إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [46]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رغب الشارع الكريم بعد ذكره تحريم الربا على إنظار المعسر؛ لأنه قد يتأثر بالربا فلا يستطيع أن يفي بما عليه. والمعسر هو الذي لا يستطيع أن يفي بما عليه من الدين، وإن كان له أموال لسد حاجته فقط. ثم ذكر الله بعد ذلك خلقاً أعظم من الإنظار وهو الصدقة على المعسر، بإسقاط الدين الذي عليه. ولا تجزئ هذه الصدقة عن الزكاة الواجبة.

    1.   

    قوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنتكلم هذا اليوم على قول الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:280]، الله سبحانه وتعالى بعدما ذكر الربا وخطره وعظمه، وعظم أثره على الإنسان في نفسه وماله وولده ووقته، بين سبحانه وتعالى أن من كان عليه دين ربما يلحق به عسر وهي الشدة وعدم الجدة، والله سبحانه وتعالى حينما حرم الربا كان مسكوتاً عنه قبل ذلك وإن دلت بعض الفطر على تحريمه ومنعه، فبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن ثمة من كان من المتبايعين أو من المتداينين من يكون على عسر وشدة، فصاحب العسر الذي يجب عليه الوفاء، فإنه ينظر في المال الذي يكون في ذمته؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280] المراد بالعسر هو ضد اليسر كما هو ظاهر، ومعنى ذلك: من كان عادماً للوفاء فإنه ينظر حتى يجد الإنسان وفاءً، والأمر في ذلك في قول الله عز وجل: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، هذا إرشاد بصيغة الأمر.

    إنظار المعسر

    قال: فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في إنظار المعسر، هل هو على الوجوب أم على الاستحباب، على قولين: ذهب قوم إلى الوجوب لظاهر هذه الآية، وذلك أن الله سبحانه وتعالى أمر بالإنظار في قوله: فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، وهذا يفيد الوجوب، كما في قول الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ [البقرة:196]، فالفدية هنا حقها الوجوب في مال الإنسان، وكذلك في الإعسار، وذهب جمهور العلماء إلى أن الإنظار على الاستحباب؛ لأن المال حق لصاحب الدين، وإنظاره في ذلك لا يعني إضراراً بمن عليه دين، فإنه إذا ثبت إعساره يقيناً فإنه لا يجوز للقاضي أن يحبس المعسر، وهذا يأتي الإشارة إليه.

    وظاهر ذلك أن الله سبحانه وتعالى أرشد أصحاب الأموال إلى أن ينظروا من عليهم دين إذا كانوا معسرين، وهذا لما كان الناس يتبايعون بالربا، وكانت رءوس الأموال معلقة عند الناس، أرشد الله سبحانه وتعالى أولئك إلى الإنظار.

    ويدل على أن الإنظار على الاستحباب لا على الوجوب، أن النصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على الترغيب، لا لرفع الإثم والحرج، ومن ذلك: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن مسعود كما رواه ابن ماجه وغيره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أقرض مسلماً مرتين فكأنما تصدق مرة )، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في رفع هذا الحديث ووقفه، مع القول بصحته موقوفاً، ذهب جماعة من الأئمة كـالدارقطني و البيهقي إلى أن الحديث موقوف، وفي هذا إلى أن الإقراض من جهة الإنسان إذا أقرض أحداً فيه حب لليسار وعدم المشقة عليه، فبدلاً من أن يقرضه مرة يقرضه مرتين، ففي هذا نوع من الإنظار وزيادة، وكذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما روى الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أنظر معسراً فله بكل يوم حسنة )، قال: وقال النبي عليه الصلاة والسلام مرة: ( من أنظر معسراً فله بكل يوم صدقتان، قال: فقلت: يا رسول الله! إنك قلت مرةً: له بكل يوم صدقة، وقلت مرة: بكل يوم صدقتان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما لم يبلغ الأجل )، ما لم يبلغ الأجل فله بكل يومٍ صدقة، وإذا بلغ الأجل فله عن كل يوم صدقتان، وإسناده صحيح، هذا ترغيب بإنظار المعسر، ولو كان صاحب الدين آثماً بأنه لا ينظر المعسر لكان الدلالة والإرشاد في ذلك إلى رفع الحرج والإثم عن نفسه، وإنما أراد من ذلك أن يؤخر حقه في ذلك، وهذا يعضده ما جاء في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كان رجل يداين الناس، فقال لفتاه: اذهب فإذا وجدت معسراً فأنظره، قال: ففرج الله عنه )، وهذا فيه إنظار المعسر، وأنه على الاستحباب، ولم يأت نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على الوجوب، وأن من لم ينظر معسراً فإنه آثم، وكذلك الدلالة في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( من فرج كربة مؤمن فرج الله عنه يوم القيامة )، هذا من تنفيس الكربات وتفريجها، وهي داخلة في عموم الاستحباب.

    ضابط المعسر

    وقوله جل وعلا: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، المعسر هو الذي لا يجد وفاءً لدينه الذي عليه، والوفاء في ذلك ما زاد عن حاجته، وحاجته في ذلك هو مأكل ومشرب ومسكن وملبس، مما يكفيه ويكفي عياله، فإن زاد عن ذلك فإنه واجد بمقدار الدين الذي عليه، وإذا كان الرجل معسراً فهل يجب على الحاكم أن يبيع ماله مما زاد عن كفافه؟

    نقول: إذا كان ذلك وفاءً أو يطمع صاحب الحق في ذلك، فنقول: إن له أن يبيع ذلك المال ويبقي له المسكن، والمأكل والمشرب والملبس، وما عدا ذلك فإنه يكون للغرماء، وهذا بالنسبة للديون بخلاف الأمانات، الديون في ذلك لا يجب أن تنزع من الإنسان مما يحتاج إليه الإنسان وذلك في مسكنه، أن يخرج من مسكنه إذا كان عليه دين لا يجوز هذا، كذلك من ملبسه ومأكله ومشربه أن ينزع منه ذلك، ولكن إذا كان أمانة فإن أمانة عينية معروفة فإنها تنتزع منه ولو كانت بيتاً، أو مركباً، أو مطعماً، كإنسان أخذ أمانة من شخص داراً على أن يعيدها إليه بعد عام، فهل يقال: إن هذا دين فلا يجوز أن يخرج الإنسان من داره؟

    نقول: فرق بين الدين وبين الأمانة، الأمانة عينية، فيجب على الإنسان أن يعيدها بعينه، ولكن إذا أقرض الإنسان أحداً قرضاً فأعطاه قرضاً مائة ألف أو أكثر من ذلك أو أقل، ثم اشترى بها داراً، ولم يجد وفاءً، فهل يقال: اخرج من بيتك وأعطها فلاناً؟ لا؛ لأن هذا دين وليس بعين، فلا يتحول إلى الأمانة، ومثل ذلك إذا كان الدين الذي في ذمة الإنسان عيناً ولكنه وليس بصورة الدين، ولكنه بيع إلى أجل، كأن يبيع الإنسان أحداً ثوباً، أو يبيعه طعاماً، أو يبيعه داراً، فكان هذا بيعاً وليس بأمانة ووديعة، فلا يجوز إخراجه حينئذٍ، أما إذا كان أمانةً، فيقال: دع عندك هذا الطعام حتى آتيه بعد شهر، أو بعد شهرين لآخذه منك لسفري أو نحو ذلك، فإنه يجب عليه أن يعيده بعينه، ولو ادعى حاجته في ذلك ففرق بين الدين وبين ما كان أمانة، فإن الله عز وجل أمر بأداء الأمانة إلى أهلها.

