إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [50]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أرسل الله عز وجل الرسل وأيد كل رسول بمعجزات تناسب ما اشتهر به قومه، فقوم موسى اشتهروا بالسحر فجعل الله عز وجل من ضمن معجزات موسى العصا تلقف ما يأفكون، واشتهر قوم عيسى بالطب فأيد الله عيسى عليه السلام بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. والأصل في الصور أن ما كان ذا روح فإنه يحرم تصويره، ويستثنى من ذلك ثلاث حالات: الأولى: الصور الممتهنة. الثانية: ما يزول من فوره. الثالثة: ما يعجز عن إزالته.

    1.   

    قوله تعالى: (ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    الحكمة من جعل المعجزات للأنبياء

    بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى شيئاً من أحكام وقصص بعض أنبيائه وأوليائه، وذلك كعيسى وأمه، وبيان نسبهما، ونشأتهما، وذلك رداً على ما يدعيه النصارى في هذا، وكذلك أيضاً أشرنا إلى جملة من الأحكام الفقهية المتعلقة بهذا الباب.

    معنا في هذا المجلس وأوائل هذه المواضع هي في قول الله سبحانه وتعالى: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران:49]، الله سبحانه وتعالى جعل لأنبيائه من المعجزات ومن البينات، ومن البراهين والحجج ما تكون سبيلاً للإقناع العقلي، ليدل عند أولئك السامعين على صدق أولئك المخبرين والرسل، والله سبحانه وتعالى يجعل تلك المعجزات بحسب أحوال ذلك الزمان، فإذا كان ينتشر عندهم نوع من أنواع الإعجاز أو الإعجاب في باب من الأبواب؛ أنزل الله عز وجل الإعجاز على هذا النحو، والعلة في هذا هو أدعى إلى شحذ الأذهان والعقول، وجذب القلوب والأفهام والبصائر، حتى تأتي إلى أولئك الداعين، ولهذا نجد أن الله سبحانه وتعالى قد جعل في أنبياء بني إسرائيل من البراهين والإعجاز من نوع يختلف عن غيرهم، فإنهم يميلون إلى حب معرفة الغيب، والاطلاع عليه، وكذلك مما يتعلق بالسحر والتعلق بالكهنة وغير ذلك، ولهذا جعل الله عز وجل لـموسى من المعجزات من هذا الجنس في الظاهر، فجعل الله عز وجل لهم من الآيات العصا حيث تُقلب حية، ويده كذلك يخرجها فتخرج بيضاء من غير سوء، يعني: من غير مرض، وكذلك جعل الله عز وجل لعيسى شيئاً من هذا الجنس وإن اختلف من جهة النوع، وذلك أن بني إسرائيل من قوم عيسى عليه السلام كانوا يتشوفون إلى الطب ومعرفة العلاج، وكذلك معرفة خوارق العادات ومعرفة الغيب، فهو جنس ما لدى قوم موسى على نوعٍ مغاير في هذا الباب، فجعل الله عز وجل من المعجزات لـموسى ما ليس لـعيسى، وجعل الله عز وجل في عيسى ما ليس لـموسى، فكل نبيٍ من أنبياء الله عز وجل يجعل فيه من المعجزات لقومه ما يخص به ذلك النبي عن غيره، ولهذا نجد أن الله سبحانه وتعالى قد خص سليمان بنوع من الإعجاز ليس لغيره، وذلك من تسخير الريح والجن، ومعرفة منطق الطير، والنمل، وغير هذا، وكذلك جعل الله عز وجل في موسى من المعجزات ما ليس في غيره، وجعل الله عز وجل في عيسى من الإعجاز ما ليس في غيره، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكذلك جعل الله سبحانه وتعالى في نبينا عليه الصلاة والسلام من المعجزات ما ليس في غيره كانشقاق القمر، فكل نبيٍ من أنبياء الله خصه الله بمعجزة وقد يجعل الله عز وجل من بعض المعجزات ما هي مشتركة مع بقية الأنبياء، والله سبحانه وتعالى قد جعل لعيسى شيئاً من هذه الأنواع، منها ما يختص بعيسى، ويشترك أصله مع غيره، كإحياء الموتى على اختلافٍ في سبب الإحياء، فالله عز وجل جعل في عيسى من إحياء الموتى ما جعل في إبراهيم في قصة الطير، فجعل الله عز وجل في ذلك من البرهان ما هو موجود لدى إبراهيم، ولكن ذلك كان خاصاً بـإبراهيم وهذا عام في عيسى في قومه، ولما كان قومه يتشوقون إلى معرفة الغيب والطب، جعل الله عز وجل هذا الإعجاز في عيسى من هذا النوع، فكانوا يميلون إلى معرفة المغيبات عن طريق السحرة والكهنة، وكانوا يحبون التطبب والتشافي في ذلك؛ جعل الله هذه المعجزات من هذا النوع حتى يقبلوا إليه.

