إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [53]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ضرب الله مثلاً لعمل الكافر في الآخرة (كمثل ريح فيها صر)، فالكافر يعمل أعمالاً لكن الله سبحانه وتعالى يجعلها في الآخرة هباءً منثوراً. وأما في الدنيا فإن الله عز وجل يكافئه عليها فيرفع عنه مرضاً، ويوسع له في رزقه، ويعطيه أولاداً ونحو ذلك. كما أن الأعمال الصادرة من الإنسان نوعان: أعمال يظهر فيها التعبد فهذه لا بد أن تكون النية فيها خالصة لله. وأعمال لا يظهر فيها محض التعبد وإنما هي من مكارم الأخلاق كإماطة الأذى فلا تكون شركاً إلا إذا نوى بها غير الله.

    1.   

    قوله تعالى: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر...)

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    مثل ما يعمله الكافر من خير في الدنيا

    فنتكلم في هذا المجلس على قول الله عز وجل: مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ [آل عمران:117] , هذه الآية فيها إشارة إلى عمل الكافر في الدنيا، وأن الله عز وجل لا يتقبله منه, وهذا محل اتفاق عند العلماء ولا خلاف عند أهل الإسلام في ذلك؛ ولأن الله عز وجل لا يتقبل إلا من مسلم, وقد بين الله عز وجل في مواضع عديدة من كتابه العظيم أن الله عز وجل يحبط عمل المشرك ولو أخلص لله عز وجل في أثناء عمله, وأن الله عز وجل لا يتقبل من العمل إلا ما كان طيباً ولو كان العامل في ذلك مسلماً.

    وهذا على ما تقدم محل إجماع إذ لا ريب فيه.

    ضرب الله عز وجل مثلاً في عمل الكافرين في هذه الدنيا أنه كحال الريح, الريح التي تصيب إما حرثاً أو زرعاً إذا كان فيها برودة شديدة أو كان فيها حرارة، فإنها لا تبقي من ذلك الزرع شيئاً, ولهذا الله عز وجل قد ضرب بعمل المشركين والكافرين بحال الريح التي تصيب الزرع والحرث.

    وقول الله عز وجل: (( صِرٌّ )), اختلف العلماء في المراد بذلك, جاء عن عبد الله بن عباس ومجاهد بن جبر وسعيد بن جبير على أن المراد بذلك البرد الشديد, وقيل: البَرَدَ الذي يصاحب المطر والريح في يوم عاصف, فإنها لا تبقي ولا تذر من الزرع شيئاً.

    وقيل: إن المراد بذلك النار التي تأتي إلى العمل أو تأتي إلى الزرع أو تأتي إلى رزق الإنسان ومتاعه فتهلكه ولا تبقي منه شيئاً, وهذا إشارة إلى فساد العمل بعد قيامه وإنشائه, فالكافر ينشئ العمل ثم يفسده الله عز وجل عليه بألا ينتفع منه في الآخرة, وأما بالنسبة لانتفاعه في الدنيا فالله عز وجل يعجل للكافرين طيباتهم, وهذا مما لا خلاف فيه عند العلماء.

    بين الله سبحانه وتعالى أن سبب عدم قبول الله عز وجل لعمل الكافر حال كفره أن سببه الظلم, وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ [آل عمران:117], والمراد بالظلم هنا الشرك, والظلم إذا أطلق في كلام الله عز وجل فيراد به الكفر, وهذا ظاهر في مواضع عديدة، كما في قول الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82], يعني: بشرك, كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود , وكذلك في قول الله عز وجل على لسان العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13], والمراد بالظلم، هو: الشرك, وذلك أن أعلى الظلم هو أن يكفر الإنسان بخالقه, والظلم في لغة العرب هو وضع الشيء في غير موضعه.

    فإذا وضع الإنسان قلبه في غير موضعه ووضع جوارحه في غير موضعها فيعد ظالماً, والله سبحانه وتعالى حينما بين عدم قبول عمل الكافر في الدنيا لا يعني أنه لا ينتفع من ذلك بعاجله, وإنما الله عز وجل نفى الإثابة عليه في الآخرة, ولهذا نقول: إن العلماء يتفقون على أن الكافر إذا عمل عملاً في الدنيا وهو يشرك بهذا العمل مع الله عز وجل غيره حال ذلك العمل، أن ذلك لا ينفعه لا في الدنيا ولا في الآخرة, وذلك أن المشركين في الجاهلية ربما وحدوا في بعض أعمالهم وإن كانوا على الشرك, فيعتقون العتاق ويطعمون الطعام ويكرمون الضيف, وربما قصد بعضهم ببعض العمل الله جل وعلا وما أشرك معه غيره.

