إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [61]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله عز وجل ميراث الزوج أكثر من ميراث الزوجة لأن القوامة له، فهو ينفق عليها فهو يرث النصف إذا لم يكن للزوجة فرع وارث، ويرث الربع مع وجود الفرع الوارث، بخلاف الزوجة فلها الربع مع عدم الفرع الوارث، ومع وجوده ترث الثمن. ثم ذكر الله الكلالة ومن يرثه، ثم ذكر أمر الوصية والدين وقدم الوصية في الذكر لعدم وجود من يطالب بها، والدين مقدم عليها؛ لأنه حق للآدمي.

    1.   

    قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    ففي هذا المجلس يوم الثلاثاء الثالث من جمادى الأولى عام خمسة وثلاثين بعد الأربعمائة والألف، نتكلم على شيء من آيات المواريث من سورة النساء، وتقدم معنا الكلام على ميراث الأولاد من البنين والبنات والوالدين من الآباء والأمهات.

    وتكلمنا على أحوال الجمع سواء كان ذلك في البنات أو كان ذلك في الإخوة مع الأم في حجبها من الثلث إلى السدس.

    سبب الإرث بين الزوجين

    بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى الأحكام المتعلقة بالأولاد، وبالأبوين ذكر الله عز وجل ما يتعلق بمواريث الزوجين، وأمر الزوجية كما لا يخفى ليس متسقاً مع بقية الوارثين, وذلك أن بقية الوارثين يرثون لأجل الرحم، وأما بالنسبة للزوجين فإنهما يرثان لأجل الزوجية.

    وهذا دليل على أن مقام الزوجية متين في الشريعة, وذلك أنه ميثاق جعله الله عز وجل بين الزوجين، فيرث الزوجان فيما بينهما ما دامت الصلة الزوجية بينهما قائمة، وهذا مما علقه الشارع ببقاء الزوجية، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] ، وذلك أن الرجل إذا طلق زوجته ولم تكن في عصمته فإنها لا تسمى زوجة, ولا تدخل في قول الله عز وجل: مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] .

    ولكن لما جعل الله سبحانه وتعالى الزوجين يرثان من بعضهما, وجعل ذلك على الاستثناء مقارنة لبقية أهل الفرائض ممن يرث من الأبناء والبنات، والآباء والأمهات والإخوة والأخوات، فإن هؤلاء أصحاب رحم ويرثون لأجل الرحم.

    لما جعل الله سبحانه وتعالى الزوجية بهذا المقام؛ دل على عظم مقامها في الشريعة، وحينما جعل الله سبحانه وتعالى الإرث بين الزوجين متبايناً بين الزوج والزوجة، فإن الزوج يرث على الضعف من إرث الزوجة, وذلك بحسب الحالين عند وجود الفرع الوارث منهما, لأن الأصل أن الذكر يرث مثل حظ الأنثيين، وهذا يكون في صور، يكون في الأولاد من البنين والبنات، ويكون في الإخوة من الذكور والإناث، ويكون كذلك في الأبوين في بعض الصور على ما تقدم معنا الكلام عليه.

    وذلك أنه إذا مات أحد الزوجين عن الآخر وماتا عن والدين، فإن أحد الزوجين يرث بمقدار ما فرضه الله عز وجل له, فإنه إذا كان للزوج أب وأم ولم يكن له ولد، فإن الزوجة ترث من ذلك الربع، أما بالنسبة للأم فلها الثلث، هل ترث من ذلك الثلث مما بقي من أصل تركة الميت؟

    هذه من المسائل الخلافية عند العلماء, ويأتي الإشارة إليها بإذن الله عز وجل في آخر هذه الآية.

    يقول الله سبحانه وتعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12] .

    بيان ميراث الزوجين

    يرث الزوج من الزوجة ميراثاً في حالين:

    الحالة الأولى: إذا كان للزوجة ولد ولو كان من غير الزوج، إذا كان لها ولد فإنه يرث من مالها الربع، وإذا لم يكن للزوجة ولد فإنه يرث نصف مال الزوجة.

    وأما بالنسبة للزوجة من الزوج فهو على شطر الحالين السابقين، إذا كان للزوج ولد ولو من غير هذه الزوجة فإنها ترث منه الثمن، وإذا كان له ولد فإنها ترث منه الثمن، وإذا لم يكن له ولد فإنها ترث منه الربع.

    وهذا فرض فرضه الله سبحانه وتعالى, وجعله فريضة، وحداً من حدوده، وحذر الله عز وجل من مجاوزته, كما يأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى.

    مسألة الغراوين أو العمريتين

    لما ذكر الله عز وجل ميراث الزوجين فيما بينهما على الحالين عند وجود الفرع الوارث أو عند فقده، هذا قيد بالفرع الوارث.

    وأما بالنسبة للأصل الوارث فإنه لا أثر له في أبواب الزوجية، وذلك أن فرض الزوج جعله الله سبحانه وتعالى فيما ترك الزوجان، بخلاف ما يكون من إرث الأبوين مع الميت، فإن الله سبحانه وتعالى قد جعله في حال ورود الوفاة من أحد الزوجين عن الأبوين، وكان في ذلك الزوج أو الزوجة فإن إرث الزوجين يبقى ثابتاً, كما ذكره الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله عز وجل يقول في كتابه العظيم: مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12]، يعني: من أصل المال.

