إسلام ويب

طرق استنباط الأحكام الفقهية من السنةللشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للسنة النبوية مكانة عظيمة في الإسلام؛ فهي وحي من عند الله تعالى، ويحتاج أهل العلم أن يرجعوا إليها ليستنبطوا الأحكام الفقهية منها، ومن الطرق المعينة للاستنباط: كثرة المحفوظ منها، ومعرفة المصطلحات الشرعية والأقوال السلفية، ومعرفة لغة العرب التي وردت بها السنة, وأسباب ورود الحديث, والحذر من أسباب الخطأ في الاستنباط؛ كالاعتماد على أقوال المتأخرين دون المتقدمين في فهم النصوص الشرعية, وما أشبه ذلك.

    1.   

    مقدمة في الحديث عن السنة النبوية

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فعنوان مجلس هذا اليوم: هو كيفية استنباط المسائل الفقهية من السنة النبوية، وهذا العنوان من الأهمية بمكان، وهو الدلالة التامة لمعنى الفقه في دين الله سبحانه وتعالى، وذلك أن الإنسان إذا لم يؤت فهماً ولم يؤت استنباطاً لم يكن من أهل الفقه على الإطلاق، ومن آتاه الله جل وعلا درايةً وفهماً وقدرةً على معرفة السياقات والدلالات فقد آتاه الله سبحانه وتعالى أسباب الفقه ووسائله التي توصله إليه، وهذا من الأمور التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم، وأن يعتني بها المتعلم أياً كان مستوى تعليمه.

    مكانة السنة النبوية ومنزلتها

    الله سبحانه وتعالى أنزل كتابه العظيم, وأنزل سنته على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلها وحياً تاماً به صلاح البشرية التي لا يمكن أن تستقيم في أمر دينها ودنياها إلا بهذا الوحي، وجعل الله سبحانه وتعالى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كالقرآن من جهة الاحتجاج، فقد بين تعالى أن السنة وحي يتلى, كما جاء في قول الله جل وعلا: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    وكذلك قال غير واحد من العلماء: إن سنة النبي صلى الله عليه وسلم نزل بها جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نزل بالقرآن؛ ولهذا قد قال غير واحد من العلماء: إن السنة وحي يتلى، أي: كما يتلى القرآن، وقد نص على هذا الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الرسالة, وكذلك ابن حزم الأندلسي في كتابه الإحكام, وغيرهم من العلماء، فالسنة هي كالقرآن من جهة الاحتجاج, وهي وحي يتلى ينبغي للإنسان أن يتعبد به حفظاً ومعرفةً وفهماً وعملاً كما يتعبد بالقرآن؛ ولهذا من قال: إن القرآن هو الحجة فقط مجرداً عن السنة فهو على طريق من طرق الزنادقة الذين أرادوا أن يتملصوا من الإسلام، ولكن بطريقة الاجتزاء أو أخذ شيء وترك شيء، كطرائق أهل الكتاب الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.

    جمع العلماء للسنة وتدوينهم لها

    السنة النبوية كثيرة متوافرة، وقد جمعها العلماء وكفوا الأمة التي تأتي بعدهم جمعها وكذلك تدوينها، وكذلك تمييز الصحيح من الضعيف غالباً، فقد جمعوا ذلك وأحصوه في مدونات معلومة هي موجودة حتى عند المتأخرين بأسانيدهم إلى أولئك الأئمة.

    لما حفظت السنة في هذه الكتب قل الحفظ عند العلماء وعند طلاب العلم, وأصبحوا يعتمدون على هذه الكتب وبقيت آلة الفهم، إلا أن الحفظ من جهة أهميته من الأمور المهمة للعالم ولطالب العلم؛ وذلك أن الإنسان إذا لم يكن من أهل الحفظ والدراية بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضعف لديه السبر وضعف لديه القياس وإلحاق النظائر والمتشابهات ونحو ذلك، فإذا لم يكن لديه مخزون من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يضعف لديه الاستنباط ويضعف لديه القياس واستحضار الأدلة والتدليل عليها عند الحاجة إليها، وكذلك رد حجة المبطل حينما يحتج بشيء من الأهواء أو من الأقيسة، فإذا لم يكن الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضراً ضعف الإنسان عن رد ذلك.

    1.   

    أهمية الحفظ وأثره على الاستنباط

    لهذا نقول: إن من أعظم المهمات التي تعين الإنسان على فهم الدليل والاستنباط منه: أن يكون الإنسان من أهل الحفظ، فإذا لم يكن من أهل الحفظ لكلام الله ولكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعف عنده الاستنباط، وذلك أن الإنسان كلما كان من أهل الحفظ والملكة في ذلك والإكثار من حفظ النصوص عرف ألفاظ النبوة, وعرف أيضاً المعاني التي يوردها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل جرى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بدمه واستطاع حينئذ أن يستنبط، وكذلك أن ينفي الألفاظ المنسوبة للنبي عليه الصلاة والسلام وليست منه.

    فإن الإنسان يستطيع أن يستنكر بعض المتون؛ لأنه يحفظ عن ذلك المنقول عنه شيئاً يخالف ذلك بأصح الأسانيد، لهذا العلماء استعملوا تلك الطريقة في أبواب العلل، فهم لا يردون السنة بمجرد العقل والاستحسان والتقبيح، وإنما يردون المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث بالأحاديث الثابتة الأخرى، فهم يرون أن النصوص ترد النصوص: إما بنسخها, وإما بترجيح بعضها على بعضها، وإما برد المخالف في ذلك والمتفرد فيه ببيان نكارته من جهة مخالفته للثابت في ذلك المستقر من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إن الفهم والاستنباط للأدلة لا يلزم معه أيضاً أن يكون الإنسان حافظاً لزوماً تاماً، بل يقال: إن هذا من أولوياته وأصوله، ويختل الفهم لدى الإنسان بضعف قوة وملكة الحفظ لديه؛ وذلك لما تقدمت الإشارة إليه.

    ولكن قد يكون الإنسان حافظاً ولا يكون من أهل الفهم والاستنباط؛ لعدم وجود الأسباب الأخرى المقترنة بالحفظ؛ وذلك لأن الإنسان مثلاً يكون ضعيفاً في لغة العرب، وكذلك أيضاً ضعيفاً بمعرفة فتاوى الفقهاء من الصحابة وغيرهم بمعرفة كيفية استنباط الأدلة، وكذلك أيضاً أن يكون ضعيفاً بفهم المصطلحات الشرعية التي نزل عليها النص من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أو يأخذ تلك المحفوظات على سبيل العجلة، فمن أخذها على سبيل العجلة ضعف من جهة الفهم واستعجل أيضاً من جهة الأخذ فهماً؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الإنسان ينبغي له أن يبلغ الدليل ولو لم يحفظ أو لم يفهم المعنى الوارد فيه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الترمذي وغيره من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فبلغها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه ) ، أي: أن الإنسان ينبغي له أن يحفظ الأدلة وأن يبلغها غيره، فربما دارت تلك المعاني والأفهام إلى أناس يستنبطون من الأدلة ما لا يستنبطه الإنسان الأول؛ فإن الشريعة ينبغي أن تدور في الناس.