    فأما النوع الأول, وهو: أن يشرك المشرك حال شركه في عمله ذلك غير الله, فهذا لا يقبل منه ذلك, بل إن الله عز وجل لا يقبل من المرائي رياءه ولو كان مسلماً, فإن الكافر إذا أشرك بعمل أو بقول غير الله عز وجل حال شركه وكفره، فإن الله عز وجل لا يعجل له نفع ذلك العمل؛ لأنه ليس بطيب, فيكله الله عز وجل إلى من توجه إليه من معبوديه من صنم أو حجر أو كوكب أو جاه أو سمعة أو رياء أو غير ذلك مما يقصده الناس من عاجل الدنيا.

    النوع الثاني: إذا أخلص في عمل عمله وهو مشرك, يعني: من جهة أصله مشرك ولكنه وحد في ذلك العمل, وذلك كالذي ينفق يريد به وجه الله وهو لديه ناقض من نواقض الإيمان, فعمله ذلك لا يرفع؛ لأن الكفر يتحقق بورود شعبة من شعب الكفر بخلاف الإيمان, فإن الإيمان لا يكتمل للإنسان إلا وقد تحقق أصله وتحقق جمهور فرعه.

    فالكفر يتحقق بشعبة واحدة، فيكتمل الكفر أعلاه وأدناه, وهذا مما لا خلاف فيه, أما بالنسبة للعقاب يوم القيامة للكافرين, فإن الكفار في ذلك يتفاوتون من جهة العذاب, أما من جهة أحكام الدنيا فإن الكفر في ذلك واحد, وهو ملة واحدة, من ارتكب مكفراً واحداً أو ارتكب اثنين أو ثلاثة كفره في ذلك واحد, وأما بالنسبة لأهل الإسلام والإيمان، لا يكون في ذلك الإيمان واحداً حتى يتحقق أصل الإيمان وجمهور فرعه.

    وهذا ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيح، قال: ( الإيمان بضع وسبعون أو ستون شعبة, أعلاها: لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) , فإذا تحقق أعلاها, وهو لا إله إلا الله, وتحقق جمهور فرعها, فإنه حينئذ يكتمل الإيمان.

    أحوال من تعبد لله خالصاً في بعض الأعمال وهو مشرك

    وأما بالنسبة للكفر فورود شعبة واحدة يتحقق الكفر كاملاً, فمن تعبد لله عز وجل خالصاً حال شركه بعمل من الأعمال فهذا على حالين:

    الحالة الأولى: أن يسلم بعد ذلك, فإذا أسلم بعد ذلك كتب الله له الأجر السابق مما أخلص ولو كان مشركاً, ويظهر هذا في حديث حكيم بن حزام كما جاء في الصحيح، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله! أرأيت أعمالاً كنا نتحنث بها في الجاهلية, ألنا منها شيء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما أسلفت من خير ) , يعني: ما مضى من خير تريد به وجه الله فإن الله عز وجل يجعله لك ويتقبله منك بعد إسلامك.

    الحالة الثانية: ألا يسلم الإنسان فبقي على شركه وكفره, وقد أسلف عملاً خالصاً لله, فهذا يتفق العلماء ويتفق أهل الإسلام على أنه لا ينفعه ذلك في الآخرة, وإنما يعجل له نفعه في الدنيا, وأما ما أشرك فيه حال شركه فلا ينتفع فيه في دنيا ولا أخرى.

    أنواع الأعمال التي تصدر من الإنسان

    ولهذا نقول: ربما دلت طبائع البشر على عمل البر من غير قصد لله؛ ولهذا نقول: إن الأعمال التي يصدرها الإنسان من أعمال البر هي على نوعين: أعمال يظهر فيها التعبد، فهي لله عز وجل عبودية ولغيره شرك.

    النوع الثاني: أعمال لا يظهر فيها محض التعبد, وهذا يكون في كثير من الأعمال، إما إماطة الأذى عن الطريق, وكذلك إغاثة الملهوف ونحو ذلك, فلو أغاث أحد من الناس ملهوفاً ليريد رضا جاره أو رضا أبيه, أو أن يذكر بخير فهذا يحرم الأجر, ولكن لا يلحقه وزر, ولا يكون في ذلك العمل مشركاً؛ لأنه لم يقصد التعبد في هذا.

    ولهذا يقع كثير من الناس في هذا الباب ولا يأثمون, وأما ما يقع فيه محض التعبد؛ كالصلاة من السجود أو الركوع والصيام والحج, والذبح والنذر وغير ذلك مما يفعله الإنسان ويظهر فيه التعبد, فإن صرفه لله فهو وحدانية, وإن صرفه لغير الله فهو شرك.