    والله سبحانه وتعالى إنما ذكر هذه الآية بعد أحكام الربا لوجود تعلق من أموال الناس فيهم، فبين الله سبحانه وتعالى أن لهم رءوس الأموال، وما عدا ذلك فإنه لا يجوز أن يستوفوه، وهذه رءوس الأموال هي التي أمر الله عز وجل بالإنظار فيها، والى هذا نص جماعة من العلماء كـعبد الله بن عباس، و عطاء، و ابن جريج ، و شريح القاضي ، وغيرهم من المفسرين، أن الإنظار هنا إنما كان في الدين، وما كان من بقايا الربا من رءوس الأموال، وأما بالنسبة للأمانات فإن الآية ليست بداخلة في هذا الباب.

    الصدقة على المعسر

    وقوله سبحانه وتعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:280] ذكر الله عز وجل الإنظار، وبعد أن ذكر إنظار المعسر ذكر الصدقة عليه، يعني: أن من المعسرين من لا يجد وفاءً، فإنه يستحب حينئذٍ أن يتصدق عليه بالمال، فهي معدودة من جملة الصدقات، ولكن هل تكون هذه الصدقة من جملة الصدقات الفاضلة أو دون ذلك، ومعلوم أن الصدقة التي يخرجها الإنسان من ماله، ثم يعطيها الفقير، فهذه أعظم أجراً من الدين الذي يعطيه الإنسان أحداً، ثم بعد ذلك يريد وفاءً، فإذا أيس منه أسقطه عنه، فإن إسقاط الدين صدقة عن الإنسان يأتي مرتبة بعد الصدقة التي يخرجها الإنسان؛ لأن الصدقة التي يخرجها الإنسان لا يرجو لها وفاءً، ولا تظهر فيها المنة، وهي أظهر بكسر شح النفوس، بخلاف الدين الذي يدفعه الإنسان لغيره ثم يقوم الإنسان بإسقاطه.

    ولهذا نقول: إن الشارع إنما ذكر الإنظار ثم ذكر الصدقة بعد ذلك ولم يقدم الصدقة على الإنظار؛ لأن النفوس مجبولة على حب حقها، فذكر الله سبحانه وتعالى الإنظار، ثم بعد ذلك الصدقة حفظاً لحق صاحب المال، وإذا بان للإنسان أن فلاناً عاجز عن الوفاء، فأنظره مراراً ولم يف، وسبر حاله وكان عاجزاً، فإنه يستحب في حقه أن يتصدق عليه.

    إسقاط الدين عن الفقير

    وهنا مسألة وهي: إسقاط الدين عن الفقير: هل يجزئ عن الزكاة أم لا؟ يعني: أن الإنسان لديه نصاب زكاة وهو غني وصاحب يسار، ووجب في ماله زكاة، ثم قال: إن لي ديناً عند فلان ومقداره كذا، فهل له أن يسقط الدين الذي في حقه عند فلان من نصاب زكاته التي تحول عليه أم لا؟

    نقول: هذه المسألة محل خلاف عند العلماء على ثلاثة أقوال:

    جمهور العلماء أن ذلك لا يجزئ، بل هو قول عامتهم، وحكى بعضهم عدم معرفة النزاع في هذا الباب كما نص عليه جماعة من الأئمة عليهم رحمة الله كـابن تيمية وغيره، ونص الإمام أحمد و أبو حنيفة ، وجاء عن جماعة من الفقهاء من الشافعية إلى أن إبراء ذمة الفقير من الدين الذي عليه أن هذا لا يكون من الزكاة، وهذا القول هو الذي عليه عامة الفقهاء من السلف والخلف، وهذا هو الأظهر بالصواب، وثمة قول جاء عن عطاء إلى أن هذا يجزئ عن الزكاة، ويروى عن الحسن البصري في الديون التي تكون بالمال ولا تكون مبايعة، ألا تكون عيناً بدين، كالتجارة كأن يبيع الإنسان شيئاً ويبقى لديه حق عند أحدٍ، فهذا من المتاجرة، أما المراد بكلام الحسن البصري فهو القرض: أن يقرض الإنسان واحداً ثم يعجز عنه، وهذا القول قول غريب، قال به الظاهرية.

    القول الثالث: قالوا: إن الأصل عدم الجواز ولكنه يستثنى في حالة، وهي: أن الإنسان إذا كان يطلب أحداً مالاً ثم أسقط زكاة المال الذي عنده من المال الذي على الفقيه، فهو لم يسقط المال نصاب الزكاة التي عنده في ماله، وإنما أسقط نصاب الزكاة الذي عند الفقير، وهذا مثاله أن يكون الإنسان لديه مبلغ من المال، كأن يكون لديه مائة ألف، وقد أدان شخصاً فقيراً عشرة آلاف، وحال عليه الحول ولم يستطع حينئذٍ الوفاء، فيقول: إن إسقاطه لما عنده من نصاب الزكاة الذي لديه وهي التسعون، أن هذا لا يجزئ، أما إسقاطه نصاب الزكاة من العشرة التي أقرضها وهي ربع العشر، فهذا جائز، وهذا ذهب إليه ابن تيمية رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد قال: لأن إسقاط الإنسان وإبراءه لذمة الرجل المدين أنه أخرج زكاة ماله من جنس ماله، فهو أخرج زكاة الدين من الدين، وهذا قول له وجاهته، أما ما عدا ذلك فلا يجزئ، فلا يقول الإنسان: إني أنا لي الآن وجبت علي الزكاة، وقيمة الزكاة عندي مثلاً ألف أو ألفان، وأطلب فلاناً كذا، فأقوم بإبراء ذمتي، فهذا ليس بصحيح، لماذا؟ نقول: أولاً: أن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ذكر الإنظار وحث عليه في قوله جل وعلا: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:280]، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك الصدقة، وما أمر بإبراء الذمة وإنما أمر بالتصدق عليه ولو كان أمر الزكاة يسقط على الإنسان الدين لحث الشارع عليه؛ لأنه أولى من الصدقة، ثم إن الله جل وعلا قد جعل الزكاة على صفة معلومة تؤخذ من مال الإنسان ثم توضع في الفقير، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة:103]، وكذلك في حديث عبد الله بن عباس لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام معاذاً إلى اليمن، قال عليه الصلاة والسلام: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أغنيائهم تؤخذ فترد في فقرائهم ).

    إذاً: تؤخذ على أنها زكاة، وتعطى على أنها زكاة للفقير، وأما بالنسبة للدين فأخذ من مال الغريم على أنه دين، ثم أعطي الفقير، فلما أيس منه الغني أسقطه، ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى إنما جعل الزكاة تخرج ابتداءً وتؤخذ طهرة للإنسان: صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة:103]، أي: أن المراد من ذلك هو الإخراج، وتطهيراً لنفوسهم من الشح، أما بالنسبة للدين إذا أخرجه الإنسان أخرجه وهو يرجو عودته، والزكاة إذا أخرجها الإنسان أخرجها بطيب نفس امتثالاً لأمر الله من غير أن يرجو من الناس عوداً في ذلك، ولا يظهر في الزكاة منة بخلاف الدين، فإن الدين فيه منة، وإذا أسقطه الإنسان امتن على غيره.