    لهذا نجد أن كثيراً من العلماء يستنبطون بعض المسائل الشرعية والأحكام من جهة الاستنباط الدقيق مما لم يكن أو لم يقع لمن سبقهم وهذا فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى -كما جاء في الصحيح لما سئل عن الصحيفة- قال: ما فيها إلا فهم آتاه الله عبداً من عباده، أي : أن الله جل وعلا قد يؤتي إنساناً فهماً لا يؤتيه آخر، وهذا أيضاً ظاهر في قول الله جل وعلا: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79] ، مع أنهما في مقام النبوة، إلا أن سليمان امتاز على أبيه بفهم مسألة لم يفهمها داود، وهذا لا يعني سقوطاً في المنزلة ولا ضعفاً في أهلية العلم، ولكن هو تمييز لغيره لبعض الحكم الإلهية التي يريدها الله سبحانه وتعالى.

    ونحن في الأزمنة المتأخرة أحوج ما نكون لمسائل الاستنباط من الأدلة، وكذلك تنزيل الأحكام الشرعية على وقائع الحال، فنحن نعيش نوازل كثيرة سواء في أبواب العبادات أم أبواب المعاملات، أم في أبواب الأخلاق والسلوك والآداب، أم غير ذلك. بل أيضاً في كثير من أمور عادات الناس نحتاج إلى كثير من النصوص الشرعية لفهم وجوه الاستنباط حتى ننزلها على أحوالنا ونستأنس بذلك ونستمسك بشيء من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الأمور المعينة لاستنباط الأحكام الفقهية من الأدلة الشرعية

    ونشير في هذا المجلس إلى شيء من المسائل المتعلقة بالفهم وأهلية الاستنباط التي تتحقق في طالب العلم:

    كثرة المحفوظات من نصوص الكتاب والسنة

    أولها: ما تقدمت الإشارة إليه: أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون من أهل الحفظ، ومعنى ذلك: أن يكون حافظاً لكلام الله حافظاً لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلما كثر لديه المحفوظ استطاع أن يجمع النظائر وأن يفهم المصطلحات والسياقات، وكذلك لغة النبي عليه الصلاة والسلام، فإن الإنسان إذا خالط رجلاً لسنوات طويلة وعرف كلامه وفعله وقيامه وقعوده وذهابه ومجيئه سبر حاله، وإذا نقل إليه قول يختلف عن تلك الأحوال فإنه ربما يستنكر ذلك؛ لأنه يخالف ما سبره من حاله، كذلك إذا أطلق عبارة من العبارات استطاع أن يوجهها على ما يريد قائلها، لا على ما يفهمها سامعها الذي يسمعها عرضاً.

    ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم وجه الصحابة في هذا المعنى إلى حفظ السنة وأهمية تدوينها، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال البخاري في كتابه الصحيح: باب كتابة العلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اكتبوا لـأبي شاه ) ، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي هريرة أن يحفظ السنة فحفظها ولم ينس منها شيئاً عليه رضوان الله تعالى، فكان أكثر الصحابة حفظاً لأقواله عليه الصلاة والسلام.

    كذلك أيضاً ظهر حرص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتابة العلم كما أمر بذلك جماعة فيما يتعلق بكلام الله سبحانه وتعالى، وتجلى ذلك واضحاً في زمن أبي بكر و عمر و عثمان.

    وكذلك أيضاً في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كان القرآن يكتب في ألواح، وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة السنة في بداية الأمر؛ حتى لا تختلط بالقرآن عند من لم يكن من أهل السليقة؛ لأن الناس ليسوا على سليقة واحدة، وربما يأتي أحد من الموالي أو الأعاجم ونحو ذلك فيأتي بلفظ لا يفهمه أنه من كلام الله، فالقرآن نزل على لغة العرب من جهة القوة والإعجاز والبلاغة، فإذا جاء إلى كلام العرب يظن أن هذا الكلام كله خرج بلفظ واحد فيدخل هذا في هذا فيقع الخلط حينئذ؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لما دون القرآن في زمن عثمان اكتفي بهذا التدوين وانتشر القرآن في الآفاق فأرسل إلى كثير من البلدان، ثم بعد ذلك دون الناس السنة وحرصوا عليها.

    ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين وغيرهما لما جاء وفد عبد قيس، قال: ( احفظوها وبلغوا بها من ورائكم ) ، يعني: أنه ينبغي للإنسان أن يحفظ العلم ويبلغ به من وراءه؛ لعل من وراءه يستنبط من ذلك حكماً شرعياً.

    إذاً: أول المسائل التي تعين الإنسان في فهم السنة والاستنباط منها: هو كثرة المحفوظ، أن يحفظ الإنسان الأدلة فإنه يستطيع بذلك القياس وكذلك بيان الناسخ والمنسوخ بمعرفة الأزمنة.

    معرفة المصطلحات الشرعية

    الأمر الثاني من وجوه الاستنباط: أن يعرف الإنسان المصطلحات الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية.

    فقد نزل هذا الوحي بلغة العرب وبلغة قريش على الأكثر؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما كان أفصح العرب كان أفصح الناس بياناً ببيان كلام الله سبحانه وتعالى لأمته؛ لهذا القرآن الكريم أفصح وأولى من يفسره من نزل عليه وهو النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يروى عنه قوله، قال: ( ولدتني قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر، فأنى يأتيني اللحن؟! ) ، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب لا يمكن أن يلحن بقوله بأي شيء، ولو كان ذلك من أدنى وجوه اللحن.

    وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان مع فهمه لكلام الله سبحانه وتعالى أن يفهم المصطلحات الشرعية التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فهمها النبي عليه الصلاة والسلام؛ لهذا تتفق الأمة قاطبة على أن تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن مقدم على تفسير غيره، ولو كان من الصحابة، والأصل في ذلك أن تفسير كلام الله بأقوال الصحابة أو بأقوال النبي عليه الصلاة والسلام إذا حصل فيها ما يوهم التعارض أنه من خلاف التنوع لا من خلاف التضاد؛ ولهذا يقول سفيان الثوري -كما رواه سعيد بن منصور في كتابه التفسير- قال: ليس في كلام الله اختلاف وإنما هو تنوع، يعني: تنوع ألفاظ، تأتي عبارة وتفسر بعبارة أخرى فيدخل هذا في هذا، والخلاف في ذلك فيه من جهة الأمر سعة.

    فيكون فهم المصطلحات الشرعية التي نزل بها القرآن أو جاءت بها السنة من كلام العرب، فالقرآن والسنة جاءا على كلام العرب على أصح وأسلم وأفصح لسان، هذه المصطلحات حينما تأتي في كلام العرب نستطيع أن نقول: إن هذه الألفاظ التي جاءت في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتي من جهة المعاني على معانٍ هي أوسع من ذلك، فكلمة: الصلاة إذا أردنا أن نرجعها إلى كلام العرب من القرشيين وغيرهم، نجد أنها شاملة للعبادة التي يتعبد بها الإنسان وشاملة للدعاء وشاملة لبعض الأفعال البدنية التي يفعلها الإنسان ولو على غير تعبد، كذلك أيضاً شاملة لبعض المواضع في جسد الإنسان، ولكن إذا أردنا أن نلحقها بهذه المعاني وهي معانٍ من جهة لغة العرب صحيحة، فهذا من الخطأ، وإنما نلحق ذلك بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فسره بقوله وفعله، فنقول: الصلاة المراد بها: الصلاة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم هي ذات الأفعال المخصوصة، وهذا كما لا يخفى.

