إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [47]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر الله عز وجل بأنه أنزل الكتاب منه آيات محكمات ظاهرات بينات، ومنه آيات متشابهات يخفى معناها على بعض الناس إن كان التشابه جزئياً، ويخفى على الجميع إن كان كلياً كالكيفيات والحقائق والأزمنة، مثل كيفية العرش، وزمن القيامة ونحو ذلك. وأخبر أن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه لوجود الشهوة في القلوب التي هي منشأ الشبهات. وأما المؤمنون فإنهم يردون المتشابه إلى المحكم فيؤمنون بالجميع ويقولون كل من عند ربنا.

    1.   

    قوله تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    ففي المجلس الماضي أنهينا تفسير الآيات المتعلقة بسورة البقرة، ونبدأ بإذن الله عز وجل بتفسير آيات الأحكام من سورة آل عمران، وتقدم معنا الإشارة في صدر هذه المجالس أن سورة البقرة هي أم الأحكام، وقد جمعت الأحكام المتعددة في أمور العبادة، وفي أمور المعاملات، وتضمنت جملة من المسائل المتعلقة بأحكام العقائد، والآداب والسلوك، والأخبار، وهذه لكونها لا تدخل في بابنا تجاوزنا الكلام عليها، ويرجع في ذلك إلى مظانها عند من تكلم عليها من أهل التفسير.

    وسورة البقرة يجب على طالب العلم ألا يخلي نفسه من معرفة الآيات المتعلقة بالأحكام فيها، وذلك أنه لا يسوغ لطالب العلم أن يستدل بمسألة من المسائل إلا بأعلى الحجج، وأعلى الحجج في ذلك البينة هي من كلام الله سبحانه وتعالى، ثم ما يأتي من ذلك من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي بعد ذلك من كلام السلف، وصدرهم في ذلك الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ومن جاء بعدهم، فإذا كان الدليل في كلام الله عز وجل بيناً ظاهراً، فالأولى لطالب العلم أن يستدل به، فإذا غاب عنه واستدل بدونه فإن هذا يعد قصوراً في طالب العلم.

    معنى الإحكام في قوله: (منه آيات محكمات)

    أول هذه الآيات من سورة آل عمران في قول الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7]، ذكر الله سبحانه وتعالى أنواع الآيات المتعلقة بالأحكام وغيرها، وأنها على نوعين: النوع الأول: هي الآيات المحكمات، وهي أم الكتاب وأصله.

    والنوع الثاني: هي المتشابهات، والمحكمات هي الأصل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الأصل في الشريعة البيان، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان بن بشير كما جاء في الصحيحين وغيرهما: ( الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات ).

    قول الله سبحانه وتعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران:7]، يعني: أصله، وما عدا ذلك فإنه يكون من الفروع، ولهذا نقول: إن الأصل في كلام الله سبحانه وتعالى الإحكام، وهو غالبه ومجموعه، وفي كلام الله سبحانه وتعالى من المتشابه وهي آيات معلومات، ولكنها ليست من الأصول؛ لأن مقتضى الإنزال في كلام الله سبحانه وتعالى هو البيان والظهور، وإقامة الحجج وقطعها على المحتجين من أرباب الأهواء، فالله سبحانه وتعالى جعل الأصل في كتابه البيان.

    الله جل وعلا جعل نوعي الآيات في كتابه الإحكام والتشابه والإحكام المراد به في لغة العرب: هو أن يوضع الشيء في موضعه، هذا مقتضى الإحكام حتى لا يوجد اختلال في أي نوع من أنواع المعارف، أو كان ذلك من أمور الصور وغيرها، والله سبحانه وتعالى وصف كتابه بالإحكام كاملاً، ووصفه بالتشابه كاملاً، ووصفه بالإحكام والتشابه بنوعيه، ولهذا نقول: إن الله جل وعلا حينما وصف كتابه بالإحكام كله له مراد ومعنى، وحينما وصف كتابه جل وعلا جميعاً بالتشابه له مقصد ومعنى، وحينما وصفه بالتشابه والإحكام له سبحانه وتعالى كذلك أيضاً مقصد ومعنى.

    ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى وصف كتابه باعتبار الإحكام والتشابه بثلاثة أوصاف:

    الوصف الأول: الإحكام، فوصف الله عز وجل كتابه بأنه محكم بجميعه، وهذا في قوله سبحانه وتعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود:1]، فذكر الله عز وجل أن جميع آي الكتاب محكمة، فوصف الله جل وعلا جميع القرآن بأنه محكم.

    المراد بالمتشابه في قوله: (وأخر متشابهات)

    الوصف الثاني: المتشابه، وصف الله جل وعلا جميع كتابه بأنه متشابه، وهذا ظاهر في قول الله سبحانه وتعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر:23]، فالتشابه الذي في هذه الآية هو يختلف عن التشابه في هذه الآية، التشابه في هذه الآية المراد به هو ما تردد بين معنيين وأكثر مما يحتمله النظر.

    وأما في قول الله سبحانه وتعالى: أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر:23]، المراد بالتشابه: هو ما يؤكد المعنى الآخر، ولهذا قال عبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر وغيرهم في قول الله جل وعلا: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر:23]، قال: يصدق بعضه بعضاً، ويؤيده بعضه بعضاً، فتجد الآية في سورة والآية في سورة لا تجد اختلافاً، فتؤكد هذه الآية الآية الأخرى، ولهذا يقال: متشابهاً لا تتنكر لبعضها، ولا يقال: إنها ليست بمتسقة، ولهذا تتشابه من جهة بلاغتها جزالتها ومعناها لا تتعارض، وإنما يجمع بعضها إلى بعضها فيظهر في ذلك الكمال، فهذا هو المعنى، الوصف الثالث: الجمع بين الإحكام والتشابه في القرآن، وهذا في قول الله سبحانه وتعالى في هذه الآية: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7]، فجعل الله عز وجل فيه محكمات وفيه متشابهات، فالمتشابه في هذه الآية هو ما احتمل معنيين وأكثر، والأصل في ذلك: أن الله سبحانه وتعالى جعل كتابه محكماً، ولهذا وصفه الله سبحانه وتعالى بأنه هدىً وشفاء.

    والحكمة من جعل الله عز وجل ما في كتابه من آيات على معنيين: إحكام وتشابه، نقول: إن الحكمة في ذلك هي الابتلاء والاختبار، وهذا ما يذكره بعض العلماء، وربما يستمسك به بعض من في قلبه مرض، أن الله عز وجل قد ذكر في كتابه التشابه، والقرآن شفاءٌ لما في الصدور، وهدى وبيان، وقطع للحجج، فكيف يكون ثمة تشابه في القرآن ليس بيناً للناس.