    وأما ما كان مما دلت عليه طبائع البشر مما يحبونه مما لا يظهر فيه محض التعبد إلا بالقصد، فنقول حينئذٍ: إن هذا الفعل يوكل إلى نية الإنسان إن أخلص لله أُجر, وإن لم يخلص لله عز وجل في ذلك ولم يقصد التعبد حال بذله، فإنه حينئذ يحرم الأجر ولا يلحقه في ذلك وزر, ويكون نصيبه في الدنيا ما ناله من ذكر حسن, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول لـسفانة ابنة عدي بن حاتم الطائي لما ذكرت أخلاق أبيها في الجاهلية من إكرام الضيف وإقرائه وإغاثة الملهوف، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه, أطلقوها فإن أباها يحب مكارم الأخلاق ) .

    فكأن النبي عليه الصلاة والسلام حينما ذكر مكارم الأخلاق، قال: ( يحب مكارم الأخلاق ) موضع حمد ولو كان كافراً, لكن لو كان ذلك صلاة ليصلي للصنم أو ينذر له أو يذبح له من دون الله سبحانه وتعالى, هل حمد النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، فقال: يحب السجود والركوع لا؛ لأن هذا يظهر فيه محض التعبد, أما بالنسبة لمكارم الأخلاق, إغاثة الملهوف, إكرام الضيف, الإحسان إليه، وغير ذلك من الأخلاق، فهذه إن أحسن فيها وأخلص أجر, وإن لم يحسن في نيته وأراد بذلك الناس فإنه على ما تقدم يحرم الأجر, ولا يلحقه في ذلك وزر.

    ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى جعل أعمال الكافرين في الدنيا هباء منثوراً في الآخرة, وأما على ما تقدم ما أخلص فيه لله عز وجل في الدنيا، فإن الله عز وجل يعجل له في الدنيا نعيمه بالرزق وغير ذلك.

    والله عز وجل يرزق عباده مؤمنهم وكافرهم؛ لأن هذا مقتضى الربوبية, وأصل الرزق من مقتضيات الربوبية لأن الله عز وجل يرزق البهائم ويرزق الكافر ويرزق المؤمن؛ لأنه هو الذي خلقهم وأوجدهم وتكفل برزقهم.

    أما بالنسبة لنعيم الآخرة, فإنه من مقتضيات الألوهية فلا ينعم إلا المسلم والمؤمن، ولا ينعم الكافر.

    وسبب الجهل في هذا عند كثير من العامة دعاهم إلى الإلحاد, فترى بعض الناس يقول: إن الله عز وجل يرزق الكافر في الدنيا ويحرم المؤمن.

    نقول: إن الله عز وجل تكفل برزق خلقه, وهذا من مقتضى ربوبيته سبحانه وتعالى, فيرزق الطير ويرزق الحشرة, ويرزق بهائم الأنعام, ويرزق الأسماك والبهائم وخشاش الأرض في الأرض، يرزقها الله عز وجل وقد تكفل بها؛ لأنه هو الذي خلقها, ولهذا الله عز وجل سمى نفسه بخير الرازقين, لأنه يرزق الكافر ولو كفر, هذا من جهة الرزق، مع أن لله عز وجل رزقاً خاصاً لأهل الإيمان, ولهذا نقول: إن الرزق والمنع من الله سبحانه وتعالى على نوعين:

    رزق ومنع عام, وهذا من مقتضيات الربوبية.

    ورزق ومنع خاص, وهذا من مقتضيات الألوهية.

    فالله عز وجل يرزق بعض عباده الذين يتعبدون له بسبب إيمانهم, وهذا كما يرزق الله عز وجل الناس بسبب استغفارهم, وينزل عليهم الغيث, ويرزقهم البنين وغير ذلك مما يعجل الله عز وجل لأهل الإيمان من النعيم في الدنيا.

    ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى جعل رزق عباده في الدنيا من مقتضيات ربوبيته, هذا من جهة الأصل, وبهذا نعلم أن التباين الذي يكون في الخلق من جهة الصحة والمرض, والفرح والحزن، والفقر والغنى، والأمن والخوف، وغير ذلك أن هذا من جهة الأصل مما يجعله الله سبحانه وتعالى في أصل خلقه, سواء كان ذلك في المسلمين أو كان ذلك في الكافرين. ولهذا كانت ربوبية الله عز وجل لإقامة انتظام الحياة بالعدل, ولهذا قد تستقيم حياة الكافر وهو كافر, يستقيم عيشه وهو كافر؛ لأنه أقام العدل في الدنيا ولو كان كافراً, أما بالنسبة للإسلام فإن الإسلام يقيم الحياة والآخرة, والعدل بلا إسلام يقيم الدنيا ولكنه لا يقيم الآخرة, فبمقدار انحراف الإنسان المسلم في دنياه يكون حينئذٍ نقصه في استقامة الدنيا, فإذا أقام الإسلام كما أمر الله عز وجل فإن الله عز وجل يقيم له الدنيا؛ لأن الإسلام جاء بعدل الدنيا فيما يكون بين الناس, وبالعدل في حق الله عز وجل، وهو توحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة.