    ولهذا من أراد أن يذيب السنة بلغة العرب وأن يبطلها وأن يفرغها من محتواها بكلام العرب فإنه يستطيع، وهذا من وجوه وطرائق أهل الأهواء؛ لهذا ينبغي لنا أن نفهم المصطلحات الشرعية التي نزل عليها النص.

    النبي صلى الله عليه وسلم بين أن أصح مصطلح جاء فيه في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المصطلح الذي كان عليه أهل الحجاز أهل مكة والمدينة؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما جاء في الصحيح من حديث المزني- قال: ( لا تغلبنكم الأعراب على صلاتكم، فإنهم يسمون المغرب العشاء ) ، الأعراب ممن كان حول المدينة وهم من العرب ومن الفصحاء، لكنهم يسمون المغرب: العشاء، ويسمون العشاء: العتمة، وذلك أنهم يحلبون إبلهم في العتمة، إذا أراد الإنسان أن يرجع ذلك إلى كلام العرب يجد أن ثمة توسعاً في معنى العشاء ومعنى العتمة فيخلط في هذا الأمر، فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد للصحابة أن يضبطوا المصطلح حتى لا يختلط ذلك في الأدلة الشرعية؛ لهذا أعظم الأدلة التي ينبغي للإنسان أن يكون على حياط منها أن يضبط المصطلحات الشرعية؛ حتى يستطيع أن يستنبط من ذلك حكماً كما يريد الله سبحانه وتعالى.

    رجوع الإنسان إلى لغة العرب وأشعارهم ليفسر النصوص الشرعية مجردة عن فهم المصطلح الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام وأهل المدينة، هذا من أعظم المضلات للإنسان، ولكن يستعمل اللغة العربية ويعتمد على أشعار العرب بعد فهم المواضعة التي كانت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لألفاظ النبوة.

    قد يكون الإنسان نائياً عن بلدان المدينة ولو بمسافة قليلة، وذلك كبلاد طي؛ فإن بلاط طي ليست ببعيدة عن المدينة وهي أقرب من نجد بكثير؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه عدي بن حاتم الطائي عليه رضوان الله تعالى وبقي في المدينة، وكان من جهة لغته والمواضعة التي كان عليها تختلف عما كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] ، أراد عدي بن حاتم أن يطبق ذلك الدليل فرجع إلى التفسير اللغوي لذلك، فقال عدي بن حاتم عليه رضوان الله تعالى: عمدت إلى عقالين: أسود وأبيض فوضعتهما تحت وسادتي، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إنما هو سواد الليل وبياض النهار ) ، في إنكار النبي عليه الصلاة والسلام عليه، مع أن استدلاله من جهة اللغة صحيح، إذا أراد الإنسان أن يرجع ويستنبط من هذه الآية أو من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم استنباطاً صحيحاً فيرجع إلى قواميس اللغة يجد أن كلمة الأبيض وكلمة الأسود المراد بها: الظلمة والنور، أيضاً من جهة الخيط المراد به هو الحبال ونحو ذلك، فهذا استنباط وتفسير صحيح، ولكنه خالف المصطلح الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فورد عليه الخلاف للنص.

    ولهذا نقول: على الإنسان الذي يريد أن تتحقق فيه آلية الاستنباط والفهم: أن يفهم المصطلح الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما هي الوسيلة إلى هذا المصطلح وفهمه وإدراكه؟ نقول: ما تقدمت الإشارة إليه أحد وسائله: وهو أن يكثر الإنسان من المحفوظ، إذا أكثر الإنسان من حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظ وعرف مراده، وإذا أكثر من حفظ سنة النبي عليه الصلاة والسلام في باب من الأبواب أدرك مراد النبي عليه الصلاة والسلام بهذه العبارة، فهو يخصص الألفاظ العربية العامة بمقاصد محدود معينة أرادها النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا جاء لفظ وسياق وكان لديه محفوظات كثيرة استطاع أن يفهم مراد النبي عليه الصلاة والسلام، أما من لم يكن لديه محفوظ وجاءه نص مجرد، فإنه يرجع في ذلك إلى السليقة أو يرجع في ذلك إلى المواضعة في زمنه، أو يرجع في ذلك إلى كلام العرب الأوائل إلى العام المستفيض؛ فإن كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء مخصوصاً ومحدداً على شيءٍ من بعض وجوه كلام العرب الصحيح.

    لهذا نقول: ينبغي للإنسان أن يفهم المصطلح، ومن أشهر أخطاء كثير ممن يستنبطون المسائل الفقهية من السنة: القصور في فهم المصطلحات، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على ذلك, وبين أن جهل كثير من الفقهاء أو بعض المتفقهة بالمصطلحات في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلهم يفسرون النصوص على المصطلح الذي كان في أزمنتهم، وهذا كثير جداً كبعض المصطلحات التي يخطئ فيها كثير من الناس، كتفسير الغناء بالمعازف، فلم يكن العرب في الزمن الأول يفسرون الغناء بالمعازف، وإنما كانوا يفسرون الغناء بالإنشاد, فهذا المعروف عنهم، ولهم تفسير في بعض وجوهه إذا التحق به معازف، أما أن يعزف الإنسان مجرداً من غير كلام ويسمى: غناء، فهذا ليس في كلام العرب.

    لهذا نقول: إن الله جل وعلا قد أنزل القرآن وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبينه للناس، فالبيان من الله جل وعلا: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:19] ، أي: على الله جل وعلا، وهذا البيان كيف يأتي للأمة؟ يأتي بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، والنبي عليه الصلاة والسلام معصوم لا يقع في خطأ في التشريع، وإلا لأصبح الخلل في ذلك لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، جل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

    الإلمام بفقه السلف ومعرفة وسائل ذلك

    ومن الوجوه التي يفهم فيها الإنسان وجوه الاستنباط: أن يكون بصيراً بفقه السلف الصالح.

    وأعظم الوسائل التي يستعين بها الإنسان في فهم وجوه الاستنباط في كلام السلف الصالح هو: فهم الفتاوى والأقوال الفقهية الواردة عن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وهذا أيضاً من أعظم الأسباب التي تعين الإنسان على فهم السنة النبوية والاستنباط منها، السلف الصالح من التابعين وأتباع التابعين -رغم تقدم زمنهم ورغم أهليتهم من جهة اللغة وأهليتهم من قرب السنة لديهم- إلا أنهم لا يتجاوزن النص الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد أذهانهم ويتجاوزون الصحابة عليهم رضوان الله تعالى.

    يقول إبراهيم النخعي : كل نص يأتيني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعمل به أحد من الصحابة لا أبالي أن أرمي به، ومراده بذلك ليس استهانة بالنص.. لا، وإنما الصحابة إذا نزل النص عليهم هم أولى الناس بالاتباع، لماذا نقول: أولى الناس بالاتباع، هل لأنهم من المعصومين؟ لا، نقول: ليسوا بمعصومين، ولكن الله عز وجل قد زكاهم، فيبعد أن ينزل عليهم النص ولا يعمل واحد على الأقل فيهم بهذا النص، وإذا تركوه كلهم فهذا إفراغ لمعنى التزكية في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم أولى بالامتثال.