    بالنسبة للزكاة ليس فيها منة من الغني على الفقير، وإنما هي من الله سبحانه وتعالى، وإذا قلنا بأن إسقاط الدين يقوم مقام الزكاة وما فيه من كسر لنفس الفقير، فهذا لا تأتي به الشريعة.

    ولهذا نقول أيضاً: إن الزكاة إنما تجب في مال الإنسان عيناً، يعني: معلومة من عين ماله، وأما بالنسبة للدين فإنه واجب ديناً لا عيناً، فمثلاً يكون الإنسان لديه ورق من النقدين، أو يكون لديه الزكاة في عروض التجارة، أو يكون الزكاة لديه من الإبل والبقر والغنم ونحو ذلك، فهي معلومة عيناً، بخلاف الزكاة الذي عند فلان فهي دين عليه، فليس للإنسان أن يخرج ما وجب عليه عيناً فيسقطه من ذلك ديناً، فهذا ليس من جنسه، ولهذا نقول: إن إبراء ذمة المدين بدينه زكاة أن هذا لا يجزئ عن صاحب المال، وهذا ظاهر، ولو كان ذلك مشروعاً لحث عليه النبي عليه الصلاة والسلام ولو مرة بنص ظاهر، وكذلك الخلفاء الراشدون، وكذلك حث عليه الصحابة، لا يعلم عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال بإبراء ذمة المدين من دينه الذي عليه عن الزكاة، وأن ذلك يجزئ عنه، مع كثرة الديون وحاجة الناس، فدل هذا على عدم اعتبار ذلك.

    اعتبار إسقاط الدين عن الفقير من الزكاة

    وأما الصدقة المذكورة في قول الله جل وعلا: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:280]، المراد بهذا: هو الصدقة وإسقاطها نفقة وتبرعاً لا زكاةً، وهذا ظاهر، وهذا في قوله جل وعلا: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:280]، يعني: تجعلونها صدقة، فذكر الخيرية يعني أنها على الاستحباب.

    وأما من استدل بما جاء في حديث ( الرجل الذي باع نخلاً ثم تاجر به فكثر دينه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: تصدقوا عليه، فتصدقوا، فلم يف بدينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لغرمائه: خذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك )، وهذا ما يحتج به ابن حزم الأندلسي رحمه الله إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( تصدقوا عليه )، وهذا أمر من النبي عليه الصلاة والسلام بإسقاط الذي عليه صدقة.

    نقول: هذا صدقة لا يخالف ظاهر القرآن.

    وأما قوله: ( تصدقوا عليه )، فهذا من النبي عليه الصلاة والسلام ليس لأهل الأموال، وإنما للناس عامة، ولهذا قال: ( تصدقوا عليه )، ثم توجه بالخطاب للغرماء، فقال لغرمائه: ( خذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك ).

    حبس المعسر وثواب إنظاره

    وفي هذه الآية أيضاً دلالة على أن المعسر لا يجوز حبسه إذا ظهر إعساره، فإذا بان لدى الحاكم أو القاضي أن هذا الرجل ليس بواجد للمال، فلا يجوز حبسه؛ لأن الحبس عقوبة، والإعسار ليس بيد الإنسان، فلم يرتكبه الإنسان اختياراً، وكذلك فإنه أقرض المال اختياراً من صاحب المال، فالغني إنما أقرض الفقير أو المحتاج، أو الغني أقرض غنياً، أقرضه في ذلك وهو على اختياره لا على إكراه، ومعلوم أن الدين في ذلك لا يتحتم يقيناً أن الإنسان يجده، ولكن على غلبة الظن أنه يجد من ذلك وفاءً، فإذا عجز الإنسان ولم يجد وفاءً وتيقن القاضي والحاكم أنه ليس بواجد وأنه معسر، حرم عليه حبسه، نص على هذا سعيد بن جبير رحمه الله من فقهاء السلف، وذهب إلى هذا جماعة، وهو ظاهر هذه الآية، ولكن إذا غلب على ظن القاضي أنه واحد أو أراد أن يستظهر من حاله لصعوبة سبر أحوال الناس، نقول: لا حرج عليه أن يحبسه استظهاراً لحاله ما لم يتبين إعساره، كأن يدعي أحداً أن لديه مالاً وهو يخفيه أو نحو ذلك، أو لم يعلم حاله ولم تقم بينة في ذلك، فظهر عنده أنه واجد، فلا حرج عليه أن يحبسه استظهاراً لحاله، وهذا قد نص عليه الأئمة الأربعة عليهم رحمة الله كـأبي حنيفة و مالك و الشافعي وأحمد إلى أنه يحبس استظهاراً، وإذا قلنا بحبسه استظهاراً فإنه لا حرج عليه أن يحبسه إذا كان واجداً وماطل، والدليل على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( مطل الغني ظلم، يحل عرضه وعقوبته )، يعني: إذا كان واجداً وهو غني، ثم أخذ يماطل في الدين، فإنه يعاقب لهذا، قال: ( يحل عرضه وعقوبته )، (يحل عرضه) بالوقوع فيه بأن يتشكى الإنسان، فيقال: فلانٌ أخذ مالي، ولم يعطني إياه، فيتشكى لدى الناس حتى يعطيه حقه، وقوله: ( وعقوبته )، يعني: بالحبس، وقد حبس جماعة من الأئمة كـشريح القاضي وغيره في الدين، ولكن نقول: هذا لا يكون إلا في حالين:

    الحالة الأولى: في حال غناه ومطله.

    الحالة الثانية: في حال الجهلة بحاله مع عدم اليقين بإعساره، فيحبسه استظهاراً، وذلك أن بعض الناس يأخذ المال ولا يعيدها لأصحابها، إما عبثاً أو بخلاً، فإذا حبس أعاد المال إلى أصحابه.

    وفي قوله جل وعلا: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:280]، يعني: ما عند الله سبحانه وتعالى من ثواب لمنظري المعسر، وما جعل الله عز وجل له من حسن عاقبة.

    1.   

    آية الدين

    والآية الثانية في هذا في قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [البقرة:282]، هذه الآية هي أطول آية في كتاب الله سبحانه وتعالى، وتسمى بآية الدين أو آية المداينة، والمداينة كالمبايعة والمقاتلة، وهي من المفاعلة، ما كان من طرفين، من فردين أو من جماعتين، وذلك بالتبايع أو بالقراض والتداين.

    والله سبحانه وتعالى لما ذكر أحوال الربا، وما يكون من أسبابها ومحق بركتها وعقوبة فاعلها، ثم ذكر الله عز وجل حلاً للمعلق من أمور الربا، بيَّن الله عز وجل إنظار المعسر، والصدقة عليه، بين الله سبحانه وتعالى ما هي الطريقة المشروعة في أخذ الأموال التي تكون بين الناس، فبين الله سبحانه وتعالى أمر التداين.

