إسلام ويب

عقيدة أهل الإيمان [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد خلق الله تعالى الجن والإنس لعبادته وتوحيده، وبين لهم وجوب إفراده في أفعاله وأفعال عباده وأسمائه وصفاته؛ ولهذا كان التوحيد مفتتح دعوة الرسل قبل غيره من أعمال البر، غير أن حقيقة التوحيد لا تكمل صورتها المشرقة إلا بمعرفة ضده، وهو الشرك بالله تعالى، الذي جاء التحذير من اقترافه ظاهراً وباطناً.

    1.   

    الغاية من خلق الجن والإنس

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإننا سنتكلم بإذن الله جل وعلا على ما خلق الله لأجله الخليقة، وأنزل الله جل وعلا الكتب وأرسل الرسل، وخلق الله الجنة والنار، ونصب الميزان، وجعل الرقيب العتيد والحسنات والسيئات على عباده، وجعل الناس وقسمهم إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، وهؤلاء كانوا بسبب ما فرطوا أو وافقوا معه أو فيه ما خلق الله جل وعلا العباد لأجله.

    أهمية معرفة التوحيد

    إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته وتوحيده، وتوحيد الله سبحانه وتعالى أعظم ما يتقرب به المتقربون إليه جل وعلا، ويجب أن يعلم أن عقيدة المؤمن وتوحيده لله سبحانه وتعالى أعظم ما ينبغي للإنسان أن يتبصر به، وأن يكون على معرفة وهداية ويقين وثبات به، بمعرفة ذلك من أصوله التي أنزلها الله جل وعلا، وأمر العباد بأن يأخذوا الدين منها كتاباً وسنة، فدين الله سبحانه وتعالى لا يؤخذ من أقول الرجال، ولا يؤخذ من موروث الأمم والشعوب، ولا من فلسفات الأمم والمفكرين والكتبة وغير ذلك، وإنما يؤخذ من الله سبحانه وتعالى، فلا أحد أعرف بالشيء منه بنفسه، فالله سبحانه وتعالى قد عرف نفسه لعباده في كتابه العظيم وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    إن توحيد الله وإفراده بالعبادة هو القضية التي لأجلها جاهد من جاهد وناضل من ناضل، وكان الناس فيها في مقابل الأنبياء على فريقين: أناس يوالون، وأناس يعادون، فالذين يوالون هم أهل التوحيد، والذين يخالفون ويعادون هم أهل الإشراك مع الله عز وجل.

    الله سبحانه وتعالى ما خلق الخلق إلا لعبادته، وعبادة الله التي لأجلها خلق الخلق ليست موكولة من جهة التفسير إلى الأذواق والحس ونحو ذلك، وإنما هي إلى النص من كلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إن العبادة على مراتب، وأعلى هذه المراتب هي لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتفسير هذه الكلمة يعني: لا معبود بحق إلا الله، وأما الذين يعبدون غير الله -وإن ظنوا أنهم عبدوا الله جل وعلا بما شرع- فهم يعبدون وهماً ويعبدون سراباً، أو فسروا العبودية على ما يريدون فضلوا في ذلك وأضلوا.

    مفهوم خاطئ للعبادة

    وكثير من المتعبدين حينما يتعبدون لله ظاهراً يظنون أنهم قد تعبدوا لله جل وعلا كذلك باطناً، ومن الناس من يظن أنه إذا تعبد لله باطناً وخالف أمور الظواهر أنه متعبد لله جل وعلا وهذا من الوهم والغلط؛ ولهذا كثير من الناس الذين يطوفون على الأضرحة والقبور والمزارات، ويسجدون عندها وينذرون لها، ويعطونها ويهبونها كثيراً من الأموال؛ دفعاً للشر وجلباً للخير، ويسألونها من دون الله جل وعلا ذلك، هذا هو الكفر المبين، مع كونهم يزعمون أن ذلك ما كان لهؤلاء الأولياء إلا لفضل الله وجلالة منزلته في قلوبهم، قالوا: لا نعبدهم إلا لأنهم كانوا أولياء لله سبحانه وتعالى، فلما كانوا كذلك فإننا نعبدهم من دون الله جل وعلا، أو نجعلهم وسطاء بيننا وبين الله جل وعلا.

    إن الله سبحانه وتعالى يقر بأحقيته بالخلق، وكذلك التصرف بالكون، كل الناس يؤمنون بأن لهذا الكون خالقاً، وأن هذا الخالق هو المصرف والمدبر، ولكنهم يضلون في لوازم هذا الإيمان، ويضلون في مسالك وأبواب الألوهية، وتوحيد الله سبحانه وتعالى فيه، وأسماء الله جل وعلا وصفاته يضلون في ذلك ضلالاً بعيداً.

    إن معرفة العقيدة ومعرفة منزلتها وقدرها، وحجم المخالف والموافق فيها يعرِّف الإنسان قيمة عمله وعاقبته عند الله سبحانه وتعالى، إن وافق أو خالف.

    إن توحيد الله جل وعلا هو الفيصل الذي لا يقبل فيه الرأي أو الاجتهاد، وإنما ذلك موكول إلى قطعيات الشريعة، ودلالات النصوص من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    دعوة الرسل إلى التوحيد

    الله جل وعلا حينما أرسل رسله إلى الذين كفروا بالله وأشركوا معه غيره أمرهم أن يدعوهم إلى توحيد الله وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، فالله جل وعلا أمر جميع الأمم على لسان أنبيائه أن يعبدوا الله جل وعلا ولا يشركوا معه أحداً غيره، إذا كانوا يقرون بأن الخالق هو الله، فما هو الشرك الذي قد وقعوا فيه؟

    هم قد وقعوا في شرك من الأقوال والأعمال وذلك ببعض الأسباب التي جعلوها أسباباً ولم يجعلها الله جل وعلا أسباباً، فشاركوا الله في حقه، فجعلوا بينهم وبين الله وسطاء، وجعلوا بينهم وبين الله شفعاء، ويظنون ذلك أنهم يتقربون إلى الله، ويظنون أيضاً أنهم أحسنوا صنعاً.

    إن حسن قصد الإنسان لا يخرج قوله وفعله من الباطل، فالمقصد والقلوب مردها إلى الله، والظواهر هي الحكم والفيصل في ذلك.

