إسلام ويب

حائية ابن أبي داود [2]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا يصح التوقف في ذلك، ولا قول لفظي بالقرآن مخلوق، وأن هذا ليس من فعل السلف، ورؤية الله ثابتة حقيقة يوم القيامة، ونثبت لله الصفات مع التنزيه عن النقائص وعن التشبيه والتعطيل والتحريف.

    1.   

    حكم التوقف في القول أن كلام الله غير مخلوق

    [ ولا تك في القرآن بالوقف قائلاً كما قال أتباع لجهم وأسجحوا ].

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:

    لا زال المصنف عليه رحمة الله تعالى يتكلم على مسألة كلام الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل قد تكلم على الحقيقة، وأن القرآن الكريم كلام الله جل وعلا ليس بمخلوق، وحينما ظهر قول الجهمية قول الجهم بن صفوان ومن تبعه، امتنع وأمسك بعض من ظن التورع أو الخوف، فأمسكوا عن القول في هذه المسألة، فقالوا: إنا لا نقول أن القرآن مخلوق ولا نقول أنه ليس بمخلوق.

    وذهب إلى هذا بعض من يظن فيه الخير والعلم، وظنوا أن ذلك مسلك وسط، وكذلك ظنوا أو زعموا أن هذا فيه خلاصاً ومخرجاً من هذه الفتنة، وهؤلاء فيهم شبه من الجهمية، وتأثرهم بقول الجهمية ظاهر، وذلك أن الذي دفعهم إلى هذه المسألة، أي: الإمساك عن القول فيها، مع تقرر وإجماع هذا القول عند السلف الصالح من الصحابة والتابعين، هو التورع أو الخروج من الخلاف، وبعضهم لم يقابل قول المبتدعة ولم يشر إلى هذه المسألة إشارة، ومعلوم أن هذا نوع من الإمساك وعدم القول بأن كلام الله عز وجل ليس بمخلوق.

    والواجب على من أراد الصواب والحق أن يجابه أهل البدع بما يخالف بدعتهم، ولذلك الصحابة عليهم رضوان الله تعالى لم ينقل عنهم كثيراً من النصوص من القول بأن القرآن ليس بمخلوق؛ لأن البدعة لم تنشأ في عصرهم، فلا حاجة إلى إظهار هذا القول، ولذلك لا يقال: أنه يجب على العامي أو المتعلم أن يتعلم أن كلام الله سبحانه وتعالى ليس بمخلوق، بل يقال: يجب عليه أن يتعلم أن الله عز وجل تكلم على الحقيقة، لكن إذا كان ثمة قول لأهل البدع ظاهر فيجب عليه أن يعتقد خلافه وأن يعلن خلافه.

    وقد كانت مسائل الاعتقاد، ومسائل الأسماء والصفات مسلمة تجري على ظاهرها، إثباتاً لها على الحقيقة، وإنما كانوا يطلقون الإجمال على سائر الأسماء والصفات على الظاهر وعلى الحقيقة، ولكن لما ظهرت أقوال المبتدعة من القول بخلق القرآن ونحو ذلك، أصبح أمثال هذه المسائل علماً على أهل السنة، ويجب على المسلم الذي أراد المنهج الحق واتباع السنة أن يعلن القول بأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وأن الله عز وجل تكلم به على الحقيقة بحرف وصوت ليقابل قول المبتدعة.

    ولذلك قال المصنف عليه رحمة الله تعالى هنا، بعد أن بين أن كلام الله عز وجل ليس بمخلوق، قال: [ ولا تك في القرآن بالوقف قائلاً ] ، أي: تتوقف وسطاً بين هؤلاء وهؤلاء يحملك على ذلك التورع، فما حملك أنت على التوقف إلا الهيبة من قول الجهمية أئمة الضلال، قال: [ كما قال أتباع لجهم وأسجحوا ] : الجهم بن صفوان هو من أئمة المبتدعة، وقد أخذ عقيدته هذه من الجعد بن درهم ، و الجعد بن درهم قد أخذ عقيدته من ابن سمعان ، و ابن سمعان قد أخذها من طالوت ، و طالوت قد أخذها من لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو أصل عقيدة الجهمية، ولذلك قد نفوا صفات الله سبحانه وتعالى بالإطلاق.

    ويظهر هنا أن المصنف عليه رحمة الله يرى أن من أمسك عن هذه المسألة هو كقول أتباع الجهم ، ولذلك قال:

    [ ولا تك في القرآن بالوقف قائلاً كما قال أتباع لجهم وأسجحوا ] .

    ومعلوم أن أتباع الجهم قالوا: بأن القرآن مخلوق، ولم يمسكوا، ولكنه أراد بذلك أن يبين أن من سلك الوقف، فإنه تابع لقول الجهم وأتباعه، ومتهيب لهذه المسألة، حتى ذهب إلى هذا وتهيب القول بهذه المسألة بعض أئمة المسلمين ومن ينتسب إلى السنة، وعلى رأسهم من المتأخرين الإمام الشوكاني عليه رحمة الله، فإنه قد قال في هذه المسألة بالتوقف.

    ومنهم من لم يقرر في ذلك شيئاً وقال: أن هذه المسألة لا تزيد من الأحكام الشرعية شيئاً، فيقال: أن ثمة حلال من الأمور التعبدية يكون حراماً، وثمة أمر من الحرام يكون حلالاً، لأن النصوص سواءً قلنا مخلوقاً أو ليس بمخلوق، فإنه لا فرق، فإن الكتاب يتلى والأحكام منه تؤخذ، هذا قول ضلال، فإن العبادة كما أنها في الجوارح كذلك هي في الاعتقاد، فإنه ليس للإنسان أن يقول: وصفنا الله عز وجل بكذا أو وصفناه بكذا، فهو المعبود الحق المتفرد بالجلال والعظمة، ونحن نعبده ونصرف العبادة له، فسواءً وصفناه بهكذا أو وصفناه بكذا، أو شبهنا أو عطلنا فهذا قول أئمة الضلال، ويجب على المؤمن الموحد أن يصرح بقول الحق وألا يخالف وألا يتهيب قولاً دل الدليل عليه.

