إسلام ويب

شرح المنظومة البيقونية [5]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من مباحث علوم الحديث: الحديث الفرد والحديث المعل الذي هو من أدق علوم الحديث ولا يعرفها إلا النقاد من الأفذاذ، والحديث المضطرب وهو على نوعين: ما يعل به وما لا يعل به وله طرق في معرفته ذكرها العلماء، وهناك مباحث أخرى: كالحديث المدرج الذي يؤتى لغرض التوضيح، و المتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف وهو ما يتعلق بأسماء الرواة، ومن أقسام الحديث المردود: المنكر والمتروك والموضوع.

    1.   

    الحديث الفرد

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً ينفعنا يا رب العالمين.

    أما بعد:

    يقول الشيخ البيقوني رحمه الله تعالى:

    [ والفرد ما قيدته بثقة أو جمع أو قصر على رواية ]

    ذكر المصنف رحمه الله فيما تقدم الغريب، وذلك عند تقسيمه لأصل الأخبار، في قوله: (وقل غريب ما روى راوٍ فقط)، وهنا ذكر التفرد والفرد في رواية الراوي، فقال:

    (والفرد ما قيدته بثقة أو جمع أو قصر على رواية)

    بالنسبة للتفرد والفرد: هو مأخوذ من رواية الفرد للحديث، أي: لم يشاركه عليه أحد، وهو شبيه بالغريب، والمنكر، وكذلك أيضاً الشاذ.

    والحديث الفرد هو الذي ليس له متابع في طريقه، ولا أيضاً في متنه، وهو يختلف أيضاً من جهة نوعه بحسب التفرد، فربما يكون تفرداً مطلقاً في جميع الطبقات، وربما يكون تفرداً نسبياً كحال الغرابة، وكذلك أيضاً المتن، منها ما يكون متنه موجوداً في حديثٍ آخر، ولكن عن هذا الصحابي لم يرد إلا من هذا الوجه، والعلماء عليهم رحمة الله في أبواب الفقه والمعاني ينظرون إلى المتون، ولا ينظرون إلى الأسانيد حتى الصحابي، ولكن في أمور العلل ينظرون إلى الصحابي وما دونه من جهة التفرد، وذلك أن الصحابي إذا اختلف عن صحابي آخر ولو اتفق المتن عدَّها العلماء حديثين، فجعلوا هذا حديثاً وهذا حديثاً، ولو كان اللفظ واحداً، كحديث: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده )، جاء عن جماعة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، يجعلون هذا حديثاً وهذا حديثاً وهذا حديثاً؛ لاختلاف الصحابي، وأما إذا اتفق الصحابي، فكان الصحابي واحداً، وجاء نوع مغايرة يسيرة في المتن، فيجعلونها حديثاً واحداً، والعلماء عليهم رحمة الله من جهة المعاني الواردة في المتون لهم نظر في أبواب الإعلال، فإذا تفرد الحديث بمعنى لم يرد في غيره ولو عند صحابي آخر يقولون بإعلاله.

    إذاً: دائرة التفرد قد تتسع فتشمل الإسناد والمتن، وقد تضيق وتشمل الإسناد فقط ولا تشمل المتن، والتوسع عند العلماء في أبواب النقد للأسانيد والمتون هذه هي الطريقة التي يسلكها النقاد الأوائل، يسلكون في أبواب النقد فينظرون للتفرد بسعته من جهة إسناده ومتنه، والمتأخرون ينظرون إلى أبواب التفرد من جهة الإسناد، ويغفلون كثيراً المتن، ولهذا تجدهم يصححون الحديث إذا سلم إسناده، ولو كان متنه منكراً.

    والعلماء الأوائل عليهم رحمة الله ينظرون إلى معنى المتن، هل جاء معناه في مجموع الشريعة، أو لم يرد معناه في مجموع الشريعة، ولو قوي إسناده، لهذا تجد عند النقاد الأوائل الحديث الذي يروى بسند واحد متوسط يجعلونه صحيحاً، والحديث الذي يروى بسند واحد ومتنه لم يرد إلا بهذا، ورواته ثقات فيردونه بالنكارة؛ لأن الأصل في الشريعة أن الأحاديث لا يتفرد بها واحد في كل الطبقات؛ لأن هذا وحي يرويه صحابي، وينبغي على الصحابي أن يشهره، خاصة إذا تداعى العمل عليه.

    وما هي الوجهة والطريقة التي يحكم بها طالب العلم على الحديث بالتفرد، ثم يحكم عليه بالنكارة؟ التفرد هو وصف، والنكارة في ذلك أيضاً قريبة من الوصف، ولكنها تتضمن الرد، وكذلك أيضاً الشذوذ، القرينة التي يأخذ بها طالب العلم في هذا، أن طالب العلم كلما كان: متمكناً بمعرفة مراتب الشريعة، والمشهور منها، وما دون ذلك، وقليل الفعل، وما كان من فضائل الأعمال، كان من أهل التمكن بمعرفة ما يشتهر من الأحكام وما لا يشتهر، وذلك مثلاً على سبيل المثال حديث الجهر بالبسملة، الجهر بالبسملة هذا من المسائل الظاهرة التي تحدث في كل جماعة، لا بد أن يظهر هذا الحكم، فإذا جاء الحديث غريباً بطبقة الصحابي وطبقة التابعي وطبقة تابع التابعي، فلم يروِ إلا من هذه الجهة، مر على الجميع، حتى لقفه هؤلاء، هذا أمارة على ماذا؟ أمارة على نكارته ولو كان الذين يروونه ثقات؛ ولهذا العلماء عليهم رحمة الله ينكرون حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة في جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبسملة في الصلاة، ويقول غير واحد من النقاد: إنه لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الجهر بالبسملة شيء، ويعدون ذلك من التفرد، وهذا لأن المسألة من أعلام المسائل المشهورة، والدين ما جاء ليحفظه واحد، وإنما تعمل به وتحفظه الأمة، ولكن ما كان من الأعمال اليسيرة التي يعملها الفرد والفردان، أو ربما أيضاً هذا العمل من الأعمال التي يعملها كثير من الناس، لكنها لا تتداعى الهمم على نقلها، مما يتعلق بأمور الآداب والسلوك وغير ذلك، ولهذا نقول: إن الفرد في وصف الحديث إنما هو وصف للحديث أن هذا الحديث لم يروِ إلا من هذا الطريق.