    إقرار المشركين بتوحيد الربوبية

    إن كفار قريش وكفار العرب حينما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى توحيد الله وعدم الإشراك معه غيره، كان أولئك يقرون بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق والرازق؛ ولهذا قال الله جل وعلا: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، فهم يؤمنون أن الله جل وعلا هو الخالق، ولكنهم يشركون معه غيره، بأنه جعلوا هؤلاء الصالحين ممن كان في القبور، وأن ما صوروا لهم من صور وأصنام وتماثيل قالوا: هؤلاء من الناس الصالحين السالكين ينبغي أن يكونوا لنا وسطاء، وإنما أحلهم هذا المحل من الإشراك مع الله غيره، أنهم دخلوا أمثال هذه الأمور بتسويلات شيطانية ظاهرها فيما يظنها أصحاب العقل البسيط أنها حسنة، ويقولون: إننا نستحي ونخجل لذنوبنا أن نتقرب إلى الله ونحن العصاة المسرفون بشيء من أعمالنا، أو نتقرب إلى الله جل وعلا بلا وسطه، بل نتوسط بهؤلاء العباد والأولياء الصالحين المنقطعين عبادة لله؛ حتى يشفعوا لنا، قالوا: فإن الإنسان إذا قصد ملكاً من ملوك الأرض فإنه يجعل بينه وبين ذلك الملك شفاعة أو وساطة ونحو ذلك، وجهلوا أن الوسطاء في أمر الدنيا يعرفون بالأشخاص الآخرين ما جهله السلطان أو يحسنون صورتهم إذا كانت سيئة، وأما الله جل وعلا فإنه يعلم الوسطاء، ويعلم غيرهم على حدٍّ سواء، فلا مجال للزيادة والنقصان؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يراقب الله ظاهراً وباطناً، وهذا نوع من التمثيل الذي قد استقر في قلوبهم بين الخالق والمخلوق بين سلاطين الأرض ووجهائهم، وبين الله جل وعلا الخالق، إن عقيدة المؤمن وعقيدة أهل الإيمان -مع أهميتها وجلالة قدرها- إلا أن كثيراً من الناس يفرطون بمعرفتها، ومعرفته ما يجب عليهم فيها، فيعرفون كثيراً من مسائل الطهارة وكثيراً من مسائل الصيام والصلاة ودقائقها، بل ربما عرفوا بعض مسائل الخلاف، في مسائل الفروع في بعض جزئيات الصلاة من سننها وواجباتها وسنن الرواتب ونحو ذلك، ويجهلون الأمور الكثيرة المهمة في مسائل العقيدة؛ ولهذا كثير من الناس ربما يقعون في الشرك من حيث لا يشعرون، وربما وقعوا في مخالفة السنة، وأوغلوا في الوقوع في البدعة أو استمروا عليها دهراً من حيث لا يشعرون؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يتبصر بالعلم الشرعي عموماً، وأن يعرف أن العلم والعمل على مراتب، وهذه المراتب ليس للإنسان أن يقدم الأدنى على الأعلى، فالله جل وعلا قد جعل لكل شيء قدرا.

    أعظم ما يتقرب به المتقربون إلى الله

    أعظم ما يتقرب به المتقربون إلى الله هو أن يعبدوا الله جل وعلا وأن لا يشركوا معه أحداً غيره، وأعظم ذنب يقع فيه البشرية هو أن يشركوا مع الله جل وعلا غيره؛ ولهذا خص الله جل وعلا الإشراك معه غيره بشيء من الخصائص ليست لغيره من سائر الذنوب، فالذي يشرك مع الله غيره لا يُقبل له عمل، ولا يرفع له أجر، ولا ينظر إليه، حتى يوحد الله وإن وقع في الشرك فقد قطع الوصل بينه وبين الله سبحانه وتعالى.

    فلا يرد عليه شيء من المكفرات وإن مات على كفره فإنه ليس من أهل الإيمان ولا يدعى له بالرحمة؛ لأن الله أخذ على نفسه أن لا يغفر لمن أشرك معه شيئاً غيره؛ لهذا يقول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، ويقول الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من مات وهو لا يشرك مع الله غيره دخل الجنة، ومن مات وهو يشرك مع الله غيره دخل النار )، في هذا إشارة إلى أهمية التوحيد وعلو منزلته، وأن الله سبحانه وتعالى جعله الفيصل حتى بين الأقارب، فلا أنساب بين المؤمن والكفار، فلا يرث المؤمن الكفار، ولا يرث الكفار المؤمن.

    وقد بين الله سبحانه وتعالى أن على المسلم أن تكون بينه وبين الكفرة مفاصلة ولو كانوا من الأقربين؛ ولهذا إبراهيم عليه السلام لما استغفر لأبيه منعه الله جل وعلا من ذلك؛ للمفارقة الدينية؛ لأن الله قد قضى أن لا يغفر شيئاً لمن أشرك معه غيره، فهذا الاستغفار لا يكون في محله، فبين الله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام ذلك الأمر.

    وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له، واستأذن ربه أن يزور قبرها فأذن له، وهذا أمر يبين أن منزلة التوحيد عظيمة، وأن منزلة الإشراك مع الله عز وجل غيره عظيمة الجرم.

    وإذا مات الإنسان على الكفر -ولو كان معذوراً بجهل ونحو ذلك- فإننا نكل أمره إلى الله، ونتوقف عن الاستغفار له، كأصحاب الفترة؛ لأن مرد أولئك -وإن جهلوا- إلى الله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا حكيم بصير بأحوالهم رحيم بعباده، وقد ذكر في كتابه العظيم أنه لا يعذب أحداً حتى تبلغه الرسالة، قال جل وعلا: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، أي: أن الإنسان لا يعذب على شيء عمله حتى يكون البلاغ قد سبق إليه؛ ولهذا يقول الله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6].

    1.   

    أهمية العقيدة وموضوعاتها

    إن عقيدة المؤمن مع أهميتها وجلالة قدرها ينبغي أن تعرف ماهيتها وأصلها، وكذلك ما يدخل في هذه الأبواب، وما ينبغي أيضاً أن يعرفه الإنسان من مهمات هذه العقيدة.

    والعلم بالتوحيد بالمنزلة الرفيعة، وأشرف العلوم على الإطلاق هو معرفة توحيد الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وألوهيته وربوبيته.

    المراد بالعقيدة كمصطلح

    والعقيدة مشتقة من عقد الشيء وهو الإبرام، فكأن الإنسان قد أبرم في قلبه عقداً وثيقاً تصدر منه الأقوال والأفعال، والمراد بهذا العقد هو ما يؤمن به الإنسان بينه وبين ربه فيوحد الله جل وعلا قولاً وفعلاً.

    ويدخل في هذا أيضاً توحيد الله سبحانه وتعالى كمصطلح؛ فإن المراد بذلك هو إفراد الله بالعبادة، والتوحيد هو أخص من العقيدة، فالعقيدة باب واسع، وأما العقيدة فهي إفراد الله جل وعلا فيما علمه الإنسان من خصائص ربه، فالله جل وعلا له أسماء وصفات، وله خصائص سبحانه وتعالى ينبغي للإنسان أن يعرفها، وهذه المعلومات التي يعرفها الإنسان عن ربه جل وعلا، يجب أن يوحده فيها، فيكون حينئذ التوحيد هو مفسراً للعقيدة أو مخصصاً لبعض معانيها، وذلك أنها لله جل وعلا لا يشركه معه أحد غيره.

    شرف علم التوحيد

    إن شرف العلم بشرف المعلوم، فيعرف الشيء من جهة أهميته بشرف ماهيته وحقيقته، وكذلك أثره على الناس، وإذا نظرنا في المعلومات والمدركات سواء كانت من العلوم الدينية أو الدنيوية نجد أن شرف الشيء يكون بمعرفة المعلوم، فإذا أراد الإنسان أن يعرف الأمور العلمية من علوم الدنيا سيجد أن أشرف العلوم لديه هو معرفة علم الأبدان وهو طب العقول، وكذلك طب الأجساد والجوارح ونحو ذلك، ومعرفة ذلك لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا بسلوك ذلك السبيل، وإنما عرفت أهمية ذلك؛ لأن المعلوم وهو الإنسان أشرف شيء عند نفسه بين المخلوقات؛ لهذا يحرص الإنسان على معرفة أحواله ونحو ذلك.

    وأما بالنسبة للمعلوم الأعظم والواجب الأكبر على الإنسان فهو معرفة ربه من جهة توحيده، وكذلك حق الله جل وعلا على عباده، وكذلك حق العباد على الله سبحانه وتعالى فيما بينه الله مفصلاً في كتابه وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذه المعلومات هي أشرف العلوم على الإطلاق؛ لأن سبيلها إلى صاحب الحق وهو الله سبحانه وتعالى.