    1.   

    إجماع الصحابة أن القرآن كلام الله غير مخلوق

    وقد أجمع الصحابة عليهم رضوان الله تعالى على القول بأن كلام الله ليس بمخلوق، ولذلك قد ثبت عن عبد الله بن عباس كما روى ابن جرير الطبري من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس : أنه قال في قول الله سبحانه وتعالى: غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر:28] ، قال: غير مخلوق، وقد روى البخاري عليه رحمة الله تعالى في كتابه التاريخ الكبير من حديث سفيان بن عيينة ، قال: أدركت جماعة من السلف منهم عمرو بن دينار ، قال: نحواً من سبعين رجلاً يقولون: إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وقد رواه الدارمي و اللالكائي في اعتقاد أهل السنة من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار من قوله، ونسبه لجملة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وقد قطع غير واحد من السلف بكفر من قال بأن كلام الله مخلوق، وقالوا: من قال أن القرآن مخلوق فقد كفر.

    ولذلك قد روى اللالكائي في اعتقاد أهل السنة وغيره من حديث سفيان الثوري ، قال: قال لي حماد بن أبي سليمان : لا يدخل علي هذا الكافر، وجاء في لفظ: هذا المشرك -يعني: أبا حنيفة- فإنه يقول بأن القرآن مخلوق، والمتقرر عند أئمة أهل السنة كالإمام أحمد عليه رحمة الله، وقرره غير واحد من أئمة الإسلام على أن أبا حنيفة عليه رحمة الله تعالى يقول ويوافق أئمة السلف بأن القرآن كلام الله عز وجل ليس بمخلوق، وهذا هو الصواب عنه، وهذا هو قول الأئمة الأربعة، وأما ما ينسب لـأبي حنيفة عليه رحمة الله تعالى، وما حكاه عنه حماد بن أبي سليمان فإما أن يكون قولاً سابقاً، وإما أن يكون شبه عليه بمثل هذا، والذي عليه المحققون أنه يقول بما قال به السلف عليهم رحمة الله.

    [ ولا تقل القرآن خلق قرأته فإن كلام الله باللفظ يوضح ] .

    قال: [ ولا تقل القرآن خلق قرأته ] ، بمعنى: حينما تقرأ القرآن فلا تقل: أن هذا المقروء مخلوق، وذلك لشبهة قد طرأت عليك، فتظن أن هذا الصوت الذي تتكلم به إن كان صوتك فهو مخلوق، فتظن أن كذلك المتلفظ به مخلوق أيضاً، وهذا من الشبه التي دفعت بعض أئمة أهل الضلال من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والكلابية إلى القول: بأن كلام الله مخلوق، ولذلك يقال: إن قارئ القرآن حينما يقرأ القرآن، فإن الصوت صوته، والكلام كلام الله وهذا معلوم، فإذا ارتجل رجل كلام غيره فيقال: هذا صوت فلان والكلام كلام فلان، ولذلك يقال هنا: إن القارئ حينما يقرأ القرآن الصوت صوت القارئ، والكلام كلام الباري.

    1.   

    حكم قول لفظي بالقرآن مخلوق

    وأما هذه المسألة: مسألة لفظي بالقرآن، هل هو مخلوق أو ليس بمخلوق؟ هذه المسألة قد أحدثها بعض الجهمية فقالوا: لفظي بالقرآن مخلوق، وبعضهم من أراد تمسكاً بالسنة، أراد مقابلة الجهمية فقال: لفظي بالقرآن ليس بمخلوق، ولذلك يقال: إن المؤمن الموحد يجب عليه أن يعتقد أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وأن مسألة اللفظ هي بدعة محدثة، ولذلك يقول الإمام أحمد عليه رحمة الله: اللفظية جهمية، فإذا أطلقت هذه الطائفة: اللفظية، فالمراد بهم هم الذين يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق، ولذلك قال الإمام أحمد عليه رحمة الله: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع.

    والحق أن يمسك الإنسان عن ذلك فيقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وإذا قيل له: إذا تكلم القارئ وقرأ القرآن فماذا يقال؟ فيقول حينئذ: الصوت صوت القارئ، والكلام كلام الباري، فلا يتطرق لمسألة الخلق ولا غيره لأنها مسألة حادثة.

    ولذلك إنما ضل من ضل من أئمة الضلال بسبب كثرة تفريعاتهم وعدم إجرائهم لمسائل الاعتقاد على ظواهرها حقيقة من غير لزوم.

    فلا يلزم من بعض الصفات صفةً أخرى، فأنت حينما تثبت صفةً اليد لله سبحانه وتعالى أو صفة القدم أو صفة الساق، فهل يلزم من ذلك أن تثبت لله جسماً؟ هذا الذي فر منه المبتدعة، فنفوا صفات الله سبحانه وتعالى وأبطلوها، ولذلك يسمون أهل السنة: المجسمة، لأنهم يثبتون الأسماء والصفات لله سبحانه وتعالى، فهم يثبتون لله يداً، ولله سمعاً وبصراً وعيناً وقدماً، ولله ساقاً مما جاء في صفات الله سبحانه وتعالى، قالوا: فهؤلاء يثبتون لله جسماً، بناءً على قاعدتهم أو ما استقر في أذهانهم: أن الصفة يلزم منها صفة أخرى، وهذا اللزوم إنما حصل لشيء في نفوسهم من التشبيه، ولذلك توسع كثير من الغلاة في الإثبات فأثبتوا لله سبحانه وتعالى كثيراً من الصفات ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان، فقالوا: إن الله عز وجل يتكلم، إذاً: فله لسان، و خلوف فم الصائم أطيب عند الله من رائحة المسك، إذاً: فله أنف وأثبتوا صفة الشم ونحو ذلك، فهذا كله إنما حملهم على ذلك هو التشبيه الذي استقر في أذهانهم: أن معرفة الطيب لا تكون إلا بشم وأنف، وأن الكلام لا يكون إلا بلسان وفم، فهذا إنما حصل عندهم من التشبيه، وإلا لو قيل لهم: أن الله عز وجل يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ، فأبعد المثلية مطلقاً تبتعد حينئذ عن الأمرين، تبتعد عن التشبيه والتعطيل، وتبتعد أيضاً عن إحداث صفات أخرى يلزم من هذه الصفة التي تثبتها.