    يقول:

    (والفرد ما قيدته بثقة أو جمع أو قصر على رواية)

    صنف العلماء عليهم رحمة الله في أبواب التفرد على ما تقدم الكلام عليه، صنفوا في هذا في الأفراد عموماً كـالدارقطني رحمه الله في كتاب الأفراد والغرائب، ومنهم من يصنف في غرائب وأفراد معينة كغرائب مالك وغرائب شعبة للدارقطني، ومنهم من يجمع غرائب ومفاريد أهل البلدان، كـالطبراني رحمه الله في كتابه مسند الشاميين، يجمع الأحاديث والمفاريد التي يرويها ويتفرد بروايتها أهل الشام، ويوجد هذا عند بعض المصنفين الذين ينفردون ببعض الروايات التي تروى، وغالباً يكون ذلك في الموقوفات كـالخطيب البغدادي في أحاديث البغاددة، وفي كتابه التاريخ تاريخ بغداد؛ وكــابن عساكر في أحاديث الدمشقيين في كتابه تاريخ دمشق.

    1.   

    الحديث المعل

    قال رحمه الله:

    [ وما بعلة غموض أو خفا معلل عندهم قد عرفا ]

    العلة: هي المرض، وهي العاهة التي تصيب الإنسان، وكذلك أيضاً فإنها تلحق بالحديث، والعلل على مراتب وأنواع، منها ما هو ظاهر ومنها ما هو خفي، ومنها ما هو قادح، ومنها ما هو غير قادح، ولهذا العلماء يجعلون كل ما يغمز به الحديث علة، سواءً يطرح الحديث أو لا يطرحه.

    يقول:

    (وما بعلة غموض أو خفا معلل عندهم قد عرفا)

    اختصاص الحديث المعل بالعلة الخفية وجهود الأئمة في ضبطها

    الأصل أن العلة الظاهرة والخفية تسمى علة؛ باعتبار أنها مرض عارض على الحديث، ولكن غلب استعمال أهل الاصطلاح للعلة على ما كان من القوادح الغامضة في الحديث، والأصل في كلام العرب أن الإنسان إذا كان به علة، ولو كانت ظاهرة كجذام، أو كان به ورم أو عرج، أو كسر، يصفونها بأنها علة، ولكن يغلب في استعمالهم استعمال العلة على ما كان خافياً من الأمراض، فغلب في استعمال أهل الاصطلاح العلة على ما كان خافياً من العلل الذي لا يظهر لأول مرة، أو ما يحتاج الناقد في بيانه إلى كلام طويل إذا أراد أن يبينه، بخلاف العلة التي يشير إليها فترى مباشرة، كحال الانقطاع الظاهر أو التعليق، أو الإعضال، أو الضعف البيّن في الراوي فلان، فهذا من الأمراض والعلل الظاهرة التي لا تحتاج إلى شرح طويل.

    وكلما كانت العلة أخفى وأدق كلما احتاجت إلى ناقد بصير، والعلل تدق جداً حتى يستعصي على بعض الناس أن يدركها لأول وهلة، وربما غابت عن الحاذق البصير في العلل، ومن نظر فيما كتبه المتقدمون في أبواب علل الأحاديث يجد ذلك ظاهراً، فهم يعلون الحديث، وإذا أراد الإنسان أن يبحث عن سبب ربما أخذ أياماً أو أكثر من ذلك ليجد العلة التي لأجلها أنكروا هذا الحديث فيتعذر عليه ذلك.

    ولهذا نقول: إن الأئمة عليهم رحمة الله لهم نظر دقيق جداً في علل الحديث، ولهم نفس لا يدركه طالب العلم لأول نظرة، بل يحتاج إلى تمحيص، وعلى ما تقدم فالعلماء لديهم تجوز في هذا، ويختلف تجوزهم بوصف العلة في الحديث، ولهذا من نظر في كتاب العلل لـابن أبي حاتم، والعلل للدارقطني، والعلل لـابن المديني، والعلل لـيحيى بن معين، والعلل للإمام أحمد، يجد هذا النوع ويجد ذلك النوع، يجد العلل الظاهرة ويجد العلل الخفية، فتجد أنهم يذكرون في العلل هذا الوصف أن فيه رجلاً كذاباً وهي علة ظاهرة، أو معضل، أو لا يعرف له إسناد، من العلل البينة الظاهرة، ويدخلونه ويدرجونه في كتب العلل، لكن غلب عند أهل الاصطلاح وقواعد الحديث وصف الحديث بالمعلول بما كان فيه علة قادحة، فغلب هذا.

    مظان المعل

    ومظان علل الحديث في مواضع، من المصنفات، أظهرها الكتب التي صنفت قصداً لذلك، وذلك ككتب العلل على ما تقدم كعلل ابن المديني، وعلل الإمام أحمد، والعلل لـابن أبي حاتم، والعلل للدارقطني وغيرها، ومنها الكتب التي لم تصنف قصداً للعل، فصنفت إما للرجال وتراجمهم، فجاءت العلل تبعاً في ذلك، وذلك ككتب الرجال وتراجمهم في هذا كالتاريخ الكبير للبخاري، والجرح والتعديل لـابن أبي حاتم، وكتاب الضعفاء للعقيلي، والضعفاء للبخاري، والضعفاء للنسائي، وكتب التاريخ فيها إشارة في هذا ومتضمنة لتراجم الرواة وبلدانهم وتنقلاتهم، ومتضمنة للعل كتاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وتاريخ دمشق لـابن عساكر، وتاريخ نيسابور للحاكم، وتاريخ واسط لـبحشل، وغيرها من التواريخ التي ربما يشير بعضها على سبيل التبع، وهي على أنواع، منها ما هو تاريخ رجال، ومنها ما هو تاريخ بلدان.

    ومن هذه الكتب أيضاً التي يلتمس فيها العلل الكتب المصنفة للرواية، وذلك كالكتب الستة: البخاري و مسلم والسنن الأربع، هي من جهة الأصل صنفت للرواية، ولكنها تتضمن علل بحسب مناهج العلماء، من العلماء من هو دقيق في أبواب العلل، فإذا أورد حديثاً فهو يعل ما يخالفه في الباب، ومنهم من يصرح بالإعلال للرواية، فيذكرها بصيغة التمريض كـالبخاري وأضرابه، ومنهم من يعل الحديث صراحة في إيراده له، وذلك يظهر في صنيع الترمذي رحمه الله في كتابه السنن، و النسائي رحمه الله، وكذلك أبو داود في سننه فإنهم يصرحون كثيراً في إعلالهم للأحاديث.

    أما البخاري فتصريحه في الإعلال ضعيف أو قليل جداً في كتابه الصحيح، ولكنه يعرف بنفسه، وكذلك الإمام مسلم و ابن ماجه، فإن تصريحهم في ذلك قليل.