    ابتلاء الله عباده في أبدانهم وأذهانهم

    نقول: إن الله سبحانه وتعالى جعل ابتلاء العباد على نوعين:

    النوع الأول: ابتلاء أبدان، يبتليهم الله عز وجل بأبدانهم، بالأمراض، والأسقام، والجروح، وغير ذلك مما يؤذى به الإنسان.

    النوع الثاني: ابتلاء أذهان، وهذا مما يطرأ على العقول والقلوب من تشابه، فالله سبحانه وتعالى جعل أصل الابتلاء والاختبار في هذه الأرض على النوعين، إمعاناً في الاختبار والامتحان، فجعل الله عز وجل دينه محكماً بيناً ظاهراً، وجعل منه من الآيات ما هو متشابه، مع وجود المحكم؛ ليختبر الله عز وجل العقول والأذهان، هل تسلك المحكم الظاهر البين، أم تميل إلى المتشابه.

    ولهذا نقول: إن ابتلاء الله سبحانه وتعالى للأبدان يرجع في ذلك إلى الصبر والثبات، وأما ابتلاء الله عز وجل للأذهان فإنه يرجع في ذلك إلى الاستمساك بالمتشابه أو الاستمساك والاعتصام بالمحكم، وهذا نوع من أنواع الاختبار يميز الله عز وجل به الصادقين من المنافقين، وهذا ما ذكره الله سبحانه وتعالى في هذه الآية: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ [آل عمران:7] ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى جعل المتشابه ابتلاءً للمنافقين واختباراً لهم، ولم يجعل الله عز وجل الأصل في كتابه التشابه حتى يضل الناس، وإنما جعل الأصل في ذلك الإحكام، وهذا ظاهر في قول الله سبحانه وتعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران:7] يعني: هن أصله، وقوله إشارة إلى أن مجموع ما في القرآن محكم، وهذا هو الأصل، وأن التشابه في ذلك عارض طارئ ليس أصلاً، وإنما هو فرع.

    ومن هنا اختلف العلماء في القرآن، هل يوجد فيه تشابه مطلق أم هو تشابه نسبي؟ ويأتي الكلام والإشارة إلى هذه المسألة بإذن الله تعالى.

    سبب ذكر الله تعامل الذين في قلوبهم زيغ مع المتشابه دون ذكر تعامل المؤمنين

    وفي قوله جل وعلا: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7]، ذكر الله سبحانه وتعالى الإحكام والتشابه، ثم ذكر الذين في قلوبهم زيغ، وما ذكر الله سبحانه وتعالى الذين آمنوا قبل ذلك؛ لأن الأصل في الذين آمنوا أنهم يتبعون المحكم ويحيلون المتشابه إليه، حتى يتضح لهم ذلك الأمر، ثم أيضاً فيه إرجاع إلى أن الأصل في سليم القلب الاتباع، وأن مرض القلب إنما هو طارئ ناشئ، فلا حاجة إلى التقسيم، فنقول حينئذٍ: إن المرض ليس قسيماً للصحة، وإنما هو شيء شاذ عنها، فذكر الله سبحانه وتعالى الذين في قلوبهم مرض وما ذكر الذين آمنوا في مقام إنزال الكتاب؛ لأن القلب السليم لو لم يسبقه إيمان فإنه يتبع؛ لأن هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها.

    ولهذا نقول: إن الله جل وعلا حينما ذكر الزيغ والمرض قبل النظر في كتابه؛ بين أن المرض قد وجد في قلب الإنسان قبل أن ينظر في القرآن: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران:7] يعني: وجد الزيغ قبل أن ينظروا في كلام الله، وأما إذا كان القلب سليماً وليس بمريض، ونظر في القرآن فإنه لا يمكن أن يتبع المتشابه؛ لأن المحكم بين، ولهذا الأمراض لا يجعلها ولا يوجدها القرآن في قلب الإنسان، وإنما يزيلها إذا صدقت نية الإنسان، وإذا كان الإنسان في قلبه مرض، ثم نظر في القرآن فاتبعه فإنه يتبع المتشابه؛ لأنه يبحث عما يؤيده.

    خطر مرض الشبهات وسبب نشوئه

    وفي قوله سبحانه وتعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7] الزيغ المراد بذلك هي أمراض الشبهات، والأصل في الشبهات أنها تنشأ في القلوب بسبب الشهوات، ولو لم يكن في القلب ولا في النفوس شهوات ما نشأت الشبهات؛ لأن الإنسان يسعى إلى تحقيق وبناء الشبهة تحقيقاً وإشباعاً للشهوة في نفسه، ولو لم يكن في الإنسان شهوة السمع، ولا شهوة البصر، ولا شهوة السيادة والريادة والجاه، ولا شهوة الفرج، ولا شهوة المأكل، فإنه لا يكون في الناس شبهات، ولهذا إذا وجدت الشهوات فإنه ينشأ عليها الشبهات، فيأتون حينئذٍ يتذرعون، لأجل أن يصل إلى مأكل، إلى مشرب، إلى منكح، إلى ملبس، إلى جاه، أو سيادة، أو غير ذلك، ولكن لو كانت هذه الغايات معدومة ما وجدت حينئذٍ الشبهات، وهذا أمر ملموس حتى في الناس، فتجد أن الإنسان إذا كان قوي الشهوة ضعيف الإيمان، وجدت لديه الشبهة، وإذا كان ضعيف الشهوة ولو كان ضعيف الإيمان، تضعف لديه الشبهات، ولهذا الشبهات ضعيفة عند كبار السن، قوية عند الشباب؛ لقوة الشهوات، وإذا كبر الإنسان ومرض زالت الشهوات؛ فزالت الشبهات وتاب الإنسان منها، والسبب في ذلك أن الشهوة لدى الإنسان ضعيفة.

    وتجد الإنسان على فكر وعلى شبهة، فإذا كبر سنه وقرب من الموت زالت الشهوة وضعفت حينئذٍ الشبهة، ولهذا فإن أكثر الذين يتوبون من الشهوات التي توطنت في قلوبهم إنما يتوبون بعد زوال الشهوات، ويظهر هذا في أمرين:

    الأمر الأول: في كبر السن والهرم.

    الثاني: في المرض والسقم الذي لا يرجى برؤه.

    فإذا كان الإنسان صاحب شبهات بنيت على شهوات، ثم أصيب بمرض خطير لا يرجى برؤه فإنه يتوب مما كان عليه من آراء؛ لأن قاعدة الشبهات هي الشهوات، فزالت تلك القاعدة، فحينئذٍ انهار ما عليها، وهذا أمر معلوم في كثير من أرباب الآراء من أهل الشبهات والشهوات.