    ولهذا يستجيب الله للكافر دعاءه إذا كان مظلوماً ولو على المسلم, كما جاء في حديث أنس في المسند وغيره قال: ( اتق دعوة المظلوم ولو كان كافراً )؛ لأن مقتضى العدل يكون بين الناس لتعلقه بالربوبية, فالله خلقهم ليقيم العدل بينهم سبحانه وتعالى, ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها, وليقتصن الله للشاة القرناء من الشاة الجماء ) .

    وقد جاء في الأثر: لو أن جبلاً بغى على جبل أو اعتدى على جبل لدك الله الباغي منهما, فمقتضى العدل ومقتضى ربوبية الله أن يجيب الله دعاء الكافر المظلوم على الظالم ولو كان مسلماً, وهذا مقتضى عدل الله عز وجل, بل يجري حتى في البهائم.

    كيفية التخلص من المظالم في الآخرة

    وهنا من المسائل المتعلقة في هذا في مسألة الإثابة في الآخرة, الله جل وعلا يجعل الحقوق بين العباد مما يكون بينهم من مظالم ونحو ذلك, إذا لم يكن في ذلك قصاص في الدنيا، فإنه لا بد من الوفاء في الآخرة.

    المسلمون إذا تظالموا فيما بينهم ولم يقتصوا الحقوق التي تكون بينهم في الدنيا، فإن الله عز وجل يأخذ من حسنات هذا إلى حسنات هذا, وإن لم يكن لديه حسنات أخذ من سيئاتهم فطرحت على الظالم ثم طرح في النار, وهذا جاء فيه أحاديث كثيرة كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح قال: ( من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم ), وكذلك في حديث عبد الله بن أنيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، فيناديهم الله عز وجل بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب, فيقول: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه, ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعليه لأحد من النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة. قالوا: كيف وإنا نأتي الله عز وجل حفاة عراة؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: بالحسنات والسيئات ) .

    وكذلك ما جاء في الصحيح في حديث المفلس لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( يأتي بأعمال كالجبال, ثم يأتي وقد ضرب هذا ولطم هذا وسفك دم هذا, فيأخذ هذا من حسناته, وهذا من حسناته, فإن لم يكن لديه حسنات أخذ من سيئاتهم، فطرحت عليه ثم طرح في النار ) .

    هذا في أهل الإسلام, لكن إذا كان بين مسلم وكافر حقوق في الدنيا ولم يكن ثمة قصاص في الدنيا، فكيف تكون الحقوق في الآخرة؟

    في ظاهر الحديث في حديث مسلم في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن لم يكن لديه حسنات أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) .

    نقول: إن الله سبحانه وتعالى يأخذ من حسنات المؤمن وينزلها في كفة المؤمن الآخر إذا كانت الحقوق بين المسلمين, وإذا كانت بين مسلم وكافر فالله عز وجل عدل, نقول: إذا لم يعط الله عز وجل الكافر حقه في الدنيا من جهة تعجيل عقوبة بالمؤمن، إما بإقامة الحد عليه أو بعقوبة ينزلها الله عز وجل إجابة لدعاء الكافر على المؤمن، فإن الله سبحانه وتعالى يأخذ من حسنات المؤمن. وهل توضع في كفة حسنات الكافر؟

    نقول: لا, لأن الله سبحانه وتعالى جعل حسنات المؤمن التي تكون لديه في الآخرة هي من ثمار عمله الصالح, فعمله الصالح لا يصح استقلالاً من الكافر أصلاً, فليس له عمل في الدنيا أو عمله الذي كان في الدنيا وباشره بنفسه ولو كان مخلصاً لله حال عمله ما دام مات على الكفر, فإنه لا ينفعه في الآخرة, فكيف يؤخذ من ثمار غيره وهو لم ينفعه عمله من جهة الأصل, فكيف يكون ذلك؟

    نقول: إن عدل الله عز وجل ماضٍ في هذا, ويكون عدله في ذلك على حالين:

    إما أن يؤخذ من سيئات ذلك الكافر من غير كفره، باعتبار أن المؤمن لديه ضده, وهو الإيمان, فيؤخذ من سيئاته ومن معاصيه ونحو ذلك، فتكون حينئذٍ على المسلم، فتنزل حينئذٍ منزلته في الجنة.

    وأما إذا كان ليس لديه سيئة إلا الكفر أو على قول من قال: إنهم لا يخاطبون بفروع الشريعة؛ حينئذٍ لا يؤثمون على قول من قال بهذا القول.