    فلا شيء أعرف من الشيء منه بنفسه، فالله سبحانه وتعالى عرف بنفسه لعباده في كتابه العظيم وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    مصدر العقيدة الصحيحة

    لا تؤخذ العقيدة ولا التوحيد من أقوال فلان ولا فلان، ولا من موروثات الأمم والشعوب؛ ولهذا إنما ضلت الأمم والشعوب بأخذهم التوحيد والعقيدة عما وجدوا عليه آباءهم؛ ولهذا قد يبدل آباؤهم شيئاً فشيئاً على سبيل التدرج حتى انطمس ذلك التوحيد، وأصبح توحيدهم كحال اللوحة من الزجاج، يكون عليها من الرذاذ والأوساخ يتراكم شيئاً فشيئاً حتى يصبح الإنسان لا يرى من ذلك شيئاً، وإن كان أصلها من جهة الاسم واحداً؛ ولهذا الجاهليون لما جاءهم أنبياء الله سبحانه وتعالى يدعونهم إلى التوحيد قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، يعني: إننا نسلك هذا الطريق كما كان عليه آباؤنا.

    وقد أتى الأنبياء الأمم يدعونهم إلى توحيد الله، محتجين على ذلك بكلام الله لا بكلام الأمم والشعوب وموروثاتها، ولا بكلام والآباء والأجداد، وما استحسنوه عقلاً؛ فإن هذا -إن ركنوا إليه- ضلوا، وإن ركنوا إلى توحيد الله -بمعرفة الله جل وعلا بكتابه وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم- اهتدوا ورشدوا وكانوا من أهل التوفيق والسداد.

    موضوعات علم العقيدة

    وعقيدة المؤمن يدخل فيها أركان الإيمان، وتوحيد الله بالربوبية، والألوهية والأسماء والصفات، والولاء لمن حقق ذلك، والبراء لمن لم يحقق ذلك، الولاء لأهل الإيمان، والعداء والبراء لأهل الكفر، وقد يجتمع الولاء والبراء في شخص بعينه بوجود الإيمان فيه من وجه فيوالي، ووجود الفسوق والفجور والظلم والتعدي على الناس من وجه آخر مما لا يخرجه من الإيمان فيوالى من وجه ويعادى من وجه، والمؤمن مهما كان مسرفاً على نفسه متعدياً على غيره فهو أحب إلى الله جل وعلا من الكفار مهما كانوا عادلين؛ لأن أعظم الظلم هو ظلم الإنسان لنفسه، وأعظم الظلم هو أن يتعدى الإنسان على حق لله جل وعلا بتوحيده، فيصرفه إلى مخلوق؛ ولهذا كثير من الناس إنما ينظرون إلى موازين دنيوية من جهة العدل، فيقدمون أقواماً لأنهم عدلوا في الدينار والدرهم، وعدلوا في العطية والهبة ونحو ذلك، ولا ينظرون إلى الظلم الأكبر الذي وقعوا فيه وهو ظلم العبد لنفسه مع الله جل وعلا.

    فمن عبد صنماً أو حجراً أو جحد ربوبية الله فهذا أعظم الظلم، فإذا تعدي على الإنسان بالسب والشتم والثلب وكذلك التعيير أو سلب حقه بالقول والفعل ونحو ذلك فإن ذلك يعد من أعظم الظالمين، كذلك إذا توجه أحد إلى أحد من سلاطين الأرض بالتعدي عليه قولاً أو فعلاً، أو سلب حقه من الطاعة ونحو ذلك -وإن عدل مع الناس- فإنه في ذلك يعد ظالماً، فكيف الذي يسلب الله جل وعلا حقه بزعمه، ويدعي أن ذلك لغيره من المخلوقات؟! لا شك أن ذلك من أعظم الظلمة فلا ينبغي أن يقدم لغيره، فالله جل وعلا يقول في كتابه العظيم: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [البقرة:221]، يعني: أن المؤمن خير من المشرك، ولو أعجبك مع وجود الإعجاب القلبي الذي يظهر في فطرة الإنسان، من استحسان المظهر والشكل، أو العدل أو الإنصاف، أو نحو ذلك والأدب والسلوك، ولكن ذلك ليس بالمعيار، المعيار الأول هو الولاء لأهل الإيمان؛ لهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى ولاء أهل الإيمان مهما بعدوا، ومهما اقترفوا من ذنوب ومعاص، ويدعو إلى منابذة أهل الشرك مهما وقعوا فيه من عدل، ولكن الله جل وعلا مع ذلك أمر بالقسط، والعدل والإحسان، وتأليف قلوب من بعد عن دينه، وكذلك جذبه إلى التوحيد بالإحسان إليه وإكرامه، ولكنه لا يقدم على أهل الإيمان قاطبة؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه في صفه ممن انتمى إلى الإسلام ممن آمن به، من كان من المقصرين، بل ربما قاتل معه من كان من أهل الكبائر، كبعض من يشرب الخمر أو يقع في بعض المعاصي، وهؤلاء داخلون في دائرة الإيمان، وفي الولاء لهم والبراء من أعدائهم.

    معنى توحيد الله تعالى

    إن توحيد الله سبحانه وتعالى هو أن يثبت الإنسان لله جل وعلا ما يحبه الله لنفسه، وأن يكون ذلك خصيصة له لا يشركه معه غيره؛ ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم مبيناً أهمية التوحيد: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19]، أي: أنه يجب على الإنسان أن يعلم أنه لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله، قال جل وعلا: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، أي: مما وقعت فيه مما يخالف ذلك إن وقعت، وكذلك أن تستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وذلك مدعاة إلى باب من أبواب الولاء والتلاحم والصلة والجمع بينه وبينهم على تلك العقيدة، كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، الله سبحانه وتعالى أمر ألا يعبد إلا هو، وألا ينصرف قلب الإنسان وجوارحه ولسانه إلا له؛ لهذا قال جل وعلا: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]،يعني: أنهم قد مالوا عن طريق الغواية والشر إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]، فأمر الله بالعبادة ونهى عن ضدها.

    إن أعظم البيان أن يأمر الإنسان بشيء وينهى عن ضده، وهذا أعظم وأتم أنواع البيان، ويأتي بعد ذلك مرتبة أن يأمر الإنسان بالشيء ولا ينهى عن ضده، ويليه بعد ذلك أن ينهى الإنسان عن الشيء ولا يأمر بضده.

    وبهذا نعلم أن الأشياء تتضح بأمرين:

    الأمر الأول: ببيان حقيقتها بذاتها والأمر على ذلك.

    الأمر الثاني: ببيان ضدها والنهي عن ارتكاب ذلك الضد؛ لمناقضته للأمر الأول؛ ولذلك نعلم أن الشريعة جاءت ببيان التوحيد والنهي عن الشرك، وهو ضد توحيد الله سبحانه وتعالى وهذا أعظم وجوه البيان، وأعظم بيان التحقيق والتوضيح؛ ولهذا إذا أراد الإنسان أن ينظر في أمر أمر الله به، ونهى عن ضده على وجه الإجمال والتفصيل، وكذلك السرد في النصوص كتاباً وسنة لم يجد شيئاً يوازي توحيد الله سبحانه وتعالى منزلة، وذلك أن الإشراك مع الله عز وجل هو أعظم ظلم يقع فيه الإنسان، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، جعل الله الظلم هو الإشراك؛ لهذا لما نزلت هذه الآية كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى، قال: ( شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم )، ومعنى أنه شق عليهم ذلك: أن قوله جل وعلا الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، أن الأمن يسلب منا إذا وقعنا في الظلم، كأن نظلم بعضنا في الدينار والدرهم، بالكلام ونحو ذلك، أو ربما بشيء من الأمور الكبيرة التي لا تصل إلى المفاصلة والمفارقة بين العبد وربه، فيكون الإنسان يعادي معاداة تامة كما يعادي أهل الكفر.