    أنواع المبايعة بين الناس

    ومعلوم أن التبايع الذي يكون بين الناس على أربعة أنواع:

    النوع الأول: هو بيع عين بعين، وهذا هو ما يسمى بالبيع، وليس هو المراد هنا عندنا.

    النوع الثاني: هو بيع الدين بالدين، هو بيع الكالئ بالكالئ وهو منهي عنه.

    النوع الثالث: أن يبيع الإنسان عيناً بدين، يعني: أن يبيع الإنسان سلعة إلى أجل ويقول: تسدني هذا إلى الحول، فيبيع عليه أرضاً، أو يبيع عليه ثمراً، أو يبيع عليه شيئاً من متاعه، فهذا بيع لعين بدين.

    أما النوع الرابع: هو أن يبيع الدين بالعين وهو السلم، ويسمى عند العلماء السلم، والسلم هو أن يعجل الإنسان الثمن ويؤخر المثمن، والسلم أو السلف عند السلف عليهم رحمة الله تعالى المراد بذلك هو أن يؤجل الإنسان ثمن الشيء الذي يريد أن يشتريه منه.

    والسلف عند الفقهاء من السالفين يختلف عن السلف في الأزمنة المتأخرة، السلف في الأزمنة المتأخرة المراد بذلك هو الدين وهو القرض، أما عندهم فالمراد بذلك هو بيع الدين بالعين، أن الإنسان يعطي مالاً، يقول: هذه عشرة آلاف، أو هذه مائة ألف على أن تعطيني عشرة أوسق من التمر بعد حول، فيكون بوزنٍ معلوم وكيل معلوم إلى أجل معلوم.

    مشروعية المداينة

    ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [البقرة:282]، هذه الآية نزلت في بيان الصورة المشروعة في المداينة، وهي جاءت ببيان حل السلم، والسلم مباح باتفاق العلماء، ولا خلاف على ذلك، وقد نص على جوازه ومشروعيته جماعة من العلماء، كـابن المنذر و ابن رشد و ابن قدامة، وغيرهم من الأئمة، والسلم فيه مندوحة ومخرج عن الربا، ولهذا يقول عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى: أشهد أن السلف المضمون أحله الله في كتابه، ثم تلا قول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]، فبين الله سبحانه وتعالى أن المداينة المشروعة التي تكون بين الناس، والحقوق التي تتداول بينهم أنها تكون على هذه الصورة، ويجب أن يكون ذلك إلى أجل معلوم، وهذا ظاهر في قول الله سبحانه وتعالى: إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم ) ولهذا نقول: يجب في السلف والسلم أن يقبض الإنسان الثمن، وأن يكون ذلك إلى أجل معلوم بستة أشهر أو إلى سنة أو نحو ذلك، وأن يكون ذلك بكيل معلوم يعني: بمعرفة الوزن، فيقول: بخمسة أوسق، أو بمائة كيلو، أو غير ذلك، بميزان معلوم بكيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم.

    هذا إذا عجل الإنسان الثمن وأخر المثمن ما الفرق بينه وبين بيع ما لا يملك الإنسان، النبي صلى الله عليه وسلم يقول لـحكيم بن حزام : ( لا تبع ما لا تملك )، ما الفرق بين السلم وبين بيع الإنسان ما لا يملك؟

    نقول: بيع الإنسان ما لا يملك، المراد أن يبيع الإنسان عيناً معلومة لا يضمنها، بخلاف العين الموصوفة، وذلك أن الإنسان يأتي إلى شخص ويقول: أنا أريد هذه الأرض، تبيعها علي؟ فيقول: نعم، ويكون هذا الرجل سمساراً، أو يقول: أنا أريد هذه السيارة، ثم يأخذ الرجل وهو سمسار، ويصور نفسه على أنه المالك، هذا باع ما لا يملك وليس بالسلم، وأما بالنسبة للسلم أن يقول الإنسان: خذ هذا المال وأوفني في نهاية الحول طعاماً بمقدار كذا ليس معيناً، وليس تحت ضمان الإنسان، ولا تحت ملكه، لكنه ليس معيناً، فإن هذا مما لا حرج فيه، وهذا خلاف ما جاء في حديث حكيم بن حزام عليه رضوان الله تعالى، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تبع ما لا تملك )، فيجوز للإنسان أن يكون ذلك من جهة الطعام، ويكون ذلك في غير الطعام على الأرجح، أن يقول الإنسان: خذ هذا المبلغ على أن تعطيني في الحول القادم شاة أو شاتين عمرها كذا، وحالها ووصفها كذا، فهذا مما لا حرج عليه؛ لأنه لم يعين شيئاً ولا يدخل في حديث حكيم بن حزام .

    المكاتبة والإشهاد عند المداينة

    وقوله هنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ [البقرة:282]، هنا أمر الله سبحانه وتعالى بالكتابة، والكتابة هنا للدلالة والإرشاد، وتعليم الناس ما يضبطون من حقوقهم.

    وهل هذا على الوجوب أم على الاستحباب؟

    اختلف العلماء رحمهم الله في الكتابة والإشهاد عند المداينة، والمبايعة، على قولين:

    ذهب جماعة من العلماء إلى أن الأمر في ذلك على الوجوب، وذهب إلى هذا بعض الفقهاء ورجحه ابن جرير الطبري رحمه الله، وذهب أكثر العلماء إلى أن الأمر في ذلك للاستحباب لا للوجوب، وإنما هو إرشاد وتعليم من الله سبحانه وتعالى كيف يتداينون وكيف يعرفون ويضبطون حقوقهم؟ وإنما قيل بالاستحباب وهذا هو الأرجح، لأن الدين وإنما هو حق للدائن، والدائن له أن يسقط ماله كله، وله ألا يشهد على ماله، فهذا توكيد لحقه، فإذا جاز له أن يسقط ماله كله من غير مخالفة في الشريعة فإنه له ألا يشهد على ذلك، ولكن من باب التأكيد حتى لا تقع الخصومة، هذا إذا كان مال الإنسان، لكن لو كان مال غيره فكان وكيلاً عليه، وجب عليه أن يشهد احتياطاً، كأن يكون الولي إنما هو ولي على مال فقير أو سفيه أو مجنون أو غير ذلك من القصر كالطفل، فإنه يجب عليه أن يشهد، حتى لا يقع الناس في النسيان والوهم، أو تضيع الحقوق؛ لأنه لا يملك حقاً لإسقاط حق السفيه، وحق الصغير، لأن حظه في ذلك أن يستوفي المال في الدين، وإنما قلنا بعدم وجوب الكتابة والإشهاد؛ لأن الدين حق له من جهة الدائن، أما بالنسبة للمدين فإن المدين في ذلك مرده إلى الوفاء، والوفاء في ذلك إذا طلب منه، وإذا أبرأه صاحب الدين سقط عنه ذلك، وهذا هو الأرجح: أن الكتابة والإشهاد إنما هي للوجوب، ويظهر في هذا أن الله سبحانه وتعالى يسر في ذلك في أمر التجارة، ويأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى.