    وهل يتصور أن الإنسان يكون لديه الكفر ولا يكون لديه ذنب آخر؟

    نقول: يتصور على من قال بأنهم لا يخاطبون بالفروع ويتصور فيمن لم يرد إليه البلاغ في الفروع وورد إليه البلاغ في الأصل وهو التوحيد, حينئذٍ يخاطب فيما بلغه الوحي أو الدليل والحجة، وما عدا ذلك فإن الله عز وجل لا يعذب أحداً حتى يبعث رسولاً إليه: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] , والعذاب المراد به هو الذي يكون في الآخرة.

    أما الحالة الثانية: فيؤخذ من حسنات المؤمن وتطرح عنه لا إلى الكافر، فتكون حينئذٍ مما يجعله الله عز وجل هباء منثوراً؛ لأن من الحسنات من يقدمها الإنسان فتذهب بفعله بنفسه لا أن توضع في غيره, فيجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً؛ وذلك كحال الإنسان الذي يعمل حسنات كالجبال, فإذا خلا بمحارم الله انتهكها, فيجعلها الله عز وجل له هباءً منثوراً.

    ولهذا نقول: إن عدل الله عز وجل ماضٍ في القصاص الذي يكون بعمل الإنسان في الدنيا والآخرة.

    مواضع القصاص بين الخلق في الآخرة

    ومواضع القصاص بين الخلق في موضعين: موضع قبل الصراط, وموضع بعده.

    الموضع الذي يكون قبل الصراط هو لمن أوجب الله عز وجل له النار ابتداءً, فالله عز وجل يحرم على صاحب الجنة أن يدخل الجنة وعليه لأحد من النار حق؛ لأنه لو أخذت من حسناته فربما زادت في حسناته داخل النار وأنقصت من سيئاته فاستوجب دخول الجنة والخروج من النار. فالله عز وجل يقتص الحقوق التي تكون قبل ذلك.

    وأما من أوجب الله عز وجل عليه دخول النار من أهل الإيمان, وذلك من أصحاب الكبائر ممن لم يغفر الله عز وجل لهم, فالذي يكون بعد الصراط هو على قنطرة بين الجنة والنار، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( يخرج المؤمنون من النار، فيوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتصون حقوقاً كانت بينهم ), فمن هؤلاء الذين يقتصون حقوقاً كانت بينهم؟

    هؤلاء الذين استوجبوا النار بذنوب من حق الله عز وجل لا من حقوق الآدميين, ثم يخرجهم الله عز وجل من النار فيقتصون حقوقاً كانت بينهم لترفع هذا منزلة في الجنة وتضع ذلك منزلة فيها.

    ولهذا نقول: إن مواضع الحقوق هي في الآخرة في موضعين:

    موضع قبل الصراط, وموضع بعد الصراط, الموضع الذي يكون قبل الصراط لمن دخل النار خالداً فيها أو لمن كان لديه حق ولو كان مؤمناً بينه وبين مؤمن لم يوجب الله عز وجل له دخول النار, فيدخل الجنة من غير ولوج للنار, فيقتص الله عز وجل الحق الذي يكون بينهم, وأما من كان في النار مما أوجبه الله عز وجل له من أهل الإيمان, فإذا خرجوا منها اقتصوا الحقوق التي كانت بينهم؛ لتكون في ذلك رفعة لهم في الجنة, فترفع واحداً وتضع الآخر.

    أعمال المسلم قبل ردته إذا تاب

    وهنا مسألة من مسائل العمل الذي يكون من الكافر مما يخلص الله عز وجل به في الدنيا, وذلك أن المسلم قد يتعبد لله عز وجل في الدنيا بعمل صالح ثم يرتد, ثم يتوب, هل يكتب له ما سلف من عمله أم لا؟ وما تقرب لله عز وجل به مما يجب على الإنسان كالحج, إذا حج الإنسان وهو مسلم ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام, هل يجب عليه أن يأتي بحجة الإسلام, أم تكتب له ما سلف من ماضيه؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين, وقد تقدم معنا الكلام في سورة البقرة في قول الله عز وجل: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217] , فقيد الله عز وجل ذلك بالكفر, فبالموت على الكفر يحبط الله عز وجل عمله, وأما من ارتد ولم يمت وهو كافر فالله عز وجل يتقبل له عمله السابق, ويعيده إليه, وهذا هو الأرجح, لأمور:

    منها: أن الله عز وجل قيد ذلك بالموت على الكفر, فقال: (( فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ )), يعني: إذا لم يمت وهو كافر كتب الله له ما سلف من ماضيه.