    ولهذا نقول: إذا لم يعمل به أحد من الصحابة فنقول: إن هذا النص قد دخله دخيل، والدخيل في ذلك إما أن يكون قضية عين لا عموم لها، وإما أن يكون أيضاً من المنسوخات، وإما أن يكون هذا النص الوارد عن رسول الله هو من النصوص التي طرأ عليها الخلط في معناها، والمعنى في هذا أن الناقل لها قد وهم في بعض ألفاظها أو قلبها، أو ربما ظن أو كذب في حكايتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكذب في ذلك في النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير؛ لهذا اعتمد الأئمة عليهم رحمة الله تعالى على فتاوى الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بالأخذ بذلك والاعتماد على أقوال الأئمة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى حتى يصح لهم الاستنباط.

    والوسيلة في ذلك: هو أن يعمد الإنسان في مسائل الاستنباط إلى أقوال الصحابة وأقوال التابعين وأقوال أتباع التابعين، ويرتبهم على هذا الترتيب.

    فأولى الناس اعتماداً في أبواب الفقه في أمور العبادات هم أهل المدينة، ويليهم بعد ذلك أهل مكة، فيعمد الإنسان إلى أقوال الصحابة، والصحابة عليهم رضوان الله تعالى هم بمجموعهم على طبقة واحدة، وُيقدَّم في ذلك السابقون الأولون؛ لأنهم أقرب الناس في فهم النصوص الشرعية، وكالعشرة المبشرين بالجنة ومن جاء بعدهم عليهم رضوان الله تعالى، ثم بعد ذلك يستوي الصحابة من جهة الفضل، ويختص بعضهم ببعض الخصائص التي امتاز بمعرفتها، مثلاً بمعرفة الحلال والحرام، أو بمعرفة المواريث، أو بمعرفة أحكام الجهاد، أو بمعرفة أحكام البيوع، ومعرفة بعض المسائل في السياسة الشرعية ونحو ذلك، وبعضهم أيضاً امتاز في أبواب التفسير كما جاء هذا عن عبد الله بن عباس، وكذلك أيضاً جاء عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى.

    وعلى هذا نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يقدر أقوال الصحابة حق قدرها؛ حتى يفهم النص كما فهموا ولا يخرج عن قولهم، فالإجماع إذا ورد عن الصحابة لا يجوز الخروج عنه بحال، يقول الإمام أحمد رحمه الله -كما نقل القاضي ابن أبي يعلى في كتابه الطبقات- قال: الإجماع إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم تبع لهم، أي: أنه ينبغي للإنسان أن يعتمد على قولهم إذا ورد عنهم الإجماع، وإذا لم يرد عنهم الإجماع ورد في ذلك الخلاف.

    ينبغي للإنسان أن يستعمل أحد وجوه الترجيح، ووجوه الترجيح في ذلك كثيرة مثل: أن يمتاز أحدهم بباب من الأبواب، مثل: القرب من النبي عليه الصلاة والسلام في باب، فأمهات المؤمنين مثلاً هن من أقرب الناس فهماً لمعرفة المسائل المتعلقة بأمور النساء كمسائل العدد والنكاح والمعاشرة وغير ذلك، والقسم بين الزوجات ونحو هذا.

    وأما ما يتعلق في البيوع والشراء فالرجال هم أشهر في ذلك وأقرب إلى فهم الأدلة في هذا، فيقدمون ببعض القرائن الحسية، وكذلك بعض القرائن التي تعرف من جهة التاريخ، وكذلك أيضاً مخالطة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأكثر مخالطة للنبي عليه الصلاة والسلام يقدم على غيره كالعشرة المبشرين بالجنة.

    فالصحابة عليهم رضوان الله تعالى أقوالهم لها مظان، كمصنف ابن أبي شيبة و عبد الرزاق، وكذلك السنن الكبرى للبيهقي, ومعرفة سنن الآثار أيضاً له، والأوسط لـابن المنذر, وكذلك قبل ذلك موطأ الإمام مالك, وكتب ابن عبد البر كالاستذكار والتمهيد، وكذلك أيضاً جملة من الكتب التي تعتني بهذا كتهذيب الآثار لـابن جرير الطبري , وكذلك أيضاً تفسيره؛ وهو جامع لكثير من المسائل المروية في تفسير آيات الأحكام، وكذلك تفسير أحكام القرآن لـإسماعيل القاضي, وكذلك تفسير عبد بن حميد وتفسير ابن المنذر وتفسير ابن أبي حاتم ، ويأتي في ذلك أيضاً مصنفات كثيرة اعتنت ببعض المسائل كمسائل الحج في أخبار مكة للأزرقي و الفاكهي ، وكذلك أيضاً ما يتعلق ببعض المسائل المتعلقة بالأموال كالأموال لـأبي عبيد ، وكذلك ما يتعلق في مسألة القضاء لـوكيع ونحو ذلك، فهذه مصنفات كثيرة تعتني وتهتم بأقوال السلف الصالح في كثير من الأبواب والأقضية.

    معرفة الأماكن والتخصصات المتعلقة بالمسألة الشرعية

    ونشير أيضاً إلى بعض المسائل التي تعين الإنسان في مسائل الاستنباط وما يتعلق بفقه الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، فمن ذلك: أن من الصحابة من يكون أنه أولى بغيره من جهة الفهم، فالصحابة عليهم رضوان الله تعالى الذين كانوا في المدينة هم أهل زراعة، وكذلك من التابعين عليهم رضوان الله تعالى ممن أقام في المدينة، فإنهم أقرب إلى فهم مسائل المزارعة من غيرهم؛ ولهذا جابر بن عبد الله عليه رضوان الله تعالى قال: وما يدري أهل مكة بهذا؟ يعني: بمسائل الزراعة؛ وذلك أن الزراعة هي من خصائص أهل المدينة؛ لأنهم أولى بذلك ومعيشتهم في الغالب منها.

    وأما أحكام الحج والمناسك والعمرة ونحو ذلك فإنه يرجع فيها إلى فقه أهل مكة؛ فإنهم يقدمون على غيرهم، وكذلك أيضاً من يعتني بقضايا الجهاد والسفر إليه فإنه أيضاً أولى من غيره، وأيضاً ما يتعلق بأمور الأقضية، قضاة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كـعمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب و أبي بن كعب و زيد بن ثابت و معاذ بن جبل و عبد الله بن مسعود وأضرابهم، هؤلاء هم من القضاة.

    القضاة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة، والذين تقدمت الإشارة إليهم، وهم مدرستان: مدرسة عمر بن الخطاب، ومدرسة علي بن أبي طالب.

    هذا على جهة التفصيل كما أشار إلى هذا غير واحد من التابعين، مثل قتادة، كما رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة حينما ذكر القضاة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    معرفة التابعين المعتنين بفقه الصحابة

    وكذلك أيضاً مما يعين الإنسان في الاستنباط للأدلة: أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى لهم طلاب مختصون بأقوالهم، وهؤلاء الطلاب لهم درجات ومراتب من جهة الاختصاص وطول المكث والملازمة، ومعرفة المسائل الشرعية, كـعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن مسعود لهما أصحاب كثر، كذلك أيضاً عمر بن الخطاب فممن اعتنى بفقهه: سعيد بن المسيب , فهو من أعلم الناس بفقه عمر بن الخطاب، ولو لم يسمع منه، بل كان عبد الله بن عمر إذا جهل شيئاً من فقه أبيه أرسل إلى سعيد بن المسيب ، كذلك أيضاً أناس قد اشتهروا وعرفوا بمعرفة الحلال والحرام ككثير من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كـعكرمة و سعيد بن جبير و محمد بن سيرين و الحسن البصري و سليمان بن يسار و سعيد بن المسيب وغيرهم كـخارجة بن زيد.

