إسلام ويب

وجوب الاتباعللشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله تعالى حد الردة لحماية الشريعة من تنقصها واتهامها بالبطلان، ولحماية الدين من المتربصين والعابثين، فكان لزاماً على الحكام والعلماء القيام بواجبهم تجاه هذا الأمر، أما العلماء فبالبيان، وأما الحكام فبإقامة الحدود.

    1.   

    حفظ الشريعة للكليات الخمس

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فإن الله جل وعلا قد أنزل شريعته، ووضع أحكامه، وأوجب الواجبات وفرض الفرائض وحد الحدود، وشرع الشرائع، وبينها وجعل مع بيانها قيام الحجة الواجبة على الناس، فوجب على الناس الانقياد ووجب عليهم الاتباع، ومع أن الله سبحانه وتعالى قد خص الاتباع بجملة من النصوص في كلامه سبحانه وتعالى، وفي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أنه لا: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    أمر الله عز وجل بالاتباع والاقتداء، وأمر الله سبحانه وتعالى كذلك وحذر من مخالفة طريق الهداية، وسلوك طريق الغواية، وحذر من ذلك أشد تحذير، وبين عاقبة من عرف الحق ثم نكص عنه بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وهذا لا يكون إلا مع ظهور الحجة وقوة البيان وظهور البرهان على الناس، ولهذا يقول العلماء: إن الشريعة إذا كانت ظاهرةً محكمة، ورتب الله عز وجل عقاباً شديداً إذا خالف الإنسان ذلك الحكم أو تلك الشريعة، فإن ذلك يدل على تعظيم تلك الشريعة المبينة الظاهرة.

    وإذا بين الله سبحانه وتعالى أمراً فإنه من المطرد بالنظر للأحكام أن الله عز وجل يجعل عاقبة من خالف ذلك البيان العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وإذا رتب الله عز وجل على فعل من الأفعال عقوبةً في الدنيا، فإن هذا يدل على أن الأصل في الأمر الوضوح والبيان، وإلا لما كان يترتب على التارك أو الفاعل لشيء من المحظورات أمثال هذا العقاب، وهذا مقتضى البيان، ولهذا نجد ما كان من أمور الشريعة من جملة القطعيات أو الكليات الواضحات البينات، نجد أن الله سبحانه وتعالى قد جعل لأصحابها عقوبةً في حال التفريط فيها، وحد حدوداً ووضع ضوابط لذلك، وأمر الله عز وجل ولاة أمور المسلمين بزجر المعتدي والمخالف لأمر الله سبحانه وتعالى والمحاد له جل وعلا.

    يقول العلماء: إن جملة ما أمر الله سبحانه وتعالى به من الأمور الكلية لا يخرج عن خمس: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ الأعراض، وحفظ المال، وحفظ العقل.

    وهذه ضروريات خمس وكليات قد أمر الله عز وجل بحفظها وصونها، وما كان من فروع الشريعة فإنها مندرجة من جهة الأصل في هذه الضروريات والكليات الخمس، وما فرض الله سبحانه وتعالى تبعاً لذلك من الحدود والتعزيرات هو تابع لأفراد تلك الفروع، وما فرضه الله سبحانه وتعالى على الناس من زجر وردع هو حماية لهذه الأصول والكليات.

    1.   

    اهتمام الشريعة بحفظ الدين

    فنجد أن الله سبحانه وتعالى قد حمى دينه من المروق منه وتشويهه، وكذلك الطعن فيه وتنقص شريعة الله سبحانه وتعالى كتاباً وسنةً وذاتاً لله جل وعلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم بحد الردة، ونجد أن الله سبحانه وتعالى قد حفظ العقل بجملة من الحدود منها حد الخمر، وحمى الله جل وعلا الأعراض وحفظ النسل والأنساب بتحريم الزنا وبيان حد الزاني بحاليه، وبيان كذلك حد القاذف للشخص بزنى ونحو ذلك، وحفظ الله عز وجل الأموال ببيان جملة من الحدود فيها كقطع يد السارق، وحفظ الله عز وجل الأنفس من التعدي عليها بالقصاص والديات، وهذه جملة من الفرائض والحدود قد حدها الله عز وجل وسنها حمايةً للكليات في الشريعة، وللضروريات الخمس.

    والله سبحانه وتعالى ما أوجد هذه الضروريات إلا لتكون موصلة لضرورة واحدة وهي ضرورة الدين، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ، أي: أن سبب إيجاد الجن والإنس في هذه الأرض هو لعبادة الله جل وعلا وتوحيده طوعاً أو كرهاً، ولهذا روى ابن جرير الطبري من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، أنه قال في قول الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، قال: ليوحدوني أو يطيعوني طوعاً أو كرهاً، فأمر الله سبحانه وتعالى بالخضوع له والانقياد، سواءً كان ذلك على سبيل الطواعية أو سبيل الإكراه، فمن خضع لأمر الله عز وجل طواعية وانقياداً فإنه يفتح له ما للمسلمين من أبواب، ومن أعرض عن ذكر الله جل وعلا وأعرض عن الدين وأعلن المحاربة، فإنه يؤطر على الحق أطراً ويقاتل حمايةً لدين الله جل وعلا، ولهذا شرع الله جل وعلا جملةً من الشرائع حفظاً لدين الله سبحانه وتعالى وصوناً له، فقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ، فمن لم يقتنع بالبلاغ فإن بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أمد، فإن لم يؤمن ويدخل في الإسلام، فإن بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام المحاربة، ولهذا قال الله جل وعلا: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6].

    قوله جل وعلا: (( ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ))، أي: أنه إذا لم يخضع لأمر الله سبحانه وتعالى ولم يظهر الإذعان وجب عليه أن يوضع بينه وبينه أمد، وهذا الأمد هو إظهار المحاربة والمبارزة، وذلك أن الله جل وعلا قد حرم على رسوله عليه الصلاة والسلام أن يقتل رجلاً غيلةً أو خدعةً من غير بيانٍ أو إظهار حجة له، وهذا مقتضى العدل، فالله جل وعلا يقول في كتابه العظيم: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] ، فإن الله جل وعلا لا يعذب أحداً في الدنيا والآخرة حتى يأتيه الرسول، والمراد بالرسول هو البلاغ، أن يبلغه كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يخضع لأمر الله عز وجل أقام الله جل وعلا عليه الحد، ثم يأتي بعد ذلك ما فرضه الله عز وجل على الإنسان الخارج عن دين الله سبحانه وتعالى أو الكافر الأصلي بالعقوبة وهي الخلود في نار جهنم أبداً.

    ولهذا قد جعل النبي عليه الصلاة والسلام الناس على حالين: إما مؤمن، وإما كافر، فدخل في حال المؤمنين المنافقون، ودخل في حال الكفار جميع من خرج عن دين الإسلام من أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومشركي العرب وغيرهم من الزنادقة والملحدين، فحمى الله جل وعلا دينه بأن جعل الناس إلى فريقين وصنفين لا ثالث لهما: مؤمنين وكافرين.

    1.   

    الحكمة من تشريع حد الردة

    حماية الدين من التشكيك فيه واتهامه بالبطلان

    ولما كان الدين هو أصل هذه الضروريات وأصل هذه الكليات، وجب حمايته وصونه بتطبيق شرع الله سبحانه وتعالى على الخارج عنه، وكذلك على من تنقص قدره أو انزوى ودخل تحت لوائه ولكنه قد أثار البلابل والقلاقل في الإسلام، وأثار الفتنة والوقيعة في أركان الإسلام وفروعه، وأراد بذلك أن يشكك بدين الإسلام، وأن يتنقص من مبلغ الوحي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    ونجد أيضاً أن من مقتضى العقل ومقتضى النقل أن الإنسان إذا انتكس عن ملة ورجع إلى ملة أخرى أنه يُفرح به عند من قدم إليه ويُرفع بذلك، ويتخذ ذلك علامةً على صدق تلك الدعاوى التي يأتي بها أرباب الملل والنحل التي يدعون إليها، سواءً كان ذلك من أصول الديانات أو كان ذلك من فروع المذاهب في الإسلام أو في غيرها، وكل مذهب وعقيدة هي تتكئ على هذا، ولهذا شدد الشارع في أمر الردة وبين حال المرتد بأنواعه، سواءً كان ذكراً أو أنثى، سواءً كان ردته ردةً مغلظة أو كانت ردةً مجردة، وبين الله جل وعلا خطر ذلك، وكل ذلك قد نص الشارع عليه في كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد روى البخاري من حديث أنس بن مالك ، قال: (كان رجل من بني النجار كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ البقرة وآل عمران ثم لحق بأهل الكتاب، فرفعوه وقالوا: هذا كان يكتب لمحمد بن عبد الله، قال: ثم بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصم الله عز وجل ظهره)، إلى آخر الخبر.