    وأما بالنسبة للأبوين فيقع في هذا نقص, وذلك أننا إذا قلنا: إن الأصل في الذكر والأنثى إذا استويا من جهة المنزلة، الأصل أن للذكر مثل حظ الأنثيين، فإذا توفي رجل عن أبوين وعن زوجة، أو توفيت امرأة عن زوج وأبوين, فنقول: إذا توفيت الزوجة عن زوجها وعن أبويها ولم يكن لها فرع وارث، فإن للزوج النصف، وأما بالنسبة للأم فنقول: إن لها الثلث.

    وهل الثلث هذا إذا أعطيناها إياه مما تركت بنتها هل يقال: إن الثلث في ذلك هو من أصل المال كله, أو مما بقي بعد نصف الزوج؟

    هذه من المسائل الخلافية التي تكلم عليها العلماء، لأننا إذا قلنا: إن الزوج يأخذ النصف من زوجته إذا لم يكن لديها ولد، ولم يكن ثمة إخوة بالنسبة للزوجة المتوفاة, فإن الأم لها الثلث، حينئذٍ يبقى من المال السدس، فتكون الأم قد أخذت ضعفي ما للأب.

    وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في هذه المسألة على قولين:

    ذهب جمهور العلماء إلى أن ميراث الأم في مثل هذه الحال يكون ثلث ما بقي بعد نصف الزوج, وذلك أن الله سبحانه وتعالى, وهذا من غاية إحكام القرآن في أبواب المواريث وغيرها, أن الله جل وعلا لما ذكر عدم وجود الإخوة للميت، قال: فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [النساء:11] ، وما قال كما سبق: (مما ترك)، قال: فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [النساء:11]، مما يدل على أنه مما بقي من التركة، فنقول حينئذ: إنه يكون للزوجة الثلث مما بقي من التركة بعد نصف الزوج، ويبقى حينئذ الثلثان، والثلثان يكونان للأب، فيكون حينئذ للذكر مثل حظ الأنثيين.

    وهذا الذي ذهب إليه جمهور العلماء، وعليه عامة السلف، وقضى بهذا زيد بن ثابت عليه رضوان الله، وجاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى قولاً يخالف هذا القول, فإنه أجرى ميراث الوالدين على ما ظهر من النصوص, فجعل للأم الثلث من أصل المال، وحينئذ يبقى السدس، قال: فيكون للأب.

    هذه القسمة إذا أردنا أن نجريها على الأصول في كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، نجد أنها مخالفة للأصول, لأن الأصل في الذكر والأنثى إذا كانا من طبقة واحدة، ومن درجة واحدة أنه للذكر مثل حظ الأنثيين، سواء ذلك كان في الولادة أو كان ذلك في الأخوة وهم الحواشي، أو كان في الأبوة، فإنه للذكر مثل حظ الأنثيين. عند عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى في قول له إلا في هذه الحالة.

    تقديم الدين والوصية على الميراث

    لما ذكر الله سبحانه وتعالى ميراث الزوجين ذكر أمر الدين والوصية، وهذا دليل على أن الدين والوصية يقدمان على الميراث، ولا خلاف عند العلماء في هذه المسألة.

    وهل يقال بأن عدم قسمة أو إخراج الدين يحرم الورثة من الانتفاع بالمال؟

    نقول: لا يحرمهم من الانتفاع بالمال، فإذا عرف أن الدين يساوي مثلاً ربع المال أو شطر المال أو نحو ذلك فعرف أن ثمة مقداراً معيناً من المال يقضي الدين، وذلك كبستان أو أرض أو عقار أو مال من النقد أو نحو ذلك فينتفع حينئذ بالباقي.

    والدين يقدم على الوصية بالاتفاق؛ لأن الدين هو حق في المال قبل موت الميت، وأما بالنسبة للوصية فليست حقاً لأحد, وإنما هو حق فرضه الميت في ماله, ولا يطلبه أحد من الناس شيئاً، ولهذا نقول: إن الدين يقدم على الوصية باعتبار أنه حق مفروض في المال قبل موت الميت لا بعده.

    وأما بالنسبة للوصية, فإنما استحقت القضاء والفصل فيها ذلك بعد موت الميت، وأما قبل ذلك فلا تعتبر ماضية, لأنها وصية وتقيد بوفاة الموصي.

    وذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في أمر الزوجين أن التركة تكون بعد الدين، وكذلك الوصية، وتقدم معنا ما يتعلق بمئونة الميت مما يتعلق بتغسيله، وتكفينه، وتجهيزه، وحمله إذا كان في مكان بعيد، أو البحث عنه إذا مات مفقوداً في صحراء أو سقط في بئر أو غرق في بحر واستخراجه في ذلك يكون من ماله.

    واختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في مئونة تجهيز الميت, هل تكون من أصل المال أو تكون من الثلث الذي أوصى به إذا كان قد أوصى؟

    جمهور العلماء على أنها تكون من أصل المال, ولا علاقة للثلث فيها، فتستخرج التجهيز لأنه جزء من النفقة على الميت، وهو أحق به من غيره، ما كان محتاجاً إليه سواء كان حياً أو ميتاً، وحاجته في حياته كأن يكون الإنسان مريضاً فبقي مرضه ولو كان مغمىً عليه, وبقي في ذلك سنوات فإنه ينفق عليه من ماله.

    ثم إذا مات فإن تجهيزه يكون من ماله, وهو أحق به من غيره, ويكون من أصل المال، ولا فرق في ذلك بين الميت الذي ترك مالاً قليلاً أو كثيراً، أو ترك ذرية غنية أو فقيرة، أو كان هو في ذاته غنياً أو فقيراً.

    وذهب بعض السلف وهو قول ابن شهاب الزهري إلى أن مئونة تجهيز الميت تكون من ثلثه إذا كان فقيراً، من ثلثه الذي يوصي به إذا كان فقيراً، قالوا: حتى لا يجحف في حق الورثة، والأظهر والله أعلم أنها في أصل ماله.

    والدليل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم مات أقوام كثير من أصحابه، وما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما يكون عليه من أمور تجهيز, والكفن هل يكون هذا من الثلث أو يكون من أصل ماله؟ فيبقى الأمر على ما هو عليه، ولم يفرق في ذلك بين فقير وغني؛ بل قد توفي مصعب بن عمير عليه رضوان الله تعالى وليس عليه إلا ما يستر شيئاً يسيراً من بدنه, وذلك لقلة ذات اليد، ومع ذلك أبقي عليه, وما قيل: هل لديه مال غيره أم لا؟!

    وكذلك في الرجل الذي وقصته ناقته في الحج، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كفنوه في ثوبين )، وما سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل لديه مال غير هذا المال، وهل هو غني أو فقير؟ وما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا في ثلث ماله أو غيره، فنقول حينئذ: إنه من أصل المال.

    فإذا قلنا: إنه من أصل المال وأوصى؛ تضرب الوصية بعد إخراج مئونته، فإذا ترك ألفاً وقد أوصى بالثلث وتجهيزه مائة؛ حينئذ الثلث يكون من التسعمائة، وإذا قلنا: إنه من الثلث، فنقول حينئذ: نخرج الثلث من جهة أصل المال، ثم نخرج المئونة منها، ولا يبقى من ثلثه إلا شيء يسير.

    والصواب: أنها تكون من أصل ماله, ولا علاقة للثلث الذي أوصى به في مئونته على الصحيح من أقوال العلماء.

    سبب تقديم ذكر الوصية على الدين مع أن الدين أهم منها

    وفي قوله سبحانه وتعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12] ، قدم الله سبحانه وتعالى الوصية على الدين، وتقدم أن العلماء يجمعون على أن الدين يقدم على الوصية، ولكن الله عز وجل قدمها في أبواب الذكر، فقال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، والدين من جهة استخراجه يكون قبل الوصية، يخرج الدين ثم يخرج الثلث أو الربع أو الخمس مما أوصى به الإنسان من المتبقي بعد قضاء دينه؛ لأن الدين ليس ملكاً له وليس في ماله حتى يدخله الثلث والمشاركة فيه، فيخرج للناس.

    ولماذا قدم الله سبحانه وتعالى الوصية على الدين في الذكر مع أن الدين مقدم على الوصية من جهة استخراجه؟ إن الله جل وعلا إنما قدم الوصية على الدين؛ لأن الدين له من يطالب به، فصاحب الدين ينشد ماله وحقه، فيطالب به من الورثة، وأما بالنسبة للوصية، فليست لأحد من الناس, فربما تكون حقاً مشاعاً لعموم الفقراء والمساكين، أو في عمارة المساجد أو في ابن السبيل أو غير ذلك.

    فقدم الله عز وجل الوصية في الذكر اهتماماً بها، وكأن الله عز وجل جعل نفسه نائباً عن أهلها مؤكداً على إخراجها.

    وإنما كان الدين مقدم على الوصية في أبواب الإخراج, لأن الوصية من حق الله عز وجل، وأما الدين فحق الآدمي، وحق الآدميين مبني على المشاحة، وحق الله عز وجل مبني على المسامحة لو دخله شيء من التقصير, فحق الله عز وجل يعفو بذلك عن عباده.

    أما ما يتعلق من أمر الدين، فمهما بلغ الإنسان منزلة وديناً أو ولاية فإن الله عز وجل لا يعفو عن الدين الذي يكون في عنقه، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول لما ذكر المجاهد، قال: ( تغفر له كل خطيئة اقترفتها يمينه إلا الدين )، وذلك لعظم منزلته, وأنه حق من حقوق الآدميين ومبني على المشاحة، وكذلك فإن قضاء الله عز وجل يجري في ذلك حتى على البهائم لعظم أمور الأموال؛ كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها، وليقتصن الله من الشاة القرناء للشاة الجماء ) .