    وأما الحكمة من هذه المعجزات، فإن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبين ويثبت ويبرهن لأولئك الأتباع وأولئك القوم أن الله عز وجل قادر أن يخبر نبيه بشيء من ذلك الإعجاز من غير سبب، فهم يعرفون الغيب عن طريق الكهنة، والجان وغير ذلك، أما عيسى فالله عز وجل يعطيه الغيب من غير سببٍ مادي، مما يوجد عند الناس، فهم يسعون إلى طلبه، وكذلك يتطببون بشيء من المادة وغير ذلك، جعل الله عز وجل في عيسى من السبب في إحياء الموتى، وكذلك بالإخبار عن المغيبات من غير سبب.

    وفي هذا إشارة إلى أنه علم الغيب بطريق من غير طريقكم، وهو طريق الخالق، وذلك أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق والخالق هو أعلم بما خلق سبحانه وتعالى، ليعلموا أن هذه الأشياء الغيبية الخارقة من الخالق سبحانه وتعالى لا من ذات الإنسان، وهنا ذكر الله سبحانه وتعالى الآيات التي جاء بها عيسى، وذكر أولها هنا قال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران:49]، ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية بعض الإعجاز.

    أول صور هذا الإعجاز: هو أن يخلق عيسى من الطين على صورة طير، ثم ينفخ فيه فيكون طيراً، وهنا بيان أن الله سبحانه وتعالى يجعل في أنبيائه من قضائه وأمره ما يشرع لنبي ولا يشرع لغيره، ويجعل الله سبحانه وتعالى في نبي تشريعاً ربما لا يجعله في غيره.

    هنا في صنع الطير على التمثال، هل هذا جاهز في أمة الإسلام إذا صنع الإنسان تمثالاً على هيئة تمثال من طين، أو من صلصال، أو من أي مادةٍ من مواد الأرض، هل يجوز ذلك وإن كان يستحال إلى غيره؟

    نقول: مما لا يجوز أن يرد فيه الخلاف، أن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الفعل لعيسى إعجازاً وتشريعاً له، فلا يخاض في باب الكراهة أو التحريم هنا.

    ولكن هل يقال: إن مثل هذه الصورة هي جائزة في أمتنا؟

    أولاً: مما لا خلاف فيه أن الله سبحانه وتعالى قد حرم التصوير، وحرم التماثيل والنحت بجميع أنواعها، سواءً كان ذلك من نحت الحجارة، أو نحت الخشب أو نحت المعادن من أي نوع كان، سواءً كان ذلك من نحاس، أو من حديد، أو من فضة، أو من ذهب، أو من البلاستيك، أو غير ذلك، حرمها الله سبحانه وتعالى إذا كانت تمثالاً، وكذلك إذا كانت صورة على ورق أو على حائط أو على خشب أو على قماش، فإنها محرمة ولا خلاف في ذلك، والأدلة في هذا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترة مستفيضة، ومن ذلك: ما جاء في حديث أبي جحيفة وهو الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لعن الله المصورين )، وجاء في الحديث القدسي في الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله جل وعلا: من ذا الذي يخلق كخلقي؟ )، وجاء في إنزال قول الله عز وجل: يُؤْذُونَ اللَّهَ [الأحزاب:57]، قال عبد الله بن عباس و عكرمة : نزلت في المصورين، وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون )، وجاء في التحذير من ذلك والأمر بإنكاره عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث علي بن أبي طالب حينما أوصاه بألا يدع تمثالاً إلا طمسه، وهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم مستفيض ومتواتر.

    والصور إنما حرمت إذا كانت فيها أرواح.

    أنواع مخلوقات الله عز وجل

    ومعلوم أن مخلوقات الله سبحانه وتعالى على أربعة أنواع: النوع الأول: ما فيها أرواح ويتبع الروح النفس والنمو والجسم، فهذا من جهة رسمه محرم بالاتفاق.

    النوع الثاني: ما فيه نفس ونمو، وهو جسم كذلك، فهذا كحال البهائم وبعض الحشرات وغير ذلك وهي ليس فيها أرواح ولكن فيها أنفس، فهذه يحرم رسمها كالطيور وبهائم الأنعام وسائر الحشرات.

    واختلف عليهم رحمة الله تعالى في بعض هذه المسائل في الحيوانات وما يخلق الله عز وجل منها: هل إذا أراد الله عز وجل قضاء أجلها بموتٍ هل يقبضها ملك الموت أم تقبض على حالٍ أخرى يختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في هذا؟ ولا أعلم دليلاً في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام صريحاً، وجاء عن عبد الله بن عباس أن الذي يقبض البهائم هو الذي يقبض بني آدم، ولكنها أنفس وليست أرواحاً، وهذه أيضاً من مواضع الخلاف.

    النوع الثالث: من مخلوقات الله ما لا روح ولا نفس فيه ولكنه جسم وفيه نمو، وهذا كحال الأشجار، فإن الأشجار أجسام وتنمو، ولكن ليس فيها أرواح ولا أنفس.