    وفيه: أنه لما لحق بأهل الكتاب رفعوه وقالوا: هذا كان يكتب لمحمد بن عبد الله، يريدون بذلك تقليلاً من شأن دعوة الحق، وأن المقربين منها قد انتكصوا عن دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ورغبوا فيما هو دونها، فإذا كان هذا في المقربين والملاصقين لدعوة الحق وهم كتاب الوحي، فإن هذا لمن كان دونهم في المراتب من باب أولى، وقد بين الله جل وعلا أن من أعظم مطامع أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يردوا الأمة عن دينها، وأن ذلك أغلى أمانيهم، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا [البقرة:109] ، والعلة في ذلك: حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ [البقرة:109] ، بين الله جل وعلا أن منية أهل الكتاب أن يرتد أهل الإيمان عن دينهم، وذلك حسداً من عند أنفسهم لما وهب الله عز وجل هذه الأمة من جملة فضائل يجدونها بينهم، فقد كانوا لا يقيمون لأمر الله عز وجل وحكمه وزناً، ولكلامه سبحانه وتعالى قدراً فحرفوا كلام الله عز وجل وطمسوه الذي يشهد بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فتجرءوا على كلام الله عز وجل حتى يثبتوا أنه لا حظ لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بنبوة ولا رسالة ولا بقدر، فقاتلوه عليه الصلاة والسلام رغبة بمتاع الدنيا وحظوتها.

    وبين الله جل وعلا أن أهل الكتاب يقاتلون أهل الإيمان، قال الله جل وعلا مبيناً أن أهل الكتاب يقاتلون أهل الإيمان حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] ، وقول الله جل وعلا هنا: (إِنِ اسْتَطَاعُوا) أي: أن هذا الأمر ليس بأيديهم وأن ثمة جملةً من أهل الإيمان الذين يقاتلون عن دين الله عز وجل ويحمون البيضة، وأن أمر الله سبحانه وتعالى قائم ظاهر إلى قيام الساعة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح الإمام مسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، يقاتلون في سبيل الله إلى قيام الساعة ) ، فقوله عليه الصلاة والسلام: ظاهرين، ويقاتلون في سبيل الله، يعني: يقاتلون من حاربهم في دين الله عز وجل وأراد أن يردهم عن أمر الله سبحانه وتعالى.

    ونجد أن الله جل وعلا قد جعل هذا القدر العظيم لحال الردة، وسماها الله عز وجل بذلك في قوله سبحانه وتعالى: (( يَرُدُّونَكُمْ ))، وفي قوله جل وعلا: (( يَرُدُّوكُمْ ))، وفي قوله جل وعلا: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217] ، فهذا دليل على أن حكم الردة في الإسلام بهذا المقام العظيم، ولهذا قد أجمع علماء الأمة على أن من ارتد عن دين الإسلام أن حده القتل على خلاف عند العلماء في فروع ذلك كما يأتي بيانه.

    حماية الدين من النفاق والعبث

    وحد الردة قد جعل الله عز وجل به حماية الدين ورفعةً لشريعة الإسلام، ودفعاً لرغبة المتربصين الذين ربما دخلوا في الإسلام نفاقاً وهوى، ومن غير تدين واعتقاد، فأخذوا يدخلون ويخرجون ويذهبون ويجيئون في حمى الإسلام، فمنع الله سبحانه وتعالى من ذلك كله وبين خطر ذلك، وهذه الشعيرة والشريعة العظيمة هي موجودة حتى عند أنبياء الله عز وجل كموسى وعيسى عليهما والسلام، فقد جعل الله عز وجل من شريعتهم أن من خرج عن ملة الله عز وجل بعد أن ظهرت له أن أمره إلى وبال وخسار، وحده في الدنيا أنه يقتل، ولهذا قال بعض العلماء: إن النبي عليه الصلاة والسلام قد عمم في قوله في حديث عبد الله بن عباس : ( من بدل دينه فاقتلوه ) ، وقال الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] ، والدين المراد به هنا ما أنزله الله عز وجل على سائر أنبيائه كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، قالوا: فإذا خرج رجل من ملة موسى إلى ملة عيسى يجب قتله ولو لم يدخل الإسلام.

    ولكن يقال: إن في مثل هذا الإطلاق نظراً، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد بين أن الملل كلها ملةُ واحدة، وهي الكفر والخروج عن الإسلام، وإن كان الله عز وجل يسمي ما عليه أهل الكتاب بالإسلام، وهو الاستسلام والانقياد لله سبحانه وتعالى له بالطاعة جل وعلا، ولكن بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم انحصر الإسلام في دين محمد صلى الله عليه وسلم من وجوه:

    أولها: أنه لا يوجد دين تام إلا وقد ورده التحريف، وعليه فالتدين بشيء من ذلك تدين بغير ما شرع الله جل وعلا.

    الأمر الثاني: أن الله سبحانه وتعالى قد بين أنه أرسل نبيه إلى الناس كافة: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28] ، فالله جل وعلا قد أرسل نبيه عليه الصلاة والسلام كافةً للناس ينذرهم ويبشرهم، وأوجب الله سبحانه وتعالى السيف على كل من نكص عن دين الله عز وجل على حد سواء، ولم يفرق النبي عليه الصلاة والسلام بين أهل الكتاب من اليهود والنصارى وبين مشركي العرب وبين الملحدين والزنادقة، ولهذا لما خرج من خرج عن دين كسرى ممن ارتد ولحق بالزنادقة قام بهرام وهو والد كسرى، بقتل من ارتد عن دينه كما يذكر المؤرخون.

    1.   

    معنى الزندقة ومنشؤها

    ومعلوم أن الزندقة هي كلمة فارسية وليست بعربية، ولهذا أهل العربية يقولون: لا يوجد في كلام العرب كلمة: زنديق وإنما أصلها فارسي، ولهذا يقولون: هي مختصرة أو مدموجة من أصل كلمتين، وهما: زند: وهي الحياة، ويق: والمراد بذلك العمل، وقيل: المراد بذلك الدهر، قالوا: دوام الدهر ودوام الحياة، وأصل من ابتدع هذه الملة هو ديصان من قوم فارس وتبعه على ذلك مزدك من قوم بهرام، وعقيدتهم في ذلك: أنهم قالوا: إن الله عز وجل خلق النور والظلمة فاندمجتا، فما كان من الشر فهو من الظلمة وما كان من الخير فهو من النور.

    ولعل لهذا الأمر الذي يذكره المؤرخون أصلاً، فإنه وجد في كلام العرب من الصدر الأول ما يشهد له، ولهذا يقول المتنبي :

    وكم لظلام الليل عندك من يد يخبر أن المانوية تكذب

    والمانوية: هم أتباع ديصان ، و ديصان تبعه على ذلك جماعة كـمانوي وكذلك مزدك ، وقد دعا بهرام والد كسرى من انتحل هذه النحلة حتى دخل في حماه فقتلهم عن بكرة أبيهم، وأراد بذلك أنه قتل من ارتد.

    وأخذ العرب هذا المصطلح لما وصل إليهم على من نافق في دين الله عز وجل وسلك هذا المسلك، بأنه سلك هذا الأمر، ولهذا اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في حد الزنديق وتعريفه على أمور كثيرة، وهذا أصله، منهم من قال: هو المنافق، ومنهم من قال: من ثبت كفره على أي حال كان، ومنهم من قال: من كان على الإلحاد ولم يتدين بشيء من أنواع الديانات، قالوا: يسمى زنديقاً، ومنهم من قال: إن من كان فيه نوع نفاق فإنه يسمى: زنديقاً، ولو لم يكن يخرج من الملة، ولكن اشتهر في اصطلاح العلماء إطلاق الزنديق على المنافق، وقد نص على هذا جماعة من العلماء عليهم رحمة الله كالإمام الشافعي في كتابه الأم: أن المراد بذلك المنافقين.

    وعلى كل فإن هذا يدل على أن الردة حد معلوم، وأريد به صيانة العقائد والمذاهب والأفكار عند سائر أرباب الملل، فإنه لو أذن لكل أحد أن يلج ويخرج متى شاء فإن في هذا ضرباً من ضروب التقليل والاستهانة بتلك الشريعة التي جاء إليها، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان ذلك جملة من النصوص يأتي بيانها بإذن الله.

    وقد جعل العلماء عليهم رحمة الله تعالى لهذا الباب قدراً عظيماً في مصنفاتهم، سواءً في أبواب الاعتقاد أو في أبواب الفقه أو في غيرها من مسائل الدين كمسائل الآداب والسلوك وغيرها، فإنهم أفردوا لذلك باباً مستقلاً خارجاً عن أبواب الحدود، فإنهم يذكرون في أبواب الحدود حد السرقة، ويذكرون حد الزنا وحد القتل وغير ذلك من الأحكام، ولا يذكرون حد الردة، وإنما يضعونه في باب مستقل وهو أحكام المرتدين، أو استتابة المرتدين، ويأتي الكلام -بإذن الله عز وجل- عن مسألة حكم المرتد، وكذلك حكم المرتدة، والاستتابة وأنواع الردة بإذن الله عز وجل.

    1.   

    واجب الحكام والعلماء في حماية الدين

    وإذا علم أن هذه الردة بهذا المقام علم أهمية حماية الدين على من ولاه الله عز وجل الأمر، وهم على صنفين: علماء وحكام، علماء يذودون عن دين الله عز وجل ببيان شريعة الله سبحانه وتعالى، وبيان الأدلة والرد على أرباب الزيغ والنفاق الذين يثيرون الشبهات، فإن الشبهات تبدأ صغيرة ثم تضخم في آذان الناس ويعظمها إبليس حتى تتكون منها عقائد وأفكار.