    ومن هذه المصنفات أيضاً: المصنفات التي تصنف في الرواية، ولكن للأئمة منهج في تصنيفهم يتبين فيه جمع الأحاديث المعلولة، وذلك بقصد المصنف جمع الأحاديث المعلولة أو الضعيفة، منهم من يقصد الأحاديث الضعيفة جمعاء، وذلك كالذين يصنفون في الموضوعات، أو يصنفون في المعلولات، أو الأحاديث الضعاف، وذلك كالأحاديث الموضوعة لـأبي الفرج ابن الجوزي، وكذلك أيضاً في الضعفاء للعقيلي جمع فيه أحاديث كثيرة جداً.

    وثمة مصنفات هي مظان الأحاديث المعلولة بالتفرد والغرابة كمسند البزار، ومعاجم الطبراني في هذا، وخاصة في معجمه الصغير، وكذلك الكتب النازلة إسناداً، ومعنى نزول الكتب التي فيها رواة كثر ومصنفوها متأخرون، وهي مظان للأحاديث المعلولة حال وجود التفرد بها، فلم يروها إلا هم، وهي كتب كثيرة في هذا ككتب الحاكم، وكتب ابن عساكر، وكتب الخطيب البغدادي، وغيرهم من المصنفين، ممن أسانيده نازلة بالنسبة لتاريخ التدوين.

    1.   

    الحديث المضطرب

    قال رحمه الله:

    [ وذو اختلاف سند أو متن مضطرب عند أهيل الفن ]

    الاختلاف في السند والمتن يصفه العلماء بالاضطراب، والمضطرب: هو المتردد الذي لا تعرف له جادة، فما تعددت وجوهه مما لا يميز فيه الوجه الصحيح من الضعيف يسمى مضطرباً، ويقل وصفه بالاضطراب في حال اتضاح الوجه الأصح، فإذا تجلى وظهر في ذلك فإنه لا يوصف الصحيح بالاضطراب، فإذا صح بوجوهه فكانت الوجوه متعددة لا يسمى اضطراباً؛ لأن الصحة في ذلك للوجوه كلها.

    أنواع الاضطراب من جهة موضعه

    والاضطراب يكون على نوعين: اضطراب في السند واضطراب في المتن، والاضطراب الذي يكون في السند بتعدد مخارج الحديث مما لا يعرف الوجهة الصحيح منها، فهذا اضطراب، ويعرفه طالب العلم في ذلك بنقده ومعرفته، أو ربما أيضاً بسبره للمرويات، أو ربما أيضاً بمعرفة الطريق الأرجح بما يرويه الرواة، أو ما ينص عليه العلماء عليهم رحمة الله في مصنفاتهم في كتب العلل، أن هذا الطريق هو أرجح من ذاك.

    أما بالنسبة للاضطراب في المتن، وهو أن المتن يتغير من وجه إلى وجه، فيروى مختصراً ويروى مطولاً، ويروى بلفظ، ويروى بمعناه، ويروى فيه تقديم وتأخير، وفيه نقصان وزيادة، ويروى فيه اختلاف في المعنى، فيروى بمعنى ثم يروى بمعنى على وجه يخالفه، كأن يوصف أنه فعل أو لم يفعل، فيوصف بهذا الحديث أنه مضطرب.

    أنواع الاضطراب من جهة تأثيره في الحكم على الحديث

    والاضطراب من جهة قبوله ورده على نوعين: اضطراب يعل به الحديث، واضطراب لا يعل به الحديث، فالاضطراب الذي يعل به الحديث ما لا يميز فيه الصحيح من الضعيف فيختلط؛ فإن الاضطراب أمارة على عدم حفظ الراوي وعدم ضبطه.

    فيقال حينئذٍ: بأن هذه القرينة، أو هذا الاضطراب دليل على أن الحديث غلط، فلم يضبط على وجهه، والعلماء يقولون: إن عدم ضبط الإسناد أمارة على عدم ضبط المتن، وعدم ضبط المتن أمارة على عدم ضبط الإسناد، فإذا وجد موضع في الحديث لم يضبطه الراوي، فهو يورث الناقد خوفاً من بقية الحديث وتوجساً منه، يتوجس في باقيه.

    وأما الاضطراب الذي لا يضر الحديث ولا يعله، فهو الاضطراب الذي يميز فيه الصحيح، من الضعيف، كأن يكون الاضطراب من وجه الراوي فيه ضعيف، وأما الصحيح فهو من وجه الراوي فيه ثقة، فيحمل حديث الثقة ويرد غيره.

    ثم إن الاضطراب من جهة قبوله ورده، لا يلزم من ذلك ثقة الراوي مجرداً، فقد يكون الراوي ثقة فيضطرب، وقد يكون الراوي دون الثقة من الرواة المتوسطين، ويكون في ذلك حديثه صحيح، فيرويه على الوجهين.

    كيفية معرفة المضطرب

    وللعلماء عليهم رحمة الله في قبول الاضطراب ورده طرق ومسالك كثيرة:

    الأول: فمن هذه المسالك والطرق التي يعرف بها الحديث المضطرب من غيره إذا كان المتن لا يستحق تعدد الأسانيد، وذلك لسهولته وعدم الحاجة إليه، فورود الحديث من أكثر من طريق دليل على عدم ضبط الراوي له، فهذا الحديث لا يحتاج إلى روايته من عدة أوجه؛ وذلك أن المحدثين لا يعتنون بذلك، فيكتفون بوجه واحد، فهذا أمارة على الاضطراب، وربما يكون الراوي ثقة وتعدد الوجوه هي التي تعل الحديث، ولو كان الراوي في ذلك ثقة، ولا يقال بأنه نوّع في الرواية، وربما يكون الراوي دون الثقة من المتوسطين كالصدوق، وتتعدد روايته لحديث عظيم، فيقبل منه العلماء ذلك، ولا يصفون الحديث بالاضطراب، والسبب في ذلك أن هذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي يقبل فيها تعدد الطرق، وتفنن الراوي بروايته للحديث من أكثر من وجه خاصة إذا كان الراوي من المكثرين.

    الثاني من طرق ومسالك العلماء في معرفة المضطرب من عدمه: معرفة المكثر من الرواية من المقل، فالمكثر يحتمل منه التفنن وتعدد الطرق بخلاف المقل، فإذا كان الراوي مقل الرواية ومقل الشيوخ، ثم روى الحديث على عدة وجوه، فهذا في الغالب أنه لا يحتمل منه ذلك؛ لأن المقل إقلاله للحديث ينبغي أن يستوعب ما فاته من الحديث لا ما فاته من الطرق للحديث الواحد، فلدينا متن واحد، فالأولى أن تبحث عن متون أخرى فاتتك، لا أن تبحث عن أسانيد ومخارج لحديث واحد، فالمقل في ذلك لا يحمل منه تعدد الطرق بخلاف المكثر.