    ما يجوز رسمه من المخلوقات وما لا يجوز

    فهل يجوز للإنسان أن يرسم هذه؟

    نقول: يجوز له، ولا أعلم في ذلك خلافاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما جاء عن مجاهد بن جبر كما رواه ابن أبي شيبة في كتاب المصنف عن ليث أن مجاهداً يكره رسم الشجر، و ليث بن أبي سليم ضعيف الحديث، ولو صح عنه في ذلك لعل الكراهة في هذا أنه أراد احتياطاً لا تحريماً.

    ومنهم من يقيده بالشجر المثمر بخلاف الشجر غير المثمر، وهذا التقييد فيه نظر.

    النوع الرابع في هذا: ما كان جسماً لا نمو فيه ولا روح ولا نفس، وهذا كحال الجمادات، كالأحجار والرمال، والخشب المرمي، والبحار والثلوج، وغيرها، فهذه مما خلقه الله سبحانه وتعالى ولم يجعل فيه من الخصائص ما في الأنواع السابقة، فهذا مما لا يختلف فيه في جواز رسمه، وجاء النص على ذلك عن غير واحد من العلماء.

    أما بالنسبة للنوع الأول والنوع الثاني فهذا مما لا خلاف في تحريمه، وذلك مما فيه أرواح أو فيه أنفس، والأدلة في ذلك قد تقدم الكلام عليها، وهل هذه التصاوير هي على نوع واحد من جهة التشديد فيها؟

    نقول: الشريعة قد قيدت التحريم بما يظهر فيه الحياة والروح والنفس، وما لا يظهر فيه الحياة مستقلاً بنفسه فإنه يجوز للإنسان أن يرسمه، كرسم الإنسان للأصبع، أو رسمه للكف، أو رسمه للقدم، أو الساق، أو غير ذلك، فهذا جائز ولا يأثم الإنسان به، ولكن لو رسم الإنسان رأساً بسمعه وبصره، فهذا رسم محرم لا خلاف فيه، لما جاء في حديث أيوب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس مرفوعاً وموقوفاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فلا صورة )، أخرجه الإسماعيلي مسنداً عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفاً عن عبد الله بن عباس وهو صحيح موقوف.

    وهذا يعضده ما جاء في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله فيما أخرجه الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث مجاهد عن أبي هريرة ( أن جبريل استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ادخل، فقال: كيف أدخل وفي البيت تصاوير؟ اقطع رءوسها أو اجعلها بسطاً )، وهذا جاء من حديث مجاهد عن أبي هريرة وإسناده في ذلك صحيح.

    فإذا قطع الإنسان رأس الصورة وأبقى الجسم جاز ذلك، وإذا رسم الإنسان ظلاً، مثلاً جسم الإنسان مدبراً ولا يظهر في ذلك وجهه جاز ذلك؛ لأنه شبيه الظل، فهو ما رسم بذلك خلقة وإنما رسم ظلاً، ويجوز أن يرسم الإنسان ما لم يخلقه الله عز وجل على صورته مما فيه حياة، كأن يرسم مثلاً تفاحة يضع لها عينين وفماً، أو تمرة، أو موزة، أو نحو ذلك، ويجعل لها عيناً، وفماً، أو غير ذلك، فهذه لم يخلق الله عز وجل فيها حياة، فجاز ذلك، ولا حرج فيه؛ لأنها ليست صورة، ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: ( من ذا الذي يخلق كخلقي )، فهذه الصورة ليست روحاً خلق الله عز وجل عليها كأصلها على هذه الحال، ولهذا يقال مما يجوز ذلك.

    الصور الممتهنة

    والصور التي ترسم نستطيع أن نقول: إن الأصل فيها التحريم، وقد تجوز في بعض الأحوال، من هذه الأحوال:

    الحالة الأولى: إذا كانت ممتهنة، وهذا الذي يظهر أن عليه عمل عامة السلف، أن الصورة الممتهنة ولو كانت روحاً فيجوز في ذلك اقتناؤها وامتهانها، كأن تكون بسطاً يمر عليها الإنسان أو يمشي، أو تكون في ملابس ممتهنة كالأحذية والجوارب والسراويل والأزر، وغير ذلك، فهذا مما لا حرج فيه.

    صح ذلك عن جماعة من السلف، صح ذلك عن سعيد بن جبير، و عكرمة مولى عبد الله بن عباس، وصح ذلك عن محمد بن سيرين، و عكرمة بن خالد، وجاء ذلك أيضاً عن الحسن البصري، و سالم بن عبد الله بن عمر، وجاء ذلك عن عروة بن الزبير، صح ذلك عنهم أنه في الصور الممتهنة مما لا بأس بها، صح عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يجلس على المرافق التي فيها صور الطيور، وهي ذلك كالمراتب وممكن يدخل في هذا التكيات والأرائك والكنب وغير ذلك؛ لأن الإنسان يجلس عليها، وهذه ممتهنة؛ لأنه لو كان معظماً لديه ما جلس على صورة معظم، وجاء الجلوس على المياثر والمرافق والأرائك التي فيها صور عن سالم بن عبد الله بن عمر، وجاء ذلك عن محمد بن سيرين كذلك.