    فشق ذلك على الصحابة، أي: كيف نقع في شيء من الظلم ثم لا يكون لنا الأمن يوم القيامة ( جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنه ليس كما تظنون؛ إن الظلم هنا هو الشرك، أولم تسمعوا لقول العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ).

    1.   

    تقديم الدعوة إلى التوحيد على الدعوة إلى غيره من العبادات

    إن الشرك مع الله عز وجل غيره هو أعظم ما يقع فيه الإنسان وأعظم بلية، وأعظم مصيبة يقع فيها؛ لهذا جعل الله جل وعلا أول مأمور يأمر به الأنبياء، هو أن يوحد الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم بقي في مكة أكثر من عقد يدعو إلى التوحيـد، ولا يشرك معه شيئاً من الدعوات، إلا ما كان من مبادئ وأصول الأخلاق وكالأمر بالأمانة، والصدق بالقول، لماذا؟ لأن التوحيد ينبت على ذلك، فلا يمكن للإنسان أن يعتقد التوحيد ظاهراً وباطناً إلا أن تتحقق في قلبه الأمانة، وصدق القول، ومراقبة الله جل وعلا، فأراد أن تزكو النفوس بشيء من فضائل الأعمال والأخلاق.

    وكذلك فإن التوحيد إذا اقترن بشيء يؤمن به الناس فطرة من الدعوة إلى مكارم الأخلاق ونحو ذلك، دل هذا على صدق هذا فتلازما، فدعا الناس إلى التوحيد فأقبل إليه من أقبل وأعرض عنه من أعرض؛ عناداً واستكباراً على أمر الله سبحانه وتعالى؛ لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم -لأهمية التوحيد وبيان منزلته- كان لا يبعث أحداً إلى أحد من قبائل العرب أو من البلدان إلا وأمر من أرسله أن يدعو إلى التوحيد أول ما يدعو، لا يدعو إلى الأخلاق ولا يدعو إلى التربية، ولا يدعو إلى أحقية الناس بالعدل معهم في الأموال مجرداً ونحو ذلك، وإنما يدعو إلى أعظم العدل، وأعظم العدل في ذلك هو توحيد الله.

    توحيد الله أدعو إليه ثم أدعو معه مقترناً، وأدعو معه بعده أيضاً إلى مكارم الأخلاق وإلى حسن الجوار، وإلى العدل في العطية والهبة، وإلى قضاء حاجات الناس وإعانتهم والصدق في الحديث وغير ذلك من مبادئ الآداب والسلوك التي تؤمن بها جميع الفطر.

    إن الابتداء أو الاكتفاء بالدعوة إلى مكارم الأخلاق، والعدل بين الناس، من أظهر أنواع القصور عند كثير من المنتسبين إلى الدعوة.

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مجتمع يظهر فيه الناس في مخالفة أمر الله في كثير من المعاملات في البيوع والشراء، وكذلك ربما في بعض وجوه التعري والمجون أو شرب الخمر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يلتفت إلى ذلك، لماذا؟ لأن البيئة بيئة كافرة، فلا بد من تصحيح القاعدة وهي قاعدة التوحيد، بعد ذلك تنزل النصوص ويؤمنون بها إيماناً تاماً.

    فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر قومه فيقول لهم عليه الصلاة والسلام: ( قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا )، يدعوهم إلى كلمة التوحيد.

    1.   

    إقامة التوحيد في القلوب

    إن الإيمان بالله وتوحيد الله جل وعلا من جهة الأصل، هو تصديق القلب بالله سبحانه وتعالى، وهذا أصل معنى الإيمان؛ ولهذا قال الله جل وعلا: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف:17]، يعني: بمصدق لقولنا، يعني: الإنسان إذا أراد أن يتحقق في قلبه الإيمان فعليه أن يعقد ذلك بقلبه، وأن لا يلتفت إلى عمل الجوارح، مجرداً عن عمل القلب؛ فإن الله جل وعلا لا ينظر إلى الجوارح مجردة؛ بل ينظر إلى عمل القلب، فإن صح عمل القلب صحت عمل الجوارح.

    موافقة الجوارح لما استقر في القلوب

    ولهذا ينبغي أن نعلم أن حقيقة التوحيد، وحقيقة الإيمان هي: أن يعقد الإنسان التصديق بقلبه وأن يقر به بلسانه، وأن يعمل به بجوارحه، فالإيمان من جهة الحقيقة والتمام إذا أخذنا بمقتضاه فهو الإقرار بالتصديق بما في القلب، فما في قلب الإنسان ينبغي أن يظهر باللسان، وأن لا نكل الناس إلى ما في بواطنهم وأن نقول: إن الأصل أنهم كذا، وإذا كانوا لا يصرحون بأقوالهم وأفعالهم، أو لا يكون ضمن سواد المسلمين وجمهورهم فينطبق عليهم ما ينطبق على أولئك الجمهور ما لم يظهروا خلافه فإنهم لا يعدون من أهل الإيمان، فعمل الجوارح من الإيمان، وقول اللسان من الإيمان، فسمى الله سبحانه وتعالى عمل القلب عملاً، وحاسب الله جل وعلا عليه، وأنه هو الذي ينبغي أن يخاطب الإنسان به؛ لهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93].

    قد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث ليث عن مجاهد بن جبر قال في قول الله جل وعلا فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93]، قال: عن لا إله إلا الله، وجاء هذا عن جماعة من المفسرين عن أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى وعن غيره؛ ولهذا قال الله جل وعلا: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61]، يعني: لمثل توحيد الله سبحانه وتعالى.

    فتوحيد الله وهو عمل القلب يطلق عليه العمل وبه يحاسب الإنسان، وبهذا نعلم أن توحيد الله جل وعلا ينبغي أن ينعقد في القلب وأن ينطق به اللسان وأن يظهر في الجوارح، وأما أن نكل الناس إلى ما في قلوبهم، ونقول: إنهم يؤمنون بالله، ويظهر منهم شيء من الصدق، أو اللجوء إلى الله، وهم يظهرون شيئاً من نواقض الإيمان، فهذا نسبة الإيمان إليهم من الجهل العريض.

    خطأ تصحيح تناقض عمل القلب مع عمل الجوارح

    ولهذا ظهرت طوائف كثيرة يجعلون الإيمان هو ما استقر في القلب، وربما جاء ما يؤيده ببعض فلتات اللسان، ولو ناقضوا ذلك بأفعالهم وأقوالهم لا شك أن هذا من الأمور الباطلة؛ لهذا فرعون وإبليس يؤمنان ببواطنهما أن الله جل وعلا هو الخالق، فإبليس قد شهد الملائكة، وقد قيل: إنه رأى الله جل وعلا، وشاهد أنبياء الله سبحانه وتعالى وزامنهم وعاصرهم فكان من أعلم الخلق بالله سبحانه وتعالى وأحقيته بالتوحيد، فهو موقن بقلبه بحق الله جل وعلا، ولكنه خالف بأقواله، فهل ينسب إلى الإيمان والتوحيد لوجود هذا الإقرار بقلبه؟ كذلك فرعون حينما أدركه الغرق آمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فهذا الإيمان الذي ظهر على قلبه حينما أدركه الغرق هو في وقت الغرغرة، وأما في وقت الحقيقة والإيمان فلم يقترن قول اللسان وعمل الجوارح بعمل القلب، فلما كان كذلك لم يعد من أهل الإيمان، فالنار يعرضون عليها غدواً وعشيا، ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب.