    وإذا كان مكثراً من الرواية فإنه يحمل منه تعدد الطرق، ولا يقال بأن تعدد الطرق في روايته لذلك الحديث في حكم المضطرب الذي يعل به الحديث.

    الثالث: من المسالك أيضاً والطرق: أن تعدد الطرق في الزمن المتأخر في الرواية يختلف عن الزمن المتقدم، وذلك أنه في الزمن المتأخر كلما تأخر الراوي طبقة، كثر الناس وكثر الشيوخ وتعدد الحديث في الأفواه، وإذا تقدم قل الحديث في الأفواه لقلة الناس، فالاضطراب المتأخر يحمل ويقبل ما لا يقبل الاضطراب المتقدم، يشدد في جانب الاضطراب وتعدد الطرق المتقدمة ما لا يشدد في الطرق المتأخرة؛ لكثرة الشيوخ وكثرة الرواية وبذل الحديث فيسمعه كل أحد، فيكون الحديث الواحد لدى الراوي المتوسط من عدة وجوه، أما إذا كان متقدماً فالعلماء يشددون والعلماء قليل، والرواة في ذلك كذلك، والزمن والعمر يضيق عن نقل الحديث الكثير في الرواية في ذلك.

    ثم هم أيضاً في زمن حفظ لا في زمن كتابة، فتعدد الطرق في ذلك يضعف، ولهذا ينظر بحسب الزمن فله أثر في أبواب الاضطراب.

    1.   

    الحديث المدرج وطرق معرفته

    قال رحمه الله:

    [ والمدرجات في الحديث ما أتت من بعض ألفاظ الرواة اتصلت ]

    المدرج في اللغة: ما خلل بين شيئين، أو ما توسط بينهما مما شابههما، فيدرج الشيء بين اثنين، فيقال مدرج، أي: دخل في أثنائهما، والإدراج يكون في الإسناد ويكون في المتن.

    ومقصود المصنف هنا بالمدرج: هو اللفظ الذي يكون من كلام غير رسول الله، فيدخل في أثناء كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يكون أيضاً في غيره، كأن يدرج كلام التابعي في أثناء كلام الصحابي إذا كان الحديث موقوفاً، فيسمى قول التابعي حينئذٍ مدرجاً، وكذلك قول الصحابي في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى مدرجاً.

    وإنما اعتنى الأئمة بالمدرج ليميز عن غيره؛ لأنه ربما كانت هذه اللفظة تؤثر في الحكم، فلا بد من تمييزها أنها ليست من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ويكثر الإدراج في الأحاديث الطوال التي يتخللها شرح وبيان، فيحتاج الناقل الذي يحدث بذلك الحديث مثلاً إلى بيان بعض ألفاظه، وذلك لعلو اللغة وتأخر الناس، ودخول العجمة فيهم، فيحتاجون إلى شيء من البيان، فيدخلون في ذلك شيئاً من الإدراج، وربما سئل الراوي للحديث الطويل في أثناء الحديث الذي يحدث به عن معنى أو عن حكم، ففسره، فظنه الناس إنما هو تفسير النبي عليه الصلاة والسلام فجعلوه مدرجاً في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعتنى الأئمة بالإدراج.

    وصنف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في ذلك مصنفات في المدرجات، كـالخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه الفصل للوصل المدرج في النقل، يعني: ما كان مدرجاً في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان من كلامه.

    ويعرف الإدراج في أحوال:

    الأولى: بجمع الطرق، أن يجمع طرق الحديث، ثم يميز ما جاء من طريق هذا الراوي وفيه هذه الزيادة، وما جاء من غير طريقه مما ليس فيه هذه الزيادة، فيميز ذلك بجمع الطرق.

    الثانية: ومن هذه الطرق التي يميز بها أو يعرف بها المدرج: معرفة اللغة، والأسلوب النبوي، فإن طالب العلم إذا كان من أهل الملكة والحفظ والدراية والمعرفة بالأسلوب النبوي، يستطيع أن يميز بعض الألفاظ التي لا تناسب الأسلوب النبوي الرفيع، فإن الكلام ولو كان عربياً هو أيضاً مراتب من جهة البيان والفصاحة، والاتساق، وهذا أيضاً يحتاج ملكة قوية في اللغة، والاعتياد في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الثالثة: أن يعرف الإنسان التاريخ، فإن معرفته بالتاريخ لها أثر في ذلك، وذلك أنه إذا عرف أحوال النبي عليه الصلاة والسلام من جهة استعماله ومواضع نزوله وغير ذلك، يستطيع أن يميز أن هذه العبارة إنما أدخلها الراوي وليست في حديثه، مثال ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله قال: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من حنطة، وصاعاً من شعير، وصاعاً من بر، وصاعاً من أرز )، الأرز هنا لا يعرف في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ومن جهة التاريخ لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام ممن يأكل الرز، وكذلك الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في صدرهم الأول.

    ولهذا نقول: إن هذه اللفظة مدرجة، هي من جهة المعنى صحيحة، أنه يدخل هذا في طعام الناس، لكن ليست لفظاً نبوياً؛ وذلك أن الأرز إنما عرفه متأخرو الصحابة في بعض الغزوات، فوجدوه ثم أصبح على سبيل التدرج قوتاً للناس، وإلا فإنهم كانوا يتقوتون بغيره، وذلك من الحنطة والتمر والإقط وغير ذلك مما يطعمونه من ذرة ونحوها، فالتاريخ له أثر بمعرفة الأشياء، هذا من جهة الطعام، وقد يكون مثلاً من جهة اللباس، الذي لم يكن مشهوراً لديهم، وكذا من جهة الأواني، الأواني هل كانت مستعملة لديهم أو ليست مستعملة؟ له أثر بمعرفة إدخال بعض الرواة بعض المعاني في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: إن هذا من المدرجات في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الرابعة: التصريح، تصريح الراوي بذاته بأن هذه اللفظة مدرجة كأن يقول: يعني كذا، يعني: أن هذا التفسير مني يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد كذا.