    ولهذا من نظر في كتب المذاهب والملل والنحل، وجد من المذاهب الآلاف، ومن التيارات والأفكار ما يزيد على ذلك قد اندثرت واندثر أصحابها الذين قاتلوا في سبيلها وقتلوا وبذلوا في ذلك الغالي والنفيس مما يدل على أنهم قاتلوا عقيدةً، وأن القتال عقيدةً لا يعني أن الإنسان على حق وصواب، بل إنه ينبغي على أرباب العلم والديانة وعلى ولاة الأمر والسلطان أن يقيموا أمر الله عز وجل بنوعيه: أن يبينوا النصوص وأن ينشروا العلم، وكذلك يقيموا الحدود في الناس إذا ظهر من ارتد ممن ينتسب للإسلام، ولهذا من نظر إلى البدع منذ أن ظهرت في أواخر عصر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجد أن المبتدعة لم يظهروا البدعة كعقائد وأفكار إلا بعد أن ضعف ولاة أمور المسلمين عن إقامة الحدود.

    ونحن نجد بشراً المريسي ، وهو الذي قال بالحلول ويتدين بذلك، وهو يرى أن الله عز وجل في كل مكان حال فيه، حتى أنه من تدينه به كان إذا سجد يقول: سبحان ربي الأسفل! لم يظهر معتقده ذلك في عصر الرشيد وكان يتدين بذلك، ولما جاء المأمون أظهر عقيدته وتبعه على ذلك من جهال الناس من تبعه على هذا المعتقد الفاسد فحدثت الفتنة، ولكن لما أقام الله عز وجل في عصر الرشيد السلطان وأقام حدود الله سبحانه وتعالى حمى الله عز وجل الدين من أمرين:

    الأمر الأول: أن بقيت العقائد والأفكار في نفوس أصحابها فلم تنشأ، فبقي المنافقون يظهرون وفاقاً ويضمرون نفاقاً خوفاً من سطوة السلطان وقوة أهل العلم، ولهذا العلماء عليهم رحمة الله تعالى يشددون في أمر الردة، وخاصةً فيما يتعلق بأمر الله جل وعلا، ولهذا قد ذكر القاضي في كتابه الشفا عن أصبغ وهو من أئمة المالكية، وكذلك عن ابن حبيب: أن رجلاً يدعى: ابن أخي عجب ، لما أمطرت السماء في قرطبة قال: بدأ الخراز يرش جلده، فأتي به ورفع إلى أمر القضاء، وكان القاضي حينذاك من أئمة المالكية وهو موسى بن زياد ، واتفق جملة من الفقهاء على أن أمثال هذا الكلام لا يقتل به وإنما يؤدب لأنه له... ، وذهب إلى هذا جملة من الفقهاء كـعبد الأعلى وكـأبي زيد وابن عيسى، ولكن انتدب أصبغ وابن حبيب من المالكية فقالوا: هذا رجل يسب رباً عبدناه، وما انتصرنا له، والله ليقتلن، فقام في الناس ابن حبيب وبكى ثم رفع أمر ذلك إلى السلطان، وكان هو حينذاك عبد الرحمن بن الحكم ، وكان هذا الرجل الذي تكلم عمته زوجة عبد الرحمن بن الحكم وكان قريباً من السلطان.

    دخل ابن حبيب على السلطان وبين له أمره، ولم تنفعه عمته وهي زوجة السلطان، فأمر بقتله على قول ابن حبيب وأمر بعزل موسى بن زياد لأنه حابى الرجل لأجل زوجته، وهذا يفيد بأمرين:

    الأمر الأول: أن السلطان قد يجهل جملةً من أحكام الدين ويجب في ذلك البيان.

    الأمر الآخر: أن الله جل وعلا قد جعل في يد السلطان ما لا يكون في يد العالم، فالعالم يبين والسلطان يقيم.

    وإذا نظرنا إلى الصدر الأول بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نجد أن ولاة أمور المسلمين هم علماء وسلاطين، ولهذا جاءت النصوص بإطلاق ولاة أمر المسلمين وطاعتهم، باعتبار أن الأصل فيهم اكتمال أهلية العلم مع ولاية أمر المسلمين، ولكن لما تقادم العهد انفصل العلم عن السلطان، فتولى كثيراً من ولايات أمور المسلمين من يجهل أمور الدين، وبقيت كلمة الأمر بطاعة ولاة أمور المسلمين يتنازعها العلماء والأمراء، فأصبح كثير من العامة يستشكل هذا الأمر، وغلب في أكثر العصور إطلاق هذه النصوص على السلاطين وفي هذا الإطلاق نظر، فإن الطاعة المطلقة تجب للعالم الآمر بأمر الله سبحانه وتعالى إذا تحقق فيه وصف السلطان، وإذا لم يتحقق معه وصف السلطان والأمر والنهي، فإنه ينصرف إليه أولى من السلطان الذي لا يفقه من دين الله عز وجل شيئاً.

    ومن احتج بجملة من النصوص المطلقة العامة، فيقال: إن الأصل في ولي الأمر أن يكون عالماً بشريعة الله، أو يكون لديه من العلماء من يقيم له أمر الله سبحانه وتعالى ونصوصه، وأن يعلمه مواضع الأحكام والحدود ويبين له التشريع، فإذا كان كذلك فإنه من أهل العلم حكماً، ويدخل في عداد المقلدين ممن ينتسب إلى العلم وهم كثير، ولهذا يتجاوز بعض العلماء ويطلق عليهم لفظ علماء، ومن هذا الأمر أنه قد يوجد من الفقهاء من يهون من بعض الأحكام الشرعية باعتبار أنها لهو ولعب وما قصد ذلك، ويجب على العلماء العارفين بأمر الله أن يبينوا الأمر، وأنه إذا توسع هذا الأمر قلل من شأن شريعة الله جل وعلا وأمره، وخرج عن دين الله سبحانه وتعالى بتسويغات ليست بظاهرة.

    1.   

    سبب وقوع الردة

    الردة لا يمكن أن تقع من الإنسان إلا وقد نزع العلم منه والإيمان، ولهذا يقول العلماء: إن الإنسان قد يرتد ولديه قرآن إذا لم يكن لديه علم وإيمان، وإذا كان لديه علم وإيمان فإنه لا يكاد يرتد عن دين الله جل وعلا، قالوا: ومقتضى العلم العمل، فإذا وجد في الإنسان علم وعمل وإيمان فإنه لا يكاد ينتكس عن دين الله سبحانه وتعالى، وإن وجد لديه قرآن ولم يكن لديه علم ولا إيمان -والمراد بالإيمان هنا: قوة العقيدة واليقين- فإنه ينتكس وقد انتكس على هذا كثير، وإلى هذا أشار أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى في قوله: قرأ البقرة وآل عمران، ولهذا بعض كتاب الوحي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طرأ عليه الردة كـعبد الله بن أبي السرح وغيره، وحكم النبي عليه الصلاة والسلام بردتهم وقتلهم أينما وجدوا.

    1.   

    تعريف المرتد وعقوبته في الدنيا والآخرة

    ومن الأمور المهمة التي ينبغي تصديرها في هذا الكلام أن العلماء قد أطبقوا على أن المراد بالمرتد: أنه من رجع عن الإسلام إلى غيره، سواءً كان نشأ على الإسلام ثم خرج منه، أو كان في ملة غير الإسلام ثم دخل الإسلام ثم ذهب إلى ملته الأولى فيسمى مرتداً على الحالين، وذلك لظاهر النصوص التي تقدمت من كلام الله جل وعلا، وكذلك من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنورد -بإذن الله عز وجل- جملةً من النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينين حكم المرتد، وكذلك من تعلق بجملة من الشبهات في تنقيص حكم الردة أو تعليل جملة من الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب.

    1.   

    خطر الردة ومطامع المشركين في أمة الإسلام

    ومن نظر إلى كلام الله جل وعلا وجد أن الله سبحانه وتعالى قد بين خطر الردة ومطامع المشركين من أهل الكتاب وغيرهم في أمة الإسلام، وأنهم يفرحون بذلك، وأنهم يبثون الشبهات في أهل الإيمان، بل يقاتلون أهل الإيمان حتى يردوهم عن دينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

    ولا نجد في كلام الله جل وعلا أمراً معيناً وقضاءً بيناً كحال المرتد في الدنيا مع ظهوره في أمر الآخرة، فالله جل وعلا يحبط عمله في الدنيا وهو في الآخرة من الخالدين في النار، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217] ، وهذا بإجماع العلماء ولا خلاف فيه عندهم، وقد اتفقوا وأجمعوا على هذا الأمر، وأجمعوا على أن من ارتد عن دين الله جل وعلا أنه حبط عمله، على خلاف عند العلماء في حبوط العمل: هل يحبط عمل المرتد بمجرد ردته، أم يحبط عمله إذا مات على الردة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين.

    وهذه المسألة لها جملة فروع، منها: إذا ارتد الإنسان ثم رجع إلى الإسلام، وكان حج قبل حال إسلامه الأول، هل حجه ذلك صحيح أم لا؟ اختلف العلماء في هذا الأمر.