    ومن العلماء من يقول: إنما حرم من الصور ما لم ينصب، وما كان غير منصوب فإنه يجوز للإنسان أن يقتنيه، وهذا حتى في غير الممتهن على قول بعضهم، كحال الرسوم التي تكون في الأسقف، صح عن إبراهيم النخعي أنه قال في الصورة التي تكون على السقف: لا بأس بها، لأنها لا تكون منصوبة، وعادةً أن المعظم ما كان منصوباً، إما أن يكون على حيطان، أو يكون على مراتب أو على دواليب أو غير ذلك، قال: فيحرم في هذا، والذي يظهر والله أعلم، أن ما كان على الحيطان أو على السقف أنه لا يظهر فيه الامتهان، ولهذا يقال بتحريمه لعموم الأدلة.

    أما ما كان ممتهناً وذلك على ما تقدم كالبسط أو مما يرمى الذي يكون مثلاً على الأكياس ويرمى أو على العلب ونحو ذلك، فهذا مما لا بأس به، وقد جاء جنس ذلك عن جماعة من السلف باعتبار أن هذا مما يرخص فيه.

    الصور التي يعجز عن إزالتها

    الحالة الثانية مما يعفى عنه وجاء في ذلك عن جماعة من السلف مما يتعلق بأحكام التصاوير: مما يعجز عن إزالته من غير نصب، وذلك كأن يكون في تابوت كبير نقش عليه رسم لم يكن مقصوداً بذاته، وهذا مما جاء عن بعض السلف العفو عنه، صح ذلك عن إبراهيم النخعي وغيره.

    الرسم الذي يزال من فوره

    الحالة الثالثة: الرسم الذي يزال من فوره، يعني: يحال عن طبيعته التي هو عليها إذا كان لمصلحة، كالإنسان الذي يرسم شكلاً ليبرهن على حقيقة، كالذين يعملون في بعض الجنايات أو يريدون بيان ملامح شخص أو نحو ذلك، فيرسمه، أو يريد أن يدل على شيء أو يعرف به كرسم طائر أو حيوان، هذا حيوان كذا وهذا حيوان كذا، ثم يقوم بإزالتها، فهذا مما لا بأس به، وقد يستأنس بهذه الآية في حال عيسى عليه الصلاة والسلام، أنه خلق بيده من الطين كهيئة الطير، فقبل أن ينفخ فيه كان تمثالاً، ولكنه فعل ذلك لأنه يستحيل إلى صورة أخرى، والصورة الأخرى في ذلك هو أن الله عز وجل يخلقها على ذلك، فإذا كان ذلك يستحيل من الإنسان فيرسم الإنسان على لوح أو على ورق للتعليم، ثم يقوم بتمزيقها، فيقال: هذا مما لا حرج فيه، وإن احتاط فيه الإنسان وقيده في ذلك بأبواب الحاجة والتعليم من غير أن يكون منصوباً أو ترفاً في ذلك، فإن هذا بهذه القيود مما لا بأس به.

    وهنا مسألة وهي: المواضع التي يكون فيها التصاوير، هل للإنسان أن يدخلها أم لا؟

    النبي عليه الصلاة والسلام في وصيته لـعلي بن أبي طالب ( ألا يدع تمثالاً إلا طمسه )، والطمس المراد بذلك على ما تقدم أنه يكفي بأنه طمس الوجه، ومعنى طمس الوجه ليس المراد بذلك هو قطعه، لو أن الإنسان ظلله ولم يميز من ذلك الوجه ولا الملامح، فلا يوجد عينان ولا أنف ولا فم، ولا أذنان، فهذا ليس بجنس ما خلق الله سبحانه وتعالى، فهذا مما يعفى عنه، ولو بقي هيكل الرأس، وكذلك في حال الرجل إذا كان مستدبراً، إذا رسم الإنسان صورة رجل مستدبر، فليس ثمة وجه، فهذا نقول: شبيه بالظل؛ لأنه إنما رسم عرضه فلا تعرف حاله: أرجل هو أو امرأة، أأبيض أم أسود، أحسن أم قبيح، وغير ذلك من أحوال الناس، فهذا مما لا بأس به.

    ويتفرع عن هذا على ما تقدم الكلام عليه مما يرسمه الناس من الأصبع أو اليد، أو غير ذلك ما لم يكن رأساً، فهذا مما لا بأس به، باعتبار أن الحياة في ذلك لا تكون إلا برأس، وقد جاء في حديث عبد الله بن عباس : ( إنما الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فلا صورة )، وكان الإمام أحمد رحمه الله إذا رأى صورة طمس وجهها.