    ولذلك أهل السنة يمرون الصفات على ما هي عليه، يثبتونها حقيقةً لله سبحانه وتعالى من غير تأويل ولا تحريف، ولا تعطيل ولا تكييف، ويمسكون عما زاد عن ذلك ولا يفرعون، ولذلك حينما قال الإمام أحمد عليه رحمة الله في المسألة، قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، إنما حمله على ذلك قول الجهمية لأن أهل السنة لا يقولون بذلك، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، أي: أحدث هذه المسألة.

    ولذلك المسألة مسألة اللفظية ينبغي للإنسان أن يمسك عنها، ولذلك قال المصنف عليه رحمة الله تعالى هنا، قال: [ ولا تقل: القرآن خلق قرأته ] ، أي: حال قراءتك له لا تقل أنه مخلوق فأمسك عن هذا، فالكلام كلام الله سبحانه وتعالى تكلم به عن حقيقة، [ فإن كلام الله باللفظ يوضح ] ، أي: هذا اللفظ الذي تتلفظ به هو صوتك، والكلام في الحقيقة هو كلام الله سبحانه وتعالى ليس بمخلوق.

    1.   

    إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة

    [ وقل يتجلى الله للخلق جهرةً كما البدر لا يخفى وربك أوضح ] .

    هنا يريد المصنف عليه رحمة الله تعالى أن يثبت صفة التجلي لله سبحانه وتعالى، والمراد بذلك رؤية الله سبحانه وتعالى وتجليه لعباده يوم القيامة، والدليل على ذلك - المقصود بالتجلي: الرؤية -: أن موسى عليه الصلاة والسلام لما سأل الله عز وجل أن يراه تجلى الله للجبل، فالله سبحانه وتعالى يتجلى لعباده يوم القيامة ليروه، وهذه المسألة مع المسائل السابقة، وهي مسألة: كلام الله، ومسألة: الرؤية، ومسألة: النزول، ومسألة: العلو، هذه الصفات هي بالجملة التي ضل فيها أهل البدع، وكانت فيصلاً بين أهل البدع وغيرهم.

    فمن أراد أن يعرف أهل البدع وأهل السنة في باب الأسماء والصفات فعليه بهذه الصفات الأربعة، فإن من ضل في صفة أخرى لا بد أن تكون هذه معها، ولا يمكن لأحد من أهل البدع أن يضل في باب صفة غير هذه الصفات ولا تكون إحدى هذه الصفات معها، صفة كلام الله عز وجل ورؤية الله ونزوله وعلوه واستواؤه.

    والله سبحانه وتعالى يتجلى لعباده، وتجليه هنا يتضمن علو الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال: [ كالبدر ] ، وهذا مما يدل على أن الناظر في سفل والمنظور إليه في علو، وهذا من دلالات إثبات علو الله سبحانه وتعالى، والعلو لله جل وعلا على نوعين: علو مكان وعلو منزلة، علو المكان يتضمن استواء الله عز وجل على عرشه وما تفرع عن ذلك من صفات.

    قال: [ وقل يتجلى الله للخلق جهرةً ] ، جهرةً: المراد بذلك المبالغة في الوضوح والظهور، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده، ولا يعلم لأحد من السلف من الصحابة والتابعين أن أنكر صفة الرؤية.

    تفسير قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة)

    واحتج بعض المبتدعة بقول يروى عن مجاهد بن جبر عند تأويله قول الله سبحانه وتعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة:22] ، قال مجاهد : منتظرة، أي: منتظرة لثواب ربها، فيقال: إن قول مجاهد بن جبر عليه رحمة الله في هذه الآية لا يقال أنه أراد بذلك تأويلاً، ولكنه يحمل على أنه يرى أن هذه الآية ليست من آيات الصفات مع إثباته لصفة الرؤية في تأويلات أخرى، لآي أخر في كلام الله سبحانه، فهو قد أثبت رؤية الله عز وجل في غير ما موضع، بل ثبت إثباته لرؤية الله عز وجل في هذه الآية، كما حكى ذلك غير واحد عنه كـابن جرير الطبري و الدارمي وغيره.

    وهذا نظير بعض الآي في كلام الله سبحانه وتعالى التي قد اختلف فيها قول السلف من التابعين وغيرهم، هل هي من آيات الصفات أم لا؟ فهذا الاختلاف لا يدل على نفي الصفة وإنما يدل على الاختلاف في الآية: هل هي من آيات الصفات أم لا؟ فمن قال: إنها ليست من آيات الصفات فهو لا ينفي الصفة الواردة في هذه الآية لإثبات ذلك من وجه آخر.

    وآيات الصفات التي قد اختلف فيها السلف عليهم رحمة الله: هل هي من آيات الصفات أم لا؟ نحو سبعة مواضع في كلام الله، منها هذا الموضع: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة:22] ، الموضع الثاني: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] ، الموضع الثالث: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42] ، الموضع الرابع: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ [الذاريات:47] ، يأتي الكلام عليها في أفرادها بإذن الله عز وجل كل في موضعه.