    الخامسة: معرفة الرواة الذين يشتهرون بالإدراج، هناك رواة يشتهرون بتفسير كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء غالباً يذكرون ذلك في الأحاديث الطوال، فإذا وجدت من عرف بالإدراج في هذا الإسناد، فإن هذا قرينة على أنه هو من أدرج في هذا الحديث، وهذا في المدنيين كـابن شهاب الزهري، وكذلك أيضاً في كثير من أهل الكوفة الذين يدرجون في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعرف أن الحديث الكوفي يحدث فيه إدراج، ومثله المدني، فإنه يدرج في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثر ذلك عظيم؛ لأن هذه اللفظة إذا لم تميز ربما يبنى عليها حكم، فيؤخذ الحكم من غير كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الحديث المدبج

    قال رحمه الله:

    [ وما روى كل قرين عن أخه مدبج فاعرفه حقاً وانتخه ]

    المدبج: اسم مفعول من دبج يدبج وهو التحسين، وتسمى الديباجة ديباجةً من حسنها، دبج فلان كذا إذا حسنه، وإنما وصف هذا بالتحسين؛ لرواية الأقران عن بعضهم، فيروي القرين عن قرينه، فالأصل أن الشيخ الكبير يروي عنه التلميذ الصغير، التلميذ الصغير يروي عن الشيخ الكبير، هذا من جهة الأصل، أما رواية الأقران عن بعضهم، فيروي السنين عن سنينه، والشيخ عن شيخ آخر، أو يروي التلميذ عن التلميذ، فهذه رواية الأقران، أو يروي الزوج عن زوجه كرواية بعض الرواة، يقول: حدثتني زوجي فلان، أو تروي الزوجة عن زوجها، هذا الأصل فيه أنه داخل في وصف الأقران؛ وإنما اعتنى العلماء عليهم رحمة الله تعالى في هذا -في رواية الأقران- حتى لا يظن الناظر في ذلك أن ثمة في الرواية وهم أو تصحيف في الاسم، وأن الأصل في ذلك أن الرواة يحرصون على الإسناد العالي، وهو أن يروي الصغير عن الكبير، فلا يروي الصغير عن صغير مثله ليصل إلى الكبير، فإذا كان الكبير موجوداً فلا يحتاج إلى الرواية عن شخص صغير.

    ولكن يحتاج الأقران لبعضهم؛ لأن بعض الأقران يوفقون لأخذ الحديث عن شيخ لم يدركه ذاك؛ لانشغاله بشيء آخر، فيأخذ هذا من هذا، وهذا ما فاته من ذاك الشيخ من تلميذه، فيصبح هذا من حديث الأقران، ويسميه العلماء بالمدبج، ولهذا قال: (وما روى كل قرين عن أخه)، يروي الأقران بعضهم عن بعض وسماهم إخوة، وما سمى تلميذ عن شيخه، أو ما سمى الأبناء عن الآباء فهو مدبج عندهم.

    وإنما اعتنى العلماء عليهم رحمة الله بهذا النوع ضبطاً له حتى لا يدخل في حسبان الناقد أو الناظر احتمال الوهم أو الخطأ أو التصحيف، أو بحث عن اسم آخر يشارك في هذا عند التضاد، فإذا عرفت هذه الرواية رواية الأقران عن بعضهم، فإن هذا يدفع جانب أو احتمال الإشكال أو يضعفه.

    1.   

    المتفق والمفترق

    قال رحمه الله:

    [ متفق لفظاً وخطاً متفق وضده فيما ذكرنا المفترق ]

    الكلام من جهة رسمه: قد يتفق في الصورة ويختلف في النطق، وقد يختلف في الرسم ويختلف من جهة النطق، قد يتفق بنطقه وحرفه ويختلف في ضبطه وهذا أشدها، فمن الرواة من يتفق مع غيره في الرسم، وفي النطق؛ لأنهم كانوا في السابق خاصة في الصدر الأول يكتبون بلا نقط، ويعرفون الكلام بالسياق، يعرفون إذا وجد هذا ووجد شيخه فإنهم يقصدون ذاك؛ لأن الناس عندهم معروفون، ولو لم ينقط عرفوه، ولكن لما كثر الناس وكثرت المصطلحات والمترادفات في كلام الناس، وأيضاً الكلمات المعربة في دخولها، وقلَّ محصول الناس بمعرفة أعيانهم وبلدانهم، احتاجوا إلى النقط في تمييز الرواة، فكان من أسماء الرواة متفق لفظاً وخطاً، يعني من جهة نطقه، لكن يختلفون من جهة العين، فيوجد من الرواة من يشارك غيره باسمه واسم أبيه، واسم جده، فهذا يتفق من جهة اللفظ، والنطق، ويختلف من جهة التعيين، ومعرفة ذلك عند العلماء لها طرق أيضاً.

    من العلماء من صنف في هذا الباب في المتفق والمفترق كـالخطيب البغدادي رحمه الله له كتاب في هذا، فجمع ما اتفق وما افترق من الرواة مما اتفق لفظاً وخطاً واختلف عيناً، أو اتفق خطاً واختلف نطقاً، وكذلك الدارقطني رحمه الله.

    كيفية معرفة المتفق والمفترق

    ويعرف ذلك بأحوال:

    من هذه الأحوال: أن ينظر إلى طبقة الشيوخ، فقد يشترك راوٍ مع غيره، فيقال مثلاً: صالح بن محمد يشترك مع غيره في طبقة واحدة، ينظر إلى شيوخه وإلى تلامذته، فإن اشتركا في الشيوخ فسيختلفان في التلاميذ غالباً، وإن اشتركا في التلاميذ سيختلفان في الشيوخ، وإن اشتركا في التلاميذ في الشيوخ فإنهما يختلفان في الاختصاص.

    الاختلاف في الاختصاص، في اختصاصهم بالرواية والجادة في الطريق، وذلك أنه يروي عن شيخه، وروى عنه تلميذه، شيخ الشيخ يختلفون عنه، ليس بشيخ الشيخ هذا، فينظر في كل طبقة حتى يصل إلى الدقة في تعيين هذا الرجل، والاختصاص في ذلك، إما اختصاص بجادة وطريق، وإما اختصاص برواية، يعني: أن هذا راوٍ معتنٍ بأسانيد التفسير، وهذا معتنٍ بمعاني الفتن والمغازي، وهذا معتنٍ بالأحكام، وهذا معتنٍ مثلاً بأشراط الساعة، وهذا معتنٍ بأمور الآداب وفضائل الأعمال.

    فللرواة جادة تختلف في هذا، فيحمل ذلك على الأغلب بحسب سعة اطلاع الناقد ومعرفته لطبقات الرواة، وأشد ما كان من المشكلات في هذا هو أن يكون الراوي في طبقة فيشاركه أكثر من راوٍ في اسمه وفي شيوخه وتلاميذه، وإذا تعدت فإن هذا يكون من المشكلات.