    وإذا وجد الإنسان صوراً في أماكن عامة أو مرافق أو غير ذلك، فهل للإنسان أن يدخلها أم لا؟

    نقول: إذا كان في ذلك حاجة فهذا مما لا بأس به، إذا شق على الإنسان إنكاره، صح ذلك عن الصحابة، قال الحسن البصري : أولم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلونها وفيها التصاوير؟ يعني: ما يكون من حانات ومتاجر وأسواق مما يشق على الإنسان في ذلك إزالته بعينه.

    إطلاق وصف الخلق على فعل الإنسان

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران:49]، في هذا جواز وصف فعل الإنسان بالخلق، وإطلاق الوصف عليه، ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول كما في الحديث القدسي: ( من ذا الذي يخلق كخلقي )، فنسب الخلق ولكنه بالمضاهاة حرم، وكذلك في قول الله عز وجل: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14]، فما الذي يحرم في النسبة تلك؟

    إنما حرم الله سبحانه وتعالى نسبة الخلق مضاهاة لله سبحانه وتعالى، والذي نفاه الله جل وعلا كما في قوله: لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا [الحج:73]، لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا [النحل:20]، المراد بهذا النفي من الله سبحانه وتعالى للخلق في ذلك هو الخلق الذي يضاهي خلق الله سبحانه وتعالى على الحقيقة، فما كان مماثلاً فهذا مما يحرم وصف العبد به، فإذا وصف العبد مثلاً برسم، أو نحت لشجر، أو لطبيعة، فيقال: ما أحسن ما خلقت، أو ما أحسن ما رسمت، أو ما أحسن ما أبدعت، هذا مما هو جائز.

    وفي قول الله سبحانه وتعالى هنا: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران:49]، عيسى عليه السلام كان يخلق هنا الطير ابتداءً، يخلق الطير طيناً، ولكن خلقه فيما بعد ذلك، فيكون فيه الروح بدعائه الله سبحانه وتعالى، قد جعل الله عز وجل السبب في عيسى أن يخلق ذلك الطين على صورة الطير، ثم بعد ذلك يدعو الله عز وجل أن يجعله طيراً، وقد جاء في ذلك أن عيسى عليه السلام لا يتحول ما بين يديه إلا بدعائه الله سبحانه وتعالى، فيدعو الله أن يجعله حياً، فيجعله الله عز وجل حياً، وهذا من باب الإعجاز لقومه، وقيل إن عيسى عليه السلام جعل الله عز وجل به ذلك وهو غلام صغير، مع الكتاب ومع الصبيان، وذلك قيل منهم من قيد عمره في الثاني عشر، ومنهم من قال دون ذلك، ومنهم من قال بعد ذلك، فليخبر الصبيان آباءهم بذلك فيلحقوا وينظروا في الإعجاز الذي كان في عيسى عليه السلام.

    معنى الأكمه

    قال: فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ [آل عمران:49]، الأكمه اختلف في معناه، فقيل: إنه الذي لا يرى في الليل ويرى في النهار، وجاء ذلك عن مجاهد بن جبر، والسدي، وعن غيرهم.

    وقيل: إن المراد بذلك هو الأعمى، سواءً كان أعمى من جهة الخلقة، أو طرأ عليه العمى، وجاء هذا القول عن عبد الله بن عباس.

    وقيل: إن المراد بالأكمه هو الذي ولد أعمى، وهذا أشد في باب الإعجاز والتحدي، إنه ولد أعمى لم يكن مبصراً من قبل، فعلاجه في ذلك أيسر ممن كان أعمى من جهة خلقته في الأصل، وهذا من العلماء من يرجحه في أن المراد بالأكمه هو الذي كان على هذه الحال عند ولادته، ولكن نقول: إن الأكمه في كلام العرب هو الذي لا يبصر.

    وما علته؟

    وقع في ذلك خلاف، هل علته في ذلك عارضة بسبب عرض عليه، أم عاهة مستديمة، أو خلق بلا عينين، فيجعل الله عز وجل في عيسى إبراءً له.

    قال: (أبرئ الأكمه والأبرص، وأحيي الموتى بإذن الله) وكذلك أيضاً في إحياء الموتى يكون بسؤال الله سبحانه وتعالى، ودعائه جل وعلا.

    إخبار عيسى بما يأكله بنو إسرائيل وما يدخرونه

    قال الله سبحانه وتعالى: وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران:49]، وهذا أيضاً من مواضع الإعجاز الذي خص الله عز وجل به عيسى عليه السلام، وذلك أنه يخبر الناس بما في بيوتهم من طعام، وما أكلوه من غداء وعشاء، وهذا من الإعجاز، وقيل: إن عيسى عليه السلام كان يخبر الصبيان عند لعبه معهم: إن في بيتكم مدخراً كذا وكذا، وطعاماً كذا وكذا، فيذهبون إلى بيوتهم فيجدونه كما ذكر عيسى عليه السلام.