    المفاضلة بين المكاتبة والإشهاد

    والإشهاد أوثق من الكتابة، وذلك أن الكتابة لو نفيت من الشهود ما اعتد بها لأنها قرينة، وإنما تذكر الكتابة، ولكنها لا تقيم الحجة بذاتها، فهي من القرائن التي يأخذ بها الحاكم، ولكن لو شهد الشهود على خلافها قضي بكلام الشهود على الكتابة؛ لأنه يطرأ على الكتابة ما يطرأ عليها من الخطأ أو التدليس أو النسيان أو التبديل، فيبدل ورقة بورقة، أو كتابة بكتابة، أو التزييف، أو التحريف، أو التصحيف، وغير ذلك مما يطرأ عليها، والشهادة في ذلك أوثق.

    اشتراط العدالة في الكاتب في المداينة وبيان ضابط العدالة

    وقوله سبحانه وتعالى: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ [البقرة:282]، ذكر الله سبحانه وتعالى هنا العدالة في الكاتب (كاتب بالعدل) العدالة في الكتابة شرط من شروط الكتابة في العقود، وهذا محل اتفاق عند العلماء، لكنهم اختلفوا في شرط العدالة وحقيقته:

    منهم من حمل العدالة في ذلك على اشتهار أمر الإنسان بالخير، في امتثال أمر الله واجتناب نواهيه، وهذا ما يظهر من كلام جمهور العلماء.

    ومنهم من يقول: إن المراد بالعدالة هي ظهور حال الإنسان على الستر، ولو لم يعلم تفاصيل حاله، فإذا كان مستوراً فإن هذا هو أصل العدالة ما لم يطرأ خلاف ذلك ولو لم يعلم امتثاله، وهذا ما يذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله وقد خالفه أصحابه في هذا محمد بن الحسن و أبو يوسف فقالا: لا بد من معرفة امتثاله وأمره، وأن يشتهر ذلك بالعدالة، وهذا ما يطلبه ويعمل به بعض الحكام، والقضاة، أن يطلبوا مزكين للشهود حتى يزكى فتعرف في ذلك عدالته.

    امتناع الكاتب عن كتابة المداينة

    وقوله: وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ [البقرة:282]، هنا نهى الله سبحانه وتعالى أن يمتنع الكاتب إذا طلب في إقامة الحق، وذلك أن الناس كانوا في ابتداء الأمر على أمية لا يقرءون ولا يكتبون، فيطلب الكاتب ويرجى ليدون المداينة التي تكون بين الناس، نهى الله سبحانه وتعالى الكاتب أن يمتنع عن الكتابة إذا طلب، وذلك أن الكتابة علم، وحبس العلم لا يجوز إذا طلب من الإنسان، ولهذا قال: وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ [البقرة:282]، وقوله هنا: (كما علمه الله) دليل على تحريم أن يدخل الإنسان من المعاني والحروف ما لم يمل عليه صاحب الحق، فإن زاد في ذلك كان غاشاً، فوجب عليه العدالة، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا [البقرة:282]، الذي يملي الكاتب يكتب ولكنه لا يدري ماذا يكتب الذي يكون بين المتبايعين، فأمر الله سبحانه وتعالى صاحب الحق في ذلك أن يملي على الكاتب.

    الحجر على السفيه

    وهذا يؤخذ منه الحجر على السفيه، وذلك أن الإملاء يكون لحظ الإنسان وقد يكون لحظ غيره، فإذا كان لحظ غيره حرم عليه أن يبخس منه شيئاً، ولهذا قال: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ [البقرة:282]، هنا نهى الله سبحانه وتعالى أن يزيد ولي السفيه الصغير أو المجنون أو غير ذلك، أن يزيد في حقه فوجب عليه أن يملي على الكاتب ما يكون حظاً للقاصر في ذلك، أو السفيه، وهذا أصلٌ في الحجر على السفيه.

    والحجر على السفيه يكون لسفيه أو لجنون، والجنون في ذلك لا يفرق بين الصغير والكبير، وأما بالنسبة للسفه في ذلك فاختلف العلماء عليهم رحمة الله، في سفه الكبير: أن يكون رجلاً عاقلاً ولكنه يسرف ويبذر، اختلفوا في الحجر عليه؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه يحجر عليه، سواءً كان صغيراً أو كان كبيراً، ابتدأ حجره في صغره، فيستمر في ذلك حتى يرتفع سفهه في ذلك ولو بلغ العشرين أو الثلاثين، فلا يرتفع حتى يعود الإنسان إلى رشده، فلا يفرقون بين الحجر ابتداءً، ولا بعد الرشد، فيجعلون الحكم في ذلك واحداً متعلقاً بالسفه.

    القول الثاني وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وذهب إليه جماعة من الفقهاء من أهل العراق: أن الحجر لا يكون إلا على السفيه صغيراً، بخلاف لو كان راشداً ثم طرأ عليه السفه أنه لا يحجر عليه، ويستدل بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه الرجل، فقال: ( يا رسول الله! إني أغلب، -يعني في التجارة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام- قل: لا خلابة ثلاثاً، فلك الخيار ثلاثاً )، وهذا من النبي عليه الصلاة والسلام قال له: ( لا خلابة )، ولم يحجر عليه مع أنه يغلب من ذلك مراراً.

    شهادة الكافر

    وقوله سبحانه وتعالى: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282]، هنا ذكر الله جل وعلا الشهادة على سبيل الإجمال، ثم ذكرها الله سبحانه وتعالى على سبيل التفصيل، والشهادة على سبيل التفصيل هنا قال: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282]، قال الله جل وعلا: (شهيدين من رجالكم) يعني: من رجالنا، في هذا إشارة إلى عدم جواز شهادة الكافر؛ لأنه ليس من رجال أهل الإسلام، وهذا محل اتفاق عند العلماء، على أن الكافر لا يشهد على المسلم في المعاملات والبيوع، وهذا محل اتفاق عند العلماء، قد حكى الاتفاق على هذا جماعة كـابن المنذر وغيره.

    وأما في شهادة أهل الذمة فيما بينهم فهذا محل خلاف عند العلماء، فذهب جماعة من العلماء إلى أن أهل الذمة يشهدون فيما بينهم في الحقوق التي تكون بينهم، وهذا ذهب إليه جماعة وقضى به شريح، وروي عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله.

    وأما إشهاد الكافر على المسلم في الوصية في السفر فهذا يأتي معنا في سورة المائدة بإذن الله تعالى.

    شهادة الصبيان

    وكذلك في قول الله جل وعلا: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282]، فيه إشارة إلى عدم قبول شهادة الصبيان الصغار؛ لأنهم ليسوا برجال، وهذا محل اتفاق عند العلماء، وإنما الخلاف في بعض الصور، كشهادة الصبي على الصبي، فإنه قال بقبولها بعض العلماء، كما هو مروي عن الإمام مالك رحمه الله وقال به ابن الزبير ، واشترط ابن الزبير في ذلك ألا يتفرق الصبيان، إذا شهد الصبي على الصبي ألا يتفرقوا في قبول الشهادة لأنهم إذا تفرقوا لقنوا، يلقنه أبوه فيقول: قل كذا وكذا، وتقول له أمه: قل كذا وكذا، ولكنه لا يعرف الكذب، فإذا أخذت منه الشهادة مباشرة أتى غالباً في الحق، ولهذا قال: ما لم يتفرقوا، فإذا تفرقوا فإنه لا تقبل الشهادة حينئذٍ بين الصبيان، وهذا هو الأظهر.