    والذي عليه عامة السلف من الصحابة والتابعين: إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى، بل لا يعلم عن أحد من السلف من الصحابة والتابعين أنه أنكر صفة الرؤية، وأما تأويل مجاهد بن جبر فهو أنه رأى أن هذه الآية في موضعها على معنىً آخر، وأنها ليست من آيات الصفات مع إثباته صفة الرؤية من وجه آخر.

    ولذلك قد صنف أئمة الإسلام عليهم رحمة الله في هذه المسألة مصنفات في إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل يرى حقيقة، قد روي هذا عن نحو من عشرين من الصحابة كما ذكر ذلك يحيى بن معين عليه رحمة الله كما نقله عنه الإمام الدارقطني عليه رحمة الله تعالى في كتابه الرؤية، وقد صنف في رؤية الله سبحانه وتعالى غير واحد من الأئمة كـابن شاهين و ابن النحاس و يحيى بن عمر الكناني وكذلك الإمام الدارقطني ، وقد ذكر الإمام الدارقطني عليه رحمة الله عن يحيى بن معين أنه قال: ثبت عن سبعة عشر من الصحابة إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى، وقد جمعها ابن القيم عليه رحمة الله تعالى في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح وزاد على هذا العدد وفي بعضها ضعف.

    تفسير السلف لقوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)

    وقد ثبت عن غير واحد من السلف أنهم قالوا في قول الله سبحانه وتعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، إن الزيادة: هي رؤية الله سبحانه وتعالى، ومنهم من قال: إن الحسنى هي رؤية الله عز وجل، ومنهم من قال: إن الحسنى الجنة، والزيادة: هي رؤية الله سبحانه وتعالى، وهذا مروي عن مجاهد بن جبر وغيره.

    وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، ولذلك أشار إليه المصنف عليه رحمة الله، قال: [ وقل يتجلى الله للخلق جهرةً كما البدر.. ]، فالكاف هنا: للتشبيه وما: زائدة، قال: كما البدر، وهو القمر التام حينما يكون بدراً فإنه يرى من غير خفاء لشدة وضوحه وقوة سطوعه، ولذلك يسير السائر بالليل في ليلة البدر ليرى طريقه لقوة ضوء القمر، والتشبيه هنا ليس للمرئي بالمرئي ولكن لحال الرؤية بالرؤية، وهذا من باب التقريب لا من باب التشبيه، ولذلك قد روى البخاري و مسلم هذا الحديث حديث جرير بن عبد الله البجلي عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ( إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ) .

    إثبات الرؤية لا يستلزم منه التشبيه

    [ وليس بمولود وليس بوالد وليس له شبه تعالى المسبح ] .

    يقول هنا: [ وليس بمولود وليس بوالد ] ، إيراد المصنف عليه رحمة الله تعالى لهذا النفي أراد بذلك أن يبين أن إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى لا يلزم من ذلك تشبيه بغيره، وهذا فيه رد على من اتهم أهل السنة بأنهم مجسمة حينما يثبتون أن الله عز وجل يرى على الحقيقة، قالوا: فأنتم تثبتون لله جسماً، يقال: وما الدليل؟ قالوا: وهل يرى إلا الجسم، قيل لهم: لماذا قلتم: وهل يرى إلا الجسم؟ قيل: هذا أمر محسوس، قيل: بما أنكم قلتم أن هذا الأمر محسوس فهذا تشبيه، جلبكم على هذا القول وهي مسألة الجسم هو تشبيه، وهو أنكم اعتدتم في الحياة وفي تعامل الناس أن الإنسان لا يرى الشيء إلا إذا كان جسماً، والله عز وجل قد أخبر عن نفسه بقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ، فأهل السنة لا يثبتون جسماً ولا ينفونه، لكنهم يثبتون الصفة ويتوقفون عما عدا ذلك، لأن إثبات الجسم قدر زائد عن النص، فيجب الإمساك عنه.

    ولذلك هنا أراد أن يرد على أهل البدع الذين يطعنون بأهل السنة حيث إنهم يشبهون.

    1.   

    تنزيه الله عن الولد والمولود

    قال: [ وليس بمولود ] أي: ليس بمتفرع عن غيره، والمراد بالمولود هنا هو المتولد عن غيره، والتولد عن الغير له صور كثيرة، لا كما يفهم... أنه يكون بحال الوضع ويكون قبل ذلك بالمزاوجة ثم يكون وضعاً ونحو ذلك.. لا، هو التولد عن الغير، أي: الخروج منه، فقد يتولد شيء من شيء سواءً بمزواجة أو غير مزواجة، ولذلك إذا أخرج عود من شجرة تولد هذا العود من هذه الشجرة، وإذا أخذ ماء من غدير تولد هذا الماء منه، أي: أخذ منه وفصل منه.

    فالله عز وجل ليس بمولود وليس بوالد، أي: لم يتولد من شيء ولم يتولد منه شيء، والله عز وجل خالق كل شيء، وأراد بذلك عليه رحمة الله المصنف أن ينفي التشبيه مع إثباته لرؤية الله سبحانه وتعالى، وهذا فيه قطع لطريق المبتدعة في مواجهتهم ومقابلتهم لأهل السنة.

    كل معطل مشبه وكل مشبه معطل

    قال: [ وليس له شبه تعالى المسبح ] : كل من عطل أو شبه أو أول فإنه قد انقدح في قلبه تشبيه قبل أن ينطق بما قال، ولذلك يقول العلماء: كل معطل مشبه وكل مشبه معطل، وذلك لشيء قد وقر في نفسه، فكل من قال: إن الله عز وجل ليس بسميع وليس ببصير ونحو ذلك، أي: عطلوا أسماء الله عز وجل وصفاته، فإنما حملهم على ذلك شيء قد وقع في نفوسهم سيء، فأرادوا تنزيهاً فوقعوا في التعطيل.