    الأمر الثاني: أن الله عز وجل يتقبل للكافر عمله الذي عمله حال كفره مخلصاً لله إذا دخل الإسلام, كحال حكيم بن حزام , فقد فعل طاعات لله عز وجل مخلصاً حال كفره, فلما أسلم كتبها الله عز وجل له، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( أسلمت على ما أسلفت من خير ) , فكيف بمن يعمل عملاً خالصاً لله وهو مسلم, ثم أشرك ثم رجع إلى الإسلام, أولى بالقبول وأقرب إلى رحمة الله سبحانه وتعالى ممن كان كافراً فتقرب لله سبحانه وتعالى بالطاعة وهو مشرك, ورحمة الله عز وجل أقرب إلى أهل الإيمان من غيرهم. ويُرجع إلى سورة البقرة, فقد تكلمنا عليها هناك بالتفصيل.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم...)

    قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا [آل عمران:118]، نهى الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان أن يتخذوا بطانة من دونهم.

    معنى البطانة وأنواعها

    معنى البطانة: هي الحاشية أو الصديق أو المستشار الذي يُتخذ ويؤتمن على مصلحة من مصالح العبد.

    والبطانة جعلها الله سبحانه وتعالى على نوعين:

    البطانة الأولى: بطانة اختيار, يعني: للإنسان أن يختارها وله أن يردها, فله اختيار في ذلك.

    والبطانة الثانية: بطانة قدر, وهي الابتلاء التي يبتلى بها العباد, ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث أبي سعيد: ( ما من نبي ولا خليفة إلا وله بطانتان: بطانة من الخير وبطانة من الشر, بطانة من الخير تأمره بالمعروف, وتحضه عليه, وبطانة من الشر تأمره بالمنكر وتحضه عليه, والمعصوم من عصمه الله ) .

    الأنبياء لا يتخذون بطانة من الشر باختيارهم, ولكن يبتلى الإنسان بها؛ لأن أهل الشر يحبون القرب لأجل دنياهم من أهل القدرة والقوة, فيبتلى النبي ويبتلى الخليفة ويبتلى الولي, ويبتلى السلطان والحاكم بالبطانة، سواء كانت بطانة سوء أو كانت بطانة خير.

    ولا يخلي الله عز وجل عباده من ذلك من أهل النصح, فإذا كان هذا في الأنبياء فإنه فيمن دونهم من باب أولى, وذلك من الحكام والعلماء وأهل السيادة والوجاهة والنقابة في الناس فإن الله عز وجل يبتليهم كذلك.

    في هذه الآية بدلالة الأولى دليل على تحريم وضع الكافرين على المؤمنين؛ لأن الله عز وجل نهى عن اتخاذ الكافرين بطانة, يعني: أن النهي عن اتخاذهم رءوساً ليلوا أمر الناس أولى بالنهي, والله سبحانه وتعالى نهى نبيه ونهى أصحاب نبيه والمؤمنين أن يتخذوا بطانة من الكافرين.

    النهي عن اتخاذ بطانة كافرة

    في هذا جملة من المسائل من أولها: أنه لا يجوز للحاكم أن يتخذ بطانة باختياره من الكافرين يأتمنهم على المؤمنين, والأمانة في ذلك الدينية أعظم من الدنيوية, فلا يؤتمنون على الدين ولا يؤتمنون على المال.

    استعانة المسلم بالمشركين

    المسألة الثانية وهي ما يذكره الفقهاء: من استعانة المؤمنين بالمشركين, فهل يجوز للمسلم أن يستعين بالمشرك؟

    نقول: ثمة جملة من المسائل تخرج من هذا الباب مما هي محل اتفاق, من هذه المسائل في المنع أنه يحرم أن يتخذ الكافر رأساً على المؤمنين؛ لأن الله عز وجل حرمه أن يكون بطانة، فأن يكون رأساً من باب أولى.

    ونظائر ذلك وأمثلته كثيرة جداً, وذلك أن يوضع أميراً على جيش المسلمين أو يوضع على بيت المال, أو يوضع أميناً على دينهم وأعراضهم, فإن هذا يتفق العلماء على منعه وتحريمه بدلالة الأولى, ولا خلاف عند السلف ولا الخلف في ذلك.

    وثمة أشياء تكون جائزة, وهي محل اتفاق, كالإجارة بين المؤمن والكافر، إذا اتخذ المسلم أجيراً كافراً, وذلك للزراعة والحرث وغير ذلك مما يستعمله الإنسان, فهذا ليس من البطانة.

    وأما الاستعانة بالمشرك في الحرب والقتال, فنقول: قد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

    قوم منعوا بالإطلاق, واستدلوا بهذه؛ الآية لأن الله عز وجل نهى أهل الإيمان أن يتخذوا بطانة من دونهم, وهذه نزلت في اتخاذ اليهود بطانة, وكذلك كما جاء في الصحيح: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب إلى غزوة بدر فأدركه رجل من المشركين صاحب نجدة ) , يعني: صاحب نصرة وقوة, ( فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتؤمن بالله؟ قال: لا, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ارجع فإني لا أستعين بمشرك, فمضى النبي عليه الصلاة والسلام فلحقه المشرك حتى بلغ الشجرة، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتؤمن بالله؟ قال: لا, قال: ارجع فإني لا أستعين بمشرك, فلحق النبي عليه الصلاة والسلام حتى كان بالبيداء، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أتؤمن بالله؟ قال: نعم, فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحق به ) .