    حكم الادخار

    وفي هذه الآية مسألتان:

    المسألة الأولى: جواز الادخار، أن يدخر الإنسان طعاماً وقوتاً له ولعائلته وأسرته، وهل في ذلك حدٌ أم لا؟

    نقول: ما لم يناف التوكل، فإن هذا جائز، وسوف يأتي معنا في قصة يوسف عليه السلام، وذلك حينما حثهم وأمرهم بالادخار تحسباً للسنين العجاف، ويأتي الكلام معنا في ذلك.

    والنبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه كان يدخر قوت سنة، كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عمر بن الخطاب ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير، ويدخر لنسائه قوت سنة ) وجاء ذلك أيضاً من حديث جابر في صحيح الإمام مسلم ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخر قوت سنة ) وهذا هل هو على إطلاقه بأن الإنسان يدخر ما شاء؟

    نقول: يدخر ما شاء ما سلم من محظور، والمحظورات في ذلك ما لم يدخر حراماً، أو يدخر في ذلك ويريد احتكاراً فيدخر متاعاً للناس ولا يجدونه ويريد حبسه، فيدخر طعاماً لسنتين والناس لا يجدون طعام اليوم، فهذا من الادخار المحرم، فيجب عليه أن يشرك الناس في طعامهم، وكذلك ما لم يناف التوكل، فإذا كان ينافي التوكل فإنه يأثم الإنسان به، ولا يجوز له أن يفعل ذلك، ولو كان إلى أجل قصير.

    وفي هذا أخذ النبي عليه الصلاة والسلام بالأسباب، وهل يعارض ذلك ما جاء عن نبيه عليه الصلاة والسلام في حديث أنس بن مالك أنه قال: ( لا يدخر طعاماً لغد )، وهذا أخرجه الترمذي من حديث جعفر بن محمد عن ثابت عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يدخر طعاماً لغد )، نقول: هذا الحديث جاء عن أنس بن مالك من طريقين:

    أولهما: من حديث جعفر بن محمد عن ثابت عن أنس بن مالك، واختلف فيه، فما بين وصلٍ وإرسال، جاء من حديث جعفر بن محمد عن ثابت عن أنس بن مالك، وجاء من حديث جعفر بن محمد عن ثابت مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمرسل في هذا أصح.

    وجاء عند البخاري في كتابه التاريخ من حديث هلال أبي ظلال عن أنس بن مالك ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي إليه ثلاث طوائر، فأهدى لخادمه طيراً، فجاء به من الغد، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ألم أنهك عن أن تدخر طعام اليوم إلى الغد، فإن الله يأتي برزق غدٍ )، وهذا الحديث لا يصح، قد أعله البخاري رحمه الله في كتابه التاريخ، وعلى هذا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما نهى عن جنس الادخار، وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه للعلل الخارجة عنه، والعلل الخارجة عنه أن يدخر الإنسان، ولذلك يريد أو يتربص به الغلاء على الناس لشح المادة لديهم، أو يريد بذلك استئثاراً فيدخر قوت السنة والسنتين والناس في مجاعة، ولا يجدون طعام اليوم أو اليومين، فهذا مما يحرم، ولا خلاف عند العلماء في ذلك.

    الإفصاح عن الأموال

    والمسألة الثانية في هذا في قول الله عز وجل: وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران:49]، فيه جواز الإفصاح عن الأموال عند الحاجة إلى ذلك والحسابات البنكية، وإذا خشي من رشوة أو سرقة المال العام، وغير ذلك.

    وفي هذا إشارة إلى أن ذلك ليس سراً يعاب منه، بعض النظم الوضعية تجعل للحسابات البنكية أسراراً وكشفها محرماً، وأن كشفها هو تعدٍ على الحق والحرية الشخصية، وهذا ليس كذلك؛ لأن المال على حالين: مال مكتسب بحلال، فلا يستحى من كسبه، ومال حرام، فهذا الذي يستحى ويخاف من كسبه.

    فلو كشف إنسان أو طلب الحاكم او الوالي ممن يتولى ولايات أو نحو ذلك أن يكشف الناس حساباته، ممن يتولى ولايات، من الأمراء، أو الرؤساء، أو الوزراء، أو مدراء الإدارات، أو عمد الأحياء، أو البلديات، أو الذين يتولون العقود والمناقصات، وغير ذلك، أن يفصحوا عن حساباتهم قبل ولاياتهم وبعد ولاياتهم، أو أن يفصح في ذلك من غير الرجوع إليهم؛ لأن عيسى عليه السلام كان يخبر ما في البيوت من غير أن يستأذن، فيقول: لديكم كذا ولديكم كذا ولديكم كذا، لأن المال إما أن يكون حلالاً فهذا لا يستحيى منه، أن يكون لدى الإنسان قطيع من الغنم أو يكون لديه كنوز من الذهب تاجر فيها أو أخذها عن إرث أو تركة، ما لا يستحى منه، وذاك لا يستحيى أو يخاف إلا من مال حرام، إما أن يكسب بمال، إما ببيع خمر، أو زنا، أو غير ذلك، أو أخذه الإنسان بسرقة أو رشوة وغير هذا، ولو عمل بهذا لاضمحل كثير من الفساد، ودفع في ذلك كثير من الشر.