    والأدلة في كلام الله عز وجل بين مطلق ومقيد، منها ما هو مطلق من غير بيان حد أمر معين: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5] ، وجاء منها ما هو مقيد في قوله جل وعلا: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217] ، فقيد الأمر بالموت على الكفر، ذهب إلى هذا المعنى بعض العلماء الذين قالوا: إن هذا الأمر مقيد بالموت على الكفر، ونص على هذا الإمام الشافعي عليه رحمة الله، ومنهم من قال: إن هذا الأمر يبقى على إطلاقه، ومن نص على ذلك هو الإمام مالك عليه رحمة الله، ومن ثمرة ذلك، قالوا: إذا أسلم الإنسان ثم ارتد ثم أسلم وكان حج في إسلامه الأول، على مذهب الإمام مالك عليه رحمة الله بإطلاق الأخذ بالمطلق من غير النظر إلى المقيد في كلام الله عز وجل، فإنه يرى أنه يجب عليه أن يحج مرةً أخرى، والصواب في ذلك أن حجه صحيح إذا فعل ذلك مخلصاً، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي أشرك مع الله عز وجل غيره وفعل شيئاً من الأعمال وهو متعبد لله عز وجل، مع ذلك قال عليه الصلاة والسلام: ( أسلمت على ما أسلفت من خير ).

    1.   

    التوبة من الردة

    والردة قد تقع من الإنسان مرات من حيث لا يشعر، ولكنه إذا وقع منه ردة وآب ورجع وازداد إيماناً كان أقرب إلى الله عز وجل، وإذا تهاون في ذلك فإن هذا يجره إلى زيادة في الكفر والزندقة والبعد عن الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [النساء:137] ، أي: في المرحلة الثالثة يزداد الكافر كفراً؛ لأن كفر الراجع أشد من كفره قبل ذلك وهذا مشاهد، أن من رجع عن دين الحق بعد أن كان على باطل قبل إتيانه للحق، أنه يأتي بالباطل والمنكر من القول أكثر مما كان عليه، ولهذا صد الشارع أمر المرتد أعظم من صد الكافر الأصلي؛ لأنه أعظم خطراً على دين الإسلام من الكفار الأصليين، لزيادته في الكفر والعناد، والأصل في ذلك: أن الردة تكون مغلظة، على خلاف عند العلماء عليهم رحمة الله تعالى في جملة من فروع هذا الكلام، ويأتي بيانه بإذن الله.

    1.   

    الأدلة الواردة في بيان حكم المرتد

    وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة من الأخبار في بيان حال المرتد، من ارتد عن دين الله جل وعلا، منها: ما رواه البخاري في كتابه الصحيح من حديث أيوب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من بدل دينه فاقتلوه ) ، قد رواه البخاري من هذا الوجه، ورواه عن عكرمة جماعة عن عبد الله بن عباس ، وقد رواه النسائي من حديث أنس عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه النسائي مرسلاً من حديث الحسن مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه مالك في كتابه الموطأ من حديث زيد بن أسلم مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث قد جاء من طرق عدة عن عكرمة عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً.

    هذا الحديث هو من أشهر الأحاديث في حكم المرتد، وقد طعن فيه بعض المنتسبين للإسلام من المعاصرين، وقالوا: إن هذا الحديث يرويه عكرمة مولى عبد الله بن عباس ، وهو متهم بالكذب والخطأ، ولذلك قالوا: فإنه قد ذكر ابن قتيبة في كتابه المعارف عن جرير عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث : أنه دخل على علي بن عبد الله بن عباس و عكرمة موثق، يعني: مربوط، فقال له: لم؟ قال: كان يكذب على أبي، وهذه الحكاية لا تساوي ذكرها لولا أن بعض عديمي المعرفة قد أوردها؛ وذلك أنها منكرة، فإنه قد تفرد بها يزيد بن أبي زياد ولا يحتج بحديثه.

    وكذلك يستدلون بما رواه عبد الله بن عيسى عن يحيى البكاء عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى أنه قال لمولاه نافع : لا تكذب علي كما كان يكذب عكرمة على عبد الله بن عباس ، وهذا قد تفرد به يحيى البكاء وهو متروك، ولهذا ما أجمل ما قاله ابن حبان عليه رحمة الله تعالى، قال: كيف؟! ومن المحال أن يطعن بعدل بكلام مجروح؛ وذلك أن عكرمة مولى عبد الله بن عباس ، وهو مولى القرشيين وأصله من البربر من المغرب، وهو عالم فقيه قد شهد بفقهه جماعة من معاصريه من رواد الفقه، كـسعيد بن جبير عالم الحجاز، فإنه قال لما سئل: هل رأيت من هو أعلم منك؟ قال: نعم، عكرمة مولى عبد الله بن عباس ، وكذلك قد روى إسماعيل بن أبي خالد عن عامر بن شراحيل الشعبي أنه قال في عكرمة مولى عبد الله بن عباس : ما بقي أحد أعلم بكلام الله من عكرمة مولى عبد الله بن عباس ، ولهذا قد روى عنه جماعة من كبراء السلف من التابعين وغيرهم، قد روى عنه إبراهيم النخعي و عامر بن شراحيل الشعبي وروى عنه أيوب و قتادة والحسن وجماعة يربون على مائة نفس من ثقات وأجلة التابعين، وهذا يدل على قدره، وكذلك قد روى عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كـعبد الله بن عباس و جابر بن عبد الله و أنس بن مالك وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا قد سئل الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى وهو من أعلم الناس بحال أهل المدينة، كما جاء في رواية إسحاق بن عيسى، قال: سألت مالك بن أنس عليه رحمة الله: أبلغك أن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى قال لمولاه نافع: لا تكذب علي كما كان عكرمة يكذب على عبد الله بن عباس ؟ قال: ما بلغني ذلك، ولكن هذا قاله ابن المسيب لمولاه.

    وهذا يدل على ثقة وجلالة هذا الإمام الفقيه العالم العارف بالأحكام، صاحب الدراية والمعرفة في كثير من أقضية النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه لم يتفرد بهذا الحديث، فإنه قد روي من غير هذا الوجه كما تقدم بيانه، وكذلك قد جاء هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير هذا الوجه، كما جاء في البخاري و مسلم من حديث أبي بردة عن أبي موسى : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث معاذاً و أبا موسى إلى اليمن، وقال: يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا ) ، ثم كان معاذ يأتي إلى أبي موسى في بلده، ومعلوم أن اليمن قد قسمها النبي عليه الصلاة والسلام إلى قسمين: قسم يقضي ويقيم فيه معاذ ، وقسم يقضي ويقيم فيه أبو موسى ، فذهب معاذ إلى أبي موسى فوجد رجلاً موثقاً مربوطة يده في عنقه وهو راكب فقال: ما هذا؟ فقال أبو موسى : رجل يهودي ترك إسلامه، فقال: والله لا أنزل حتى يقتل قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو موسى : ما أتي به إلا لهذا، فقال معاذ عليه رضوان الله تعالى: والله ما أنزل حتى يقتل، قال: فقتل قبل أن ينزل عليه رضوان الله تعالى.

    وهذا الخبر فيه دليل على أن هذا قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء بعث البعوث، وبقي هذا الأمر إلى أن اختار الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام إليه، وبقي على هذا العمل، وقد جاء في هذا المعنى جملة من النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها: ما رواه البخاري من حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) ، وجاء هذا عن عثمان بن عفان كما جاء في المسند والسنن من حديث ابن سهل عن عثمان بن عفان عليه رضوان الله تعالى، أنه قال: ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا ارتداد بعد إسلام، وزناً بعد إحصان، وقتل النفس بغير حق ).

    وقد جاء أيضاً هذا الخبر من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: كفر بعد إيمان، وجاء هذا المعنى في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى وحديث جابر وهو في الصحيح: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ) ، ولهذا أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجوب قتل المرتد، ولم يختلف القول في هذا عند أحد من العلماء على مر العصور، وقد أجمع العلماء على ذلك.

    وحكى إجماع العلماء على هذا سائر أئمة الإسلام ممن يعتني بأمور الخلاف، كـابن قدامة و النووي والإمام الخطابي و ابن المنذر و البغوي في كتابه شرح السنة، والإمام الترمذي عليه رحمة الله حينما عقب على حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، حيث قال: وعلى هذا العمل عند أهل العلم، وقال بنحو هذا القول البغوي عليه رحمة الله تعالى في تعقيبه على هذا الخبر أيضاً في كتابه شرح السنة، وعقب على هذا أيضاً ابن عبد البر عليه رحمة الله تعالى في كتابه الاستذكار، قال: وحكم المرتد أن تضرب عنقه، وهذا أمر مجتمع عليه عند الأمة، وهو أمر لم يختلف عليه أحد من أهل الإسلام، وقد أطبق العلماء عليهم رحمة الله تعالى على قتال المرتد.

    1.   

    الأمور التي تقع بصاحبها في الردة والكفر

    ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد من ارتد من العرب، ولهذا ذكر ابن إسحاق في كتابه السيرة، قال: ارتد جميع العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة ومسجد مكة ومسجد عبد القيس وهم قوم من بني عبد قيس بقوا على إسلامهم، وما عدا ذلك فقد ارتدوا، منهم من انسلخ من الإسلام وأبى الانقياد والخضوع له، ومنهم من منع الزكاة وخضع لبقية أركان الإسلام، ومنهم من بقي على حاله وينتظر حال الأمر، النصرة لمن: لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أم للمرتدين؟ وهم المنافقون.