    والمراد بالدين هو: ما يتعلق بحقوق الآدميين، وليس المراد بذلك ما يكون على الإنسان مما يبقى في ذمته من حق الله عز وجل مما يكون ممن ترك فريضة الحج أو نحو ذلك, فهذا ليس بمراد في أمر الدين, وإنما المراد بذلك هو ما كان في حق الآدميين.

    العلة في إرث الزوج أكثر من الزوجة

    وإنما فرق الله سبحانه وتعالى في أمر التركة بين الزوجين، أن الزوج له النصف إذا لم يكن للزوجة ولد, وله الربع إذا كان لها ولد، وعلى النصف منهما في الوجهين في أمر الزوجة مع الزوج؛ لأن الأصل في ذلك أن القوامة للرجل، وكذلك من جهة النفقة فإنه ينفق على زوجه، وينفق على ولده، فاستحق من ذلك أن يكون أكثر في أبواب النصيب في هذا الباب.

    وإنما تقدم وقوي فرض الزوج من زوجته على فرض الوالدين، وتقدم أن الزوج لم يتكلم العلماء عليهم رحمة الله تعالى على ميراثه بنقصان, وإنما تكلموا على الوالدين عند مزاحمة الأم للأب، وهذا على الصورة السابقة, وذلك في حال وفاة الزوجة عن زوجها وليس لها ولد ولها أب وأم.

    الزوج عند العلماء لا خلاف أن له نصف مال الزوجة، أما بالنسبة للأبوين فالخلاف قد وقع فيهما، الأم في ذلك قيل: إنها تأخذ الثلث من أصل المال, حينئذ يبقى له السدس, وهذا على قول عبد الله بن عباس في رواية، وقول جمهور العلماء على أنها تأخذ الثلث مما بقي لا من أصل ما ترك، وهذا يدل على عظم ميراث الزوج وفرضه, وأنه لا يزاحمه الوالدان في هذا، وإنما يتزاحم الوالدان فيما بينهما، وهذا في حق الزوج من زوجته, وفي حق الزوجة من زوجها كذلك.

    إذا توفي زوج عن زوجته وليس له ولد وترك أبوين، فإن للزوجة في ذلك الربع، والخلاف في ذلك كالخلاف في الصورة السابقة بالنسبة للأم: هل الأم تأخذ الثلث مما بقي بعد ربع الزوجة, أم تأخذ الثلث مما ترك زوجها من جهة مال الأصل؟

    هذا على الخلاف السابق، والصورة في هذا واحدة.

    ميراث الرجل الكلالة وبيان معنى الكلالة

    ثم ذكر الله سبحانه وتعالى الكلالة بعدما ذكر الوصية والدين، فقال: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَة [النساء:12] ، الكلالة هو ما أحاط بالإنسان, مأخوذ من الإكليل, وهو ما يوضع من شد على الرأس أو على الجسم يحيط به، وهذا إشارة إلى الحواشي.

    ولدينا من الوارثين: أصول وفروع وحواشي، الأصول وإن علوا هم الآباء، ويدخل في الآباء الجد والجدة وإن علوا، والفروع هم الأبناء وإن نزلوا، وكذلك البنات, يدخل في هذا الأولاد من صلب الإنسان وأولاد الأبناء.

    وأما بالنسبة لأولاد البنات فإنهم أبناء الأبعدين ولا يدخلون في أمر الميراث، لأن العرب لا تسمي أبناءً البنات أبناءً من الصلب، وإنما يذكرون ذلك تجوزاً، ولهذا نقول: إن أبناء البنت فضلاً عن بنات البنت لا يرثون من الجد, وإنما هم ورثة للزوج, وهو أبوهم باعتبار أنهم أبناء الأبعدين، ولهذا يقول الشاعر:

    بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أباً والرجال الأباعد

    ولكن بعض العلماء وهم قلة من يقول: إن أبناء البنات يدخلون في حكم أبناء البنين وبنات البنين، قالوا: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسن : ( إن ابني هذا سيد )، وهو ابن بنته, نقول: يدخل في البنوة, ولكن يدخل في البنوة تجوزاً, ولا شك أن الحسن هو ابن للنبي صلى الله عليه وسلم لكونه ابن بنته, لكن لا يدخل هذا في أمور المواريث، لأن البنوة تنسب إلى الآباء, ولا تنسب إلى الأمهات إلا تجوزاً، وفي أبواب ضيقة.

    وهنا حينما ذكر الله عز وجل الكلالة, وهم الذين يرثون الإنسان من طبقته هم إخوانه ومن علوه آباء ومن دنوا عنه هم الأبناء، فذكر الله عز وجل أمر الكلالة وهم الحواشي، وهذا على قول عامة السلف وعامة المفسرين، على أن المراد بالكلالة هو الرجل الذي يموت وليس له والد، يعني: أب وأم، وليس ولد من ابن أو بنت، وإنما له إخوة.

    وهذا أيضاً جاء مبيناً بعد ذلك في قول الله جل وعلا: رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَة أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النساء:12] ، فذكر الله سبحانه وتعالى الأخ والأخت دليلاً على أنه لا وارث له إلا هما, فهذا دليل على أن المراد بالكلالة هم الحواشي الذين يرثون الإنسان إذا لم يكن له أصل وارث ولا فرع وارث.