    ونقول: يعتني الإنسان غالباً في أمور الأحكام التي تدور على الإنسان في اليوم والليلة على عمل أهل المدينة, ولا يخرج عنهم غالباً الحق، إذا أطبقوا على ذلك فالقول لا يكاد يخرج عنهم، وإذا لم يطبقوا ووقع لديهم شيء من الاختلاف في ذلك فيرجع الإنسان بحسب المرجحات الأخرى في هذا، كبعض القرائن في مسائل القياس, وبعض القرائن في مسائل الكثرة، وكذلك أيضاً الفتاوى الواردة عمن سبقهم في هذا من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، هذا مما يعين الإنسان على فهم النصوص الشرعية وفهم المصطلحات التي يرد عليها النص.

    معرفة أسباب ورود الحديث النبوي

    كذلك أيضاً من الوجوه التي تعين الإنسان في معرفة الاستنباط: أن يعرف الإنسان أسباب ورود الحديث النبوي، فما من قول -في الأغلب- يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وله سبب ورود، وأسباب ورود السنة النبوية هي كأسباب نزول آي القرآن؛ لهذا العلماء رحمهم الله يهتمون في كلام الله جل وعلا بما يسمى: بأسباب النزول، وصنفوا في ذلك مصنفات كثيرة, إلا أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام فيها إعواز شديد في هذا الباب، وعدم العناية في ذلك متقدمة.

    ولعل انصراف العلماء رحمهم الله عن عدم جمع أسباب ورود الحديث النبوي يرجع إلى أن السنة النبوية كانت مستفيضة كثيرة جداً، وهي من جهة الألفاظ والعدد أكثر من القرآن, وهي مفسرة ومبينة له، والتفسير ينبغي أن يكون أكثر من النص المفسر.

    فلما كان القرآن محدوداً اعتنى العلماء بما يعين على فهمه، فجمعوا ما يسمى بأسباب النزول، وجمعوا أيضاً التفسير والدواوين في ذلك، أما سنة النبي عليه الصلاة والسلام فهي أكثر من المجموع من كتب التفسير لفظاً الوارد عن كلام الله سبحانه وتعالى؛ لهذا شق تمييز هذا عن هذا, واحتاج إلى كثير ممن يعتني بهذا الأمر، وثمة مصنفات في هذا الباب متأخرة كأسباب ورود الحديث للعسكري وغيره، وأسباب ورود الحديث للسيوطي رحمه الله.

    إذاً: معرفة سبب ورود الحديث مما يعين الإنسان على فهم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعينه أيضاً في الاستنباط، ومعنى ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما يقول قولاً وكان فيه مناسبة من المناسبات، فإن هذه المناسبة تفسر ذلك النص، فإذا وجه النبي عليه الصلاة والسلام الخطاب لفرد فإنه يختلف عن قوله على المنبر، فإذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر بصيغة الأمر فهذا فيه إشارة إلى التأكيد؛ لأن الخطاب على العامة، والعامة لا يستوون على حد معين؛ ففيهم الضعيف وفيهم الكبير، وفيهم المرأة وفيهم الرجل, وفيهم أيضاً الصغير، وفيهم المريض وذو الحاجة ونحو ذلك، حينما يوجه النبي عليه الصلاة والسلام الخطاب بالأمر للناس عامة هكذا على المنبر يختلف عن الأمر لفرد، كأن يقول: افعل كذا، أو أمرني النبي صلى الله عليه وسلم بهذا ونحو ذلك، فهذا من وجوه أسباب الفهم التي تعين الإنسان على فهم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضاً تجعل الإنسان يفهم قوة الأمر من ضعفه، وبحسب مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبر لحاله, فغالباً الأوامر إذا اتجهت لجماعة تكون واجبة، والأوامر إذا اتجهت لأفراد تكون مستحبة, هذا هو الغالب، إذا أخذنا الأمر مجرداً عن سياقاته ومجرداً أيضاً عن سبب وروده، فإن هذا يجعل هناك اختلالاً في فهمنا للنص الشرعي، كذلك أيضاً ينبغي أن نفهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يأمر أمراً بعد سؤال، والأمر بعد سؤال يختلف عن الأمر بلا سؤال، إذا بادر النبي عليه الصلاة والسلام بأمر من غير حاجة ظاهرة للمخاطب، فإن هذا يدل على تأكيد ذلك المأمور به، وأما إذا وجه الأمر بعد سؤال -ولا يعرف ذلك الأمر إلا في هذا الموضع من السنة النبوية- فإن الأغلب في ذلك أن يكون هذا الأمر على وجه الاستحباب.

    كذلك الأمر إذا وجه إلى صبي يختلف عما إذا وجه لشيخ كبير أو رجل مكلف، النبي صلى الله عليه وسلم حينما يخاطب عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى فيقول: ( يا غلام! سم الله, وكل بيمينك, وكل مما يليك )، هذا توجيه للغلام، نقول: النصوص الشرعية كالتسمية قد جاءت فيها نصوص كثيرة؛ لهذا نميل مثلاً إلى وجوب التسمية، أما مسألة أن يأكل الإنسان مما يليه، هل نقول بالوجوب؟ نقول: النبي عليه الصلاة والسلام أمر بأن يأكل عبد الله بن عباس مما يليه حثاً للأدب، فيكون هذا من أمور الآداب؛ لأن الخطاب متوجه إلى صبي، ولو كان يتوجه إلى جماعة أو إلى كبير لاحتمل أن يكون ذلك قرينة على أن هذا الأمر محمول على الوجوب، ولكن لما توجه إلى صبي كان هذا من القرائن التي نفهم منها أن الأمر ليس على التأكيد.

    فإذا أخذنا النص مجرداً من غير فهم سبب وروده فنقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( سم الله، وكل مما يليك ) ، فهذا نحمله على الوجوب على الإطلاق ولا نستطيع أن نفصل في هذا؛ ولهذا نجد أن كثيراً من النصوص الشرعية الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجردها المصنفون على الأبواب كما في كتب السنن ونحو ذلك عن أسباب ورودها.

    وطالب العلم إذا أراد أن يقف على سبب وورد حديث فينبغي له أن يرجع إلى كتب المسانيد، والكتب المصنفة على الأبواب كالصحيحين, وكذلك السنن الأربع وسنن الدارمي وأمثالها، فهذه تصنف على الأبواب؛ فتورد المناسبة في الأغلب ولا تريد الإطالة، وإذا أراد الإنسان أن يقف على الخبر بتمامه وسياقه ينبغي له أن يرجع إلى كتب المسانيد, كمسند الإمام أحمد ومسند أبي يعلى ومسند ابن السراج وكذلك أيضاً المسانيد الأخرى، أو يرجع إلى المعاجم كمعجم الطبراني الكبير والصغير، وكذلك يرجع إلى مسند البزار وغيرها، فإن هذه المسانيد تورد الحديث بتمامه بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستطيع أن يستنبط أوله وآخره.

    الوقوف على النص تاماً غير مجتزأ

    كذلك أيضاً مما يعين الإنسان على الاستنباط: أن يقف على النص تاماً لا مجتزئاً حتى يفهم المقترنات، فدلالة الاقتران قرينة سواءً قلنا بقوتها أو ضعفها.