    وأهل السنة يثبتون الصفات من غير تمثيل، وينزهون الله سبحانه وتعالى عن النقائص من غير تعطيل، بخلاف المبتدعة الذين وقعوا وضلوا في هذين البابين فمثلوا وعطلوا، لكن أهل السنة قابلو التمثيل بالإثبات ونفوا التمثيل، وقابلوا التعطيل بالتنزيه ونفوا تعطيل أسماء الله عز وجل عن حقيقتها، فكل ما يخطر في بال الإنسان وفي عقله أن الله كذلك فالله فوق ذلك، ولذلك يجب أن يعتقد الإنسان أن الله سبحانه وتعالى فوق ما يتخيله المتخيلون، فالإنسان بفطرته يتخيل كل مذكور يطرأ على مسامعه وإن ذكر الله عز وجل وصفته وهو معذور بذلك، لكن يجب أن يعلم أنه ليس كمثله شيء، وأن يعلم أنه إن تخيل الله عز وجل على صورة فليعلم أن الله غير ذلك وفوقه.

    قد يقال عن سبب تعطيل المعطلة ومخالفتهم لقول الله سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] : إن نفي المثلية لله سبحانه وتعالى لا يعني تعطيلاً، وذلك أن الله عز وجل أراد الأمرين: أراد نفي المثلية وأراد إثبات الحقيقة، فلله عز وجل سمع وبصر وليس كمثله شيء، فلا بد من الإثبات ولا بد من نفي المثيل، ونفي المثيل هنا في مواجهة ما في فطرة الإنسان وما ينقدح في قلبه وذهنه من المماثلة.

    ومعلوم أن الإنسان حينما يذكر له رجل من الناس أو يحكي له أحد الناس أنه قابل فلان بن فلان، فإنه يتبادر إليه هيئةً معينة، وإن لم يكن يذكر ذلك الرجل أوصافه، ولذلك كثير من الناس يقول لأحد حينما يسمع عنه كثيراً، يقول: إنني أسمع عنك وتخيلتك على غير هذه الصفة مع أنه لم يوصف له، لأنه ينقدح في ذهن الإنسان صورةً معينة، لكنه يجب عليه في حق الله عز وجل ألا يعتقدها، ولذلك الإنسان لا يمكن أن يشبه أحداً لم يره إلا بشيء قد رآه، إما على جهة كمال الصفة، وليس المراد به الكمال هو الرفعة ولكن ما به تمام القدر، وإما بجمع صفات متنوعة فيه.

    والمقصود من ذلك: أن الإنسان حينما يذكر له شيء، فإنه ينقدح في ذهنه تشبيه، وهذا التشبيه على نوعين: إما أن يكون على هيئة رجل قد رآه أو صفة مخلوق قد رآه، فجذبها بتمامها على هذا الرجل، وإما أن يكون بمجموع صفات قد رآها فجمعها وجعلها لهذا الرجل، ولا يمكن أن يتخيل مخلوقاً قد ذكر عنده على هيئة لم يرها، فإن الإنسان لا يتخيل إلا شيئاً قد رآه، ولذلك حينما يذكر لك أن فلاناً قد رأى مخلوقاً غريباً، فإنه يتبادر إلى ذهنك شيء معين وإن لم يكمل كلامه، وهذا الشكل المعين حينما تتخيله فقطعاً أنك قد رأيته إما في يقظة أو في منام.

    ولهذا عندما آتي إلى شخص وأقول له: خذ ورقةً وقلماً وارسم لي شكلاً لم تره، فهل يمكن؟ فلا بد أن يرسم شكلاً قد رآه، أو تقول له: ابتكر لي شكلاً لم تره! فإنه سيأتي بأشكال مجموعة ويلفق من هنا وهنا، وهذه الأشياء تكون في النهاية أنها قد رآه إما في حال يقظة أو منام.

    إذاً: فالإنسان كل ما يتخيله في عقله فهو مخلوق، فإن وقع في تشبيه أو وقع في تخيل لأي صورة كانت فهي تشبيه، ولذلك ينزه الله عز وجل عن ذلك، ويعلم أن الله فوق ذلك، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ، وشيء: عام نكرة في سياق النفي تفيد العموم، كل شيء ما كان في خيال أو ما كان تلفيقاً من صفات المحامد ونحو ذلك التي يجمعها الإنسان، أن الله عز وجل فوق ذلك، لضعف الإنسان عن الإدراك، فإذا كان الإنسان يضعف عن إدراك الحقيقة لو تمكن منها في هذه الدنيا كما سأل موسى ربه سبحانه وتعالى أن يره: قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] ؛ وذلك أنه لا يستطيع، فلما تجلى الله عز وجل للجبل جعله دكاً، ولو مكن من إدراك الحقيقة لم يستطع، فكيف بأن يتخيلها؟

    ولذلك عقيدة المؤمن في مسألة الأسماء والصفات: أن يثبتها على الحقيقة بما يليق لله سبحانه وتعالى من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، وينفي عن الله سبحانه وتعالى النظير مطلقاً، وهذا هو عقيدة المسلم، ولذلك المصنف عليه رحمة الله تعالى احترز هنا بقوله، أي: بعد أن أثبت رؤية الله سبحانه وتعالى، قال: مع ذلك أنني أقول إنه: [ ليس بمولود وليس بوالد وليس له شبه تعالى المسبح ] .

    فكما أنه يرى لا يعني أنه يرى كرؤية غيره، وأن الله سبحانه وتعالى يتجلى لعباده.