    والاتفاق والاختلاف نسبي، منها ما يتفق مع غيره من جهة رسمه ولفظه، ولكنه يختلف معه من جهة الزمان، ولا يحتاج إلى إشكال، فمثلاً عمر بن الخطاب صحابي جليل، ويوجد عمر بن الخطاب من رجال أبي داود وهو متأخر، فلا حاجة إلى الإشكال في مثل هذا، ولا يجعله العلماء من مواضع الإشكال، ولو تشابه في الاسم واسم الأب.

    ونقول: إن التشابه في ذاته ليس إشكالاً، فإذا تشابها رسماً، وتشابها نطقاً واتحدا زماناً ومكاناً، فإن هذا يكون من المشكلات، ولا يخرجه إلا المتمرس الماهر الناقد في معرفة جواد الرواة واختصاصهم.

    ثمرة معرفة المتفق والمفترق

    وفائدة ذكر المصنف رحمه الله لمثل هذا النوع حتى لا يقع في ذهن الإنسان أن ثمة تصحيف في الرواة، أو ثمة خطأ، فإن من الرواة من يتشابه مع غيره في مثل هذا.

    يقول: (وضده فيما ذكرنا المفترق)، يعني: ما افترق من جهة اللفظ واتفق من جهة الخط، وهذا يكون كثيراً.

    1.   

    المؤتلف والمختلف

    قال رحمه الله:

    [ مؤتلف متفق الخط فقط وضده مختلف فاخشَ الغلط ]

    للدارقطني رحمه الله كتاب في المؤتلف والمختلف، جمع فيه الرواة في هذا الباب ممن اتفق في خطه فقط، فيتفق من جهة الخط، ولكنه يختلف من جهة النطق أو النقط، فإذا اختلف النقط اختلف النطق.

    وأما اتفاق رسم الحرف واتفاق النقط فلا يلزم منه اتفاق النطق، فقد تتحد من جهة النقط، وتختلف من جهة النطق، وذلك كـحبان وحبان، وقد تختلف من جهة النقط وتختلف من جهة النطق كحيان وحبان، فهي اختلفت من جهة النقط فاختلفت تبعاً من جهة النطق، وأشد من ذلك ما اختلفت من جهة الرسم وهي رسم الحروف، فثمة أسماء تختلف جذرياً من جهة الحروف، وتختلف أيضاً جذرياً من جهة النقط وربما لا نقط لها فتستشكل مع غيرها وربما لا يكون في الكلمة نقط، والرسم والحروف في ذ لك متباينة، ولا تشترك ربما إلا في حرف واحد، ومع ذلك يكون في هذا اختلاف، وذلك كـمحمد وعمر، فإنها من جهة الرسم متشابهة، فالميم مع الحاء تشابه العين، ثم الميم توافق ميم عمر، والدال توافق الراء من جهة الرسم، فينطقها كثير يظنونها في حال قراءتهم للخط الأول أنها محمد فتقرأ عمر بأنها محمد أو ربما قرئت محمد على أنها عمر، فيقع في ذلك الخلط.

    يقول: (وضده مختلف فاخشَ الغلط)، يعني: ما كان ظاهراً بيناً، وهذا مما يقع فيه كثير ممن لا يعتني في هذا الباب خاصة من يقرأ خطوط الأوائل، أو في بعض الطبعات الرديئة من كتب الرجال أو كتب المسانيد، فيقع في شيء من الغلط والخلط.

    1.   

    الحديث المنكر

    قال رحمه الله:

    [ والمنكر الفرد به راوٍ غدا تعديله لا يحمل التفردا ]

    المنكر في لغة العرب: ما لا يعرف، وفي الاصطلاح: ما تفرد بروايته راوٍ واحد لم يوافق عليه إسناداً أو متناً أو كلاهما، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم لما دخل إخوة يوسف عليه: فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [يوسف:58]، المنكر قد تعرفه وقد لا تعرفه قد يكون صحيحاً وقد لا يكون صحيحاً، وعدم معرفتك له لا يعني أنه ليس بصحيح، ولهذا العلماء يسمونه منكراً يعني: استنكرناه فلم يمر علينا من قبل.

    ولهذا إخوة يوسف لما دخلوا عليه كانوا كباراً، وكان يوسف صغيراً، والصغير إذا كبر يتغير عن الكبير بخلاف الكبير الذي هو باقٍ على أمره فإنه لا يختلف عن الصغير، فعرفهم لأنهم كبار، وأنكروه لأنه كان صغيراً فتغير، فعرفهم وهم له منكرون، وإنكارهم له لا يخرجه عن كونه أخاهم بل نقول: إنه أخ ولو أنكروه، ولهذا قد تنكر الحديث لأنه لم يمر عليك، ولكن لا يعني ذلك أنه ليس بصحيح، لكن عند العلماء النقاد عليهم رحمة الله، الذين استوعبوا السنة حفظاً ودراية إذا مر عليهم الحديث فاستنكروه، فالغالب أنه يكون ضعيفاً؛ لأن استنكار من استوعب السنة وعرفها لحديث واحد أمارة إلى أنه خرج عن الجادة.

    ولهذا الأئمة يقولون: منكر، وربما وصفوا بعض الرواة بأنه: يأتي بالمناكير، يعني: الأحاديث المنكرة التي لم يوافق عليها، ولا نعرفها، فيقولون: فلان يروي المناكير، فإذا أكثر من الإتيان بالأحاديث مما لا يعرفونها مما أخذوها عن الشيوخ يقولون: منكر الحديث، وهذا طعن وإعلال.

    والعلماء إذا وصفوا حديثاً بالنكارة فينبغي أن يتوقف عند وصفهم له، وذلك بحسب الإمام الذي وصفه بذلك، وبمقدار سعة علمه وحفظه، فإنكار أحمد وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي حاتم، وأضراب هؤلاء من جبال الحفظ لحديث من الأحاديث -وهم يحفظون مئات الآلاف من الأحاديث المروية في مرفوع وموقوف- أمارة على أنه مردود، وأن فيه اختلاقاً ووهماً أو غلطاً، ونحو ذلك، وهذا ما لا يستطيع الناقد أن يفصح عن سبب إنكاره؛ لأنه يعارض ما لديه.