    معنى قوله: (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة)

    يقول الله سبحانه وتعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7]، الفتنة المراد بها هي مغايرة حكم الله عز وجل إلى غيره، والافتتان هو الاضطراب، وتغير الحال، ولهذا يفتن الذهب على النار يختبر ليتغير عن حاله التي هو عليها، فيخرج الزيف ويبقى الأصيل في ذلك، ولهذا من مقاصد من في قلبه مرض أنه يتتبع المتشابه حتى يخرج منه حكماً، وذكر الله سبحانه وتعالى التتبع إشارة إلى وجود شيء لا يقصد، ولهذا قال الله جل وعلا: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7]، التتبع هو قصد شيء وترك شيء آخر، أو قصد شيء من بين أشياء، ولهذا القائف إذا كان يتتبع الآثار، يتتبع أثر رجل من بين رجال؛ لأنه لو كان رجلاً واحداً في الأرض لا يوجد غيره لا يحتاج إلى أن يكون قائفاً؛ لأنه لا يوجد إلا هذا الأثر، أو كان يتتبع على سبيل المثال دابة من الدواب ولا يوجد في هذه البلدة إلا ناقة واحدة لا يسمى قائفاً؛ لأنه لا يوجد إلا هذه الدابة ولا يوجد إلا هذا الأثر، ولكن إذا كانت هذه الناقة تسير في هذا الوادي، ويوجد نوق، ولكنه يتتبع أثرها حتى يرجعها إلى صاحبها ليميز أثرها عن آثار الإبل فيسمى قائفاً، فلهذا يقال: فلان يتتبع الأثر، كذلك المنافق يتتبع المتشابه ويدع المحكم، ولهذا استعمل الله عز وجل هذه العبارة في قوله جل وعلا: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7]، يعني: يقصدون المتشابه، وإذا وقفوا على محكمٍ تركوه إلى متشابه آخر.

    وقوله جل وعلا في الأمر الثاني قال: وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7] (ابتغاء تأويله) يعني: صرف المعنى عن ظاهره حتى لا يستمسك به الذين آمنوا.

    قال: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7]، اختلف العلماء رحمهم الله في الوقف عند اسم الله سبحانه وتعالى في قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7]، هل يوقف في ذلك ويكون الواو هنا للاستئناف؟

    اختلف العلماء في هذه على قولين: ذهب جماعة من العلماء وهو قول عبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر، و القاسم بن محمد وغيرهم إلى أنه لا يوقف عند هذه الآية، وأن الواو في ذلك هي واو العطف، وأن الله سبحانه وتعالى شرف العلماء بعطفهم عليه في قوله جل وعلا: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7]، وعلى هذا المعنى: فإنه لا يقال بأنه يوجد في القرآن متشابه مطلق لا يعلمه أحد، وإنما هو متشابه نسبي يعني بالنسبة إلى عالم أو إلى علماء، وربما يعضد هذا القول ما جاء في حديث النعمان بن بشير كما جاء في الصحيحين وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس )، فهذا على قول من قال: إنه لا يوجد في القرآن متشابه مطلق على كل أحد، يقولون: إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس )، وما قال: جميع الناس، يعني: أن التشابه إنما هو نسبي بالنسبة لعالم أو بالنسبة لعلماء، ولكنه محكم عند غيرهم، وهذا بحسب الأحوال، قد يكون متشابهاً عند عالم، أو متشابهاً عند مدرسة، متشابهاً عند المالكية ومحكماً عند الشافعية، أو العكس، أو محكماً عند جماعة من الفقهاء في أهل بلد ومحكماً ومتشابهاً عند آخرين.

    القول الثاني: أن الواو هنا استئناف، وأنها ليست للعطف، وذهب إلى هذا جماعة من الفقهاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك جاء عن عبد الله بن عمر و عبد الله بن عباس و أبي بن كعب، وغيرهم، أن الواو هنا للاستئناف، والذين يقولون بأن الواو هنا ليست للعطف؛ لا يلزم من ذلك أن يقولوا بمسألة التشابه المطلق بوجوده، وإنما هي قراءة.

    والعلماء قد اختلفوا في التشابه المطلق: هل يوجد في القرآن أو لا يوجد؟ على قولين: وتحقيق ذلك أن يقال: إن الأحكام لا يوجد فيها تشابه مطلق، لحديث النعمان بن بشير، فلا يوجد فيها تشابه مطلق يخفى على الجميع في الأحكام في أمور الحلال والحرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس )، فهذا نفي للتشابه المطلق، وإقرار للتشابه النسبي: ( لا يعلمهن كثير من الناس )، وأما بالنسبة لغير الأحكام من أمور الأخبار وغيرها، فيقال: إنه قد يوجد في كلام الله عز وجل من التشابه المطلق، ولكنه نادر وقليل، لمقتضى الإحكام في كلام الله والبيان، وأما الحكمة من وجود المتشابه فقد تقدم الإشارة إلى الحكمة من وجود أصل التشابه.

    أما بالنسبة للتشابه المطلق إذا قلنا بأن التشابه النسبي في وجوده والاختبار في اتباع المحكم من عدمه، أما بالنسبة للتشابه المطلق فإنه متشابه على الجميع في حال القول بوجوده، والحكمة من ذلك اختبار للتسليم في أن يوكل ذلك العلم إلى الله سبحانه وتعالى، وألا يرجو الإنسان أن يعلم كل شيء من معاني القرآن.

    وبعض العلماء يمثل للتشابه المطلق بالحروف المقطعة، لعدم وجود بيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح فيها، ولهذا اختلف في هذا المعنى المفسرون على عدة أقوال، ومن يرد هذا بقول: إن هذا ليس من المتشابه المطلق؛ لأنه قد جاء عن جماعة من السلف تفسير ذلك، وبيان المراد منه، قالوا: ولو كان متشابهاً مطلقاً لما تجرأ أحد من السلف إلى الخوض فيه، إلا أنهم يرون إلى أنه ليس بمتشابه مطلق، وإنما هو من المتشابه النسبي، فاجتهد كل قوم بالمعنى الذي يريدون.

    أنواع العلماء بآيات الله

    وعلى كل حتى من أثبت التشابه المطلق في القرآن فإنهم يجعلون ذلك في دائرة ضيقة لمقتضى الإحكام والبيان في كلام الله سبحانه وتعالى.

    وفي قوله جل وعلا: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران:7]، ذكر الله سبحانه وتعالى الراسخين في العلم، وما ذكر العلماء، لأن العلماء على نوعين:

    النوع الأول: علماء راسخون.

    النوع الثاني: علماء غير راسخين.