    لهذا كانوا من أهل النار لماذا؟ لأنهم لم يقرنوا عمل القلب بقول اللسان وعمل الجوارح؛ ولهذا ظهرت طوائف يقولون: إن عمل الجوارح ليس من الإيمان، ومنهم طوائف غلاة يقولون: إن قول اللسان وعمل الجوارح ليس من الإيمان ما وجد ذلك في القلب؛ ولهذا يرجعون من لوازم أقوالهم: أن من وقع في شيء من المكفرات وقام القائم على عدم وجود العذر له فإنه لا يكفر حتى يقر بقلبه، وهذا متلازم مع أصل المسألة أنهم لا يؤمنون بأن الإيمان هو ما في القلب وقول اللسان وعمل الجوارح، فإذا نفوه تقريراً من جهة الأصل نفوا لازمه، كذلك من جهة عمل الجوارح فإنهم لا يوقعون الكفر على من كفر بقوله أو بفعله.

    وأما الحقيقة وظواهر النصوص من كلام الله المتواترة، والذي عليه عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من كفر بقوله كفر بجوارحه وقلبه، ومن كفر بجوارحه كفر بقوله وقلبه، ومن كفر بقلبه فإنه لا يمكن أن يتحقق معه الإيمان بقوله وأفعاله، وهذا أمر معلوم؛ ولهذا بين الله جل وعلا أحوال الكفرة في كتابه العظيم، وبين أشدهم في ذلك أنهم المنافقون، وأنهم في الدرك الأسفل من النار.

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما بعث معاذاً إلى اليمن كما جاء في الصحيحين وغيرهما قال: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة )، وهذا فيه إشارة إلى أن الأمر على الترتيب، قال عليه الصلاة والسلام: ( أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإنهم أجابوك لذلك )، بدأ النبي عليه الصلاة والسلام بترتيب المهمات، أي: أنه ينبغي للإنسان أن يتفقه في دين الله أولاً بما أوجبه الله عليه، وأعظم ذلك وآكده وأزكاه هو توحيده سبحانه وتعالى كما جاء في حديث معاذ.

    فلا يليق أن تخاطب أحداً من أهل الكتاب بالصلاة، والزكاة، والصيام، وهو لا يؤمن بالله جل وعلا إيماناً صحيحا.

    1.   

    توحيد الربوبية

    إن توحيد الله سبحانه وتعالى والإيمان بأنه المتصرف في الكون، ومستقر في الفطرة، ويؤمن به البشر على اختلاف أديانهم، ولكنهم يخطئون في تحديد ذلك الخالق، وكذلك في لوازم تصرفه جل وعلا في الكون.

    إقرار كفار قريش بتوحيد الربوبية

    يقول الله جل وعلا مبيناً حال كفار قريش، أنهم كيف يؤمنون بأن الله هو الخالق ثم لا يعبدونه سبحانه وتعالى.

    قال الله جل وعلا: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ [لقمان:25]، ويقول الله جل وعلا: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس:31-32]، يعني: أنه ينبغي للإنسان أن يكون عدلاً مع الله، إذا أقر أن الله جل وعلا هو خالق السماء والأرض، وأنه يملك السمع والأبصار، وأنه يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، وأنه يدبر أمور الخلائق، أياً كانوا: من البشر أو من الجن أو من الجمادات أو من سائر أنواع الحيوان.

    فالله جل وعلا هو الذي يدبر هذه الأمور وبعض الكفار يؤمنون بذلك، قال الله جل وعلا: فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [يونس:31]، ألا تخافون الله، ألا تؤمنون به، ألا تعبدونه من جهة الحقيقة؟ فلا تصرفوا العبادة لغيره، يعني: أن ذلك فيه إشارة إلى شيء من التناقض الذي يقعون فيه؛ ولهذا دعا الله سبحانه وتعالى الناس إلى أن يؤمنوا بما علموه من فطرتهم، فالله سبحانه وتعالى فطر الناس على التوحيد، يقول الله جل وعلا: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30].

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين وغيره من حديث أبي هريرة: ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )، كل مولود يؤمن بوجود خالق، ويؤمن بضعفه وأن ثمة من هو أقوى منه يتصرف فيه؛ ولهذا تجد هذا النزعة موجودة حتى في البهائم، البهائم تنصرف إلى الله، وتجد بعض البهائم كالكلب ونحو ذلك إذا أوذي أو نحو ذلك فإنه إذا أراد أن ينبح يرفع وجهه إلى السماء، وينبح وكأنه ينادي رباً؛ ولهذا بعض أهل العقل الذي نفوا علو الله جل وعلا خاصمهم بعض أهل السنة في ذلك فقالوا لهم: مالنا نرى الكلب إذا أوذي أو احتاج إلى نصير رفع رأسه إلى السماء، وأخذ ينبح في ذلك، فتحيروا في ذلك أن يجدوا جواباً.

    اعتراف أهل الجاهلية بوجود الخالق المدبر للكون

    إن الجاهليين عموماً كانوا يؤمنون بوجود الخالق والمدبر للكون وهو رب الكون وخالقه، فالله هو الواحد الباقي ويؤمنون بذلك؛ ولهذا يقول يزيد بن خذاق الشني يقول:

    هون عليك ولا تُولَعْ بإشفاق فإنما مالنا للواحد الباقي

    يشير بذلك إلى أن مآله ومرده إلى الله جل وعلا، فهم يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سيحشر العباد.

    وهذه النزعة موجودة مع وجود تبديل أو صرف عبادة لغير الله سبحانه وتعالى، ومنهم من يؤمن أن الله جل وعلا هو المسيطر على البلاد والعباد والخليقة ويقرون بذلك، لكنهم يخطئون من جهة الممارسات؛ ولهذا يقول حاتم:

    فارحل فإن بلاد الله ما خُلقِتْ إلا ليُسكن منها السهلُ والجبل

    فهم يعلمون أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق السهل والجبل وجعلها وخلقها للناس، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [البقرة:29]، إن الله سبحانه وتعالى خلق الخليقة وأمر الناس أن يسيروا في الأرض وأن يضربوا فيها، ويعلموا أن الله جل وعلا هو رب الناس، وهو الذي يجزيهم في الخير، ويجزيهم في الشر، ويعاقبهم على ذلك، ويقدر الأقدار عليهم؛ ولهذا يقول متمم بن نويرة:

    جزاء الله رب الناس عني متمماً بخير جزاء ما أعفَّ وامجدا

    يعلمون أن الله جل وعلا هو الذي يجزي على الأعمال، وكذلك يقي الناس مصارع السوء بعملهم الخير، ويعلمون أن الله جل وعلا هو الذي يدبر الكون، ويسير الجمادات، وأنه ينبغي لهم أن يسيروا وفق مراد الله سبحانه وتعالى، ولكنهم في حال سرائهم يقعون في الوهم، ويقعون في الأخطاء والتعلق بالأصنام؛ ولهذا يقول بعض شعراء الجاهلية:

    فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد

    فيه إشارة إلى أن الله جل وعلا قادر على أن يقلب أحوال الناس وأن يركب هذا وهذا، فالله سبحانه وتعالى له الكمال المطلق في ذلك، وله كمال التصرف وهم يؤمنون بذلك إيماناً تاماً مع وجود الإشراك فيهم من جهة أقوالهم، وأعمالهم؛ ولهذا يقول أبو قيس بن الأسلت:

    فلولا ربنا كنا يهوداً وما دين اليهود بذي شكوك

    ولولا ربنا كنا نصارى مع الرهبان في جبل الجليل

    ولكنا خلقنا إذ خلقنا حنيفاً ديننا عن كل جيل

    وهم بهذا يعلمون الفرق بين الحنفية، واليهودية، وبين ما كانوا عليه من حق، وما كانوا عليه من موروث باق من عقائد التوحيد، وبين ما كان فيه غيرهم من تبديل وتحريف من اليهود والنصارى وغير ذلك.