    فالعلماء عليهم رحمة الله في طريقتهم في الإنكار ينكرون الحديث الواحد بعشرات أو مئات الآلاف التي لديهم، ولو لم يعلموا العلة الإسنادية، فربما كان لراو من الرواة حديث من الأحاديث هو في ذاته صحيح الإسناد ولكن يردونه؛ لأنه يخالف الجادة، إما من جهة الأسلوب -تركيب اللفظ- بكونه يخالف ما عندهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلوب النبي يختلف عن هذا، ولهذا قد ذكر الحاكم والخطيب وغيره حديث علي بن أبي طالب عليه رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إليه فقال: ( حبيبي حبيبك، حبيبي حبيب الله، بغيضي بغيضك بغيضي، بغيض الله )، وقد حدث يحيى بن معين عليه رحمة الله بهذا الحديث حدثه أحمد بن الأزهر فقال: من حدثك بهذا؟ قال: حدثني عبد الرزاق عن معمر عن عبيد بن عبد الله عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى علي، فقال: ( حبيبي حبيبك، حبيبي حبيب الله، بغيضي بغيضك، بغيضي بغيض الله )، قال ابن معين : من هذا الكذاب النيسابوري يعني: لا يمكن أن مثل هذا اللفظ يقوله النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا قال كذاب؟ لأنه محفوظ لديه عن النبي عليه الصلاة والسلام كثير جداً من تراكيبه، بأن هذا ليس أسلوبه حبيبي حبيبك، بغيضي بغيضك، وأن هذا لا يمكن أن يكون من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا أطلق التكذيب لمثل هذا اللفظ.

    هل هذا التكذيب طعن في الراوي؟ هو لا يدري أين الراوي الكذاب، أحمد بن الأزهر ثقة وشيخه ثقة، و معمر ثقة، و عبيد الله بن عبد الله ثقة، و ابن عباس صحابي جليل يرويه عن علي، فلا يوجد كذاب في هذا، ولكن المطعن في هذا وجد، وذلك أن معمر بن راشد الأزدي له كاتب رافضي دس هذا الحديث بي أحاديثه، ولهذا الأئمة ينكرون الحديث وربما لا يعرفون علته؛ لأنه لا يوجد عندهم من قبل مع وفرة حديثهم، وكلما كان الناقل أكثر حفظاً للسنة وأبصر بها وبألفاظها، فإنه ينكر الحديث ولو لم يقف على علة إسنادية له، وربما أنكره تركيباً إسنادياً ولو كان المتن مستقيماً، كأن يحدث المكي عن كوفي، ويحدث الكوفي عن يماني، واليماني يروي عن مصري، والمصري يروي عن مدني، فمثل هذا ينكر أو لا ينكر؟ ينكر، إذ كيف لحديث لا يعرف في البلدان هذه كلها، وكيف لرجل انتقل في الحديث إلى كل البلدان ثم لا يعرف إلا هذا، وعادةً الحديث إذا دخل بلداً ألا يتلقفه أهل البلد؟ يتلقفونه، ولو كان كوفياً عن كوفي عن كوفي عن كوفي ممكن هذا، لكن أن لا يعرف وقد دخل البلدان كلها، يقولون برده وإنكاره.

    كذلك أيضاً: أن يأتي الإسناد منكساً، لدينا من جهة تركيب الإسناد أنه على وجهين، تركيب إسناد قائم وإسناد منكس، فالإسناد القائم الذي يأتي من غير الحجاز ثم ينصب في الحجاز، الأصل أن الرواية تأتي من خارج الحجاز إلى الحجاز، إذا جاء الإسناد منكساً في قضية كبرى، فقهاء حجازيون كبار يروون الحديث عن كوفي وبصري وشامي عكس، هذا تنكيس، ولهذا العلماء لديهم نفس في الإعلال لا يفصحون عنه عيناً أن هذه العلة، يقول: هذا التركيب منكر، المتأخرون لبساطتهم، أو ربما كثير منهم معتني بالحديث من المعاصرين لبساطتهم يرى هؤلاء الرواة ثم يفتح كتب الرجال ويقول: ثقة، وهذا ثقة، ولا يدري أين هم فيه، ما يدري هذا في اليمن وإلا في الكوفة، وإلا في البصرة، ثم يقول: هذا حديث صحيح، يجد أبا حاتم و أبا زرعة يخالفانه في الحكم على هذا، يقول: الجرح لا يقبل إلا مفسراً، ونحن رجال وهم رجال، هذا مع أنه في عمره كله لا يساوي ليلة من ليال أبي حاتم، ولا من ليال الأئمة من دونه عليهم رحمة الله، هذا ظاهري ما عرف الرواة، ولو سئل عن راوٍ واحد من الرجال كلهم عن نسبه وبلده وعمره ما أتى به دقيقاً.

    أما الأئمة الكبار فيعرفون أنساب الرواة، وصلتهم مع بعضهم، وأنسابهم وأرحامهم وبلدانهم ومواليدهم، وشيوخهم وتلامذتهم، فينكرون الحديث ويعلمون أين موضع الخطأ فيه، وإنكارهم أيضاً منه ما هو دقيق جداً بأن يأتي بصري ويروي في المدينة عن محدث مدني وهذا إسناد قائم، انظروا إلى أنه قائم، يأتي بصري ثم يروي عن مدني حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، ينكرونه مباشرة؛ لأن هذا المدني لديه أصحاب، ما تركوا شاردة ولا واردة عن هذا الإمام المدني إلا أخذوها.

    فكيف تأتي بهذا الحديث العظيم الذي لشراهة المحدثين والفقهاء في المدينة أخذوا يروون عصارة الموقوفات والمقطوعات والفضائل عن هذا الإمام، ثم أنت تأتي بحمل بعير حديثاً لم يروه إلا أنت أيها البصري، فيقومون بإنكاره ولا يفصحون بوجود علة، ربما لا تكون من هذا الراوي البصري ربما من تلميذه أو ربما من بعده، فيقولون: حديث منكر؛ لأن الإفصاح عن ذلك شاق.

    ولهذا من نظر في طريقة أبي حاتم و أبي زرعة والإمام أحمد في حكمهم في باب النكارة يقول: هذا حديث منكر ويمسكون عن الإفصاح عن هذا، وهذا في عرف المتأخرين يحتاج إلى سبورة من الصباح إلى الليل؛ حتى يبين لك أن هذه علة، ثم تقتنع بعد اثنى عشر ساعة أنه فعلاً علة، وأنت تأتي في لحظة واحدة تقول: غريب الرواة ثقات ولماذا تنكر هذا الحديث، ولهذا لو كنت عند أولئك الأئمة وقمت بهذا الاعتراض التفت إليك وقام؛ لأنك تكلفه وقت طويل، وجهلك خير من علمك.

    1.   