    والعلماء الراسخون هم الذين يطلب منهم معرفة المحكم لا المتشابه، والعلماء غير الراسخين يطلب منهم معرفة المحكم لا المتشابه، ولهذا من عرف المحكم والمتشابه فهو راسخ، ومن عرف المحكم وجهل المتشابه فهو عالم ليس براسخ، والمتشابهات تطلب من العلماء الراسخين لعلمهم بالإحكام والمتشابه، فمن علم المتشابه علم المحكم من باب أولى، ومن علم المحكم لا يلزم من ذلك أن يعلم المتشابه.

    وفي هذا إشارة إلى أنه يجب على من طلب الحق أن يطلبه عند العارف الراسخ به خاصة في الأمور المتشابهة، لأن الإنسان لا يمكن أن يفصل في المتشابهات إلا وقد عرف المحكمات وردها إليها.

    تقدم الإشارة إلى أن الأصل في كلام الله سبحانه وتعالى الإحكام، وأن الإحكام في لغة العرب هو وضع الشيء في موضعه حتى لا يرى فيه خلل أو نقص، سواءً كان ذلك من المعاني أو كان ذلك من الذوات.

    المعنى المقصود في كلام الله عز وجل من الأحكام، قال عبد الله بن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم في كتابه التفسير من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس في قول الله جل وعلا: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران:7]، قال عليه رضوان الله: ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده، يعني: أن المحكم في كلام الله عز وجل هو الناسخ، وأن المتشابه المنسوخ، وأن الحلال والحرام، يعني: ما ظهر من أمر الله عز وجل فهذا هو المحكم، وحدود الله عز وجل في فصلها وقضائها مما يتعلق بأمور أحكام الله عز وجل في قضائه بين الناس في بيان أمور الأموال، في أمور التركات، وحقوق الناس، والديون، وبيان الربا، والفصل في ذلك، وغير ذلك من الأحكام التي بينها الله سبحانه وتعالى، فهي داخلة في حدود الله سبحانه وتعالى.

    وهذا هو مقتضى الإحكام في كلام الله سبحانه وتعالى.

    ونستطيع أن نقول: إن الإحكام في كلام الله عز وجل على نوعين، والمتشابه على نوعين.

    الإحكام على نوعين:

    النوع الأول: إحكام عام، وهذا في كلام الله عز وجل، فنطلق على جميع كلام الله عز وجل أنه محكم، وهذا ظاهر في قول الله سبحانه وتعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود:1]، فالله عز وجل أطلق على جميع آي القرآن أنه محكم.

    النوع الثاني من الإحكام: إحكام خاص، وهذا يتعلق بالآيات العينية، فيقال: هذه آية محكمة، وهذه آية متشابهة، وإذا ضمت هذه إلى هذه، فإن هاتين الآيتين يكونان من النوع الأول من الإحكام العام.

    والمتشابه على نوعين: متشابه عام، ومتشابه خاص.

    المتشابه العام: شامل لكلام الله سبحانه وتعالى، والمراد به هو المعنى الذي ذكرناه في قول الله جل وعلا: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر:23]، يعني: يشابه بعضه بعضاً ويؤكد بعضه بعضاً، ويصدق بعضه بعضاً، لا يوجد متضادات في الأول ولا في الآخر، ولا في السابق ولا في اللاحق، إلا وبينه الله سبحانه وتعالى من أمور الناسخ أو ما يجعل الله عز وجل ذلك الاختلاف الذي يكون فيه اختلافاً جزئياً، وذلك بالتقييد والتخصيص، بتخصيص العام وتقييد المطلق، وهذا له مواضعه وله مباحثه.

    النوع الثاني من المتشابه: المتشابه الخاص، وهذا يكون في الآيات العينية، فهذه آية متشابهة يعرف إحكامها بآية أخرى، فإذا جمعنا الآية الأولى مع الآية الثانية فإنها تكون محكمة إحكاماً عاماً وتشابهاً عاماً؛ لأن هذه صدقت هذه ولم تنافيها من جميع الوجوه، وإذا عارضتها من جميع الوجوه فتكون حينئذٍ من المتشابه الخاصتين الآيتين.

    وهذا التقسيم من نظر ما يتعلق في كلام الله سبحانه وتعالى وجد أن هذا على الاطراد في كلامه جل وعلا، وأن كلام الله لا يخرج عن هذه الأقسام الأربعة: الإحكام العام، والإحكام الخاص، والتشابه العام، والتشابه الخاص.

    تسليم أهل العلم لله ورد ما لا يعلمونه إليه

    وفي قوله سبحانه وتعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:7]، لما ذكر الله سبحانه وتعالى علمه في المتشابه، وعطف على ذلك الراسخين في العلم؛ ذكر الله سبحانه وتعالى تسليم أهل العلم فيما لا يعلمون، وفيما يعلمون: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:7]، يعني: ما علمنا وما لم نعلم مما خفي علينا، سواءً كان ذلك من المتشابه الذي خفي على خاصتنا، أو خفي على جماعة الناس؛ أن هذا كله من عند الله عز وجل، فإذا خفي عليهم شيء من كلام الله سبحانه وتعالى لا يقولون برده، ولا يشككون في كلام الله جل وعلا فيقعون فيما هو أعظم من ذلك وهو تكذيب الخالق سبحانه وتعالى.

    ما يدخله النسخ وما لا يدخله

    ولهذا نقول: إن النسخ في كلام الله سبحانه وتعالى لا يرد إلا على الأحكام، وهي أمور الحلال والحرام، ولا يرد على ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: العقائد، فالعقائد لا تنسخ منذ أن خلق الله عز وجل الخليقة أو ما قبل ذلك، فهي على أمرها إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها، فهي باقية لا تتغير في أمور العقائد، وذلك من حق الله سبحانه وتعالى وإفراده، وكذلك في صفاته سبحانه وتعالى وأسمائه هي واحدة، فالعقائد لا يدخلها النسخ؛ لأن العقائد تتضمن إخباراً، وحق الله سبحانه وتعالى، وإذا قيل بنسخها فإنه يقال بتغير حقيقتها، والله جل وعلا يجل عن أن يتغير سبحانه وتعالى، فلا تغيره الحوادث.

    كذلك فإن فطر الناس إنما فطرهم الله عز وجل على هذا الأصل، وهو عبادة، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] يعني: ليوحدون ويطيعون، فإذا قيل بتغيير العقيدة فيلزم من ذلك تغيير الفطرة، فإذا قيل بنسخ باب من أبواب العقائد فإنه يلزم من ذلك أن تغير الفطرة؛ لأن الناس فطروا على معرفة الله سبحانه وتعالى، والتعلق به، والميل إليه، والالتجاء إليه، وعبادته سبحانه وتعالى وحده، فإذا قيل بتغيير ذلك فيلزم من ذلك تغيير الفطرة، وفطرة الله عز وجل لا تتبدل، والله جل وعلا أولى وأعز وأجل من أن يغيره أحد، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، والناس مفطورون وخلقهم الله عز وجل على هذه الفطرة، فلا يبدلهم الله عز وجل، ولما كان الإنسان في فطرته لا يتغير فالله سبحانه وتعالى لا يتغير جل وعلا من باب أولى.