    فلما شرع أبو بكر عليه رضوان الله تعالى في قتال المرتدين، وخضع له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر لهم الدليل البين، قاتلهم جميعاً على حد سواء لأنهم في حكم الردة، وقد نص على أن جميع هذه الطوائف مرتدون غير واحد من العلماء، جاء في ذلك رواية عن الإمام أحمد وعن القاضي أبي يعلى وعن الجصاص من الحنفية في كتابه أحكام القرآن، وعن القاضي عياض و أبي بكر بن العربي وغيرهم، وما زال الإجماع على ذلك.

    بل إنهم يرون أن حد الردة أعظم وألزم الحدود على الإطلاق، ويرون أن من ظهر منه ردة ولو كان ينتسب إلى الإسلام من جهة الأصل أنه يحد بالسيف، ولهذا يقول أبو بكر بن العربي في غلاة الشيعة، قال: ذاك كفر بارد، لا يصلح له إلا حرارة السيف، وأما دفء المناظرة فلا ينفع معه بشيء، وفي هذا إشارة إلى أن من ظهرت ردته ولو بشيء من أصول الإسلام مع إيمانه ببقية الأصول أن هذا موجب لقتله، ولو كان يؤمن ببعض شرائع الإسلام.

    وما يشكل على كثير من العامة وحملة الأقلام في وقتنا: أن الإنسان لا يمكن أن يتحقق فيه الكفر ولو نطق بالكفر حتى تنتزع منه جميع شعب الإيمان، فهذا من الوهم والغلط، بل إن الإنسان لو بقيت فيه سائر شعب الإيمان وانتزعت منه شعبة وجاء محلها شعبة من شعب الكفر كفر وهذا ظاهر، ولكن من جهة الإيمان لا يتحقق فيه كمال الإيمان حتى يأتي بشعب الإيمان كلها، أما الكفر فتكفي شعبة واحدة لأن يدخل دائرة الكفر، ولهذا كثير من الناس ينظرون إلى أفعال الناس ولا ينظرون إلى أقوالهم.

    وقد أثبت الله جل وعلا أن الكفر يقع في الأقوال والأفعال والاعتقاد والشك، فهذه كلها يقع فيها الكفر.

    في الأفعال: إذا ظهر منه شيء من أعمال الردة كمقاتلة المسلمين وموالاة أعداء الله عز وجل أو السجود للأصنام وغير ذلك، فهذه ردة ظاهرة يقتل عليها، وبالترك: بترك شيء من شعائر الإسلام الظاهرة، كالرجل الذي ترك المسلمين وانحاز إلى المشركين وصف في صفهم في مقاتلة أهل الإسلام، وكمن ترك الزكاة من أهل المنعة فصاروا طائفةً ممتنعة فإنهم يقاتلون على ذلك.

    وبالاعتقاد: ولهذا قال العلماء: لو نوى الإنسان الكفر كفر، بل قال بعض العلماء: لو نوى الكفر بعد حين كفر، كأن يقول الإنسان: إني بعد شهر سأكفر، فهذا كفر وخروج عن ملة الإسلام، قد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء، أنه خارج من ملة الإسلام يجب أن يقتل، كذلك إذا وقع في نفس الإنسان شك، والشك: هو أن يستوي لدى الإنسان الأمران، بخلاف الخواطر وما يرد على الإنسان من وساوس الشيطان، فذاك صريح الإيمان كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة وغيره.

    فإذا كان الأمر كذلك عُلم فساد ما يعتقده بعض العامة من أن من تكلم بالكفر وكان يصلي أن هذا يشفع له عن عدم ورود النفاق عليه، ولهذا لما قال المنافقون كلمة الكفر وحاولوا التملص منها، ماذا قالوا؟ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا [التوبة:74] ، يعني: ذلك، وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا [التوبة:74] : وهذا التحقيق: قالوا كلمة الكفر وكفروا، مما يدل على أنهم ما عذروا بذلك، وهذا حكم من الله عز وجل وحكاية حال، حكاية الحال أنهم تكلموا كلمة الكفر، وحكم من الله عز وجل أنهم كفروا بذلك، قال بعض العلماء: في هذا إشارة إلى أن من ظهر منه شيء من أمور الكفر أنه يطلق عليه اسم الكفر مع عدم إنزاله حتى تنتفي الأعذار، فإذا توفرت الشروط وانتفت الموانع ألحق بحكم المرتدين.

    وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء في البخاري : أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقتل عبد العزى بن خطل وكان من المرتدين، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكة أطلق إهدار دم جملة من المرتدين كـعبد العزى بن خطل و عبد الله بن أبي السرح و عكرمة بن أبي جهل في حينه، وكذلك قينتان عند عبد العزى كانتا تغنيان وتسبان النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك سارة مولاة بني عبد المطلب، حكم النبي عليه الصلاة والسلام بقتلهم أينما وجدوا.

    ولما دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة وقيل له: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، أمر به النبي عليه الصلاة والسلام فقتل. وقد روى ابن شبة في كتابه أخبار المدينة أن النبي عليه الصلاة والسلام قتله بين زمزم ومقام إبراهيم، وقال: لا يقتل قرشي بعده، يعني: في هذا الموضع، وهذا دليل على تعظيم أمر الردة، ولهذا قال بعض العلماء: إن المرتد إذا كانت ردته مغلظة لا يستتاب بل يقاتل، وحكي الإجماع على هذا.

    1.   

    أقسام الردة

    والعلماء عليهم رحمة الله تعالى يقسمون الردة إلى قسمين:

    القسم الأول: ردة مغلظة، وهذه الردة المغلظة التي يصاحبها حرب ومقاتلة وأذية، والحرب والمقاتلة أن يبارز وينطوي تحت لواء المشركين بمقاتلة أهل الإسلام، والأذية أن يؤذي أهل الإسلام بالتشكيك في دينهم، ويدعو إلى ما هو عليه بالكلام في المحافل أو في وسائل الإعلام ونحو ذلك، فإن هذه ردة مغلظة، يقتل في ذلك ولا يستتاب.

    وأما الردة الثانية: فهي الردة المجردة، وهي إذا ظهر من الإنسان ما يوجب كفره من غير إظهار لهذا، أي: لا يظهر هذا القول، وهذا لا يخل من حالين: إما أن يكون يتدين بملة مستقلة، وإما أن يكون يظهر شيئاً مما يطعن به الناس في كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين وغيرهم، فإذا كان يتدين بدين غير الإسلام فإنه يستتاب، فإذا جيء بشخص أو شهد عليه واحد ونحو ذلك أنه يتدين بدين غير الإسلام ونحو ذلك، ينظر في حاله ويستتاب.

    1.   

    عدم قتل النبي للمنافقين مع ظهور نفاقهم

    أما إذا ظهر منه ما يظهر من المنافقين فإن الأمر راجع في ذلك إلى المصلحة التي يراها ولي أمر المسلمين، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قد امتنع عن قتال جماعة من المنافقين، فلم يقتل النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن أبي مع أنه ظهر أمره له، والعلماء عللوا عدم قتل النبي عليه الصلاة والسلام للمنافقين في عصره بعلل، منهم من قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام لا يحكم بعلمه، وهذا محل إجماع، وقد حكي الإجماع على أن النبي عليه الصلاة والسلام ومثله القاضي لا يحكم بعلمه في حكم القتل، واختلفوا في غيره من الحدود والأقضية، وقد نص على الإجماع في ذلك غير واحد من العلماء: أن القاضي لا يحكم بعلمه في أبواب القتل على خلاف في بقية الحدود.

    وقال بعض العلماء: إن النبي عليه الصلاة والسلام امتنع من قتالهم للتعليل الذي ذكره: ( أتريدون أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؟! ) فامتنع النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك دفعاً لأمر أعظم، وهو أن يرتد الناس يعني: العرب لأنهم حدثاء عهد بكفر، وهذا ظاهر، فينبغي أن ينظر في ذلك أهل العلم والمعرفة وأصحاب السياسة والدراية، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ) ، وأصحابه هم من حوله؛ لأن المنافقين في الظاهر هم داخلون في حكم الإسلام فحوكموا في ذلك، لهذا قال العلماء: يدخل في هذا الحكم من دخل في لواء المشركين وهو ينتسب إلى الإسلام في حال الحرب، قالوا: فلما كان المنافق أدخله الشارع في حكم المؤمنين وهو يبطن النفاق، كذلك المؤمن إذا انزوى تحت المشركين عند محاربة المسلمين للمشركين فحكمه حكمهم وهذا ظاهر.

    وعلل بعض العلماء فقالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام علم أن الله عز وجل قد عصم أصحابه من الوقوع في شبهاتهم، ولما كان بعد النبي عليه الصلاة والسلام وجب قتل أمثالهم.

    وقد نص على هذا غير واحد من العلماء كـالقرطبي عليه رحمة الله تعالى وغيره، قال: إنه يجب قتل من كانت حاله من المنافقين كحال من كان في عصر النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن ذلك سببه زال والحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً.