    أما شهادة الصبي على الرجال فإنها لا تقبل لظاهر الآية؛ لقول الله سبحانه وتعالى: مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282] وليسوا من الرجال، وكذلك في قوله: (من رجالكم) إشارة إلى استحباب الإشهاد من المعروف، قال: (من رجالكم) هذا يتضمن الإسلام، والذكورية، والبلوغ.

    فقوله: (من رجالكم) يعني: من القريبين منكم ممن تعرفون، لأنه أعلم بالحال فلا ينسى.

    إشهاد الغريب وعابر السبيل

    وفي هذا كراهة إشهاد المجهول الذي لا تعرف حاله، فربما أصبح كافراً، وربما ظهر صاحب خيانة، ولا تقبل شهادته، فأن يكون الإنسان معروفاً، كذلك في هذه الآية كراهة إشهاد الغريب يعني عابر السبيل الذي يمضي؛ لأنه لا يحفظ به حق، وإن كان من رجالنا من جهة الإسلام، ولكنه ليس من رجال البلد، وليس من رجال السوق، ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى أن تكون الشهادة من رجالكم، يعني: ممن يعرفون الحال، وهذا معنى دقيق في هذا، حتى تحفظ في ذلك الحقوق.

    وفي هذا أيضاً إشارة إلى أن الغريب وابن السبيل لو شهد على مال ثم سافر لا تعلم أرضه يضيع في ذلك الحق، خاصة أن الديون تكون في أزمنة متباعدة في الحول، وكذلك في الحولين والثلاثة، أو أكثر من ذلك، فتضيع في هذا الحقوق.

    إشهاد النساء مع وجود الرجال

    وفي قول الله جل وعلا: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، ذكر الله سبحانه وتعالى وجوب إشهاد الرجلين، ثم ذكر الله عز وجل: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ [البقرة:282]، هذا فيه إشارة إلى أنه لا يجوز إشهاد المرأتين مع الرجل في حال وجود الرجلين، وأن هذا ليس على التخيير، وإنما قال: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا [البقرة:282]، يعني: لم يجد الناس شاهدين من الرجال فإنه يصار إلى النساء: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282].

    وفي هذا إشارة إلى أنه لا بد من شهادة الرجل ولو كان واحداً، وأن شهادة النساء الأربع لا تجزئ في أمور الأموال؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر الرجل وجعل شهادة المرأة عن الرجل الثاني، فقال: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، ثم قال سبحانه وتعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282]، يعني: أن الأصل في حال المرأة أنها تسهو وتنسى، ويقع عندها الريب فيما تشهد عليه، لأنها لا تعلم أحوال السوق، ولا أحوال الرجال، ولا أحوال المضاربة في أمور البساتين، وأمور الأسواق، وغيرها، لأنها ليست من أهل الخلطة بالرجال.

    وهذه الآية قد استدل بها بعضهم على اختلاط الرجال بالنساء، وهي دالة على خلاف ذلك، يقول هنا: إن الله سبحانه وتعالى يقول: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282]، يعني: الرجل مع المرأة يشهدون سوياً، ماذا قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك؟ أن تظل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى أو يذكرها الرجل؟ المرأة تذكر أختها، لأن التذكير يحتاج إلى نقاش، فلا توجد المرأة، أما الشهادة فهي عبور، فتأخذ ولا تلقي، وأما في حال التذكر ما ذكر الله سبحانه وتعالى أن المرأة يذكرها الرجل، وإنما جاءت الثانية لتتذاكر مع الأخرى، مع أن الرجل موجوداً ما جعله يذاكر المرأتين؛ لأن المذاكرة تحتاج إلى مجالسة ومطارحة، فجعلها الله عز وجل بين المرأتين لا بين الرجل والمرأتين، وهذا ظاهر لمن تأمل.

    الاجتزاء بشهادة الواحد مع اليمين

    وفي قوله سبحانه وتعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282]، استدل بهذا بعض الفقهاء على عدم إجزاء الشاهد الواحد مع اليمين، لأن الله سبحانه وتعالى حصر الشهادة من جهة العدد على الرجلين، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282]، وما عدا ذلك لا يصار بهذا، وهذا ذهب إليه أبو حنيفة وجماعة من الفقهاء من أهل العراق، وهذا فيه نظر، فهذا ليس بالحصر، وإنما هو توجيه على مرتبة الكمال والضبط، ولهذا ذكر الله عز وجل الإشهاد، والكتابة، وهي من الأمور المندوبة عند جماهير العلماء، وليست مطلوبة على الفرض، وكذلك فإن الأدلة في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام في جواز القضاء بالشاهد واليمين، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عباس في صحيح الإمام مسلم ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين )، وذهب إلى هذا الإمام أحمد رحمه الله، ومالك و الشافعي، وجمهور الفقهاء، وهو قول جماهير السلف عليهم رحمة الله، إلى جواز القضاء بالشاهد واليمين.

    والمراد بالشاهد واليمين أن الإنسان إذا لم يكن لديه بينة، فجاء بشاهد واحد، ثم يدلي بيمينه ليؤكد شهادة ذلك الشاهد، حينئذٍ لا يطلب من الخصم في ذلك اليمين حتى يبرأ، ولكن يطلب من المدعي البينة، وبينته في ذلك إما أن يأتي بالشهود، أو أن يقر صاحب الحق، فإذا لم يقر ولم يأت بالشهود، يأتي بشاهد ويحلف مع هذه اليمين، فإنها تعيد إليه الحق.

    الإدلاء بالشهادة

    وقوله هنا: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة:282]، بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى نهيه للكاتب أن يكتب كما علمه الله، كذلك نهى الشاهد أن يشهد إذا ما دعي إلى الشهادة لحفظ الحقوق، فإذا توفرت فيه الشروط وجب عليه أن يشهد، وهذا ظاهر في النهي.

    وقوله سبحانه وتعالى: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة:282]، فنقول: إن الشهادة الأصل فيها عدم الوجوب، ولكن إذا دعي وقام الحق به ولم يقم بغيره، فنقول حينئذٍ بوجوب ذلك حفظاً لحقوق الناس ودفعاً للنزاع، قال: وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا [البقرة:282]، هذا يؤيد أن الشهادة والكتابة المراد بها أنها على الاستحباب وليست على الوجوب؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا [البقرة:282]، يعني: دفعاً للريب والشك الذي يقع بينكم، وهذا من مراتب الكمال.