    النوع الثاني مما لا يدخله النسخ: الآداب والأخلاق، وذلك أن الآداب والأخلاق متصلة بالفطرة، وهي: الصدق، والأمانة، والوفاء بالعهد، وغير ذلك من العفاف، فإن الناس فطروا على هذه الأشياء من الآداب والأخلاق، فهي لا تنسخ، فالصدق محمود، والكذب مذموم، والوفاء بالعهد محمود ونقضه مذموم، منذ أن خلق الله عز وجل البشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذا باقٍ في الناس لا يخالفونه إلا عناداً، فنسخ ما يتعلق بأمور الآداب هذا يعني تبديلاً للفطرة، ولهذا بقيت الشرائع على هذا الأمر، وبهذا نعلم أن ما جاء في شرعة من شرائع الأنبياء، من إخبار عن أمر عقيدة أو آداب فهو في بقية الشرائع، ولا نجري عليه القاعدة أن شرعة من قبلنا هل هو شرعة لنا أم ليس بشرعة لنا؟

    نقول: هذا في أبواب الأحكام لا في أبواب العقائد ولا في أبواب الآداب والأخلاق، وكذلك فإن من يقول بنسخ العقائد؛ فإنه يلزم من ذلك فساد الصلة بين الخالق والمخلوق، ومن يقول بنسخ الأخلاق يلزم من ذلك بفساد الصلة بين المخلوقين؛ لأن الآداب والأخلاق هي صلة بين أصحاب الفطر، وهم الناس، فإذا قيل بنسخها فسدت الصلة بين الناس من الصدق والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، والعفاف، وغير ذلك، هذا الأمر مستقر، فإذا قيل بنسخه قيل بفساد الصلة بين الناس، ولهذا جعل الله عز وجل ذلك محكماً.

    النوع الثالث: الأخبار، لأن نسخها يقتضي كذب المخبر، ولا يقال بأن نبياً من الأنبياء إذا أخبر بشيء يحدث بعده أنه يأتي ذلك النبي ينسخ ذلك؛ لأن نسخ إخبار النبي يعني ذلك أنه كاذب جل عن هذا، وذلك أن النبي إنما يحدث عن الله جل وعلا، وإذا قيل بنسخ كلام النبي فإن هذا تكذيب للنبي وتكذيب لله سبحانه وتعالى، فأخبار الأنبياء باقية ولا يقال بنسخها، ويدخل في هذا ما يتعلق بأخبار أواخر الزمان، وأشراط الساعة، والأمور الغيبية، وغير ذلك، فهي باقية إلى أن تحدث.

    ويدخل في أمور الأخبار الأمور السابقة فيما يخبر به نبي من الأنبياء فلا يقال بنسخه؛ لأن نسخه في ذلك يقتضي التكذيب، والنسخ إنما يقع في الحلال والحرام، لأن الحلال والحرام لا يقتضي مخالفة العقائد؛ لأن الأنبياء يتشابهون في أصل الشريعة وأصل العقيدة، ويختلفون في فروعها، ولهذا جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الأنبياء إخوة لعلات، أبوهم واحد وأمهاتهم شتى )، فهم من جهة أصل الشريعة واحدة من أمور العقائد، وأصول أمور الأخلاق، وغير ذلك، ويتشابهون من جهة أصول الشرائع، ويختلفون في صورها وعددها وأوقاتها وأماكنها، فالصلاة مشروعة عند جميع الأنبياء ولكن يختلفون في الزمان والمكان والصفة والعدد، فإنهم يتباينون في هذا، ولهذا يقال: إنه في بعض الأنبياء لا يوجد ركوع، وإنما هو سجود، وفي بعضهم أن الصلاة يكون لها ركوعان، لا ركوع واحد، هذا على كلام جماعة من المفسرين، فهم يتباينون من جهة الصفة والصورة، أما أصل التشريع فهو موجود من جهة الصلاة والزكاة والصيام: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، الله عز وجل أمر سائر الأنبياء بأداء العبادة وأداء الصلاة، والزكاة، باعتبار أن هذا هو الأصل، لكن يختلف في ذلك من جهة المقادير، ومن جهة صفة العبادة، وهذا مقتضى قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى وأبوهم واحد )، أبوهم واحد وهو الأصل، وأمهاتهم شتى من جهة الفروع، والصلة في الفروع من التشابه، ومن أين أخذناها من هذا الحديث؟

    أخذناها من هذا الحديث أن الأبناء في كل أم هم يحرمون على زوجات الأب، والأمهات تحرم عليهم، فثمة صلة حتى في الفروع، فزوجة الأب يحرم على ابنه من غيرها أن يتزوجها وهو محرم لها.

    إذاً: لا انفكاك حتى في الفروع، فيتشابهون من جهة الصورة الظاهرة، ويختلفون من جهة الأصل.

    وفي قول الله جل وعلا: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7]، المراد بذلك هم أولو العقول البينة الظاهرة، النزيهة من المرض، وهذا ضد ما تقدم الإشارة إليه: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7]، هؤلاء يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم، أما الذين هم أصحاب نقاء وصفاء، وأصحاب ألباب نقية نزيهة فإنهم هم الذين يتذكرون، وهم الذين يعرفون مراد الله سبحانه وتعالى.

    إبطال دين النصارى

    يقول الله جل وعلا: إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [آل عمران:35]، امرأة عمران هي أم مريم ، وذكر الله سبحانه وتعالى ابتداءً أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، وكيف ابتدأ أمره، وفي هذا إزالة لما يتعلق به أهل الشرك والكفر من النصارى من بيان أمر عيسى، ونشأته ونسبته إلى أنه ابن لله سبحانه وتعالى، ذكر الله سبحانه وتعالى حكاية عيسى كيف أنه جاء، وكيف أن الله عز وجل أوجده، وكيف كانت حال أمه قبل ذلك.

    وفي هذا إشارة إلى معنى لطيف وهو أن الإنسان إذا أراد أن يبين حقائق أو معان أن يرجعها إلى أصولها فيبين نشأتها وتسلسلها في ذلك حتى يصل إلى المقصود من هذا، وهذا في بيان الحجج والبينات وقطع شبه أهل الشبه هو من حجج وأساليب القرآن، وقيل: إن امرأة عمران اسمها حنة كما جاء عند ابن جرير الطبري من حديث القاسم بن أبي بزة عن عكرمة أنه قال: هي حنة بنت فاقوذ بن قتيل، وأنجبت مريم، و مريم أنجبت عيسى، فـعيسى بن مريم و مريم هي ابنة عمران وأمها حنة، سألت الله سبحانه وتعالى أن يرزقها ذرية، وذلك أنها نظرت إلى من حولها أنهم يستمتعون بأولادهم، وما آتاهم الله عز وجل من رزق في ذلك من أبناء وبنين، سألت الله سبحانه وتعالى أن يرزقها ذلك بنذر، فقالت: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي [آل عمران:35]، سألت الله سبحانه وتعالى لشكر المنعم جل وعلا، هل هذا السؤال كان قبل حملها أم كان ذلك بعد حملها؟

    كلام المفسرين في هذا محتمل للأمرين.