    إنكار الجهمية لرؤية الله عز وجل

    [وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا بمصداق ما قلنا حديث مصرح

    رواه جرير عن مقال محمد فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح ] .

    يقول: [ وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ] : تقدم أن الجهمية قد أنكروا رؤية الله سبحانه وتعالى، وذلك أنهم قد أنكروا العلو أصلاً، وأنكروا سائر صفات الله سبحانه وتعالى، فالجهمية إنما يعبدون عدماً، لأنه لا يمكن أن يكون أحد إلا بصفات، ولذلك يقال: المعطل يعبد عدماً والمشبه يعبد وثناً، ولذلك هنا نص على الجهمي، وذلك أنهم ينفون رؤية الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم ينفون سائر أسماء الله وصفاته، فهم ينفون سائر الصفات كالوجه واليد والقدم، ولذلك الجهمية يعبدون عدماً.

    يقول: [ وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا بمصداق ما قلنا حديث مصرح ] .

    والمراد بقوله هذا: هو رؤية الله سبحانه وتعالى وتجليه لخلقه يوم القيامة، يقول: [ بمصداق ما قلنا ] ، أي كما قلنا: إن الله سبحانه وتعالى يرى ومع ذلك ليس بوالد ولا مولود، ودليله قول الله سبحانه وتعالى في سورة الإخلاص: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    تواتر الأحاديث في إثبات الرؤية

    [ بمصداق ما قلنا حديث مصرح

    رواه جرير عن مقال محمد فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح ] .

    حديث جرير بن عبد الله البجلي قد رواه البخاري عليه رحمة الله تعالى، فقال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله ، ورواه الإمام مسلم عليه رحمة الله تعالى أيضاً من هذا الطريق من حديث إسماعيل به، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ) .

    ورؤية الله سبحانه وتعالى متواترة جاءت فيها أحاديث كثيرة، وحديث جرير بن عبد الله البجلي رغم أنه في الصحيحين إلا أن أهل الضلال من المبتدعة وغيرهم قد طعنوا فيه، ولا أعلم أحداً من أهل السنة فضلاً أن يكون من أئمة النقاد من الحفاظ قد طعن فيه، سوى الإمام علي بن المديني عليه رحمة الله، قد طعن فيه بسبب قيس بن أبي حازم ، و قيس بن أبي حازم هو من كبار التابعين قد أدرك الخلفاء الراشدين، إذاً: فقد أدرك النبي عليه الصلاة والسلام وروى عن جرير بن عبد الله ، ومعلوم أن الذي يريد أن يسلم مع النبي عليه الصلاة والسلام فوجد النبي عليه الصلاة والسلام ميتاً فإنه لا يكون صحابيا، ولذلك يقول الذهبي عليه رحمة الله تعالى: كاد أن يكون صحابياً.

    ومن طعن فيه فقد طعن فيه من وجهين:

    الوجه الأول: قالوا: أن علي بن المديني قد نقل عن العطار أنه قال: قيس بن أبي حازم منكر الحديث، ولا أعلم من أئمة السنة من طعن بـقيس بن أبي حازم سواه، أي: العطار ، وسائر الأئمة على بيان فضله وجلالته فهو من أجل التابعين، فقد أدرك الخلفاء الراشدين الأربعة.

    وهذا الحديث قد روي بأصح الأسانيد، بل قد جاء من غير طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير ، قد رواه الدارقطني وغيره من حديث عامر بن شراحيل الشعبي عن حذيفة بن اليمان ، وجاء أيضاً من حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى، فهو مروي من وجوه عدة.

    وإثبات صفة الرؤية ليست بخاصة في باب الحديث ولكنها قد جاءت في آيات، وأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة.

    الوجه الثاني: أنه قد روي عن علي بن المديني عليه رحمة الله أنه سئل عن هذا الحديث، قال: أأقبل حديث أعرابي بوال على قدميه يقصد به قيس بن أبي حازم ، وهذا قد نقله عنه الخطيب البغدادي في التاريخ وغيره، منهم من نفى هذا النقل عن علي بن المديني عليه رحمة الله، ومنهم من أثبته وقال: إنه أجاب في الفتنة حينما امتحن الإمام أحمد عليه رحمة الله في مسألة خلق القرآن، وكذلك هذه مسألة الرؤية وسئل عن ذلك، قالوا: فأراد بذلك تعريضاً، ومثل جلالة قيس بن أبي حازم ومن في طبقته من كبار التابعين لا تعل بهم الأحاديث، بل من جاء بعهد بطبقة لا يعل به الحديث إذا كان من الثقات بتفرده، ولا أعلم أحداً من الأئمة الحفاظ أعل حديثاً بتفرد تابعي سوى ما ينسب لـعلي بن المديني في هذا الموضع.

    والذي يظهر والله أعلم أنه ليس بثابت على ظاهره، وإن ثبت عن علي بن المديني فإنما كان مكرهاً على هذا القول؛ وذلك أن بعض أهل السنة قد نفاه عن علي بن المديني عليه رحمة الله.

    الرد على المعتزلة في إنكارهم الرؤية

    وقد طعن في هذا الحديث المعتزلة من وجه آخر ، وقالوا: إن هذا الحديث وما في حكمه هو من خبر الآحاد، وأخبار الآحاد لا تقبل في مسائل الاعتقاد، وهذا قول باطل من وجوه:

    الوجه الأول: أن رؤية الله سبحانه وتعالى ثابتة من وجوه عدة في السنة تصل إلى درجة التواتر، وقد أثبت غير واحد من الأئمة أن رؤية الله عز وجل ثابتة بعدد من يستحيل تواطؤ النقلة على الكذب فيه أو مخالفة الصواب، ولذلك قد جاءت فيه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يزيد على عشرين حديثاً، وقد جاء عن الصحابة في أكثر من سبعة عشر صحابياً قالوا بإثبات رؤية الله سبحانه وتعالى، وصنف في هذا جماعة من الأئمة عليهم رحمة الله تعالى في إثبات أن الله عز وجل يرى يوم القيامة، وقد جمعوا فيه من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صح وما لم يصح كما تقدم كـيحيى بن عمر الكناني وكذك ابن شاهين و النحاس والإمام الدارقطني عليه رحمة الله.