    وعلى هذا الأمر بقي أئمة المسلمين وخلفاؤهم في قتل المرتدين، فجاء النص بالقتل عن أبي بكر و عمر و عثمان بن عفان و عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى، كما جاء في سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى أنه قال: ليس بيني وبين أحد من العرب حنة، يعني: بغضاء، وإني مررت بمسجد بني حنيفة فرأيت منهم من تبع مسيلمة وآمن به، فأمر بهم فجيء بهم فاستتابهم إلا ابن النواحة ، فقال له عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى: أما إن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال لك: لولا أنك رسول لقتلتك، وإنك اليوم لست برسول فقتله ولم يستتبه.

    وذلك أن مسيلمة قد بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله، ومنهم هذا ابن النواحة ، وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ومعه رسالة مسيلمة فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا، أشهد أن مسيلمة رسول الله، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: لولا أن الرسل لا تقتل وإلا لقتلتك، قالوا: فاستدل بهذا عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى أن هذا إبلاغ من النبي عليه الصلاة والسلام له واستتابة، فقتله من غير استتابة.

    ولهذا اختلف العلماء عليهم رحمة الله في حكم استتابة المرتد على أقوال يأتي بيانها بإذن الله.

    بقي على هذا الأمر علماء الإسلام، وكذلك حكامهم في قتل المرتدين، فقد قتل عبد الملك بن مروان : معبداً الجهني ، وقتل كذلك الحارث الكذاب المفتري على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل خالد بن عبد الله القسري الجعد بن درهم ، وقتل أسلم الجهم بن صفوان لما أظهروا ما يوجب قتلهم من إنكار صفات الله عز وجل على سبيل الإجمال، ونفي علو الله جل وعلا على الإطلاق، وإطلاق الكلام المتضمن تنقيصاً لذات الله سبحانه وتعالى.

    وأجمع العلماء على أن من سب الله عز وجل أو استهزأ بذاته أو بكلامه أو بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دمه هدر إذا كان من أهل الإسلام، واختلفوا إذا فعله أحد من أهل الذمة.

    وأجمع العلماء على أن الرجل إذا كان من أهل الإسلام أو المرأة، وفعل شيئاً من ذلك أن دمه هدر، وحده في ذلك القتل، وقد جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صح عنه من حديث عكرمة عن عبد الله بن عباس : ( أن رجلاً كانت عنده أم ولد، وكانت تقع في النبي عليه الصلاة والسلام وكان رجلاً أعمى، فجاء بمغول فوضعه على صدرها وتحامل بجسده عليه حتى قتلها، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام النبي عليه الصلاة والسلام في الناس، قال: أشهدكم أن دمها هدر ) ، واستدل العلماء بذلك على أن حكم المرأة في الردة كحكم الرجل وأنه لا فرق بينهما، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ألا إن دمها هدر).

    والأمر الآخر أن الشريعة في ذلك عامة، ولا دليل على التخصيص إلا فيما دل عليه الدليل، وقد أهدر النبي عليه الصلاة والسلام دم بعض النساء كحال القينات لـعبد العزى بن خطل وكـسارة مولاة بني المطلب، وهي التي قبض عليها ومعها خطاب مكتوب من حاطب عليه رضوان الله تعالى، وقد أهدر النبي عليه الصلاة والسلام دمها فيمن أهدر بعد حينما جاء النبي عليه الصلاة والسلام فاتحاً لمكة، وبقي على هذا العلماء عليهم رحمة الله تعالى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قاتلوا المرتدين ممن ارتد من العرب، ولم يفرقوا بين الرجال والنساء، فقاتلوا من ادعى النبوة ونكص عن الإسلام كـالأسود العنسي وكذلك مسيلمة و سجاح و طليحة ، قاتلوهم وقتلوهم ومنهم من رجع إلى الإسلام ودخل في حوزته.

    1.   

    كيفية التعامل مع أسرى المرتدين المقاتلين

    واختلف العلماء: إذا قاتل المسلمون المرتدين في حكم رجالهم، هل يؤخذون من السبي أم يقتلون؟ وهل تسبى نساؤهم أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:

    أولاً: ذهب عامة العلماء إلى أن صبيانهم يسبون ولا يقتلون، يعني: الصغار، واختلفوا في النساء، فذهب بعض العلماء إلى أن النساء تسبى، وهذا جاء عن أبي حنيفة ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ، وذهب جماعة من الفقهاء -وهو قول للشافعي والإمام مالك عليه رحمة الله، وجاء عن علي بن أبي طالب ، وهو ظاهر عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر لما قاتل المرتدين- إلى أن النساء تسبى وهذا هو الصواب، ولهذا سبى علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى النساء ممن ارتد، فكان من أبنائه من هو من موالي السبي، فـمحمد بن الحنفية أمه من بني حنيفة من السبي الذين سباهم أبو بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى لما قاتل بني حنيفة وأنجبت محمداً عليه رضوان الله تعالى، ومنهم من قال: إنها تقتل ولا تسبى، وهذا ظاهر مذهب الشافعي والإمام مالك ، ومنهم من قال: إن المرأة تحبس وينظر في أمرها، وهذا مروي أيضاً عن أبي حنيفة عليه رحمة الله.

    1.   

    مصير مال المرتد

    وأما المرتد في ماله فقد أجمع العلماء على أن من ارتد عن دين الله عز وجل أنه يقتل، واختلفوا هل يدخل ماله في حق الورثة؟ اختلفوا في هذه المسألة على قولين:

    منهم من قال: إن المال يقسم بين الورثة، وإن هذا هو الأليق إمعاناً في الحرمان وعدم حرمان أهل الإيمان، وهذا مروي عن أبي حنيفة عليه رحمة الله تعالى، وروي عن الإمام مالك.

    وجاء عن الإمام الشافعي وكذلك الإمام أحمد وجاء عن الإمام مالك أيضاً رواية أنهم لا يتوارثون وإنما هو إلى بيت مال المسلمين، وهذا هو الأظهر لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ) ، وهذا ظاهر في أنهم لا يتوارثون، ولا يفرق في ذلك بين الكافر الأصلي والمرتد.

    ومن فروع هذه المسائل في مسألة الردة: من كان من أهل الإسلام ثم ظهر منه ما يحتمل ردته من غير بيان، فيقال: إن العلماء عليهم رحمة الله تعالى اشترطوا في ذلك أن يؤتى بشاهدين، فإذا أتي بشاهد واحد فإن هذا لا يغني، فإنه لا بد من شاهدين، فإن شهدا عليه أنه قد ارتد فإنه يقتل بردته.

    1.   

    استتابة المرتد

    وأما الاستتابة فهل يستتاب المرتد أم لا؟ فذهب عامة العلماء وحكي إجماعاً، ولكن ذهب بعض العلماء إلى أن هذا إجماع الصحابة، نص عليه ابن القصار من المالكية، وكذلك نقله ابن فرحون عن بعض العلماء أن هذا إجماع العلماء أنهم يستتابون، والمراد بذلك أنه يراجع في دينه على خلاف عند العلماء في قدر الاستتابة، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء في حد الاستتابة في استتابة المرتد، هل يستتاب مرة أو مرتين أو شهراً أو شهرين؟ وإنما جاء في ذلك بعض العمومات التي يفهم منها قدر الاستتابة، منها ما جاء في كلام الله عز وجل في قول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [النساء:137] ، قالوا: في هذا استتابة لهم عدة مرات.

    واختلف من قال بالاستتابة إذا ارتد مرةً أخرى بعد ردته الأولى هل يستتاب أم تكفي الاستتابة الأولى؟ والأظهر أنه يكفي الاستتابة الأولى، وذهب إبراهيم النخعي إلى أنه يستتاب على الإطلاق في كل ردة، وأن هذا حكم من الله عز وجل، ولكن يقال: إطلاقه أن هذا حكم من الله عز وجل، فيه نظر باعتبار أنه لم يثبت في ذلك دليل من كلام الله عز وجل أو من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في السنن من حديث أبي بردة عن أبي موسى : أن أبا موسى استتاب الرجل اليهودي في اليمن عشرين يوماً، وفي هذه الزيادة في هذا الخبر نظر، والخبر في الصحيح وليس فيه هذه الزيادة، وقد رواه النسائي عليه رحمة الله تعالى في كتاب السنن الكبرى من هذا الوجه.

    وقد جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى في ذلك، يعني: الاستتابة، ما رواه الإمام مالك عليه رحمة الله من حديث عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري عن أبيه محمد : أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى جيء به بخبر رجل قد قتله خالد لما ارتد، فقال عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى: هلا حبستموه واستتبتموه وأطعمتموه كل يوم رغيفاً؟ فقال عليه رضوان الله تعالى: اللهم لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني، وهذا الخبر في إسناده انقطاع، فإن محمد بن عبد القاري لم يسمع من عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى شيئاً.