    وقوله: وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ [آل عمران:49]، هذا فيه إشارة على ما تقدم أن الله سبحانه وتعالى حينما جعل ذلك إعجازاً لـعيسى في قومه، ذكره الله سبحانه وتعالى على سبيل الامتنان، لعلاء عيسى وكذلك البيان لقومه، فـعيسى كان يخبرهم بما في بيوتهم ولا ينهاهم عن الادخار، فهو مجرد إخبار ليتحقق من ذلك الإعجاز.

    1.   

    قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم...)

    اختلاط الرجال بالنساء

    في قول الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ [آل عمران:61]، هذا فيه إشارة إلى أن الفطرة البشرية عند الأمم السابقة أن مواضع الرجال لا تحضرها النساء، ومواضع النساء لا تحضرها الرجال، ومواضع الصغار لا يحضره الكبار إلا على سبيل الاعتراض.

    وفيه إشارة إلى أن هذا هي الفطرة البشرية الصحيحة، وفيه إشارة إلى تحريم اختلاط الرجال بالنساء، وهذا ظاهر في قوله سبحانه وتعالى: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ [آل عمران:61]، فذكر حضور الأبناء، وذكر مجيء النساء بينهم، وذكر مجيئنا، يعني: الرجال على سبيل الانفراد، وذلك للابتهال لمن كان مستريباً في حال عيسى عليه الصلاة والسلام.

    وهذه الحكاية ببيان ما كان عليه الأمم السابقة، إشارة إلى أن الأمة تبقى على فطرة صحيحة ما لم يعرض عليها تبديل يجتالها ويحرفها عن المنهج القوي، ولهذا نجد أن في الأدلة الشرعية سواء كان ذلك في نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم أو في الأمم السابقة، أن ما كانت الفطرة المستقيمة عليه أنه يكتفى بالفطرة عن الأدلة، فلا يؤتى ولا يؤتى بدليل، لأن الفطر الصحيحة هي التي تخاطب بذلك، ولهذا نجد أنه في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ما كن النساء يأتين في مواضع الرجال، وكذلك في المواضع السابقة إلا على سبيل الاعتراض، أو ما يطرأ من شذوذ في بعض الأحوال.

    الزمن الذي بلغت فيه الفطرة غاية الانحراف

    ومعلوم أن الفطر في حال انحرافها بين مد وجزر، والفطر في حال انحرافها لم تبلغ غاية الانحراف فيما أعلم إلا في زمنين، الزمن الأول: في زمن لوط عليه السلام، وذلك أن لوطاً عليه السلام دعا قومه إلى ترك ما أفسدوه ومسخوه من الفطرة، وذلك أنهم يشتهون ويميلون إلى الذكران من العالمين، وهذا انحراف في الفطرة، أنهم جعلوا الرجل أنثى.

    والزمن الثاني: هو الزمن الذي نحن فيه، وهو أشد انحرافاً من زمن قوم لوط ؛ لأن قوم لوط كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء شهوة ونزوة، وفي زماننا يأتي الرجال الرجال زواجاً ونكاحاً وعقداً، ويجعلون ذلك زوجية، أما قوم لوط فيجعلون ذلك نزوة وتمضي.

    فالانحراف الفطري الموجود هنا في هذا الزمن دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يرفع العقاب عن أمم، وهي أشد ما تكون بغضاً عنده سبحانه وتعالى، وقد أنزل على أجناسها من ذلك العقاب ما أنزله الله سبحانه وتعالى، بل بلغ في الأمم الغربية في زماننا اليوم من الانحراف أشد مما يخطر على بال، بل يدرسون الآن هو زواج الرجل بالبهائم، فهم يتعاملون مع البهائم الآن كما يتعامل قوم لوط مع الرجال، فيرون أن وطء الرجل للبهيمة وذكران البهائم للنساء أن هذا شهوة ونزوة لا يعاقب عليها الإنسان، وهي من حرية الإنسان الشخصية.

    ما وصلوا إليه إلى عقود الرجال على الرجال، وعقود النساء على النساء بعقود، أما البهائم فلم يصلوا إلى مرحلة العقد عافنا الله عز وجل وإياكم من هذا المسخ.

    1.   

    قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه...)

    قول الله سبحانه وتعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [آل عمران:75].

    في هذا مسائل:

    التعامل مع الكفار بالتجارة

    أول هذه المسائل: جواز التعامل بالبيع والشراء والافتراض من الكفار، سواءٌ كانوا من أهل الكتاب أو غيرهم.