    النذر قبل نشوء سببه وبعده

    وهذا فيه دليل على جواز النذر، وهل النذر هنا قبل نشوء الأسباب أم بعدها؟

    إذا قلنا: إنه بعد نشوء الأسباب لا يدخل في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر قال: ( إنه يستخرج به من البخيل )، ولكن نقول في هذا المعنى إذا قلنا: إنه بعد نشوء الأسباب وتهيئها الشكر للمنعم سبحانه وتعالى على نعمائه أنها نذرت أن تجعل ما في بطنها محرراً، يعني: متفرغاً للعبادة، وذلك في دورها كما يأتي الكلام عليه.

    وعلى المعنى الثاني: أنها نذرت قبل أن تحمل، فنذرت لله عز وجل أن الله عز وجل إذا رزقها ولداً، فإذا ذكرها الله عز وجل ابناً ستجعله متفرغاً للعبادة، نقول: أن شريعتنا جاءت بالنهي عن النذر، وشريعتهم جاءت بجعل ذلك الأصل فيه الإباحة.

    ونقول: إن الشريعة إنما نهت عن النذر لا نهي تحريم وإنما نهي كراهة، فنقول في حال مريم : إما أن يكون لهم شريعة خاصة في هذا الأمر، وإما أن يكون النذر جاء بعد تهيئ الأسباب، يعني: أنك لم تنذر أن الله عز وجل إذا رزقك مالاً أن تنفقه، وإنما لما جاء كالمال تقول: إني نذرت أن أخرج من هذا المال الذي رزقني الله عز وجل إياه، فكأنها لما رأت ما في بطنها من رزق الله عز وجل؛ رأت شكراً للمنعم أن تجعل ذلك لله سبحانه وتعالى.

    سبب نذر امرأة عمران

    قال: إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [آل عمران:35]، المراد بنذر امرأة عمران: أنها لما كبرت ورزقت هذه النعمة من الله سبحانه وتعالى نذرت أن تجعل ما في بطنها لله سبحانه وتعالى في البيعة أو الكنيسة، جاء ذلك عن جماعة من المفسرين، عن قتادة، فيما رواه سعيد عن قتادة، وجاء عن عامر بن شراحيل الشعبي، وجاء عن سعيد بن جبير، وجاء عن مجاهد بن جبر، وجاء عن عكرمة وغيرهم، أنها نذرت أن الله عز وجل إذا رزقها ذكراً أن تجعله في الكنيسة يعبد الله ويخدم المتعبدين، قالت: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [آل عمران:35].

    1.   

    قوله تعالى: (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى...)

    فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران:36]، وفي قراءة: (والله أعلم بما وَضَعْت)، هذه الآية تضمنت معنىً فقهياً وهي من الأحكام المتعلقة بالجنسين.

    في قوله جل وعلا: فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران:36]، نذرت أنها إن رزقت ذكراً أنها تجعله في الكنيسة ليتعبد ويخدم المتعبدين، ولكن وضعتها أنثى فنقضت نذرها بذلك، وفي هذا نأخذ جملة من المسائل:

    النذر في معصية الله

    أول هذه المسائل: أنه لا وفاء لنذر إذا بأن أنه يخالف أمر الله سبحانه وتعالى، وهذا ظاهر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا وفاء لنذر في معصية الله، فمن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، ومن نذر أن يطيع الله فليطعه )، وهنا نذرت، وما محل المعصية؟

    محل المعصية: أن الكنيسة محل إقامة، إذا وجد فيها الرجال لا توجد فيها النساء، فنقضت نذرها بذلك.

    وفرع عن هذا مسألة الكفارة: هل في ذلك كفارة إذا نذر الإنسان بحرام، أو نذر بحلال ثم بان أنه حرام، هل يكفر عن يمينه؟

    هذا محل بحث عند العلماء.

    مسألة اختلاط الرجال بالنساء

    المسألة الثانية: هي مسألة اختلاط الرجال بالنساء، وذلك شريعة ماضية في سائر الشرائع السابقة، وذلك أنها نذرت أن الله عز وجل إذا رزقها ولداً ذكراً أن تجعله في الكنيسة، فلما ولدته أنثى وكانت كما قال قتادة : الكنيسة هي موضع الرجال: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران:36]، يعني: لا تخالط المرأة الرجال، فنقضت أمرها، وهذا يدل على تحريم اختلاط النساء بالرجال في مواضع القرار، ولما كانت الكنيسة من مواضع القرار نقضت امرأة عمران نذرها في ذلك، فأبعدت مريم عن مواضع الرجال.

    والاختلاط نقول: إنه على نوعين، النوع الأول: هو اختلاط يتضمن قراراً ومكثاً، كمواضع المجالس، والدواوين، والعمل، والدراسة، وغير ذلك، فهذا محرم بالاتفاق وفي سائر الشرائع، وما من شريعة من الشرائع إلا وفصلت الرجال عن النساء في مواضع العبادة فكيف بغيرها؟ كما في شريعة بني إسرائيل، فكيف بغيرها مما يتعلق بالميادين وغيرها، وهذا هو حال النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس والرجال والنساء، فما جمع الرجال والنساء في مجلس، وإن جاءت امرأة وهي قائمة سألته وانصرفت، ولا يكون ذلك إلا لحاجة، ولهذا لما جاء في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري قال: ( جاء النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن: يا رسول الله! غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً تعلمنا فيه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لهن يوماً يعظهن فيه )، وفي هذا إشارة إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام مع ضيق وقته، وحاجة الناس إليه، لم يقل للنساء: تعالين إلى مواضع الرجال، وإنما جعل النبي عليه الصلاة والسلام لهن موضعاً خاصاً.

    ويكفي في هذا ما جاء في صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها )، وهذا إشارة إلى المباعدة في النساء حتى في مواضع الصلاة، أن تبتعد النساء عن الرجال حتى في مواضع العبادة، وكذلك في خطبة النبي عليه الصلاة والسلام للرجال كما جاء في الصحيح لما خطب النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة العيد للرجال، ثم ذهب إلى النساء وانصرف إليهن فخطب فيهن، يعني: أنهن لم يسمعن خطبة الرجال، فوعظهن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك ما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إياكم والدخول على النساء، قالوا: الحمو؟ قال: الحمو الموت )، والحمو هو قريب الزوج، إما أن يكون أخاه، أو يكون ابن عمه، فإنه يسمى حمواً، فجعله النبي عليه الصلاة والسلام موضع تحريم، وأنه لا يترخص فيه فضلاً عن غيره.