    الترخيص في عدم الكتابة والشهادة على المداينة في الحضر

    قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا [البقرة:282]، هذا فيه إشارة إلى أن المداينة التي تكون بين الناس، الإشهاد عليها والكتابة إلى أن الإلزام بذلك فيه مشقة على الناس؛ لأن الناس تتداين الدينار والدرهم في الطريق، وفي السوق، وتضرب في ذلك الآجال إلى اليوم أو الغد، أو للسنة أو نحو ذلك، الإلزام بهذا فيه مشقة على الناس، ويؤخذ من هذا قرينة في قوله: وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ [البقرة:282]، هذا إشارة إلى الاستحباب والتأكيد، وأنه ليس على الإلزام، فذكر الأشياء اليسيرة كالدينار والدرهم في حال التبايع، هذا مما يصعب على الإنسان أن يدونه، أن يدون ديناراً اقترضه، أو درهماً، أو متاعاً يسيراً، أو مداً من طعام أو مدين، فيأخذ الإنسان على الإشهاد على ذلك، وكذلك المكاتبة، هذا فيه مشقة على الناس، والبيان في ذلك للوجوب أحوج إليه، ولم يأت نص عن النبي عليه الصلاة والسلام ذلك بتأثيم التارك مع الحاجة إليه؛ لقلة الكتبة في ذلك الزمن، وهم أمة أمية، ويتبايعون في الأسواق، ويأخذون ديناً فيما بينهم، ولم يأت تأثيم للناس في ذلك، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بايع ولم يشهد كما بايع الأعرابي لما ابتاع منه بعيره، ثم جحد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ألم تبعه علي، فقال: لم أبعه عليك، فقال: والله بعته علي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من يشهد؟ فقال خزيمة بن ثابت عليه رضوان الله قال: أنا أشهد، قال: تشهد على ماذا؟ قال: أشهد أنك صادق )، يعني: لا يمكن أن تأتي بشيء ويخالف الحق؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يقول إلا حقاً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( شهادة خزيمة بن ثابت برجلين )، هذا إشارة إلى النبي عليه الصلاة والسلام ما أشهد، ولهذا جاء في الخبر قال: ( ولا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم باعه )؛ لأنه باعه على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذهب إلى الناس يبيعه عليهم، يعني: يلتمس سعراً أكثر من ذلك، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ( ألم تبعه علي؟ فقال: ما بعته عليك، فقال: والله بعته علي، قال: وما بينتك؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من يشهد على هذا؟ )، فشهد له خزيمة بن ثابت عليه رضوان الله تعالى.

    المراد بالتجارة الحاضرة

    فنقول: إن الإشهاد في ذلك إنما هو أمر مستحب، وقوله هنا: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ [البقرة:282]، يعني: التجارة الحاضرة تكون بين الناس ليست غائبة يتداولها الناس فيبيع ويشتري بالطعام في السوق ونحو ذلك، هذا من الأمور الحاضرة التي خفف في جانب الكتابة فيها، لأنها تدور، فيأخذ الدينار والدرهم، فيدور المال لديه، ربما في اليوم مرات بينه وبين البيع، فخفف في ذلك قال: تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا [البقرة:282] لماذا خفف في هذا؟ لأن الناس ينتفعون ويحفظون الحقوق الحاضرة لكثرة دورانها بينهم، فتجد التجار الذين يتعاملون في اليوم والليلة مع بعض يأتمن بعضهم بعضاً في الجانب؛ للمصلحة القائمة بينهم بخلاف الغائبة، بخلاف المضاربات التي إلى الحول، فيضارب الإنسان يأخذ مال رجل، ثم يضارب به إلى الحول، هذا يقع في ذلك شح النفوس، ويقع فيه الخصومة بخلاف التي تدور في اليوم والليلة، فخفف في ذلك تيسيراً على الناس.

    الإشهاد على البيع وعدم مضارة الكاتب والشهير

    قال: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة:282]، ذكر قبل ذلك الكتاب والإشهاد على المداينة، وهنا ذكر الإشهاد على البيع قال: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة:282]، والحكم في ذلك واحد، لأن الحقوق في ذلك واحدة، سواءً كانت ديناً أو كانت بيعاً، قال: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [البقرة:282]، المراد بمضارة الكاتب والشهيد، يعني: لا يدعى كاتب وشهيد ليكتبوا أو يشهدوا على زور ومحرم، أو يكتبوا أو يدعوا فيتركوا مصالحهم إضراراً بهم، فيدعى الكاتب وهو قائم على أمرٍ عليه، فيلح عليه في ذلك، فيضار في هذا الأمر، نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك.

    والمعنى الثالث في المضار: أن الخطاب يتوجه إلى الكاتب والشهيد: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة:282]، يعني: في كتابتهم وشهادتهم، ألا يزيد الكاتب حرفاً إلا وقد علمه ورآه، وكذلك بالنسبة للشهيد ألا يشهد على شيء إلا وقد سمعه بعينه، فلا يزيد من ذلك شيئاً حتى لا يظلم الناس حقوقهم.

    وهنا قال: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [البقرة:282]، يعني: إشارة إلى وجوب الامتثال، وتحريم المخالفة، وارتكاب ما نهى الله سبحانه وتعالى.

    تقوى الله سبب في الإعانة على امتثال أوامره ومعرفة أحكامه

    وقوله جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:282]، ذكر الله سبحانه وتعالى هنا تقواه، بعدما ذكر جملة من الأوامر التي تتعلق بأمر الدين، وأن الله سبحانه وتعالى يعين الإنسان ويعلمه، ويذكره ما جهل، ما تحققت فيه تقواه.

    وقيل: إن قوله جل وعلا: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282] أن الواو هنا للاستئناف، وأن الأمر بالتقوى منفصل عن تعليم الله سبحانه وتعالى للإنسان.

    ويقول: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:282]، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك الرهن، وذلك أنه من وجوه حفظ الحق الذي يكون بين الناس.

    1.   

    قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً...)

    ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283].

    حكم الرهن

    ذكر الله سبحانه وتعالى الرهان بعدما ذكر الكتابة والشهادة، يعني: أن الإنسان إذا كان مسافراً فالغالب عليه أنه لا يجد كاتباً ولا شهوداً؛ لأنه يسافر وحده، ويلتقي بأحدٍ يبتاع منه متاعاً، يبتاع منه طعاماً، يبتاع منه دابة في طريقه أو نحو ذلك، فيقال: إن هذا في الرهن.

    وهل السفر مذكور هنا لأن الرهن لا يجوز أن يؤخذ إلا في السفر؟

    نقول: لا، إنما ذكر السفر في ذلك لأنه ذكر قال: تِجَارَةً حَاضِرَةً [البقرة:282]، ثم بعد ذلك لغلبة حال المسافرين أنهم لا يجدون شهوداً ولا كتبة للأمية المعروفة والمشتهرة في الصدر الأول، ذكر ما هو السبيل للتوثيق، وبهذا نعلم أن قبض الرهن إنما هو بدل للتوثيق عن الكتابة والشهادة، وهو محمول على ما تقدم من جهة الاستحباب، فهو للدلالة والإرشاد، وذكر السفر هنا للغلبة فيه ألا يجد الإنسان شاهداً وكاتباً، وليس المراد بذاته أن الرهن لا يكون إلا في السفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الرهن وهو في حله، كما جاء في حديث عائشة في الصحيح: ( مات النبي عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي )، وهذا الذي عليه جماهير العلماء.

    ومن العلماء من قيد أخذ الرهن إنما يكون في السفر، وهو قول ضعيف.