    وكذلك ما كان من الصابئة، وما كان من الرهبان المنقطعين ونحو ذلك، يعلمون الفاصل في ذلك، ولكنهم ربما انصرفوا إلى شيء من عبادة الأصنام، أو رأوها من غيرهم ولم ينكروا، فبعث الله جل وعلا أنبياءه عليهم الصلاة والسلام لدعوة أولئك، ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لقد كان أولئك الكفار يعلمون أن الله جل وعلا هو خالق الكون، والمدبر له والمتصرف فيه سبحانه وتعالى، واللوم في ذلك أنهم -مع إقرارهم الفطري- يكون لعبادتهم الأصنام بشيء من أنواع العبادات.

    وهنا نشير به إلى أن كثيراً ممن يشككون في كفر كثير من الكفرة الذين ظهر منهم ما يناقض التوحيد، ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى لوجود بعض أعمال بر لديهم: من صلة الأرحام والنفقات، مع وقوعهم فيما يخالف أمر الله، هذا نوع من القصور، ونوع من الجهل؛ بل هو من أعظم الجهل.

    1.   

    توحيد الألوهية

    إن توحيد الله جل وعلا ينبغي أن يؤخذ بتمامه، توحيداً بالأقوال على سبيل التمام، والأفعال وكذلك العقائد، وألا يأتي ما يناقضها.

    مخالفة كفار قريش لتوحيد الألوهية

    وكفار قريش يعلمون أن الله جل وعلا هو المدبر والمتصرف بالكون، وأنه هو الذي يقي العباد الشرور ولا يقيها غيره؛ ولهذا يقول أفنون التغلبي:

    لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي إذا هو لم يجعل له الله واقيا

    يعني: أن الله سبحانه وتعالى، هو الذي ينبغي أن يكون ستراً لعبده، وأنه ينبغي أن يتوجه إليه الإنسان؛ لصرف الضر وجلب الخير، ومع ذلك يقعون بالتوجه إلى الأصنام والأوثان، فجعلوها وسائط، وجعلوها شفعاء، إذ أصل المنازعة أنهم لا ينفون قدرة الله جل وعلا وسعة علمه، ولكنهم يثبتون أن لهؤلاء تصرفاً في الكون قالوا: بإذن الله ومشيئته، وهذا نوع من المنازعة والمخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى؛ لهذا كثير من الناس يؤمنون بوجود الخالق، ويسألون الله جل وعلا في بعض أحيانهم، ولكن يقع منهم الكفر والشرك في بعض الصور والأحوال فكانوا من أهل الكفر والردة.

    حصول الكفر بارتكاب بعض شعبه

    وينبغي أن نعلم أن الكفر يتحقق في الإنسان بوجود إحدى شعبه، إن كان أكبر فأكبر، وإن كان أصغر فأصغر، وأما الإيمان فلا يتحقق في الإنسان إلى مع وجود مجموع شعبه والسلامة من ضده؛ ولهذا نعلم أن الإيمان لا يتحقق في الإنسان بوجود شعبة واحدة، فيقال: إن الإنسان إذا وجدت فيه شعبة فهو من أهل الإيمان، هذا لا شك أنه من الجهل؛ لهذا من أعظم لوازم توحيد الربوبية: أننا إذا أثبتنا أن الله هو الخالق والمدبر والمتصرف في الكون، أن نعلم أن الله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده، وإذا علمنا أن الله يرى ويسمع، فلماذا نسمع الله جل وعلا بواسطة غيرنا؟ فإن الله جل وعلا يعلم ما دق، وله الكمال المطلق في ذلك، فيعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون؟ يعني: حتى المحالات لو قدر وقوعها، لعلم الله جل وعلا وقوعها، وعلم آثار وقوعها بما لا يخطر في قلب الإنسان.

    لهذا نعلم أن التوجه في ذلك إنما هو لله جل وعلا وليس لأحد غيره؛ لهذا يستوي الناس في العبودية لله سبحانه وتعالى وسؤاله، لا وسطاء ولا شفعاء بين العباد وبين الله، وفي هذا إشارة إلى كمال الله جل وعلا وكمال ضعف العباد عند الله، فالناس عند الله سبحانه وتعالى كأسنان المشط في أبواب الضعف، ولكنهم فيما بينهم يتباينون من جهة القدرة والقوة، وكذلك المنفعة للناس، فهم فيما بينهم في أمر الدنيا يتصرفون ويحتاج بعضهم إلى بعض، والكل مفتقر تمام الافتقار لله سبحانه وتعالى.

    إذا آمن الإنسان بكمال الله جل وعلا في ربوبيته، فيجب عليه أن يفرد الله بتوحيد الألوهية على وجه الكمال والتمام؛ ولذلك يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]، يعني: أن الله جل وعلا هو الحق الذي ينبغي أن يصرفوا العبادة إليه، وأن ما يدعون من دونه من الوسطاء والشفعاء، وما يجعلونهم شفعاء من دون الله جل وعلا يوصلون إليهم الخير هذا فيه قدح بحق الله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا ليس بحاجة أحد بينه وبين عباده؛ لهذا جاء الإسلام بتحرير العقول، وجاء بأعظم أنواع الحريات على الإطلاق، بتجريد القلب من التبعية لأحد بأن يسأل أن يوصل الخير إلى الله، أو أن يدفع الضر عن الإنسان بشيء لا يملكه إلا الله جل وعلا.

    وأما ما يكون في مقدور الإنسان من دفع ضر، فإن الإنسان ربما يتقي من ذلك بشيء من الجمادات، يتقي الإنسان بدفع ضر الحر بشيء من الاستضلال، أو ربما يدفع البرد بشيء من اللباس ونحو ذلك فهذا قد احتاج إلى شيء من دفع الضر وجلب الخير بشيء من الجماد، فربما يدفع ما هو أعظم من ذلك أو مثله ببني آدم، ولكن هذا من الأسباب القدرية الحسية، وبعض الأسباب الشرعية التي بين الله سبحانه وتعالى أنها أسباب لجلب الخير ودفع الشر، فيأخذها الإنسان؛ لأنها مما هيئ الله جل وعلا للعباد.

    وأما ما لا يمكن أن يكون إلا لله سبحانه وتعالى فصرفه إلى غير الله جل وعلا كفر وشرك.

    إن تحرير القلوب يكون بعدم التعلق بأحد: لا بولي ولا بعالم ولا بوسيط.

    مهمة العلماء في بيان الحق

    والعلماء مقامهم في الإسلام أنهم يبينون الحق للناس؛ لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت غاية وجوده في أمة الإسلام أن يبلغ الحق، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67]، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه، هذا غاية ما يجب عليه، فإذا كان كذلك فإن هذا البلاغ يحمله العلماء بعده إلى الناس، فإذا كانت هذه مهمة النبي عليه الصلاة والسلام، فمهمة العلماء ورثة الأنبياء كذلك من باب أولى أن يبلغوا العلم للناس، لكنهم لا يملكون حرماناً من الجنة، ولا إدخالاً في النار، ولا توبة لأحد، ولا رفعاً لمنزلة أحد عند الله جل وعلا.