    ومعنى دلالة الاقتران: أن يأتي أمر عطف على أمر آخر، أو يأتي معنى عطف على معنى آخر ولو كان بغير الأمر، أو فعل عطف على فعل آخر، فهذا من القرائن التي يفهم بها الإنسان ذلك، فحينما يتوجه الإنسان مثلاً بخطاب إلى شخص فيأمره فيقول: صل كذا واشرب كذا والبس كذا؛ فإن الشرب والأكل واللبس هذه متباينة، فحينما نقول: إن هذه الصلاة التي يأمر بها ذلك الآمر لا تكون واجبة، لماذا؟ لأنها قرنت بالأكل واللباس، واللباس هو من الأمور الاختيارية التي ترجع إلى الإنسان؛ لهذا نقول: الاقتران في ذلك أعطانا قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى ما دونه من المراتب، إما أن يكون ذلك على الاستحباب فيكون من أبواب الآداب، أو يكون ذلك من أمور التوجيه والإرشاد للإنسان.

    جمع النصوص الواردة في باب معين

    وكذلك أيضاً من الأسباب المعينة للإنسان في مسألة الاستنباط: أن يجمع الإنسان النصوص الواردة في باب الحديث، فإذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص من النصوص الشرعية في باب من الأبواب، مثلاً: في أبواب الصيام ونحو ذلك كمسائل الفطر أو مسائل السحور، فينبغي للإنسان إذا أراد أن يفهم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أن يجمع النصوص الواردة في ذلك كله.

    فمثلاً: النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( تسحروا؛ فإن في السحور بركة ) ، النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسحور، فهل نقول: إن هذا الأمر على الوجوب فنوجب السحور؟ نقول: ينبغي لنا أن نجمع أحاديث الباب، فإذا جمعنا أحاديث الباب كلها وجدنا أن النبي عليه الصلاة والسلام يواصل اليوم واليومين والثلاثة، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يواصل فإنه يلزم من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يتسحر، فإذا قلنا بذلك نعلم أننا بجمعنا لأحاديث الباب نستطيع أن نحكم أن الأمر في ذلك ليس على الوجوب، وإنما هو على الاستحباب، وهذا له نظائر كثيرة في كل باب من أبواب الدين، فما يتعلق في أبواب المعاملات، وكذلك أيضاً ما يتعلق بأبواب العبادات.

    معرفة لغة العرب وأشعارها

    كذلك أيضاً من الوجوه المعينة للإنسان في مسائل الاستنباط: أن يكون الإنسان عارفاً بلغة العرب وأشعارهم، وذلك أن الإنسان عند التعارض والتضاد في كلام بعض العلماء، أو ورود بعض الألفاظ التي لم يرد فيها فتيا عن السلف الصالح، فنقول: إنه حينئذ يرجع الإنسان في مثل هذا إلى كلام العرب، وأفصح العرب قاطبة هم القرشيون، ومتقدمو الصحابة عليهم رضوان الله تعالى أولى بالأخذ في الاحتجاج بكلامهم ممن جاء بعدهم، ثم الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يتفاضلون في هذا الباب طبقةً ثم طبقة.

    ولهذا العلماء رحمهم الله في أبواب الاستدلال والاستنباط يعتمدون على كلام العرب الأقحاح بعد فهم ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفهم الصحابة, فإنهم يعتمدون على كلام العرب الأقحاح، حتى في أبواب العلل نجد العلماء رحمهم الله إذا كان الإسناد من الأسانيد المكية أو المدنية وهو إسناد فيه عرب من أوله إلى آخره فهذا من وجوه الترجيح على بعض الأسانيد التي لا يتخللها عرب، وذلك أن الموالي ربما يخطئون ببعض ألفاظهم؛ بسبب العجمة أو اللحن أو اللكنة التي تقع في ألسنتهم، فربما حرفوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث لا يشعرون، وقد أعل غير واحد من العلماء بعض الأحاديث بشيء من ذلك.

    لهذا نقول: إن الأسانيد المكية والمدنية المسلسلة بذلك هي أقوى من غيرها؛ وذلك لوجوه متعددة: منها الفصاحة والبيان الذي لديهم؛ فإنهم لا يروون لفظاً فيحيلونه عن معناه، وكذلك من الوجوه المرجحة لها أن أولئك لم ينتشر فيهم الكذب يعني: في مكة والمدينة كما انتشر في غيرها من البلدان، وإنما ظهر ذلك متأخراً في مكة والمدينة، مع انتشاره وكذلك وجوده على وفرة في كثير من البلدان حتى في زمن التابعين في بعض بلدان العراق، وكذلك أيضاً في مصر ونحو ذلك، وكذلك في بعض البلدان الإفريقية، وهذا إنما نقول به لأنه ينبغي للإنسان أن يميز بين مراتب أهل الطبقات الأولى الذين يعينونه على فهم مراد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة القول والفعل.

    معرفة أحوال رسول الله

    وكذلك أيضاً من الوجوه المعينة لهذا الأمر: أن يفهم الإنسان أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحوال النبي عليه الصلاة والسلام على مراتب: أقوال وأفعال، والأفعال الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحوال: أفعال تعبدية, وأفعال عادة, وأفعال جبلة.

    فالأصل في أحوال النبي عليه الصلاة والسلام أنها من أمور العبادات، ولا تخرج عن ذلك إلا بقرائن تخرجها إلى العادة وإلى الجبلة، فالألبسة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها كان يلبسها كما كان العرب كلهم حتى الكفار يلبسونها، فالنبي عليه الصلاة والسلام يلبس العمامة ويلبس الإزار والرداء كما كان كفار قريش يلبسونها كـأبي لهب و أبي جهل وغيرهم، وكان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يلبسون ذلك، فيكون حينئذ هذا ليس من السنة وإنما هو من أمور العادة.

    وكذلك أيضاً ما كان من أمور الجبلة التي يفطر عليها الإنسان: أن يشتهي الإنسان شيئاً من الطعام أو لوناً منه، فهذا من الأمور التي يفطر عليها الإنسان؛ لهذا تجد الإنسان لا اختيار له، يشتهي طعاماً وأخوه من أمه وأبيه يشتهي طعاماً ولوناً آخر، ولا مرغب لهم في ذلك من أحد أو موجه وإنما هي الفطرة؛ ولهذا نقول: النبي صلى الله عليه وسلم قد يشتهي شيئاً من الطعام ويكون ذلك من أمور الجبلة التي يجبل عليها الإنسان.

    لكن يخرج عن هذا إذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام أو حث فقال: افعلوا أو كلوا ونحو ذلك، فإن هذا من الأمور التي تخرج ذلك الأمر من أفعال العادة أو الجبلة إلى أفعال العبادة.

    1.   

    أخطاء الاستنباط من النصوص الشرعية

    الرجوع إلى كلام المتأخرين دون الرجوع إلى الأصول المتقدمة

    إن من الأمور التي يخطئ فيها الإنسان في مسألة الاستنباط: أن يرجع في فهمه لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كلام المتأخرين مجرداً من رجوع إلى الأصول المتقدمة، وهذا من الوجوه الخاطئة؛ ولهذا فالفقه بحاجة إلى أن يرجع إلى منبعه الأصلي، بحاجة إلى أن يرجع إلى أقوال التابعين فالصحابة فالكتاب والسنة؛ فإن هذا أسلم ما يكون إليه الإنسان وروداً.