    وقد جاء عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى نحو ذلك، وجاء عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى أيضاً، وروي أيضاً عن عثمان بن عفان ، ولا يصح في ذلك شيء عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما جاء في العمومات، وحكي في ذلك العمل عند العلماء عليهم رحمة الله تعالى، وقد نص على هذا غير واحد من العلماء كالإمام أحمد عليه رحمة الله، وكذلك الشافعي والإمام مالك وكذلك أبو حنيفة عليه رحمة الله قد نص على أن المرتد يستتاب، منهم من قال: ثلاثاً، ومنهم من قال: مرةً واحدة، ولكن يقال: إنه يستتاب ويراجع في ذلك وتظهر له البينة، فإن رجع إلى الإسلام فإنه يحمد له عمله ويرجع له ماله، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما قاتل هوازن ودخلت الإسلام بعد ذلك أعاد إليهم أموالهم تأليفاً لقلوبهم، وكذلك أبو بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى لما قاتل من ارتد من العرب ورجعوا في الإسلام في خلافة عمر أعاد عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى ما بقي من أموالهم وذراريهم، إكراماً لهم وتأليفاً لقلوبهم، فإن صبرهم على الإسلام مع وجود أبنائهم في الرق بين أيدي المسلمين أو أنهم من الموالي يباعون ويشترون في ذلك من تزهيدهم في الإسلام، وكذلك فيه من المداخل الجليلة للشيطان لصدهم عن الإسلام بإيغار صدورهم على أهل الإسلام، فوجب في ذلك تأليف القلوب قدر الإمكان كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل كذلك الخلفاء الراشدون عليهم رضوان الله تعالى.

    1.   

    المكلف بإقامة حد الردة

    ومن جملة المسائل المتعلقة بهذا الباب: أن يعلم أن إقامة حد المرتد إنما هو لمن ولاه الله عز وجل الأمر، وليس هذا لسواد الناس، وإنما هو منوط بأمر السلطان، واختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في بعض أحوال الردة، كحال من سب الله عز وجل وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ثبتت البينة فيه، قال بعض العلماء: إنه يجوز للمجتهد أن يقتله من غير رجوع إلى أمر السلطان، قالوا: وذلك لما صح من حديث عكرمة عن عبد الله بن عباس : ( في الرجل الذي قتل أم ولده لما وقعت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: ألا أشهدكم أن دمها هدر ) ، وروي هذا المعنى عن حفصة في قتل ساحرة من غير الرجوع إلى عثمان ، وجاء نحو هذا المعنى عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى.

    وقيد بعض العلماء هذا في الموالي والعبيد لا في الأحرار، قالوا: وذلك أن الموالي والعبيد تحت يده، ولكن يقال: إن الشارع لم يفرق من حيث إقامة الحدود بين الأحرار والعبيد، فيجب في ذلك إقامة الحدود على حد سواء، والأصل في ذلك دفعاً للمفاسد العارضة أن يقال: إن الأمر منوط بولي الأمر أن يقيمه، ويجب على أهل العلم أن يظهروا الأمر ويبينوه لمن ولاه الله عز وجل الأمر، فإن الله سبحانه وتعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ولهذا الله جل وعلا شرع لنبيه عليه الصلاة والسلام قتال المشركين بعد أن لم ينفعهم الدعوة، فلما رفع النبي عليه الصلاة والسلام السيف وأشهره على رقاب المشركين دخلوا في الإسلام، ولهذا يقول حسان عليه رضوان الله تعالى:

    دعا محمد دهراً بمكة لم يجب وقد لان منه جانب وخطاب

    فلما دعا والسيف صلت بكفه له أسلموا واستسلموا وأنابوا

    وهذا ظاهر في أن الله سبحانه وتعالى حينما هدد المنافقين في كتابه العظيم، وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواضع عديدة، نفع فيهم التهديد فخنسوا ولم يظهروا حال قوة الإسلام، ويعلم أن المنافقين وأحوال الردة لا تظهر إلا مع ضعف الإسلام، تقوى شوكة الشيطان فيظهروا الشبه، وتقوى شوكة دعاة الباطل فيرتد من الناس الجهلة وضعاف العقول وكذلك المنافقون الذين يتربصون بالإسلام الذين يظهرون الوفاق ويضمرون النفاق، يظهرون الردة في حال ضعف الإسلام، كما أظهروه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا بين النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقاتل الناس على حد سواء، ولم يعلق الأمر بالبلاغ فقط بقوله عليه الصلاة والسلام: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) ، فأضمر النبي عليه الصلاة والسلام الدعوة إلى الله تحت ستار المقاتلة، باعتبار أن المقاتلة هي أقوى ما يذعن له الإنسان ويصقل القلوب ويزيل الغشاوة ويبعد الشبهات، ويجعل الناس يذعنون للحق، لأن كثيراً من الناس يلحقون بأسيادهم إذا قويت شوكتهم، فإذا قويت شوكة أسياد أهل البدع والضلال تبعهم السواد، ولهذا وجب على ولاة أمور المسلمين أن يقللوا من بروز أهل النفاق والردة، ويدفعوهم قدر المستطاع، وكذلك أهل الذمة ألا يظهروا بمظهر القوي المتنفذ في مجتمعات المسلمين.

    1.   

    معرفة بلد الكفر من بلد الإسلام

    ومن المسائل المهمة هنا، مسألة تطرق كثيراً: وهي مسألة دار الإسلام ودار الحرب، ومتى يطلق على هذا البلد أنه بلد إسلام، ومتى يطلق على هذا البلد أنه بلد كفر؟ خاصةً في زمننا وهو ما انتشر فيه موجبات الكفر على كثير ممن ينتسب إلى الإسلام مع إسلام الشعوب، وقد يرد أن الحاكم مسلم والشعب يقع في الردة، وهذا يقع في بعض الأعصار، فهل يحكم الأمر ويناط بالولاة أم يناط بالشعوب؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال: فذهب بعض العلماء إلى أن الأمر يناط بالشعوب ولا يناط بالولاة، قالوا: فإذا ظهر أمر المسلمين بإظهار شعائر الإسلام الظاهرة من الأذان والصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحطيم الأصنام وعدم إظهار الدعوة إلى الشرك والكفر، فإن هذا بلد إسلام ولو كان الحاكم مرتداً، وهنا يقال: إن الردة لا تخلو من حالين:

    إما أن تكون ردة مغلظة، أي: أن يكون الوالي مرتداً متديناً بدين غير الإسلام كالنصرانية واليهودية، فهنا لا يوصف البلد بأنه بلد إسلام، وذلك أنه لا يمكن أن يكون ذلك مع ظهور المسلمين وعدم ظهور أهل الكفر، وإما إذا كانت ردته بارتكاب ناقض من النواقض مع زعمه دخوله في الإسلام فهنا الأمر يناط بالشعب، والشعب هو الذي يعلق به دار الإسلام ودار الكفر.

    ومن العلماء من قال: إن الأمر يناط بولاة أمور الناس، فإذا كانوا من الكفار سميت الدار: دار حرب ودار كفر، وإذا كانوا من أهل الإسلام ولو كان الكفر ظاهراً أنهم يسمون: مسلمين ودارهم دار إسلام، والذي يظهر -والله أعلم- أن القول الأول هو القول الأرجح والأظهر، وقد صوب هذا القول جماعة من العلماء، وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ، وذهب إليه جماعة من الفقهاء من أهل الرأي كـأبي حنيفة وغيره من العلماء، والقول بأن الأمر منوط بالحكام له حظ ووجه من النظر.

    ونكتفي بهذا القدر ونجيب على ما ورد من الأسئلة:

    1.   

    الأسئلة

    الجمع بين حكم المرتد وقوله تعالى: (لا إكراه في الدين)

    السؤال: هنا سؤال مهم يقول: كيف نجمع بين حكم الله عز وجل في المرتد، وبين قول الله جل وعلا: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] ؟

    الجواب: أولاً: إنه ينبغي في حال النصوص التي ظاهرها التعارض عند طالب العلم، أو عند الإنسان المسلم على وجه العموم، أن ينظر في كلام العلماء وفي مناسبات الورود والنزول، فإن هذا يحل الإشكال: أولاً: هذه الآية ليست من المشكلات عند العلماء وإنما طرأ الإشكال عليها عند المتأخرين، فأرادوا أن يضربوا المبينات من النصوص بالمجملات، وأن يضربوا المفصلات بالمطلقات، فقوله جل وعلا: (( لا إِكْرَاهَ ))، نفي الإكراه هنا عند الدعوة ابتداءً أن الإنسان لا يؤطر على الحق عند دخوله ابتداءً، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام حينما يرسل جيشاً يأمر المقاتلة من أصحابه وأميرهم أن يدعوا الناس إلى ثلاث: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا دمائهم وأموالهم، الأمر الثاني: إذا لم يقولوا ذلك أن يدفعوا الجزية، الأمر الثالث: الجهاد والمقاتلة.

    إذاً: دخولهم في الإسلام هل هو على إكراه، هل هم ملزمون بدخول الإسلام؟ ليسوا بملزمين بدخول الإسلام، وهذا معنى: لا إكراه، فلو قاتل المسلمون بلداً من بلدان الكفر لا يجوز لهم أن يأطروهم على الإسلام أو القتل، إما الإسلام أو القتل، بل يقال: الإسلام ثم الجزية ثم القتل على خلاف عند العلماء في بعض فروع هذه المسائل، في أخذ الجزية من مشركي العرب والمرتد بعد الإسلام إذا كان صاحب منعة ونحو ذلك.

    وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( من بدل دينه فاقتلوه ) ، فهو فيمن دخل في الإسلام ثم أراد أن يرجع فإنه يقتل ولا كرامة له؛ لأن هذا يتضمن تنقصاً للإسلام وعدم عناية به، كذلك أن الشريعة جاءت بتبيين هيبة الإسلام وتقوية شوكته، فإذا جاز لكل أحد أن يدخل الإسلام ويخرج منه فقد جعل الإسلام مساوياً لعادات الناس وأقوالهم وأفعالهم، ولا يليق بالإسلام أن يكون كذلك، وعليه يعلم أنه لا فرق بين قوله: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] ، وبين قوله عليه الصلاة والسلام: ( من بدل دينه فاقتلوه ).