    إنما يبينون بالنص أن ذاك الفعل خطأ، وذاك الفعل صحيح، وذاك القول خطأ، وذاك القول صحيح، والدليل على ذلك ما ظهر من الكتاب والسنة، فيدللون على ذلك كتاباً وسنة، لا بالتحسينات العقلية، ولا بالأهواء، ولا بحظوظ النفس، كما يفعل أهل الضلال من كفار قريش، ومن الأحبار والرهبان من اليهود والنصارى، الذين يجعلون أنفسهم أبواباً بين العباد وبين الله، فلا يتوب أحد إلا عندهم، ولا يصل القرابين إلا إلى الله جل وعلا عن طريقهم؛ فإن هذا هو الضلال وهو الإشراك مع الله عز وجل غيره، فالتحليل والتحريم لله فيما دل عليه النص، فلا حرام إلا ما حرمه الله، ولا حلال إلا ما أحله الله، ومن خالف ذلك فقد جعل مع الله جل وعلا شركاً في ذلك، يقول الله جل وعلا مبيناً أن الحكم له: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، ويقول الله جل وعلا: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، يعني: أنه ينبغي لأهل الإيمان أن يعلموا أن الفيصل في ذلك والحكم في الحلال والحرام هو ما بينه الله في كتابه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    من شكك في شيء ثبت تحريمه بالكتاب، واستقر عليه الأمر في كتاب الله، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأطبقت على قطعيته الأمة من السلف الصالح فقد كفر وخرج من الإسلام ولو طبق بقية أحكام الدين؛ وذلك أنه قد كذب أمر الله، وجعل لغير الله جل وعلا حقاً في التشريع في التحليل والتحريم، أما ما عدا ذلك مما لم يبين بأنظمة الناس وأحوالهم وتشريعاتهم، كتشريعات الحياة، وتشريعات الأنظمة الإدارية التي تكون مثلاً: في أحوال الناس، في ذهابهم وإيابهم، وحضورهم وانصرافهم، كأنظمة الطرق وغير ذلك، فإن هذا الأصل فيه أنه موكول إليهم ينظمونه كما ينظم الإنسان نومه ويقظته، وينظم الإنسان طعامه وشرابه بتقديم أو تأخير أو وقت معين، فإن هذا من الأمور التي هي من شأن الناس، أما ما بين الله جل وعلا أمره وفصله أحسن تفصيل في كتابه فليس لأحد أن يجعل بين الله جل وعلا وبين عباده مشرعاً غير الله.

    1.   

    توحيد الأسماء والصفات

    النوع الثالث من أنواع التوحيد: وهو أن يعتقد الإنسان أن الله جل وعلا واحد في أسمائه وصفاته، فلله جل وعلا الأسماء الحسنى والصفات العلى.

    معنى توحيد الأسماء والصفات

    وقد بين الله سبحانه وتعالى ذلك في كتابه العظيم في قوله جل وعلا: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180]، أي: لله جل وعلا الأسماء الحسنى التي ليست لغيره، وأن الله جل وعلا قد قص هذه الأسماء وذكرها في كتابه، وذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في سنته، ولكن هذا الأسماء ليست لأحد إلا لله، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، أي: أنه لا ينبغي للإنسان أن يجعل لله جل وعلا شبيهاً، فيقول: إن لي سمعاً كسمع الله، وبصراً كبصر الله ونحو ذلك، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، بل يقال: إنما المشابهة إنما هي في الأسماء، وأما من جهة الحقيقة فإن لله جل وعلا في ذلك الكمال المطلق؛ لهذا الله جل وعلا نفى المشابهة في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، وأثبت الصفات والأسماء له جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، فالله ليس كمثله شيء، ومع ذلك فهو سميع بصير، يعلم الله سبحانه وتعالى أحوال الناس، ويبصر مواقعهم، ويعلم من أحوالهم ما لم يعلموه هم من أحوالهم؛ لهذا ينبغي في أسماء الله وصفاته أن نقبلها كما جاءت في كلام الله جل وعلا، وأن نعلم أن لها معاني، وأنا لا نعلم حقيقتها حقيقة تامة، ولا نحيط بها علما، كذلك أن نعلم أن لها ظاهراً، ولها حقيقة، وأما تكييفها وتشبيهها بأحد من العباد، أو بيان صفة أنها تشبه صفة من صفات المخلوقين، فهذا مناقض لقول الله جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    وكذلك ينبغي أن نتقرب إلى الله جل وعلا بها، فندعو الله سبحانه وتعالى بها، فندعو الله جل وعلا بسمعه، وندعو الله سبحانه وتعالى بكونه البصير، فنقول: يا سميع يا بصير ونحو ذلك، ونسأله جل وعلا بأسمائه الحسنى، ونتقرب إلى الله جل وعلا بذلك.

    ما يقتضيه الإيمان في باب الأسماء والصفات

    قال الله جل وعلا مبيناً أعظم ما يجب على العبد في هذا المقام هو أن يدعو الله بها؛ لهذا قال الله جل وعلا: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف:180]، يعني: أن الإنسان يجب عليه أن يؤمن في باب أسماء الله وصفاته بأمور:

    أولها: أن يؤمن أن لله أسماء، وهذا ظاهر في قوله جل وعلا: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف:180]، فاللام هنا للاستحقاق وعدم المشاركة، وأسماء الله جل وعلا الحسنى ليس فيها شيء من صفات النقص أو معاني النقص كما يجعله بعض أهل الضلال من اليهود والنصارى وأشباههم ممن انتسب إلى الإسلام.

    الأمر الثاني: أن يدعى الله جل وعلا بها؛ لهذا قال الله جل وعلا: فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، والدعاء بها على معانٍ متعددة، فالإنسان يستحضر هذه المعاني، ويعرفها؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيح: ( إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة )، يعني: من عرف معناها، وعمل بمقتضاها.

    وكذلك فإنه من جهة عمله يستحضر أن الله جل وعلا رقيب عليه في حال خفائه، فيعلم أن الله سميع إذا تكلم بينه وبين أحد، وإذا تصرف أو فعل شيئاً في ظلمات الليل والنهار والخلوات يعلم أن الله بصير، وأنه عليم، وإذا كان قادراً على غيره يعلم أن الله أقدر عليه منه على غيره، فيرحم الضعيف ويحترم الكبير، فهذا من العمل بأسماء الله وصفاته.

    وكذلك إذا رأى جباراً ظالماً باغياً في الأرض، أن يعلم أن الله جل وعلا أعظم منه، وأنه قادر على الانتقام منه، وأن الله جل وعلا يمهله، ولكنه لا يهمله سبحانه وتعالى، فإذا رأى أحداً قد لطف الله جل وعلا به فأنجاه من كارثة تذكر أن الله جل وعلا لطيف بعباده، فيستحضر هذه المعاني في ذهابه وقيامه، وكذلك في نظره في أمر الكون، إذا نظر في أحوال السموات والأرض والأفلاك والمجرات، ونظر في الجبال والأرض، ونظر إلى الأودية، ونظر إلى الإبل تأمل قدرة الله جل وعلا وإبداعه في خلقه، فإن الإنسان يعمل أسماء الله جل وعلا في أمثال هذه المعاني.

    وكذلك إذا احتاج إلى الله وهو في حاجة على سبيل الدوام بنازلة نزلت به فيرفع يديه إلى السماء فيسأل الله جل وعلا بأسمائه وصفاته؛ لهذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أبي هريرة ( الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء فيقول: يا رب! يا رب! يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟! )، فهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله إذا وقع في نازلة، ويقدم بين يدي ذلك بسؤال الله بأسمائه بصفاته، وألا يقول: اللهم أعطني كذا وهب لي، وادفع عني، وهذا من الدعاء الصحيح، لكن الأولى في ذلك أن يدعو الله عز وجل بهذه الأسماء، فيسأل الله جل وعلا فيقول: اللهم كذا، أو يا رب السموات والأرض! أو خالق السماء والأرض! يا سميع! يا بصير! يا ربي! ونحو ذلك، فهذا من سؤال الله جل وعلا بأسمائه وهو من أعظم وجوه التعبد لله جل وعلا.