    كذلك أن الرجوع إلى كلام المتأخرين يصرف القلوب ويجعل للمتأخر هيبة على النص، فمن يأخذ المسائل الفقهية ويريد أن يفهمها كما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأخذها بكلام المتأخرين فهذا يريد أن يبدأ من القرن الخامس عشر ثم يصعد بعد ذلك إلى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يأتي القرون المفضلة إلا وقد امتلأ قلبه هيبةً للقائلين المتأخرين، فأخذ حينئذ يجير النصوص الشرعية التي جاء فهمها في كلام الصحابة عليهم رضوان الله تعالى وفي كلام التابعين.

    لهذا أسلم طريقة في ذلك أن يرجع الإنسان في فهم النصوص من الوحيين إلى الكتاب والسنة، ثم كلام الصحابة ثم كلام التابعين ثم أتباع التابعين، فإذا انتهت القرون المفضلة بعد ذلك فليفاضل ما شاء؛ فإنه حينئذ يصلب عوده وتقوى الهيبة للنص الشرعي لديه ولا يستطيع أن يقدم قول أحد على غيره.

    فإذا تمكن الإنسان من هذه الطريقة فإنه حينئذ يكون من أهل الدراية والمعرفة والتمكن، وأن يجعل هيبةً لمن جعل الله عز وجل له هيبة وهم أصحاب القرون المفضلة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين وغيرهما من حديث عمران بن الحصين ، قال: ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ).

    أخذ العلوم الشرعية من غير تأنٍّ ولا روية

    ومن الأمور الخاطئة التي يقع فيها من يريد استنباط الأحكام الشرعية: أن يأخذ العلوم الشرعية من جهة الحفظ والفهم على وجه المسارعة، وهذه تظهر في كثير ممن سلك طريق العلم على سبيل الابتداء فيبتدئ مسرعاً ويأخذ العلم كالظمآن نهماً في ذلك، فهذا يوقع الإنسان في الوهم والغلط؛ ولهذا الله عز وجل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعجل بالقرآن، فإذا كان هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لمن جاء بعده من باب أولى؛ لهذا وجه الله جل وعلا نبيه فتوجه، وأدبه فتأدب وحسن خلقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، لماذا؟ لأن الله عز وجل هو الذي رباه وهو الذي أدبه.

    كذلك أيضاً من الأمور المهمة في هذا: أن يعلم أن المسارعة في تحصيل العلوم الشرعية وجدت حتى في الصدر الأول، فكان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يحذرون منها، فقد جاء عند الإمام عبد الله بن أحمد في السنة وغيره من حديث الأصم أن عبد الله بن عباس كان جالساً عند عمر بن الخطاب فجاءه رجل من عماله، فقال: ما فعل الناس؟ فقال: قرأ القرآن منهم كذا وكذا، أي: كأنه يريد أن يبين أنهم حصلوا كذا وكذا من القرآن وانصرفوا إليه، فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ما وددت أن يسرعوا به هذه المسارعة، فزجر عمر بن الخطاب عبد الله بن عباس رضي الله عنه، فقال: ما الذي قلت؟ عبد الله بن عباس يقول: فذهبت مهموماً مغموماً على وجهي فكنت طريح الفراش، فعادني نسوة من أهلي وما بي وجع إلا ذاك، يعني: الكلام، قال: فبينا أنا كذلك إذ قيل لي: أجب أمير المؤمنين، قال: فقمت إلى أمير المؤمنين، فقال: ما الذي قلت آنفاً؟ فقال عبد الله بن عباس : والله ما أردت إلا خيراً، قال: يا أمير المؤمنين! إني لا أحب أن يسرعوا فيه هذه المسارعة؛ فإنهم إذا أسرعوا فيه هذه المسارعة احتقوا، وإن احتقوا اختلفوا، وإن اختلفوا اختصموا وإن اختصموا اقتتلوا، فقال عمر بن الخطاب : لله أبوك! ما زلت أكتمها حتى قلتها، يعني: ما زلت أكتم هذه المهمة وهذه المسألة حتى قلتها، يعني: خشية أن أسيء للناس، أو ربما من باب الورع أو المقاصد التي قصدها عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى وهي حسنة، إلا أن عبد الله بن عباس رضي الله عنه بين هذا الأمر.

    والمراد من ذلك: أن الإنسان كلما كثر حفظه للسنة أو لكلام الله عز وجل أو لكلام السلف الصالح ولم يكن من أهل التأني وقع في الوهم والغلط؛ ولهذا يقول عبد الله بن عباس : اختصموا واقتتلوا، أي: أن كلاً منهم يزعم أنه صاحب الحق؛ ولهذا كان كثير من أهل الطوائف الإسلامية التي ظهرت هم من أهل الحفظ للسنة والحفظ لكلام الله عز وجل كالخوارج ونحو ذلك، لكن أخذوها على سبيل الاجتزاء وعلى سبيل السرعة ففاتهم شيء من الاستنباط؛ ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يكون من أهل التأني والدراية في ذلك، وأن يكون أيضاً من أهل المراس وطول النظر للنصوص بجمع أحاديث الباب وجمع آيات الباب؛ فإن الشريعة وشائج يفسر بعضها بعضا، ولها صلة ببعضها ولا ينكر بعضها بعضاً.

    فإذا وجد نصاً يضاد نصاً آخر وكلها صحيحة، فإنه ينبغي أن ينصرف في ذلك إلى معرفة المتقدم والمتأخر، وكذلك معرفة العام والخاص, وكذلك الراجح من المرجوح، وقبل ذلك الصحيح من الضعيف، وهذه من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يكون على فهم منها، وهي ما يتعلق بمعرفة الصحيح من الضعيف مما يعين الإنسان على فهم الأدلة الشرعية، إذا كان الإنسان لا يحسن معرفة الأحاديث الصحيحة من الضعيفة فإنه يقع لديه الوهم في الاستنباط؛ نقول: كيف يكون أثر الصحة والضعف على فهم الإنسان في الاستنباط؟

    نقول: السنة من جهة صحتها وضعفها على مراتب: منها ما هو قوي صحيح، وإذا قلنا: قوي صحيح في هذا الباب، يعني: أنه يغلب على الظن وروده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظه، وإذا قلنا: إن صحته متوسطة كما نقول في الأحاديث: إنها حسنة، ونقول في الأحاديث: إنها جيدة أو لا بأس بها أو فيها ضعف يسير، هذا يعني: أن ثمة ظناً أن هذه الأحاديث قد رويت بالمعنى، فإذا كانت هذه الأحاديث قد رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعنى ففيه إشارة إلى أن ثمت دخيلاً قد أدخل على هذه الأحاديث ببعض التفسيرات التي جاءت عن أولئك القوم، سواء كانوا من التابعين أو من الصحابة أو عن سيد الخلق عليه الصلاة والسلام ببعض الأحاديث الواردة عنه.