    في هذا قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الاستعانة بالمشرك, ومنع أن يلحق به بسبب شركه، فقال: إني لا أستعين بمشرك, قال: وهو فرد واحد فكيف بالجماعة، فالجماعة من باب أولى.

    والقول الثاني: قالوا بالجواز, واختلفوا في تقييد الجواز مع اتفاقهم على ألا يتخذ الكافر في ذلك رأساً.

    واتفقوا أيضاً ألا يستعان بالمشرك في حال قدرة المسلمين على الاستقلال بأنفسهم, فإذا كانوا ليسوا بحاجة إلى كافر بأنفسهم حرمت الاستعانة بالكافر على قتال مسلم أو قتال كافر.

    ومن القيود التي يضعونها أيضاً في قول جمهور العلماء قالوا: لا يجوز أن يستعين المسلم بالكافر على مسلم آخر, وهذا قول جمهور العلماء.

    الراجح في حكم استعانة المسلم بالمشرك

    والذي يظهر والله أعلم أن الأصل في الاستعانة بالكافر الجواز, وذلك بشروط:

    الشرط الأول: أن يكون الأمر والنهي بيد أهل الإسلام.

    الشرط الثاني: أن يكون نفع أهل الإسلام بالقتال أكثر من نفع الكافرين, فقد يتقاتل المسلمون وتحتهم الكفار, ولكن نفع الكفار بهذا القتال وانتصارهم أكثر من انتصار وانتفاع أهل الإيمان, فإذا كان كذلك فإنه يمنع ويأثمون بذلك. واختلف فيما إذا تساوى النفع في ذلك, فحمل المسلمون على كافرين واستعانوا بكافرين آخرين, والنفع في ذلك على السواء, واختلفوا في جواز ذلك من عدمه.

    الشرط الثالث: أن يكون في المسلمين عجز عن القيام والاستقلال بأنفسهم بقتال الكفار.

    الشرط الرابع: أن يكون المستعان به من أهل الأمانة, فيأمن من مكره أن يخدع المؤمنين أو أن يكون عوناً للعدو عليهم, فإذا كان كذلك جاز أن يستعين المسلمون بالمشركين.

    وأما ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث عائشة : ( إني لا أستعين بمشرك ) , نقول: إن هذا من النبي عليه الصلاة والسلام سياسة وحكمة وتأليفاً لقلبه.

    وقد يقول قائل: ما هو الدليل على هذا مع صراحة النص؟

    نقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام جاء عنه أنه استعان بالمشركين في غزوة خيبر وحنين وهي بعد بدر, مما يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما قال: ( إني لا أستعين بمشرك ) , لكفايته وعدم قيام الموجب بالحاجة إلى ذلك المشرك.

    ثم أيضاً إن ذلك المشرك لا تقوى به شوكة المسلمين لأنه فرد, وقد استعان النبي صلى الله عليه وسلم بالمشركين في غزوة خيبر, فقد استعان النبي عليه الصلاة والسلام بيهود بني قينقاع واستعان النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة حنين بـصفوان بن أمية وهم من المشركين.

    لهذا نقول: إن استعانة المؤمنين بالمشركين جائزة بالشروط الأربعة التي تقدم ذكرها, فإذا توفرت هذه الشروط جاز, والاستغناء في ذلك أولى.

    ويجوز للمسلم أيضاً أن يستنصر بالكافر دفعاً لصولة الصائل. وكذلك أن يستعين به في إبلاغ دين الله عز وجل كما استعان النبي عليه الصلاة والسلام بمكة بعمه أبي طالب , فكان أعظم نصير من المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة هو أبو طالب وكان مشركاً.

    وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحتمي به عند البغي عليه, بل إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جماعة من الصحابة إلى النجاشي وكان نصرانياً, لأنه يعدل في حكمه وقضائه, فالالتجاء إلى الكافر عند صولة الصائل وبغي الباغي هو على نوعين:

    الحالة الأولى: التجاء من صولة صائل كافر, فهذا التجأ إلى كافر من كافر, فهو جائز كحال النبي عليه الصلاة والسلام مع أبي طالب، وكحال الصحابة مع النجاشي .