    الضالون في باب الأسماء والصفات

    الأمر الثالث: هو أن يحذر الإنسان من المنحرفين في هذه المعاني وهذه العقائد؛ ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم بعد ذلك: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180]، الذين يلحدون في أسماء الله هم طوائف متنوعة: الذين يشبهون أسماء الله جل وعلا وصفاته بأحوال المخلوقين وصفاتهم، فيقولون: إن لله جل وعلا سمعاً كسمعنا، وبصراً كبصرنا ونحو ذلك، هذا من التشبيه الذي نزه الله جل وعلا عنه نفسه.

    كذلك الذين يعطلون هذه الأسماء والصفات عن حقيقتها، فيقولون: إن الله جل وعلا سميع بلا سمع، وأنه بصير بلا بصر، هذا إفراغ لهذه الأسماء وهذا المعاني من محتواها، وهذا ضرب من ضروب الضلال، ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى؛ لهذا ينبغي للمؤمن أن يعرف قيمة هذه المعاني وتوحيد الله جل وعلا على الوجه الذي أراد الله سبحانه وتعالى لا على الهوى والذوق.

    وأعظم ما يضل الإنسان في هذا المعنى أنه إذا ورد إلى ذهنه شيء قام بتفسيره بشيء من الأمور التي راءها قبل ذلك، فالإنسان حينما يذكر لديه شخص لم يره فيقول: أتعني فلاناً؟ فإنه يستحضر صورة معينة من الدخول والخروج أو الهيئة؛ ولهذا كثير من الناس يترقبون أناساً لم يروهم على صورة ارتسمت في أذهانهم، فهذا الذي استقر عند كثير من طوائف الضلال، فحينما يقرؤون أسماء الله عز وجل وصفاته يستحضرون شيئاً في أذهانهم رُسم، فيقومون بالتشبيه والتمثيل، أو ربما يضجرون من التشبيه والتمثيل الذي وقع في أذهانهم فينقبضون من ذلك، فينفون عن الله عز وجل حقيقة الأسماء، وهذه النفرة بين الله سبحانه وتعالى نفي أصلها في قوله جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وذلك أن عقل الإنسان هو انعكاس لما يراه أو راءه قبل ذلك، فإذا ذكر عند الإنسان شيء غائب فإنه يتصوره على شيء راءه قبل ذلك.

    إذاً: فهو لا يتصور إلا بشيء قد راءه، والله جل وعلا لم يره الإنسان من قبل؛ لهذا ينبغي له أن يكل صفات الله جل وعلا وأسماءه إلى الله جل وعلا.

    والله سبحانه وتعالى لا يراه إلا عباده المؤمنون بما أذن الله جل وعلا لهم يوم القيامة, حينما يأذن الله عز وجل برؤيتهم له في الجنة، وهذه هي الزيادة التي وعد الله سبحانه وتعالى عباده بها؛ ولهذا ينبغي أن نعلم أن الله جل وعلا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    1.   

    خطر الإشراك بالله تعالى

    إذا تحققت لدينا حقيقة هذه المعاني في أسماء الله جل وعلا وصفاته, فينبغي لنا أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد بين خطر نقيض هذا التوحيد, وهو الإشراك مع الله عز وجل غيره، وأنه سبحانه وتعالى بين خطر الإشراك, وأنه أعظم ذنب يعصى الله عز وجل به في الأرض، وأن من مات على كفره فليس من أهل الإيمان وليس له أحكام المسلمين من الدعاء له، والاستغفار، وإرث أهل الإيمان له.

    وهذا فيه إشارة إلى عظم الكفر بالله, والإشراك مع الله عز وجل غيره، مما ينبغي للإنسان أن ينفر منه نفرة تامة، وألا يوالي إلا أهل الإيمان.

    كذلك ينبغي عليه أن يتفقه بمعرفة أنواع الشرك، فكما تقدم معنا أن الإنسان لا يتحقق بمعرفة حقائق الأشياء إلا بمعرفتها بذاتها، ومعرفة نقيضها، ومعرفة التوحيد لا يتحقق له على سبيل التمام، إلا بمعرفة أنواع الشرك؛ لهذا كثير من الناس ضلوا فيما ضلوا فيه في أبواب التوحيد؛ لكونهم عرفوا بعض رسوم التوحيد، ووقعوا في الشرك, بزعم أنها لا تناقض ذلك التوحيد الذي عرفوه، فوقع كثير من الناس في بناء الأضرحة والقبور، والمزارات والطواف حولها، وسؤالها من دون الله, ويظنون أن هذا لا ينافي ما عرفوه من التوحيد، وهو ينافيه جملة وتفصيلاً.

    لهذا ينبغي للإنسان أنه كما يعرف التوحيد أن يعرف الإشراك مع الله عز وجل غيره، وأن يعرف صوره وأنواعه التي حذر الله منها في كتابه العظيم، وحذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته، وأن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع الوسائل المفضية إلى الإشراك مع الله عز وجل غيره, من تعظيم الأشخاص, وتعظيم الجمادات، وتعظيم الموتى.

    لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا ربه ألا يكون قبره وثناً يعبد, يعني: من دون الله جل وعلا، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عظم تعظيم الأشخاص فوق حقهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم )، يعني: لا ترفعوني فوق منزلتي حتى مع الوقت يتدرج الأجيال فأعبد من دون الله.

    لهذا كثير من الناس يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم -وقد نهى عن ذلك- فيسألونه من دون الله، أو ربما دعوا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم, من أتباعه, وأصحابه, أو آل بيته، فيقولون: يا حسين أو يا علي بن أبي طالب أو يا زينب أو يا بدوي أو غير ذلك.

    فهؤلاء يسألون مخلوقات هي دون مقام النبوة بالاتفاق، فإذا كان لا يجوز ذلك في حق محمدٍ صلى الله عليه وسلم, فكيف يجوز بمن دونه؟

    لهذا وقع كثير من الناس في الإشراك مع الله, كما وقع كفار قريش ولكن بصورة ذوات إسلامية، لا بذوات سابقة للإسلام، وكفار قريش عبدوا أشخاصاً قبل الإسلام, والذين أشركوا مع الله غيره عبدوا أشخاصاً في الإسلام، وينتسبون لمحمد صلى الله عليه وسلم, فما صرفوه إليهم هو نفس النوع الذي صرفه كفار قريش, فطافوا على القبور, ونذرو عندها, وذبحوا لها، وأتوها بالقرابين، وسألوها جلب الخير، ودفع الضر، وسألوها جلب الوظائف، وجلب المواليد، والرزق، وكشف المدلهمات، وإزالة الغم، والهموم ونحو ذلك، وهذا هو الشرك الذي وقع فيه كفار قريش أعاذنا الله من ذلك.

    وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، يعني: لا تشركوا مع الله عز وجل غيره، فإذا صرف الإنسان شيئاً من العبادة التي لله لغير الله على أي نوع: على نوع الوساطة, أو على نوع الانفراد؛ لأنه يستحق العبادة من دون الله, أو أنه هو الإله فقد كفر بالله عز وجل كفراً أكبر، أعاذنا الله من ذلك.

    ولعلنا نتكلم في الدرس القادم على مسائل الإشراك مع الله، وأنواعها وصورها الأكبر منها والأصغر، الدقيق منها ولجليل, حتى يكون الإنسان على بينة وحذر منها.

    أسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لمرضاته، وأن يسلك بي وبكم منهجاً قويماً وصراطاً مستقيماً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.