    والنوع الثاني من أنوع الاختلاط: وهو الاختلاط العابر الذي يكون في الطرقات، فتقصد المرأة طريقاً يقصده الرجل، فهذا يرخص فيه لحاجة، وقد جاء في حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأمهات المؤمنين: ( قد رخص الله لكن بالخروج لحاجتكن )، فإذا كن هؤلاء في أمهات المؤمنين فإنه لغيرهن كذلك، أن تخرج المرأة لجارتها، أو تخرج المرأة لعمل فيعترضها رجل في طريق أو نحو ذلك، فهذا ما لم يكن فيه مماسة في الأبدان فإن الأصل فيه الجواز ما قيد بذلك بالحاجة ما لم يكن وفي ذلك سرف، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر قال: ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله )، وإذا خرجن فإنهن يخرجن في الطريق مع الرجال، وهذا يقيده العلماء بجملة من التقييدات، وذلك بالستر التام وسعة الطريق، وبعض العلماء يقيده بالمرأة الكبيرة الشابة كما جاء ذلك عن أبي حنيفة وغيره، وعلى كلٍ هو يدخل في دائرة الترخص في ذلك، ويدخل في هذا الحكم ما يكون في بيت الله الحرام، وذلك من الطواف والسعي، فهو شبيه بالطرقات باعتبار أنه لا قرار فيه، وإنما هو عبور لقضاء الحاجات وأما ما يتعلق بالمجالس والعمل والتعليم وغير ذلك، فإن هذا محرم باتفاق العلماء، وفي سائر الشرائع، ويدل على تحريمه أن الوفاء بالنذر واجب، خاصة إذا كان نذر طاعة، وهنا امرأة عمران نذرت في ولدها الذي في بطنها إذا كان ذكراً أن تجعله في الكنيسة، فلما كان أنثى اضطرت إلى نقض نذرها والأصل فيه الوجوب، ولا ينقض الواجب إلا بمحرم، فدل ذلك على تحريم اختلاط الجنسين في مواضع القرار.

    حبس المرأة في المسجد

    وقوله جل وعلا: فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران:36]، من العلماء من أشار إلى بعض المعاني من ذلك: ما يتعلق بدخول النساء في المساجد، وذلك أنه يلزم من حبس مريم في المسجد أنه لا بد أن يعترضها حيض، فيصادف بقاؤها في موضع العبادة وهي حائض، فتكلم العلماء على مسألة الحيض هنا: هل هذا من مقاصد أيضاً امرأة عمران وهي حنة في أنها منعت نفسها بالوفاء بنذرها، لاحتمال هذا العارض أم لا؟

    هذا قول أشار إليه بعض السلف كـقتادة قالوا فيه أنه يتضمن مسألة الحيض، وأن المرأة تمنع من دخول الحائض.

    الله سبحانه وتعالى منع الجنب من دخول الحائض، واستثنى من ذلك: إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43]، يعني: أن الإنسان إذا كان عابراً لا يمكث فيه، الذي يأخذ حاجة أو متاعاً، أو ينادي مصلياً، أو يوقض نائماً، أو يوصل طعاماً لمعتكف أو نحو ذلك، أن الشريعة قد رخصت في ذلك، وهذا من عابر السبيل، فإذا كان هذا في الجنب فهل يدخل في ذلك الحائض أم لا؟

    نقول: الحائض قد اتفق العلماء على أنها إذا كانت مضطرة أو محتاجة إلى المرور أن ذلك جائز، ولا يختلفون في ذلك، وإنما يختلفون في المرور بلا حاجة، وذلك مما تقوم فيه النيابة أو لا حاجة إلى ذلك، والضرورة يجعلونها كالمرأة التي تلجأ إلى المسجد من مطر أو طلباً لاستغاثة، أو في أمر لا تكون فيه النيابة ونحو ذلك، فيجعلون ذلك من أمور الضرورة، والأظهر أن الحائض تلحق بالجنب في مسألة الترخص في مسألة المرور.

    وهل يقال: هذا بإطلاق؟ نقول: يشترط في هذا باتفاق العلماء أن المرأة تأمن على المسجد من أن تنجسه بدمها، ومعلوم أن حال النساء في الصدر الأول يختلف عن حالهن في الأزمنة المتأخرة في زماننا، وذلك أن النساء لا يجدن من الأقمشة واللباس ما تستتر به المرأة على سبيل الدوام، فربما نجست نفسها ونجست مواضع العبادة، ولهذا يشددون في هذا كثيراً، وهذا شبيه بنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الاحتباء في المسجد، وذلك أن حالهم في السابق لا يجدون من الألبسة ما يجده المتأخرون، وذلك أنهم يجلسون بأزر بلا سراويل فربما ظهرت العورات، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الاحتباء في المسجد.

    فلهذا نقول: إنه إذا أمن من ظهور العورة جاز الاحتباء، وإذا أمن من نزول الدم وتنجيس المسجد فهل يقال بجوازه أم لا؟

    هذا يرجع فيه إلى مناط النهي في دخول الحائض إلى المسجد، نقول: جاء في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام النهي، قال: ( لا أحل المسجد لحائض ولا جنب )، وهذا الحديث ضعيف قد ضعفه غير واحد من الأئمة، وأما الأخذ بالعمومات فنقول: إن العلماء عليهم رحمة الله يأخذون بنهي دخول الحائض إلى المسجد للعمومات، ومن هذه العمومات أنها تقاس على الجنب، بل يقال: إن الحيض أغلظ في هذا، وذلك أن الجنابة تكون من الرجل والمرأة، والجنابة لا يلزم منها تنجيس البقعة بخلاف الحيض، فيقولون من هذا الوجه: إنها أغلظ، ولكن نقول: إذا أمنت المرأة من التنجيس، وذلك لوجود قماش أو ما تستتر به أو نحو ذلك من دخول المسجد، فإنه يشترط لدخولها الوضوء.