    وهذه المسألة، أي: مسألة التواتر ومسألة الآحاد هي من المسائل التي قد انزلق في بابها المبتدعة والضلال، ولذلك يرد على ردهم بأن هذا الحديث من أخبار الآحاد: أن هذا الحديث أولاً قد وصل إلى درجة التواتر كما حكى فيه غير واحد من الأئمة على رأسهم الإمام يحيى بن معين وكذلك الإمام الدارقطني وكذلك الإمام السيوطي عليه رحمة الله وقبله الحافظ ابن حجر .

    وجوب العمل بخبر الآحاد

    الوجه الثاني: هو أن مسألة تقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر مسألة لا تسلم، وذلك أن ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب العمل به سواءً كان آحاداً أو متواتراً، وذلك أننا لو قلنا: بأن الآحاد التي تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الأخبار التي تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها آحاد ومنها متواتر، فما هو الآحاد وما هو المتواتر؟ فقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في حد الآحاد كحد أعلى في التعريف المستفيض والمشهور، واتفقوا في تعريف أدناه: وهو الذي يرويه واحد عن واحد، واختلفوا في حد الأدنى من المتواتر على أقوال، ويقال لمن قال بتقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر: ما الفائدة من هذا التقسيم؟ قالوا: إن الخبر الذي يكون متواتراً فإنه يفيد علماً ضرورياً.

    فيقال: إن العلم الضروري هو الذي يسلم به الإنسان من غير نظر، فكيف عرفت أن هذا الحديث متواتر؟ لم تعرفه إلا بالنظر في طرقه، ولذلك قد أثبت أنه متواتر بالنظر، فأنت أثبت حقيقةً بالنظر ثم بنيت عليها ، وكذلك الآحاد لم يتبين لك أنه آحاد إلا بالنظر، ثم جعلت الإيمان به من باب النظر، فيقال: إن هذا التقسيم لا يفيد صحةً أو ضعفاً على قول الجميع، فإذا قالوا: إن الآحاد بأقسامه ما الفائدة من تقسيمه إلى غريب وعزيز ومشهور ومستفيض، هل يفيد ذلك صحةً أو ضعفاً؟ قالوا: لا، لا بد من النظر في الأسانيد، إذا كان لا بد من نظر في الأسانيد فما الفائدة من هذا التقسيم؟ هذا مما أدخله المتكلمون في علوم الاصطلاح وفي علوم الحديث، وهو مما لا فائدة فيه، بل قد اتكأ عليه أهل البدع في رد السنة، ومنها في هذا الموضع.

    فائدة تقسيم خبر الآحاد

    وحينما نشأ تقسيم الخبر إلى آحاد ومتواتر، ولم يكن له ثمرة من جهة البدعة، قد سكت عنه أئمة أهل السنة باعتبار أنه موافق للنظر، أن من الآحاد ما يرويه واحد عن واحد، ومنها ما هو كثرة بغلبة الظن أن الكثرة لا تتواطأ على الكذب وأن الواحد يتطرق إليه الخطأ، ولكنهم بعد ذلك قالوا: إن خبر الواحد يفيد الظن والمتواتر يفيد اليقين، ثم بعد ذلك جاءت طائفة أخرى قالوا: إن خبر الآحاد يفيد الظن والله عز وجل يقول في كتابه العظيم: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12] ، فردوا أخبار الآحاد، فمنهم من قال: نرد أخبار الآحاد في باب الاعتقاد، ومنهم من قال: لا نعمل بأخبار الآحاد مطلقاً، فعرضوها على أهوائهم فردوا كثيراً من السنة من هذا الباب، وأصل هذه المسألة هو تقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر.

    فيقال: إن ما ثبت في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد يرويه واحد عن واحد إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يجب الإيمان به واعتقاده كما لو جاء في التواتر، ولذلك الله عز وجل قد أمر بطاعة نبيه وأمر بالتسليم له، والانقياد له، وقرن طاعته بطاعة نبيه عليه الصلاة والسلام مع أن القرآن كله متواتر، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها متواتر ومنها غير ذلك، فجعلها من جهة الإيمان والتسليم والطاعة سواء، ومن جهة المعصية والمخالفة سواء، ولذلك يقال: أن ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي إسناد كان وصح ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب العمل به، ولكنه قد يستفاد من هذا في مسألة الكفر، فيقال: إن من أنكر أو جحد شيئاً متواتراً كفر، أو من تأول أو جحد شيئاً ليس بمتواتر فإنه لا يكفر.

    يقول: [ رواه جرير عن مقال محمد فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح ] .

    أي: في مثل ما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل يتجلى لعباده فيرى يوم القيامة على الحقيقة، والأدلة في ذلك من كلام الله سبحانه وتعالى كما تقدم، ومن ذلك قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] ، يعني: الكفار والمجرمون محجوبون عن رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، فإذا كان هؤلاء محجوبون يدل على إثبات الرؤية لله سبحانه وتعالى من قبل أهل الإيمان، وقد كان السلف عليهم رحمة الله يشددون في هذه المسألة، ويضللون ويبدعون من أنكر رؤية الله سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الإمام الشافعي عليه رحمة الله: من أنكر رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، فإنه يخشى عليه ألا يرى الله عز وجل يحجب من رؤيته.