    لهذا نقول: إنه ينبغي لطالب العلم أن يعرف مراتب السنة النبوية، فهناك بعض الرواة مثلاً يأتي بالأحاديث على المعنى، ويضعف من جهة روايته بلفظه، وهذا يغلب على أهل الفقه والدراية، وهذا كبعض الأحاديث التي ينفرد بروايتها مثلاً الكوفيون والبصريون وأمثالهم، وأما إذا روى الحديث -كما تقدمت الإشارة- أهل المدينة فنقول: أهل المدينة على قسمين من جهة الرواية: رواة لهم دراية ورواة ليس لهم دراية، الرواة الذين لهم دراية هؤلاء هم أقرب الناس إلى إيراد الحديث كما كان عند شيوخهم كما سمعوه وهؤلاء كثر، وأولهم الفقهاء السبعة من أهل المدينة، فإذا كان الإنسان على معرفة بمراتب هؤلاء صح له الاستنباط وسلم من الخلل والنظر في ذلك.

    الاعتماد على متن من المتون مجرداً عن الأدلة

    من الأخطاء التي تقع للإنسان في أمور الاستنباط للسنة النبوية: أن يعتمد الإنسان ابتداءً على متن من المتون مجرداً عن الأدلة.

    كثير من طلاب العلم يعمدون إلى الكتب الفقهية مجردة، وهذا مما يجعل تلك القلوب تتشرب تلك الأقوال أو يسبق إلى أذهانهم أو قلوبهم فهم من الأفهام غير ما أراده الله عز وجل، إما لمصطلح سائد لديهم، وإما لتفسير خاطئ فهموه من قول القائل ونحو ذلك.

    لهذا نقول: إن هذا ليس تزهيداً في كتب الفقه، وإنما هو دلالة وإرشاد إلى أنه ينبغي لطالب العلم أن يجمع مع الكتب الفقهية أدلة شرعية، فلا حرج عليه أن يحفظ كتاباً من الكتب الفقهية التي تعين الإنسان على فهم المسائل الفقهية، ككتب الفقه مثلاً في مذهب الإمام أحمد كمختصر الخرقي، أو زاد المستقنع أو دليل الطالب أو غيرها، أو مثلاً في مذهب الإمام مالك رحمه الله والكتب في ذلك كثيرة كمختصر خليل ، وكذلك الرسالة لـابن أبي زيد القيرواني ، وكذلك أيضاً في مذهب الشافعي رحمه الله كمتن أبي شجاع , ومذهب أبي حنيفة والكتب في ذلك أيضاً كثيرة، يعمد الإنسان إلى شيء من هذه الكتب لا حرج عليه أن يقدم مذهباً على آخر، لكن شريطة أن يقرن في ذلك الأدلة على الطريقة السابقة.

    إذا عمد إلى ذلك صح لديه الفهم وصح وسلم لديه الاستنباط، واستطاع حينئذ أن يترسخ رسوخاً جيداً مقترناً بالأدلة ومهتدياً بكلام العلماء ومعترفاً ومقراً بفضلهم، أما أن يعمد الإنسان إلى فهم شيء من كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقوال الفقهاء، فإن هذا يشق عليه أن يتجرد من تلك الأقوال التي سبقت إلى ذهنه، وخاصةً الإنسان في ابتداء الطلب كبعض طلاب العلم الذين يبتدئون مثلاً العلم الشرعي مبكراً في سن الصغر قبل البلوغ فيحفظون المتون الفقهية، فهذا يصعب عليهم أن ينتزعوا عن فهم ما ترجح فيها إلى فهم الأدلة، وكذلك ما كان عليه فتيا السلف الصالح ومعرفة إجماعهم، فيصعب أن يتحولوا عن ذلك إلا بعد زمن طويل وربما عقود.

    لهذا نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يأخذ الكتب الفقهية ويقر بفضل أهلها، ولكن يقرنها بالأدلة الشرعية من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى يسبق فهمه على فهم غيره إلى الصواب، وهذا هو المنهج الذي كان عليه المحققون من الأئمة، بل كان بعض الأئمة رحمهم الله لا يحبذون تدوين شيء من الفقه وإنما فهم الأدلة، ولكن نقول: إن هذا لما كانت السليقة قوية وكانت اللغة جيدة وكانت الأقوال الصحيحة منتشرة، ولم تكن الأقوال الشاذة قد امتلأت بها الدنيا، أما في زماننا فنقول: إن الإنسان ربما فهم شيئاً من النصوص الشرعية وفسرها على غير مراد الله عز وجل.

    لهذا فالصواب في ذلك والحق في هذا أن الإنسان يعتمد على شيء من الكتب الفقهية ويقرنها بالأدلة الشرعية، وإذا تجرد عن الأدلة الشرعية وقع في الوهم والغلط وسوء الاستنباط، وكذلك صعب أن ينتزع وأن يتحول عن ذلك الفهم إلى الفهم الصحيح من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ضرورة الاهتمام بالنية الصالحة في طلب العلم

    وقبل ذلك كله وبعده أيضاً كله: أن يلازم الإنسان فيما بين ذلك النية الصالحة، فينبغي للإنسان أن يصاحبها في ابتداء عمله وكذلك في آخره؛ فإن الإنسان إذا علم الله عز وجل منه إخلاصاً وصدقاً في قوله وفعله أعانه وسدده؛ فإن النية لها أثر عجيب في إصابة الإنسان للحق وإعانته عليه وتسديده، وصاحب النية السيئة والمقاصد غير الحسنة الذي يتوجه مثلاً بطلبه للعلم بفهمه وحفظه إلى مدح فلان أو قول فلان فإن هذا يكسل، أي: أنه يكسل في السر وينشط في الباطل، ونشاطه في السر إذا لم يكن مستمراً على الدوام ظاهراً وباطناً فهذا علامة شؤم.

    وطالب العلم المحق الجاد الذي يستمر على الحق باطناً وظاهراً ويجد في طلب العلم ويجتهد في ذلك، فإنه إذا علم الله عز وجل منه صدقاً سدده وأعانه وأخذ بأسباب التوفيق والسداد والإعانة، وهذا هو الذي يتوجه إليه الصالحون من طلاب العلم، أما من توجه في طلب العلم للسمعة أو الرياء ونحو ذلك، أو للمدح وحبه، فهذا لا يجتمع في قلبه المخلص مع طلب العلم على وجه الحقيقة، وذلك أن الإنسان يكتنفه مخاطر عظيمة في هذا؛ ولهذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما جاء في الصحيح من حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة ) ، وذكر منهم النبي عليه الصلاة والسلام: ( رجلاً تعلم العلم فقيل له: ما فعلت به؟ فيقال: يا رب تعلمت العلم وعلمته فيك، فيقال له: إنما تعلمت العلم ليقال: عالم، فيؤمر به فيسحب في النار ) ، والعياذ بالله.

    لهذا نقول: إنه ينبغي للإنسان إذا كانت عاقبته كذلك، فإن الله عز وجل قد قدمه على سائر المعذبين، لماذا؟ لأنه يقود غيره إلى الجنة ويقود نفسه إلى النار؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يكون قائداً لنفسه إلى الجنة، وأن ينجو بنفسه في يوم لا ينفع مال ولا بنون، حتى إن الإنسان في ذلك يريد الخلاص من نفسه يريد ولو حسنةً من أبيه أو أمه أو زوجه وبنيه، وهذا إذا وفق الإنسان إلى الإخلاص والنية كفي ما كان من فزع وهول يوم القيامة، وكذلك كفي من العقاب، وكذلك أن لا يكون من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.

    وأسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لمرضاته، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من الهداة المهتدين، وأسأله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه، وأن يسلك بي وبكم منهجاً قويماً وصراطاً مستقيماً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.