    وهذا القيد ما الدليل عليه؟

    الدليل عليه إجماع السلف، إجماع الصحابة عليهم رضوان الله تعالى أن الجنب إذا توضأ جاز له أن يدخل المسجد، وذلك كما جاء عند سعيد بن منصور وغيره من حديث زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيتون في المسجد فيجنبون ثم يتوضئون ثم يرجعون، يعني: أن الوضوء في ذلك يرفع شيئاً من الحدث الأكبر ويخففه، فإذا توضأت المرأة واستذفرت جاز لها أن تدخل المسجد ولو كانت حائضاً، ومن القرائن في هذا: أن مثل هذا النهي يقتضي الاستفاضة والوضوح والإحكام في الدليل والبيان، ومعلوم أن الحكم في الجنب جاء أصرح من أمر الحائض، مع أن الرجال والنساء يدخلون إلى المساجد، وإن كان الرجال يدخلون في ذلك أكثر وأشهر وأكثر استفاضة، وذلك لوجوب الجماعة عليهم، إلا أن الله سبحانه وتعالى بين في أمر الجنابة وما بين في أمر الحيض والحيض في ذلك أغلظ، ثم مع شدة البيان ووضوحه في أمر الجنابة جعل الله جل وعلا ذلك بيناً، والصحابة ترخصوا فيه إذا توضئوا، فكأنهم جعلوا الوضوء رافعاً مخففاً لشيء من الجنابة، يجيز له أن يدخل في المسجد، وكذلك الحيض من باب أولى.

    ولهذا نقول: إنه لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي صريح للحائض وصحيح للحائض لدخولها المسجد، وإنما هي أدلة عامة في النهي، وقد كان أهل الصفة رجالاً ونساءً يمكثون في المسجد، وكذلك المرأة السوداء التي كانت تقمّ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا نقول: إذا تطهرت فإنها تدخل بشرط أن تكون مستذفرة لكي لا تنجس المسجد.

    احترام مواضع العبادة وتطييبها

    وفي هذه آية أيضاً دليل على احترام مواضع العبادة، وذلك بتنظيف المساجد، وتتطييبها، وقد جاء في حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالمساجد أن تبنى وتنظف وتطيب )، وهذا من السنن، وقد كان عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى يجعل للمسجد رجلاً يطيبه، يعني: أنه جعل رجلاً راتباً يختص بنظافته وتطييبه، وكان بعض الرواة وهو نعيم المجمر ، سمي بذلك لأنه كان معه طيب يبخر به المسجد فسمي بذلك.

    ليس الذكر كالأنثى

    وقوله جل وعلا هنا: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران:36]، هذا إشارة إلى الفطرة، أن الله عز وجل فطر المرأة على شيء وفطر الرجل على شيء، وجعل لكل واحدٍ حكماً، وهذا ظاهر في قول الله عز وجل: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، والخلط الذي وقع فيه المعاصرون من أهل الشذوذ والانحراف من الفكر الليبرالي أو العلماني الذين ساووا بين الأفراد، فيدعون إلى المساواة، هذه آية في هذا الأصل: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران:36]، وما قال الله سبحانه وتعالى في هذا الموضع أن المرأة أفضل من الرجل، أو الرجل أفضل من المرأة، ولكن قال: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران:36]، لا هذا يشبه هذا ولا هذا يشبه هذا، بل لكلٍ خصائصه.

    وأيضاً فإن الفطرة إذا اختلت في الناس ضلوا في لوازمها وهي الأحكام، فإذا قلت: إن المرأة كالرجل سواسية يلزم من ذلك اللباس، يلزم من ذلك الصلاة ومواضعها، وغير ذلك، ولهذا نشأ شذوذ من الآراء: أن المرأة تصلي بالرجال، وتؤذن وتلبس ما تشاء، وغير ذلك، لأن الأصل اختل، وهو أصل الفطرة، وأصل الاختلاف أنه لا يوجد أحد يشابه أحد من جميع الوجوه في الرجال فضلاً عن النساء، ولهذا تجد صغيراً وكبيراً، وتجد قريباً وبعيداً، فالناس لا يتساوون حتى في الحقوق، فالكبير يرحم الصغير، والصغير يحترم الكبير، باعتبار السن، ولهذا لا يكاد يوجد في الناس تشابه من جميع الوجوه أو مساواة من جميع الوجوه، وإنما جاءت الشريعة بالعدل، يكمل بعضهم بعضاً ولهذا في قوله: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران:36]، في التباين والتمايز الذي يكون بين أولئك، فجعل الله عز وجل لكلٍ خصائصه.

    سبب ذكر اسم مريم وعدم ذكر اسم أمها

    وقوله جل وعلا: وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:36] هنا الله سبحانه وتعالى أضمر اسم امرأة عمران، وذكر اسم بنتها، قال: (امرأة عمران) ثم ذكر مريم : وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ [آل عمران:36]، ما الحكمة من هذا؟

    أولاً: أن امرأة عمران لا صلة في بيان الأحكام لها في ذكر السياق، وإنما المقصود من ذلك مريم، وكذلك أن المقصود من هذا هو بيان نسب عيسى، فاحتاج لذكر أمه؛ لأنه لا أب له، ولو كان عيسى أمه حنة لذكر اسمها، لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يبطل العقيدة في نسبة عيسى إليه سبحانه وتعالى ببيان نسبه، ونسب عيسى يقال عيسى بن مريم ابن حنة وإلا عمران؟ ابن عمران، ولما كان الأمر لا يمر بـحنة ما ذكرها الله سبحانه وتعالى، فذكر عيسى بن مريم بنت عمران ، فلهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى لما كان السياق والمقصود من ذكر القصة في هذا: هو أن الله جل وعلا يريد إثبات نسب عيسى عليه الصلاة والسلام، ذكر النسب، ولما كان لا يمر بـحنة وهي أم مريم أضمرها الله سبحانه وتعالى وما ذكرها.

    وفي قوله جل وعلا: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:36] فيه استحباب الدعاء للأحفاد قبل وجود الأولاد.

    يقول الإنسان: أدعو لأحفادي وليس عنده أولاد، نقول: لا بأس بهذا، ولهذا امرأة عمران دعت لمولودها ودعت للذرية من بعد ذلك.

    أصل بلاء الناس

    وقوله هنا: مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:36] ؛ لأن أصل بلاء الناس هو من الشيطان، فإنما يبتلى الإنسان إما بسبب بعده عن الحق فيعاقب في ذلك ابتلاءً له وتكفيراً وتطهيراً، أو انحرافاً في معصية الله سبحانه وتعالى ويكون ذلك بسبب الشيطان، فيستعيذ الإنسان من الشيطان.

    تعويذ البعيد

    وفي هذا جواز تعويذ البعيد أن يعوذ الإنسان البعيد كالمرأة لابنها، فتعيذ بابنها ولو كان بعيداً، كأن يكون خارجاً أو في بلدٍ آخر، اللهم إني أعيذ فلاناً بكذا، أعيذ فلاناً من الشيطان، أعيذه من الوساوس أو الخناس أو غير ذلك، فهذا تعويذ صحيح.

    وبالله التوفيق.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.