    الحديث المتروك

    قال رحمه الله:

    [ متروكه ما واحد به انفرد وأجمعوا بضعفه فهو كرد ]

    المتروك: هو ما يرويه راوٍ شديد الضعف تفرد بروايته، وتفرده بذلك دليل على ضعفه من جهة الأصل، خاصة إذا كان الحديث قويا ًومعناه عظيم، فإنه يرد به إذا كان متوسط الرواية، فكيف إذا كان ضعيفاً، فكيف إذا كان شديد الضعف، الحديث إذا كان يرويه راوٍ شديد الضعف أو متروك أو مطروح، فإن العلماء عليهم رحمة الله يسمونه بالمتروك الذي وجوده كعدمه.

    ولهذا نقول: إن الحديث شديد الضعف لا يحتج به، لا يقوم بنفسه، ولا يقوم بغيره، ووجوده كعدمه، فإذا وجدنا حديثاً مشابهاً له وفيه تلك العلة، فإن هذا لا يعضد هذا، وذاك لا يعضد ذاك ولو تعددت الطرق، ولهذا يتركه العلماء ولا يلتفتون إليه، ولا يدخلونه في دائرة الاحتجاج حتى في فضائل الأعمال، ولهذا سموه بالمتروك، ويلحقه العلماء في هذا الباب في باب الطرح في أبواب الموضوعات، وإن لم يجزم بكذبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا هنا في قوله يقول: (متروكه ما واحد به انفرد، وأجمعوا لضعفه فهو كرد).

    تقيد المصنف رحمه الله هنا بقوله: (ما واحد به انفرد أنه متروك)، هذا التقييد فيه نظر، فقد يروي اثنان وثلاثة حديثاً متروكاً، ولا يقبل ذلك؛ لأنه ربما اشتهر في بلد من البلدان حديث موضوع، وتلقفوه فيرويه ثلاثة أو أربعة، وربما يركب له جملة من الأسانيد، أو من الرواة شديدي الضعف، فيدخل عليهم الهوى أو ربما أيضاً الظن في التوهم أو غير ذلك فيروونه، حينئذٍ نقول: إن اشتراط تفرد الراوي شديد الضعف بالحديث حتى يكون متروكاً هذا فيه نظر؛ لأننا نقول: ربما يروي اثنان ويروي ثلاثة الحديث الواحد، وهم شديدو الضعف، فيسمى متروكاً.

    1.   

    الحديث الموضوع

    قال رحمه الله:

    [ والكذب المختلق المصنوع على النبي فذلك الموضوع ]

    الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الاختلاق، بأن يأتي بشيء لم يأتِ به، وهم الوضاعون أو الكذابون، ويسمى المكذوب ويسمى الموضوع، والموضوع لأنه هو الذي وضعه كوضع الشيء، ولم يضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو المكذوب وهو المختلق، وهو الموضوع وهو المفترى، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم، وهو من أعظم الكبائر، وأدخله بعضهم في الكفر كما تقدم معنا في صدر هذا الكتاب.

    وقوله هنا: (على النبي فذلك الموضوع)؛ لأن الكذب على رسول الله يختلف عن غيره، فقيده برسول الله، مع أن الوضع والكذب أيضاً يوصف بالأثر الموضوع أو المكذوب، لكن يريد بذلك هو تخصيص الحديث النبوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صنف العلماء في ذلك عدة مصنفات في الأحاديث الموضوعة، كـابن الجوزي رحمه الله في الأحاديث الموضوعة، وأيضاً من المتأخرين صنفوا في هذا جماعة كـابن عراق، وكذلك الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، وغيرهم من العلماء ممن صنفوا في الموضوعات.

    يقول: (فذلك الموضوع)، إذا كان المتروك وجوده كعدمه، فإن الموضوع من باب أولى، فلا يحتج به على الإطلاق.

    1.   

    الخاتمة

    قال رحمه الله:

    [ وقد أتت كالجوهر المكنون سميتها منظومة البيقوني ]

    هنا ختم المصنف رحمه الله بهذا الكلام، ونجد أن آخر ما ختم به المصنف رحمه الله من أنواع الحديث هو الحديث الموضوع، وأول ما بدأ به هو الحديث الصحيح، فبدأ بأعلى الأطراف وأقواها، وجاء بآخر وأدنى الأحاديث ومنتهاها من جهة الضعف، وهي الموضوعة والمكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من الكبائر كما جاء في الحديث: ( من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار

    وكذلك فإن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كذب على الله، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح: ( إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحد، من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) فيحرم على الإنسان أن يحدث بحديث وهو يظن أو يشك أنه كذب؛ لأنه شريك في ذلك، ومن أخذ بفعله وبقوله ونقله فهو آثم ويأخذ إثمه ما تناسخ ذلك في الناس؛ لأنه كذب في التشريع، وتأثير على جانب الديانة، ويحدث في ذلك ابتداع.

    ولهذا عظمت جناية الذين يكذبون على الله سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل يجعلهم من أهل التشهير والفضح يوم القيامة، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18]، وقرنه الله سبحانه وتعالى أيضاً بالفواحش والإشراك، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]، وفي قول الله عز وجل في بيان منهج إبليس ورغبته، وغايته في الكذب على الله: إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:169]، فإن الكذب على الله كذب في التشريع، والكذب على رسول الله كذب على الله، فهو أعظم أنواع الكذب.

    ويلي ذلك الكذب على الصحابة عليهم رضوان الله بحكاية إجماعهم، ثم يليه بعد ذلك الكذب على الخلفاء الراشدين؛ لأنهم أقرب إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ والكذب إنما يعظم بعظم أثره المترتب عليه.

    وقوله هنا: (وقد أتت كالجوهر المكنون سميتها منظومة البيقوني) نسبة إليه، وهذا هنا في ثنائه ومدحه على كتابه، لا حرج على الإنسان أن يثني على رسالة أو كتاب أو نظم أو مسألة ما استفرغ في ذلك الجهد، لبيان منزلتها، وما بذل فيها من جمع أو تحرير أو تحقيق، والأولى في الإنسان أن يدع ذلك للناس.

    قال رحمه الله: [ فوق الثلاثين بأربع أتت أبياتها ثم بخير ختمت ].

    ذكر عدد الأبيات في ذلك، ربما مقصده من ذلك الاحتراز ألا يزاد فيها من بعض الشراح أو بعض الأصحاب أو بعض النساخ، فيزيد فيها نظماً أو نحو ذلك، فهذا ضبط لها من الزيادة، وضبط لها من النقصان، يقول: (فوق الثلاثين بأربع أتت أبياتها ثم بخير ختمت)، يعني: راجياً الخير من الله سبحانه وتعالى أن يقدر ذلك.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، وأن يقدر لنا الخير، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعله حجة لنا لا علينا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.