    كيفية إقامة الحجة على الكافر

    السؤال: هل إقامة الحجة على الكافر تكون بإقناعه أم بوصول الحكم له فقط؟

    الجواب: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، قوله جل وعلا: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) فيه أن الأمر معلق بالسماع وليس معلقاً بالإفهام، ولهذا يقول العلماء: إن المرتد الذي يستتاب أو الكافر الأصلي في البلاغ يسمع كلام الله عز وجل فقط على وجه يفهمه لو أراد، وليس لك أن تخاطب أعجمياً بالعربية وتقول: أسمعته، أو تخاطب عربياً بالأعجمية وتقول: أسمعته، لا، المراد بالسماع هنا على وجه يفهمه لو أراد، ومعنى الإفهام، أي: من كان مثل هذا الرجل يفهم هذه اللغة ومثل حاله، كأن يكون من أهل العقل والتمييز والإدراك، فإنه قامت عليه الحجة في ذلك، ولا تعلق الأحكام بالإفهام، وذلك لأمور:

    الأمر الأول: أن الله عز وجل علق الأمر بالإسماع وما علقه بالإفهام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام فعل ذلك مع المشركين وهو مقتضى أمر الله عز وجل.

    الأمر الثاني: أن الإفهام لا سبيل إلى الوصول إليه، فربما كان من المعاندين وقال: لم أفهم أو لم أقتنع، فتعليق الأمر بالإفهام تعليق بالمحال، ومعلوم أن الإفهام حقيقته في القلب، وما يظهر في اللسان هو الظاهر، والظاهر هنا مما يظهر في لسانه من عدم الفهم اقترن بظاهر آخر وهو الإسماع، والإسماع أظهر وأقوى من أنه ينبغي أن يفهم؛ لأن هذا مقتضى تمام عقله، فإذا لم يجب قامت الحجة عليه، ومن علق الأمر بالإفهام علق الأمر بمحال، فإن هذا لم يكن بحال من الأحوال، والعلماء عليهم رحمة الله يفرقون بين الكليات والأصول وبين الفروع، فما كان من فروع الدين يبينون ويحاججون في بعض المسائل الخلافية ونحو ذلك، ولا يعنفون باعتبار أنها من فروع الدين.

    عفو الحاكم عن المرتد

    السؤال: لو ثبت على شخص أنه مرتد، بسبب تحليل ما حرم الله، ثم قضى القاضي بذلك، فهل للقاضي أو لولي الأمر أن يعفو عنه؟

    الجواب: يقال: أن هذا لا يخلو من أحوال:

    الحالة الأولى: إذا كانت ردة الرجل هي ردة مغلظة، فإن هذا يجب قتله واستتابته غير واردة، أما إذا كانت الردة ردة مجردة فإن هذا يستتاب، أما العفو والصفح عنه من غير استتابة ورجوع فهذا من أبطل الباطل وأمحل المحال، والتعدي على حكم الله عز وجل وشرعه، ثم ينبغي أن يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما امتنع عن إقامة الحد على المنافقين الذين أظهروا جملةً من المكفرات أنه امتنع عنهم ابتداءً، لا بعد أن يأمر عليه الصلاة والسلام بقتلهم، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقتل عبد العزى بن خطل ، ومعلوم أن الله عز وجل قد عظم الحرم، وبقي الأمر هكذا فقتل بين زمزم ومقام إبراهيم، وهذا يدل على تعظيم أحكام الله عز وجل وأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا يخرج بعض الأحوال الواردة من تأليف قلب ونحو ذلك، هذا ينظر فيه أهل العلم بكلام الله عز وجل وكلام رسول صلى الله عليه وسلم.

    التحري في إطلاق أحكام الكفر

    السؤال: ما الحكم في شخص قادر وله سلطان، ويرى ردة أناس ويقرهم عليها ولا يقيم عليهم الحد؟

    الجواب: أولاً: النبي عليه الصلاة والسلام علم ردة أقوام بذاته وما حكم بعلمه وما أقرهم عليه، ولكن كان النبي عليه الصلاة والسلام ينحى بالمنافقين عن مواضع القيادة مما يقوي شوكتهم، وينحى بالمنافقين عن مواضع الحظوة والخصوصية والمجالسة له عليه الصلاة والسلام، وإنما يدني أهل الديانة والعلم والصلاح، وأما مسألة الإقرار فيقال: إن هذا يحتاج إلى علم وبيان، فإذا كان علم من الحال أنه أقر المرتد على ردته بنص ظاهر فالحكم حكمه واحد، وإذا كان لم يظهر هذا إلا بقرائن فلا يجوز لأحد أن يطلق أحكام التكفير بالظنون؛ لأن من أعظم أحكام الدين أصوله، وأصوله هي إطلاق الكفر والإيمان، ومعنى إطلاق الكفر: الحكم بالردة والقتل، وهذا يعظم هذا الجانب.

    لهذا ينبغي على المسلم أن يحذر من هذا الباب والإطلاق، وقد يظن مثلاً في بعض المواقع والنوازل والأحوال أو الحوادث يفهم إقرار فيقال: إنه لا ينبغي أن تحمل على الأذواق والأفهام أو بالقرائن أو بالتشهي، وإنما يرجع في ذلك إلى البينات الشرعية التي يفهمها أهل العلم، والرجوع في ذلك إلى أهل العلم.

    كلامنا هو عن الردة وليس عن أسباب ورودها، ونواقض الإسلام، والمكفرات والموجبات، نحن نتكلم على هذا الموضوع من وجه عام، وإلا أسباب الكفر ومعنى الكفر والشرك والفرق بين الشرك والكفر وأقسام الكفر، كفر أصغر وأكبر، والشرك وكذلك أنواعه، هذا ليس بداخل معنا وإن كان له تعلق بمسائل الإيمان، فإن هذا ليس محله، وقد تكلمنا عليه في كتاب الإعلام بتوضيح نواقض الإسلام وهو مطبوع.

    وقوع الردة من الحكام

    السؤال: إذا وقعت الردة من الحاكم، فما الحكم؟

    الجواب: إذا وقعت الردة من الحاكم فالأمر إلى أهل العلم وليس لعامة الناس.

    عفو السلطان عن المرتد

    السؤال: هل للسلطان الحق بأن يعفو عن المرتد، وأن يطلقه ليعيش بين أظهر المسلمين؟

    الجواب: ترك المرتد الردة الأصلية لو انتقل من الإسلام إلى دين آخر كاليهودية والنصرانية أو الإلحاد لا يجوز هذا، ومن جوز ذلك فهو الذي يجب عليه الحد أيضاً؛ لأن هذه ردة، وأوجب الله عز وجل هذا الأمر، والأمة قد أجمعت على هذا الحكم، ولم يخالف في ذلك أحد.

    ولكن بعض الألفاظ التي توجب ردة إذا ظهرت من الإنسان مع بقائه على الدين ونحو ذلك، فللسلطان أن يعفو عنه إذا رأى في ذلك مصلحة، شريطة ألا يستديم على إطلاق أمثال هذه الأمور، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما ظهر له كفر المنافقين الذين استهزؤوا بالنبي عليه الصلاة والسلام وأظهروا الكفر، وبين الله عز وجل الكفر، وكلام الله عز وجل أقوى حجة، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66] ، بين كفر هؤلاء، مع ذلك ما أقام النبي عليه الصلاة والسلام الحد؛ لأنهم متدثرون بدثار الإسلام وظهر منهم ذلك الكفر، لهذا قال الله عز وجل عنهم: (كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).

    وفي قوله: (كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) الإيمان هنا المنصوص عليه في هذه الآية هل هو الإيمان الباطن مع أنهم منافقون قبل ذلك؟ لماذا وصفهم بالإيمان؟ تعليقاً للحكم بظواهر الأمور، كفرتم في الظاهر بعد إيمانكم في الظاهر، مع أنهم منافقون قبل ذلك، ولهذا يقال: إن ما يظهر من فلتات لسان المنافقين من أحوال مما يظهر منه الردة، إذا تبع ذلك اعتذار وتوبة، أو كان من فلتات اللسان ونحو ذلك، ورأى الوالي أن في ذلك مصلحةً كأن يكون: ألا يتحدث الناس أن المسلمين يقتلون المسلمين بالشبهات ونحو ذلك، فهذا قد يقال به اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولكن الإطلاق بالاحتجاج بأمثال هذه الأحوال على الإطلاق، هذا يقوي شوكة المنافقين، ويقوي شوكة المرتدين.

    وما قوي المرتدون وقوي المنافقون إلا بتعطيل أحكام الله سبحانه وتعالى، وما ظهرت البدع والتعدي على نصوص الشريعة من كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا أخذت حوادث الأعيان التي وقعت من النبي عليه الصلاة والسلام على الإجماع والإطلاق، وهذا ما حدث من النبي عليه الصلاة والسلام على كل المنافقين، بل منهم من يخطئ، ولهذا قتل من النساء وقتل من كان مع النبي عليه الصلاة والسلام، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام دمه هدراً. وفي هذا القدر كفاية، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.