    ميراث الإخوة لأم

    قال الله جل وعلا: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَة أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النساء:12]، يعني: إذا كان الميت ذكراً أو أنثى وليس له وارث من أصوله أو فروعه، فهذا كلالة, يعني: أنه يرثه حواشيه، وحواشيه إما أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً، وسوّى الله سبحانه وتعالى بين الذكور والإناث هنا بالإخوة, لأن المراد بالإخوة هنا هم الإخوة لأم, كما جاء في قراءة سعد بن أبي وقاص , وجاء ذلك عن قتادة في روايته عن أبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى قال: أخ أو أخت لأم، أو من الأم، يعني: أن الأخوة المراد بها هنا هي الأخوة من الأم.

    ويأتي معنا الكلام على غير الإخوة من الأم في آخر سورة النساء بإذن الله عز وجل، وذلك ما يتعلق في أمر الكلالة أيضاً.

    هنا في قوله سبحانه وتعالى: رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَة أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النساء:12] من الأم, وهذا على ما تقدم في قراءة غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الفرق بين الإخوة لأم وغيرهم من الإخوة

    والإخوة لأم يختلفون عن غيرهم من الإخوة من وجوه متعددة:

    الوجه الأول: أن الإخوة لأم يرثون مع من أدلوا به، فهم يدلون مع أمهم ويرثون معها، وهذا اختص به الإخوة من الأم.

    الوجه الثاني: أن الإخوة من الأم يستوي فيهم الذكر والأنثى, لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النساء:12]، يعني: لا فرق بين الذكر والأنثى في هذا الموضع، وهذا من الخصائص التي اختص به الإخوة من الأم.

    الوجه الثالث: أنهم لا يجاوزون في مواريثهم ولو كثروا الثلث, فإن كانوا خمسة أو ستة لا يأخذون أكثر من الثلث من التركة.

    الوجه الرابع: أن الإخوة لأم لا يرثون إلا في الكلالة، يعني: في عدم وجود الأصل الوارث جميعهم، وعدم وجود الفرع الوارث جميعهم. وهذه الوجوه الأربعة هي الفروق بين الإخوة والأخوات لأم عن بقية الإخوة.

    وهنا في قوله سبحانه وتعالى قال: فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء:12] ، وهذا على ما تقدم أنهم لا يزيدون عن ذلك ولو كثروا, وذلك أن البنات يرثن إذا كن أكثر إذا كن جماعة فإنه لهن الثلثان, وذلك على ما تقدم في الآية السابقة.

    وقوله جل وعلا هنا: بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّة مِنَ اللَّهِ [النساء:12] ، لما ذكر الله سبحانه وتعالى الوصية بين الزوجين كررها في أمر الزوج مع الزوجة، والزوجة مع زوجها، ثم ذكرها الله سبحانه وتعالى في أمر الكلالة لأهميتها.

    والتكرار هنا مع تشابه الأحكام في الميراث هذه كلها فروض المواريث في أمر الزوجية، وكذلك في أمر الكلالة، مسألة الوصية ذكرها الله سبحانه وتعالى في المواضع كلها أعقبها بعد ذكر كل فرض تعظيماً لأمر الوصية، ولأن الحيف فيها كبيرة من كبائر الذنوب، وأكد ذلك أيضاً قوله جل وعلا: غَيْرَ مُضَارٍّ [النساء:12]، يعني: في الوصية، وذلك أن الإضرار في الوصية كبيرة من كبائر الذنوب، وقد جاء في ذلك غير ما خبر من المرفوع أو الموقوف على جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قد روى النسائي في السنن من حديث داود عن عكرمة عن عبد الله بن عباس أنه قال: الإضرار في الوصية كبيرة من كبائر الذنوب، وجاء هذا الحديث مرفوعاً عند ابن أبي حاتم في كتابه التفسير من حديث داود عن عكرمة عن عبد الله بن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الإضرار في الوصية كبيرة من الكبائر ) .

    وهذا الصواب فيه الوقف، وإنما كان الإضرار في الوصية كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن فيه ظلماً لصاحب الحق، بعد ذلك، وصاحب الحق في ذلك هو الوارث، فإذا ظلمه المورث بحيف في وصيته فكأنه أخذ من حقه الذي فرضه الله عز وجل له.

    من صور الإضرار بالوصية

    والإضرار في الوصية له صور متعددة, ومن هذه الصور: الوصية في أمر محرم، كالذي يوصي ببعض ماله في سقيا خمر أو في معازف أو في مشروب أو مأكول أو ملبوس من أمر محرم، أو في إعانة على باطل من نشر كتاب محرم أو غير ذلك, فهذه يتفق العلماء على أنها وصية ضارة ولا يجوز إنفاذها، وأن ما أوصى به يعد لاغياً, وأن ذلك المال يبقى من جملة التركة.