    ولذلك حينما ناظر الإمام الشافعي عليه رحمة الله بشر المريسي وهو ممن يرى الحلول، وأن الله عز وجل في كل مكان، وينفي علو الله سبحانه وتعالى واستواءه على عرشه، بل كان من ضلاله إذا سجد يقول في سجوده يقول: سبحان ربي الأسفل! فـ الشافعي عليه رحمة الله تعالى لما ناظره وتمسك برأيه وأدبر، قال عنه: والله ما يفلح.

    1.   

    إثبات صفة اليد لله تعالى

    [ وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه وكلتا يديه بالفواضل تنفح ] .

    يقول: [ وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه ] : وحرف قد إذا دخلت على الفعل المضارع فإنها تفيد تقليلا، وتفيد تحقيقاً وهو المراد هنا، [ وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه ] ، باعتبار أنه ينفي الصفة كلها أصلاً، وأراد المصنف عليه رحمة الله تعالى باليمين هنا: أنه ينفي كلتا اليدين، والله سبحانه وتعالى كلتا يديه يمين، فقد جاء في صحيح الإمام مسلم عليه رحمة الله ذكر الشمال وهي غير محفوظة بل هي شاذة.

    وهنا مثَّل باليد يريد أن الجهمية ينفون وينكرون صفات الله سبحانه وتعالى عامة، واليد هي من صفات الله سبحانه وتعالى الذاتية.

    قال: [ وكلتا يديه بالفواضل تنفح ] ، أي: أنه لا يلزم أن يعتقد المؤمن أن لله عز وجل يميناً وله يداً أخرى، وأن يكون هذا التقسيم كتقسيم أيدي المخلوقين: يمين وأخرى فثمة فاضلة ومفضولة، فكلتا يديه متشابهتين بالفضل، ولذلك يقول: [ وكلتا يديه بالفواضل تنفح ] ،في رواية فيما أذكر هنا، قال: [ وكلتا يديه بالفواضل تنضح ] .

    أدلة إثبات اليد لله تعالى

    إثبات صفة اليد لله سبحانه وتعالى، فقد جاءت فيها أحاديث كثيرة جداً، بل قد جاء في بيان مدلولها في كلام الله سبحانه وتعالى ما لا يحصى من دلائلها، وقد جاء في كلام الله سبحانه وتعالى ذكر صفة اليد على ثلاثة أحوال:

    الحالة الأولى: بالإفراد، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:1] ، وجاءت بصفة التثنية كما قال الله عز وجل: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] ، وكما قال الله عز وجل: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] ، الثالثة بصفة الجمع، يقول الله سبحانه وتعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات:47] ، ولله عز وجل سبحانه يدان، وأما ما جاء بالإفراد والجمع فإنه يجوز في لغة العرب ذكر التثنية بالإفراد من باب الجنس، فتقول: وطئت بقدمي أو برجلي أرض فلان أو البلد الفلاني وتريد: بقدميك، لا تريد بذلك أنه بقدم دون أخرى، وكذلك تقول في باب الإفراد: سمعت بأذني ورأيت بعيني وتريد بعينيك، وكذلك في باب الجمع فتقول: لي آذان ولي عيون ولي أرجل أمشي بها، ولذلك التثنية هي التي لا تحمل على غيرها، فيكون لله سبحانه وتعالى يدين.

    فقد جاء في مسند الإمام أحمد ذكر اليمين، وذكر اليد الأخرى بالأخرى، وجاء في مسلم بالشمال وهي غير محفوظة، وقد جاء في الصحيح أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( وكلتا يديه يمين ) ، يريد نفي ما يتطرق إلى ذهن الإنسان أن اليد إذا جاءت أطلقت اليمين فإن ما يقابلها شمالاً أقل منها مكانةً ومنزلة فهذا ليس بمراد، ولذلك نفاه بقوله: ( وكلتا يديه يمين ) ، أي: من جهة المنزلة والمكانة.

    قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد) واختلاف السلف في تأويلها

    وصفة اليد أثبتها سائر السلف من الصحابة والتابعين، ولا أعلم أحداً من السلف من نفاها، ولكن عند قولهم في قول الله سبحانه وتعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ [الذاريات:47] ، قالوا: قد روي عن مجاهد أنه قال: بقوة، فهذا من المواضع في كلام الله سبحانه وتعالى التي قد اختلف فيها السلف: هل هي من آيات الصفات أم لا؟ مع إثبات مجاهد نفسه لصفة اليد في مواضع أخرى، فهو يثبت صفة اليد لكنه في هذه الآية لا يرى أن الآية هذه من آيات الصفات، لم؟ لأنه يرى أن هذا معروف ومسلم به في لغة العرب وأن ثمة جمع، فيقال: إيد، ويقال: أيد، قالوا: فالإيد هي المراد بها القوة، ونظير هذا خلافهم عند قول الله سبحانه وتعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42] ، قالوا: أي شدة، ومنهم من حملها على ظاهرها: إثبات صفة الساق لله سبحانه وتعالى، وكذلك هذا مروي عن مجاهد ، فإنه قال: عن شدة، وروي كذلك عن عبد الله بن عباس .

    فيقال: هذا معروف في لغة العرب في أن الساق تكون بمعنى الشدة، ولذلك تقول العرب: قد كشفت الحرب عن ساقها، أي: عن شدتها، والمراد بذلك: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42] ، أي: عن شدة وهول يوم القيامة، فلا يستطيع من لم يسجد في الدنيا لله سبحانه وتعالى أن يسجد يوم القيامة، وهذا لا يعني اختلافاً في ذات الصفة وإنما يعني اختلافاً في الآية: هل هي من آيات الصفات أم لا؟ وهذا أيسر بكثير، مع أن عامة العلماء عليهم رحمة الله تعالى على أن هذا الموضع في هذه الآية هي من صفات الله سبحانه وتعالى.