله عز وجل قسمة الغنائم

    كذلك فالله عز وجل قد جعل قسمة الغنائم إليه, وما جعلها إلى أحد؛ حتى تعصم الأموال المحرمة, وذلك بما أحله الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام من تلك الغنائم, أصل هذه الأموال قبل الكفر محرم, ثم أحلها الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام بسبب الكفر وعدم الدخول في الإسلام, ومحاربة أهل الإيمان, فإذا أحلها الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام لأجل ذلك, فليس لأحد أن يأخذ تلك الأموال بقسمة رأيه, فجعل الله عز وجل الأمر إليه.

    ما يجوز أخذه من الغنائم قبل القسمة وما لا يجوز

    وأخذ الغنائم محرم إذا أخذها الإنسان لحظ نفسه؛ لأن الله عز وجل قد جعل قسمتها إليه, والغنائم التي يجوز أخذها من غير قسمة هي ما لا يحمل, وذلك من الماء المشروب, والطعام الذي إذا ترك فني, وكالألبان والأجبان وغير ذلك التي لا تحمل.

    وأما الطعام الذي يدخر فإن الأصل أنه من الغنائم.

    وهل للإنسان أن يأكل من ذلك شيئاً إن احتاج إليه؟

    نقول: يأكل من ذلك ويؤكل غيره ممن كان معه من غير أن يأخذ من ذلك زيادة, وأما ما يفنى من الثمار وما يفسد من الطعام على ما تقدم, من الحليب أو اللبن أو الأجبان إذا تركت أو الفواكه أو غير ذلك مما لا يدخر، فإنه يطعمه الإنسان ويطعم من حوله, ولا يكون هذا من جملة الأشياء المحرمة.

    وأما ما يحمل ويدخر وينتفع به فلا يجوز للإنسان أن يأخذه ولو كان قليلاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في رجل غلَّ شملة, والشملة هي التي يوضع على الثدي إما الشاة أو الناقة التي تحلب حتى لا يرضع منها ولدها, قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لقد رأيت الشملة التي غلها توقد عليه ناراً يوم القيامة ) , وهذه مع يسرها أن الإنسان لا يدثر فيها من برد, ولا تنفعه، وليست بخف ولا بجبة ولا بعمامة وإنما هي لبهيمة, ومع ذلك جعلها الله سبحانه وتعالى وقوداً له؛ لأن هذا حق لمال المسلمين.

    دخول أخذ المال العام في الغلول

    وبهذا نعلم أن الذين يترخصون بالمال العام ولو كان شيئاً يسيراً فهذا من الغلول، ممن ولاه الله عز وجل أمر.. ولاية.. إمارة.. أو رئاسة.. أو وزارة.. أو خزانة.. أو إدارة أو غير ذلك أن يعلم أن هذه الأموال ليس له منها نصيب إلا ما أذن الله عز وجل فيه, ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما بعث معاذاً إلى اليمن فمضى, جاء في بعض الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام ناداه، فقال: ( لا تأخذ إلا ما أذن الله عز وجل لك فيه, فإن أخذك له غلول ) , وقد جاء النهي عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك في جملة من الأحاديث, ويأتي تفصيل هذا بإذن الله تعالى.

    الحكمة من إتيان الغال بما غل يوم القيامة

    وقوله جل وعلا: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161] , لماذا يأتي بما غل يوم القيامة؟

    وهل المراد يأتي يوم القيامة بما غل في النار أم في غيرها؟

    نقول: يأتي بما غل يوم القيامة على ظهره أمارة على غدرته.

    قد جاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان ), وغدرته لأنه غدر المسلمين, ائتمن على الغنيمة فأخذها له, وائتمن على مال المسلمين فأخذه له, فيؤتى ذلك لواء, وانظروا ماذا غدر وماذا سرق من حق المسلمين؟

    وإذا كانت غدرته ليست من الأمور المادية مما يحمل كان له لواء يوم القيامة يكتب عليه: هذه غدرة فلان ابن فلان.

    وإذا كانت مالاً أو أرضاً أو ثمراً أو غير ذلك، يأتي بها يوم القيامة كل إنسان بمقدار غلته, وقيل: إن المراد بذلك أن يؤتى بما غل يوم القيامة ليعذب به في النار, قالوا: وهذا قدر زائد على الأرض مما يعرف مع الإنسان يوم القيامة من غدرته.

    قال: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [آل عمران:161] , قالوا: في هذا إشارة إلى أن ما يأتي به يوم القيامة هذا يأتي به قبل العذاب, وذلك للعذاب النفسي والإهانة مما جرى منه من غدرة للمسلمين.

    قال: بـ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [آل عمران:161] ؛ لأن الله عز وجل: لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:44] .

    نتوقف عند هذا القدر, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.