    وهنا ذكر الله سبحانه وتعالى أهل الكتاب: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران:75]، وهذا إشارة إلى التعامل من جهة الاقتراض، أو البيع، وهو جائز ولا خلاف عند العلماء في ذلك، وقد تبايع النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين، تبايع النبي عليه الصلاة والسلام مع أهل الكتاب، كما جاء في حديث عائشة عليها رضوان الله في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي.

    وأيضاً تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع يهود خيبر، وزارعهم على النخل الذي بين أيديهم، وهذا من التعامل بالأموال، فهو جائز ولا خلاف في ذلك، حكى الإجماع على هذا جماعة من العلماء، كـابن عبد البر و ابن المنذر، والنووي، وغيرهم من أئمة الإسلام، ولم يخالف في هذا أحد، وإنما المسألة هنا فيما يتعلق بالتعامل بالبيع مع الحربيين، البيع والشراء مع الحربي، فنقول: إن البيع والشراء مع الحربي على حالين:

    الحالة الأولى: بيع وشراء معه فيما يقويه، كبيع السلاح له مما يقويه على حرب المسلمين، فهذا مما لا خلاف في منعه.

    الحالة الثانية: البيع والشراء مع الحربي فيما تستوي فيه المصلحة بين المسلمين وبينهم، كشراء الطعام والكساء، أو غير ذلك، فهذا مما لا بأس به ولو كان حربياً، وعلى هذا أدلة كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ترجم البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح قال: بابٌ: البيع والشراء مع أهل الكتاب وأهل الحرب، وأسند في ذلك من حديث أبي عثمان عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة فجاء رجل من المشركين معه غنم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبيعاً أم عطية؟ فقال الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام: بيعاً، فاشترى النبي عليه الصلاة والسلام منه شاة، وكان ذلك المشرك محارباً ) فدل على جواز البيع والشراء من المحاربين، كأن يشتري المسلمون اللباس، ويشتري كذلك منه الأواني وغير ذلك مما لا حرج فيه إذا استوت فيه المصلحة، ولكن بيع السلاح وما يتقوون به على المسلمين فهذا مما يحرم، ولا خلاف عند العلماء في ذلك.

    وهناك من المسائل ما يتعلق بالتعامل مع المشركين في البيع مما لا يدخل في بابنا، ولعله يكون ثمة مناسبة نتكلم عليه في هذا الباب كالتعامل بالربا مع المشركين، هل يجوز التعامل إذا كان لصالح المسلم، كأن يأخذ العشرة بعشرين أو نحو ذلك؟

    فإذا كان في دار حرب نقول: في ديار المسلمين يحرم بالإجماع، كالتعامل مع أهل الذمة في بلدان المسلمين لا يجوز للإنسان أن يتعامل معهم، وقد نص على الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء كـابن تيمية رحمه الله وغيره.

    أما التعامل في بلد الحرب كأن يكون مسلم في بلد محاربين، فله أن يتعامل، من العلماء من قال بالمنع وهو قول عامة العلماء، ومنهم من قال بجواز ذلك، ويذهب إلى هذا بعض الفقهاء من أهل الرأي، وربما يأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى في موضعه.

    متابعة المدين وحبسه

    ومن المسائل في قوله سبحانه وتعالى: لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [آل عمران:75]، هنا الدائن يقوم على المدين، وذلك بمتابعته أو مراقبته، فمن العلماء من قال بجواز حبس المدين، وذلك أن الحبس نوع من أنواع تقييد الحرية، فقوله هنا: إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [آل عمران:75]، يعني: مراقباً، حارساً له، فلا ينتقل ولا يتحول ولا يهاجر من البلد التي هو فيها حتى لا يذهب بالمال.

    وهذا فيه إشارة إلى تجويز القيام عليه، وتقدم معنا هذا في سورة البقرة في قول الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، تقدم في مسألة المعسر: هل يجوز حبسه أو لا يجوز حبسه؟ وإذا ثبت في ذلك الإعسار وأمارات الإعسار، وكذلك ما يتعلق في الاستظهار الذي يأخذه القاضي في حبس من عليه دين، ومدة ذلك، وكلام العلماء عليهم رحمة الله تعالى في هذا الباب.

    واختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في القيام على المدين ومتابعته، على قولين: ذهب أبو حنيفة وجماعة من الفقهاء من غيره إلى جواز ذلك، وجمهور العلماء إلى عدم جواز القيام عليه، وإنما يؤخذ بما فعله النبي عليه الصلاة والسلام وفعله أصحابه، وذلك مما يتعلق بمسائل الإنظار إذا كان معسراً، أو كذلك الحبس إذا كان يستظهر فيه، وكانت القرائن على عدم عسره، حتى يستظهر في ذلك قدرته على الإتيان بالمال من عدمه.

    نكتفي بهذا القدر، وبالله الإعانة والتوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.