    ومن وجوه الإضرار بالوصية: أن يوصي الرجل لوارث، والوصية لوارث قد نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم, فقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه قال: ( إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث )، وجاء ذلك أيضاً من حديث عبد الله بن عباس ، وجاء من حديث أبي أمامة و البراء بن عازب ، وجاء من حديث عبد الله بن عمرو ، و عبد الله بن مسعود ، و علي بن أبي طالب ، جاء ذلك عن عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه لا وصية لوارث، حتى قال بعض العلماء: إن حديث: ( لا وصية لوارث )، متواتر, كما نص على ذلك الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الأم.

    وقال الشافعي رحمه الله في كتاب الأم: لا يختلف العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع: ( لا وصية لوارث )، يعني: أن هذا الأمر كان في آخر الأمرين منه، وعلى هذا عامة السلف عليهم رحمة الله من الصحابة والتابعين، وهذا القول قال به الأئمة الأربعة على خلاف للشافعي رحمه الله في أحد قوليه.

    وذهب بعض الأئمة من السلف وهو مروي عن الحسن البصري ، وعمر بن عبد العزيز ، وعن طاوس على أنه يجوز أن يوصى للوارث, وهذا قول مخالف للدليل، لأن الوصية للوارث فيها جملة من المحظورات، ومن هذه المحظورات:

    أنه باب يفتح للحيف في أمر الورثة, لأن الإنسان إذا أراد أن يعطي أحداً أكثر من غيره, كأخ أكثر من أخيه، أو زوجة أكثر من أخرى أوصى لها بمال كذا أو بربع ماله أو بثلث ماله أو نحو ذلك، فظلم في عطيته، وهذا لا يجوز في حال الحياة، فكيف يجوز في حال الممات أن يعطي الإنسان زوجة لم يعط الأخرى، أو يعطي ابناً هدية أو عطية أو هبة لم يعط الأخرى؟ فإذا كان ذلك في حال حياته وقدرته فإن ذلك بعد مماته من باب أولى.

    وأيضاً ظهور ووجوه الحيف في أمر الوصية للوارث: أن الوصية للوارث تبطل المقصود من الفرائض, وذلك أن الله عز وجل حينما جعل الفرائض وقدرها للزوج وزوجه، وكذلك للأولاد من بنين وبنات، وللأبوين، وللإخوة، جعلها الله عز وجل عدلاً، ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول لما ذكر ميراث الأولاد، والإخوة، والوالدين، قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:11] .

    يعني: يعلم ما يصلح أحوالكم وما يفسدها، فأحكم الله عز وجل الأمور فوضعها في نصابها، فإذا كان يجوز للإنسان أن يتدخل فيما فرضه الله عز وجل والله سماه فريضة: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11] ، ثم قال الله في خاتمتها: فَرِيضَة مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:11] ، (فريضة من الله) يعني: يحرم على الإنسان أن يتجاوزها.

    فإذا قلنا بأنه يجوز للإنسان أن يوصي لوارث فيجعل لابنه فلان نصف المال، ولفلان ربع المال أو نحو ذلك، فإن هذا يعطل الفرائض التي قدرها الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر محرم.

    ومن وجوه الحيف في أمر الوصية: أن الإنسان إذا أوصى بحيف أو ظلم تسبب بقطيعة رحم, لأن الإنسان إذا أوصى لولد من أولاده بشيء من ماله, ولم يعدل مع البقية فإن هذا يدعوهم إلى الشحناء والبغضاء والحقد والحسد له مما يتسبب ذلك في القطيعة.

    والله جل وعلا قد حرم بعض الصور لأجل الأرحام، كما حرم الله سبحانه وتعالى على الرجل أن يجمع بين الأختين خشية أن يتقاطعا بزواجه منهما فيصبحان ضرتين، فجعل الله سبحانه وتعالى ذلك محرماً على الزوج مع أن الأصل في ذلك الإباحة، فيجوز للرجل أن يتزوج امرأة ثم يطلقها ثم يتزوج بعد ذلك أختها، أما أن يجمع بينهما لعلة الرحم فقد نهاه الله جل وعلا عن ذلك.

    كذلك نهى الله سبحانه وتعالى أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، خشية أن يكون في ذلك قطيعة، وأما من جهة الجواز فيجوز له أن يتزوج المرأة ثم يطلقها، ثم بعد ذلك يتزوج عمتها وخالتها.

    والقطيعة كبيرة من كبائر الذنوب، فإذا تسبب بها الإنسان في وصية باء بإثمها، وهذا شبيه بالقطع أن الإنسان إذا أوصى لأحد أبنائه بشيء من المال، فيقول: لفلان الربع من مالي، يعني: من غير التركة، ثم بعد ذلك يحاصص إخوانه في المال، أو كان عنده زوجات, فقال للزوجة فلانة: الربع, ثم أخذت هذه الزوجة تحاصص بقية الزوجات في الفرض الذي جعله الله عز وجل لهن جميعاً.

    نقول: في ذلك من الحيف والقطيعة والظلم والبغضاء والشحناء ما يتسبب فيه، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا وصية لوارث ).