    قبض الرهن

    قال: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، في هذا إشارة إلى وجوب قبض الرهن، فإذا تبايع اثنان فأرادوا التثبيت للحق، فيعطيه رهناً لحقه، وأن الرهن يجب أن يقبض، فإذا أعطاه ديناً، وقال: خذ هذا الدين تعطيني إياه وفاءً إلى الحول، وقال: ما هو الضمان هل البينة لا يوجد بينة لأنه كان في سفر، ولا يوجد عنده واحد، يقول: أرهن هذا الشيء عندي حتى إذا سددت ذلك المال أعطيك ما رهنت، فما يرهنه من ذلك يختلف، يرهن أرضاً، يرهن داراً، يرهن دابة، أو غير ذلك مما يرهنه الإنسان، ولا بد أن تقبض عند دفع الدين، وذلك أنه إذا دفع الدين ولم يقبض لم يتحقق من ذلك الضمان الذي أرشد إليه في هذا النص.

    ولكن إذا تداين الناس وتبايعوا إلى أجل، ولم يقبض الرهن، هل يبطل هذا العقد؟ لا يبطل العقد، ولكن يبقى الحاجة إلى الرهن قائمة، فيجب أن يقبض إذا اشترط عند العقد، ولا يمضي إلا عند قبضه، فلو تعاقد اليوم ثم تقابض الرهن من الغد، مضى ذلك.

    من الأدلة على استحباب الكتابة والإشهاد والرهن وعدم وجوبها

    قال: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة:283]، وفي هذا دلالة على أن الكتابة والإشهاد والرهن أنها على الاستحباب؛ لأن الله سبحانه وتعالى أرجع ذلك إلى حفظ الحق.

    وفي قوله جل وعلا: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة:283]، يعني: إذا كان الأمر يرجع إلى الأمانة التي بينكم بلا إشهاد ولا كتابة ولا رهن، فإن هذا يجب الوفاء به لعظم حقوق الناس.

    كتم الشهادة

    قال: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة:283]، هنا ذكر وجوب الإشهاد بما يعلمه الإنسان، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وأنه لا يجوز للإنسان أن يكتم الشهادة، ومن وجوه وجوب أداء الشهادة: أن الإنسان إذا حمل الشهادة فيتحمل تبعاً وجوب الأداء لها، أما ابتداء الشهادة فلا تجب على الإنسان إلا إذا طلب عيناً ولم يقم الحق إلا به، وإذا شهد اختياراً أو طلب فشهد ثم قام عليه الحق وقام به، ثم طلب أن يدلي بالشهادة بعد ذلك؛ حرم عليه الامتناع؛ لأنه تحمل ولو كان مختاراً قبل ذلك، فإن أداءه للشهادة واجب، وهذا ظاهر في قوله جل وعلا: رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة:283].

    1.   

    قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها...)

    ثم الآية الرابعة في هذا في قول الله سبحانه وتعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، الكلفة والمشقة يأتي الكلام عليها في عدة مواضع.

    ولكن في قول الله سبحانه وتعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، الله سبحانه وتعالى عفا عن الأمة الخطأ والنسيان، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( عفي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه )، النسيان هو الذي يكون بعد علم، والخطأ هو الذي يكون عن جهل، ولم يسبقه علم، يعني: فعل الإنسان الشيء مخطئاً ولا يدري منه، فلم يكن مستحضراً علماً قبل ذلك، وأما النسيان فهو الذي يسبقه علم، وكل هذا يرفع الإثم عن الإنسان، محل اتفاق عند العلماء أن النسيان والخطأ يرفع الإثم عن الإنسان، لأن الله سبحانه وتعالى قال لما أنزل هذه الآية كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس قال سبحانه وتعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال الله جل وعلا: قد فعلت، هذا بالنسبة للإثم الذي يكون في حق الله عز وجل، أما بالنسبة لحقوق الآدميين فيتفق العلماء على أن الخطأ والنسيان لا يسقط حقوق الآدميين فيما بينهم، فلو أن إنساناً أتلف مالاً ناسياً أنه لفلان أو مخطئاً، فسار في طريقه فصطدم رجلاً، أو أهلك حرثه، أو غير ذلك، وإن كان ناسياً أو مخطئاً إلا أن حق الناس يجب فيه الوفاء، فإذا قتل بالخطأ وجب عليه أن يدفع الدية، لكن من جهة الإثم لا يأثم، فحقوق الله جل وعلا رفعها عن الناسي والمخطئ، ولهذا قال الله جل وعلا: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال الله: قد فعلت.

    أما حقوق الآدميين فإنه لا بد فيها من الوفاء، فلا يأثم الإنسان إذا قتل مخطئاً، ولكن يجب عليه الدية، وهذا له صور: هل هو في كل حقٍ لله سبحانه وتعالى يسقط عن الإنسان النسيان والخطأ؟ نقول: يسقط عنه الإثم ولكن لا يسقط عنه الكفارة إذا كان ثمة كفارة، كجزاء الصيد، كالمحرم إذا أحرم ثم قتل صيداً، تقول: لا أعلم أن هذا صيد، نقول: وجب عليك أن تفدي مثلما قتلت من النعم، وهذا إنما رفعنا عنه ما كان إثماً في الآخرة، أما بالنسبة في أمر الدنيا إذا كان لا تنضبط الأحكام ولا تنضبط أمور الناس إلا بذلك فيجب في هذا الوفاء بها.

    وكذلك في النسيان، وهل النسيان والخطأ يرفع التكليف عن الإنسان مطلقاً؟

    نقول: يرفع عنه التكليف حال النسيان، وعند العلم، فينزل عليه التكليف بمقدار النص، كحال الإنسان نسي الصلاة حتى خرج وقتها، هل تسقط عنه الصلاة بالكلية؟ لا، سقط عنه الإثم لأنه كان ناسياً أو نائماً، فإذا استيقظ وجب عليه أن يؤدي الصلاة، لقول الله جل وعلا: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14]، وكما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك )، وقوله: ( لا كفارة )، يعني: أنها تجب عليه في مثل هذا الموضع، وإن رفع عنه الإثم في ذلك في حال النسيان.

    وكذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من أخر الصلاة حتى يخرج وقت الأخرى ) يعني: ما كان عمداً.

    إذاً: ما كان من حق الله عز وجل فهو معفو، وما كان بعد زوال العارض من النسيان والخطأ هل يجب عليه أن يقضي؟ نقول: القضاء يحتاج إلى دليل مستقل، والعبادات في ذلك تتباين، منها ما يقضى ويجب فيه الوفاء والكفارة، ومنها ما لا يقضى فمرد ذلك إلى النص، كحال الإنسان الذي يصلي بلا طهارة مدة طويلة جاهلاً، أو لا يعلم أن النوم ينقض الوضوء، أو أن الجماع ينقض الوضوء، أو لحم الإبل لا ينقض الوضوء، أو غير ذلك من الأمور، أو لا يظن أن التيمم بدل عن الماء إذا فقد الماء، إذا كان في سفر صلى بلا تيمم، وبقي على ذلك مدة طويلة، نقول: عفا الله عز وجل عنه في ذلك، ولا يقضي ما مضى منه؛ للنص الوارد في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن نقول: يستأنف فيما بعد ذلك، لورود المشقة.

    إذاً: فتختلف من عبادة إلى عبادة بحسبها.

    وبهذا نكون قد أنهينا آيات الأحكام مما في سورة البقرة.

    أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد، وأن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.