    الحالة الثانية: أن يلتجئ إلى الكافر وأن يستنصر به من صولة صائل مسلم أو باغ مسلم فهل يجوز له ذلك أم لا؟

    نقول: إذا كان التجاء المسلم بالكافر من صولة صائل مسلم أو بغي باغ من المسلمين لا يقوي شوكة الكافر على المسلمين جاز له بمقدار دفع صولة الصائل, لا أن يديم الالتجاء والانتصار به. وهذا في حال الأفراد وكذلك في حال الجماعة.

    ومن نظر في مجموع النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم يجد في خلاصتها أن النبي عليه الصلاة والسلام ما منع منعاً قاطعاً من الاستعانة بالمشركين إلا وقيدت بقيود, فالمنع الذي ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في بدر؛ لأن المسلمين أصحاب شوكة, وواحد لا يقدم فيهم شيئاً, فمنع النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك. وربما أراد النبي عليه الصلاة والسلام تأليفه؛ لأنه في الثالثة لما رآه قد أقبل تسبب ذلك في دخوله للإسلام.

    وهذا من وجوه الجمع بين الأدلة.

    ثم أيضاً إن النبي عليه الصلاة والسلام بقي على هذا الأمر سواء كان ذلك في المشركين أو كان ذلك في المنافقين, ولهذا قد غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منافقون في كثير من غزواته وهو يعلمهم بأعيانهم، ولكن لم يكونوا رأساً وأمراء على الجيش والجند, فإنه لا يجوز أن يؤمر الكافر ولا المنافق ظاهر النفاق على الجيش والجند، فإن النهي يدخل في هذا الأمر.

    وإذا كان الرجل فاسقاً وفسقه ظاهراً وليس بمنافق وهو من جملة المسلمين، فنقول: لا حرج من تأميره على الجيش إذا كان صاحب إسلام وصاحب إثخان وأمانة, فإن الرجل قد يكون فاسقاً من جهة عمله بمعصية تتعلق بحق الله, ولكنه مؤتمن في حق الأموال, وكذلك في أمور الأعراض وكذلك الإثخان, فيقدم على غيره.

    ولهذا كان في الصحابة عليهم رضوان الله تعالى من قادة الجند ممن يتلبس بالفسق ولم يكن ذلك موجباً لعزله, ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف وسعيد بن منصور من حديث إبراهيم عن علقمة لما كانوا في غزوة, وكان عليهم رجل من قريش, فشرب الخمر سكر, وفي القوم حذيفة و أبو مسعود , فاجتمع القوم عليه ليقيموا عليه الحد, فقال حذيفة : أتقيمون الحد على أميركم وأنتم على مقربة من عدوكم فيطمعون فيكم؟ فأبقوه أميراً, وأسقطوا عنه الحد حتى هزموا المشركين فرجعوا إلى عدوهم.

    وسبب ذلك أنه صاحب قوة, بل جاء بإسناد صحيح أنه قال لما ذهب عنه سكره: لأشربنها رغماً عنها ورغماً عمن أرغمها, يعني: يشرب رغماً عن الخمر ورغماً عمن أراد أن يقيم عليه العقوبة.

    وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله في السياسة الشرعية أن من كان فيه القوة والإثخان والأمانة, وأمن المسلمون جانبه فإنه يقدم على صاحب الديانة الذي فيه ضعف من جهة القوة والسياسة وغير ذلك.

    دخول المنافقين في صف النبي صلى الله عليه وسلم في القتال وكيفية تعامله معهم

    كذلك أيضاً من الأمور في السياسة الشرعية أن النبي صلى الله عليه وسلم في حال غزواته وجهاده كان يقاتل معه جماعات من المنافقين مع ما يحدث من حال النبي عليه الصلاة والسلام من أذية منهم له عليه الصلاة والسلام, ثم كان النبي عليه الصلاة والسلام يغزو بهم مرة أخرى, وحال عبد الله بن أبي لما ذهب النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد, ورجع عبد الله بن أبي بثلثي الجيش من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا كان شديداً على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة، ونوع من التربص.

    ثم لما رجع النبي عليه الصلاة والسلام وغزا بعد ذلك غزوات أخذ أولئك القوم معه عليه الصلاة والسلام مرة أخرى, لأنه ثمة فرق بين أن يجعل المنافق رأساً وبين أن يؤخذ مع سواد المسلمين احتواء له حتى لا ينفك عنهم، فيتربص بهم ويلحق بعدوهم, ولهذا من يحاول تمييز صفوف أهل الإسلام فيريد أن يخرج أهل الاصطفاء والكمال من غيرهم هذا ليس على منهج الصحابة فضلاً أن يكون على منهج الأنبياء, ولهذا ما زال في جيوش أهل الإسلام ممن يتلبس بالفسق والقصور في جانب الديانة احتواء لهم ودفعاً لضررهم في حال لحاقهم بالمشركين.

    نتوقف عند هذا الحد, وأسأل الله عز وجل لي ولكم السداد والتوفيق والإعانة, إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.