    حكم الوصية للوالدين والأقربين

    وأما في قول الله سبحانه وتعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [البقرة:180]، هذه آية منسوخة، وقد اتفق العلماء عليهم رحمة الله تعالى على ذلك، أنها كانت في ابتداء الأمر, وذلك أنه كان في بداية الإسلام يجعل الله عز وجل الميراث للأولاد من البنين والبنات، وجعل الله عز وجل للوالدين وللأقربين الوصية، فيضرب الإنسان لوالديه مما شاء، وهذا على سبيل التدرج في أمور الأحكام ككثير من الشرائع، ثم لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا وصية لوارث )، بقي هذا الأمر محكماً.

    وقد حكى غير واحد من العلماء: أن الوصية للوالدين منسوخة، وحكى الإجماع على ذلك, ولكن اختلفوا في الناسخ لهذه الآية:

    منهم من قال: عموم الفرائض.

    ومنهم من قال: فرض الوالدين، أن الله عز وجل حينما فرض لهما النصاب جعل الوصية باقية للأقربين, وجعلها بالنسبة للوالدين منسوخة.

    المراد بالحيف في الوصية

    وكذلك أيضاً من صور الحيف في الوصية: أن يوصي الإنسان بما يضر بالورثة ولو كان في وجه حق، كالذي يوصي بأكثر من ثلث ماله, ولو كان ذلك في عمارة المساجد وطباعة المصاحب أو في إطعام المساكين والفقراء وغير ذلك فهذا محرم، لأنها وصية فيما زاد عن القدر الذي أذن به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وإذا أوصى فيما دون الثلث وهو يضر بالورثة فهو يحرم كذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أذن لـــسعد بن أبي وقاص لأنه لا يرثه حين استأذن منه إلا بنت، فأذن له قال: ( الثلث والثلث كثير )، ثم علل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك في قوله: ( إنك إن تذر ذريتك أغنياء خيراً من أن تذرهم ضعفاء أو فقراء يتكففون الناس ).

    فإذا كانت هذه العلة موجودة فإنه ينقص من الثلث، كالذي يترك ذرية كثيرة ومالاً قليلاً, فهل نقول له بأنه يجوز للإنسان أن يوصي بالثلث وإذا كان الثلث يبقي الذرية فقراء؟

    نقول حينئذ: يحرم، لأن إطعام وإغناء الذرية أعظم عند الله عز وجل أجراً من إطعام غيرهم من الأبعدين ولو كانوا فقراء.

    اهتمام الله سبحانه وتعالى بأمر الوصية والدين

    في قوله سبحانه وتعالى: أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّة مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء:12] ، هذا فيه تأكيد على ما تقدم، أن الله عز وجل جعل من نفسه حسيباً ووكيلاً في أمر الوصية، ولهذا نجد أن الله جل وعلا لما ذكر أمر الوصية والدين في أمر الميراث بين الزوجين ما ذكره الله سبحانه وتعالى بعد ذلك فيما يتعلق بأمر الكلالة، لأن الدين له من يقوم به ويطالب به من الناس، فجعل الله سبحانه وتعالى ذلك وصية منه نيابةً عن أهل الحق الذين أوصي إليهم، وَصِيَّة مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء:12]، يعلم جل وعلا ما يصلح العباد وما يفسدهم، وفرض الله جل وعلا فرائضه، وشرع شرائعه، وأحكم شرعته سبحانه وتعالى بناءً على علمه جل وعلا.

    وقوله جل وعلا: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء:12]، لأن الفرائض مظنة للمشاحة والمنازعة والمخاصمة والمغالبة، فكل يريد الحظ أكثر من غيره، فالله سبحانه وتعالى يعلم الصالح ولو تشوفت النفوس إلى غيره, فقسم الفرائض على ما يريد وهو أعلم بذلك, حليم سبحانه وتعالى بعباده إذ فرض الفرائض وإن جهلوا الحكم والعلل المتعلقة بها.

    وفي قوله جل وعلا بعد ذلك: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء:13] ، هذه دليل على القطعي في أمر الفرائض, وأنه يجب على الورثة والأوصياء أن يقوموا بقسمتها على كتاب الله سبحانه وتعالى من غير حيف ولا ظلم.

    1.   

    قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة..)

    المراد بالفاحشة في قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة)

    وفي قول الله جل وعلا: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ [النساء:15] ، ذكر الله سبحانه وتعالى الفاحشة، والمراد بها الزنا في كلام عامة السلف، وإنما سميت فاحشة؛ لبشاعة أمرها ونفور الطبائع والنفوس منها فسماها الله عز وجل فاحشة، وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ [النساء:15] .

    نسخ قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة ..)

    وهذه الآية كانت في ابتداء الأمر زجراً عن الفاحشة وتحذيراً منها، ثم نسخ الله سبحانه وتعالى ما يتعلق بعقاب ذكره الله عز وجل في أمر الزانيين, فنسخ الله عز وجل ذلك بما يأتي في سورة النور بإذن الله تعالى, يقول الله جل وعلا: فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا [النساء:15] .

    الشهادة على الفاحشة تكون بأربعة باتفاق العلماء, ولا خلاف عندهم في ذلك، وإنما يختلفون في بعض صورها في شهادة النساء مع الرجال، وشهادة العبيد مع غيرهم من الأحرار، وهذا من مواضع الخلاف الذي يأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى أيضاً في سورة النور.

    يقول الله جل وعلا: فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ [النساء:15] ، في هذا إشارة إلى أنه لا يؤاخذ من اتهم بالفاحشة حتى تقام عليه البينة, لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالشهادة، ثم ذكر ثبوتها، ثم أمر الله عز وجل بإنزال العقوبة بعد ذلك، قال: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ [النساء:15] .

    وهذا كان في ابتداء الأمر, ثم نسخ ذلك بما جعله الله عز وجل من عقاب على البكر بجلد مائة وتغريب عام, كما جاء في حديث عبادة بن الصامت .

    هذا منسوخ بسورة النور، وكذلك بما جاء في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت عليه رضوان الله تعالى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً, البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم )، أخرجه الإمام مسلم ، وأهل السنن بألفاظ متعددة.

    وقوله جل وعلا: حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء:15] ، قيل: إن هذه الآية أنزلها الله عز وجل تهديداً ووعيداً وترهيباً من فعل ذلك، وكان هذا في ابتداء الأمر ولم تنزل تلك العقوبة على أحد، وإنما أراد الله عز وجل بها التهديد والوعيد والترهيب من الوقوع في هذه الفاحشة لبشاعتها.

    وفي هذه إشارة إلى أنه كان في ابتداء الأمر البكر والثيب حكمهما سواء، لأن بشاعة الجرم واحدة, وهذا يؤيد ما تقدم الإشارة إليه، أن الله سبحانه وتعالى أراد بذلك التنفير من تلك الفاحشة، وذلك لبشاعتها تحذيراً وترهيباً من الوقوع فيها.

    المراد بالإعراض في قوله تعالى: (فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما)

    وقوله جل وعلا: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا [النساء:16] ، ذكر الله سبحانه وتعالى اللذان يأتيانها وهم: الزانيان الرجل والمرأة، (يأتيانها) يعني: ألفاحشة, فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا [النساء:16] أمر الله عز وجل بالإعراض عن الزانيين إن ظهرت التوبة، والمراد بالإعراض: ألا يبدي للزاني والزانية ما يذكره بجرمه، ولهذا جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا زنت أمة أو مولاة أحدكم فليقم عليها الحد ولا يثرب )، يعني: لا يعنف، فلا يذكرها بذنبها ولا بجرمها بعد إقامة الحد؛ لأن الله عز وجل طهرها بذلك، ولهذا الله سبحانه وتعالى ذكر بعد التوبة، قال: فَأَعْرِضُوا [النساء:16]، يعني: عن ذكر الفاحشة والتذكير بها.

    والتائب من الفاحشة إذا ظهرت توبته وصحت كان كمن لا ذنب له، والمرأة إذا كانت بكراً ثم وقعت في فاحشة وتابت منها فإنها بكر ولا تسمى ثيباً لهذه الآية، وكذلك لما جاء في الصحيحين في قوله عليه الصلاة والسلام: ( ولا يثرب )، يعني: لا يعنف ولا يعير.

    وقد جاء عند عبد الرزاق وغيره: أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، فقال له: إن ابنتي زنت وإنها تابت ولزمت القرآن، ثم إنها خطبت إلي, فهل أزوجها على أنها زانية أم أزوجها على أنها صالحة؟ فقال: زوجها على أنها صالحة، ثم ذهب الرجل فعاد إليه، فقال: هل أزوجها على أنها زانية أم أزوجها على أنها صالحة؟ قال: زوجها على أنها صالحة وإلا أوجعت ظهرك.

    يعني: أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والزانية إذا وقعت في الزنا وكانت بكراً لا تسمى ثيباً، ولا تذكر بسوء، فإذا ظهرت توبتها سواء أقيم عليها الحد أو لم يقم لا يعنف عليها ولا تذكر بسوء، وإذا سئل عنها تذكر بحالها بما يعلم عنها حين السؤال عنها، وهذا ظاهر قول الله جل وعلا: فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا [النساء:16] .

    وكذلك أيضاً في قوله جل وعلا: فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا [النساء:16]، التوبة مما يبدو من الإنسان من الاستغفار والإقلاع، قال: وَأَصْلَحَا [النساء:16]، أظهرا خلاف ذلك الذنب، وذلك من القرب من أعمال الخير والبر والصلاة، قال: (( فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ))[النساء:16].

    يعني: أن هذا الحكم متعلق بحق الله جل وعلا فليس لأحد أن يقضي فيه إلا الله جل وعلا، والله سبحانه وتعالى تاب على من تاب من عباده، فإن الله تواباً رحيماً، وهذا صيغة مبالغة أن الله جل وعلا يتوب على المذنب مهما بلغ ذنباً إذا صدق في توبته، أي: أن الله عز وجل يسابق عبده بقبول التوبة، فإذا بدرت منه توبة قبلها منه مسارعاً إليه.

    جعلني الله وإياكم من أهل الاتباع والهدى، وأهل التوبة والعفو والاستغفار.

    وأسأله جل وعلا أن يسلك بي وبكم المنهج القويم والصراط المستقيم, إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.