إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [5]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لبيت الله الحرام مكانة عظيمة, فهو بيت الله الذي جعله مثوبة للناس وأمناً, وعهد إلى خليله إبراهيم عليه السلام أن يطهره للطائفين والعاكفين والركع السجود, ولذلك مُنع المشركون من دخوله. ومن مكانته العظيمة: أن شرع الله للناس استقباله في صلاتهم حيث كانوا, فإن كانوا فيه وجب استقبال عينه, وإن لم يكونوا فيه وجب استقبال جهته.

    1.   

    قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنكمل في هذا المجلس شيئاً من آي الأحكام من سورة البقرة, وأول هذه الآيات في قول الله جل وعلا: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:115].

    سعة ملك الله عز وجل

    قول الله سبحانه وتعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة:115], اللام هنا للتمليك, فالله سبحانه وتعالى مالك المشرق والمغرب وما بينهما, والمراد من ذلك: تمام ملك الذات والتدبير والتصرف فيها, والتصرف فيما بينها, فالله جل وعلا حينما بين ملكه للمشرق والمغرب أراد أن يبين ذلك لمن ملكه من عباده, فهو يملك العباد, فأراد أن يبين لهم ملكه للمشرق والمغرب وما بينهما, وأن الله سبحانه وتعالى يوجه العباد إلى ما أراد جل وعلا من التصرف في الكون.

    وقوله جل وعلا: الْمَشْرِقُ [البقرة:115]: هو مطلع الشمس, وكذلك مطلع القمر يسمى: مشرقاً, وهو مصدر؛ كقولنا: مسجد؛ الموضع الذي يسجد فيه, وكذلك المشرق: الموضع الذي تشرق فيه الشمس ويشرق فيه القمر, كذلك أيضاً المغرب: موضع غروب الشمس وغروب القمر؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى بين ملكه وتدبيره للمشارق والمغارب فقال: رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ [المعارج:40], فإذا جاءت المشارق والمغارب على الجمع فهي مطالع الشمس ومطالع القمر المتعددة, ومعلوم أن مشرق الشمس يخرج في موضع ولا يخرج منه مرة أخرى حتى يأتي العام الذي يليه, فثمة درجات يسيرة, ويغرب في مقابلها كذلك على درجة يسيرة يعرفها أهل الفلك, فهذه هي المشارق, والمغارب هي التي تقابلها, فالله جل وعلا رب هذه المشارق ورب هذه المغارب.

    الحكمة من إفراد المشرق والمغرب هنا وذكر الجمع في غير هذا الموضع

    وذكر الله جل وعلا هنا المشرق والمغرب بصيغة الإفراد مع أنه ذكرها في بعض الآي بصيغة الجمع: رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ [المعارج:40] والتثنية: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن:17] ؟ فالله جل وعلا سمى نفسه بأنه رب المشرقين والمغربين, ورب المشارق والمغارب, ورب المشرق والمغرب, فذكر المشارق والمغارب على صيغة الجمع في أبواب التعظيم له جل وعلا, المتضمنة للانقياد له جل وعلا بإثبات ربوبيته سبحانه وتعالى, ولهذا يعقبها الله جل وعلا بشيء من المعاني المتضمنة لكمال قدرته جل وعلا وكمال تدبيره؛ كقوله جل وعلا: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ [المعارج:40], فالله سبحانه وتعالى بين أنه يقسم بنفسه وهو رب المشارق والمغارب على قدرته جل وعلا وتدبيره لهذا الكون.

    وأما بالنسبة لهذه الآية فإنها في موضع تحديد القبلة, وتحديد القبلة يحتاج فيها إلى تثبيت, فمشرق ومغرب واحد, حتى تحدد القبلة على جهة معينة, ولهذا يذكر الله جل وعلا المشرق والمغرب في سياق تحديد القبلة, والمشارق والمغارب بالعدد أو التثنية في أبواب التعظيم, فيكون المشارق والمغارب هي مطالع الشمس والقمر, والتثنية يكون مطلع الشمس والقمر ومغرب الشمس والقمر, وأما المطلع والمغرب للشمس والقمر فإن هذا يكون في تحديد القبلة؛ كما في قول الله جل وعلا: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة:115], وإنما قدم المشرق على المغرب باعتبار أن الشروق هو أول ما يبتدئ به النهار, فقدم الله جل وعلا الإشراق على الغروب.

    الحكمة من ذكر الإشراق في القرآن أكثر من الغروب

    وذكر الإشراق أكثر من الغروب في القرآن؛ وذلك تيمناً بأفضلية أول النهار, ولهذا يقال: إن أفضل الأوقات لعمل الإنسان ونشاطه هو الضحى, ولهذا اختاره الله جل وعلا لموسى عليه الصلاة والسلام في مناظرة السحرة: وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [طه:59], كذلك أيضاً فإن الله عز وجل إذا أراد أن يعذب أمة أنزل العذاب عليها في الضحى, في حال تفاؤلها وسعادتها ونشوتها بما هي فيه من رغد عيش.

    أشهر الجهات المذكورة في القرآن والحكمة من ذلك

    والجهات كما لا يخفى أربعة: الشرق والغرب, والشمال والجنوب, ولكن المعروف في القرآن والأشهر ذكره هو الشرق والغرب؛ لأنها أظهر في أبواب الدلالة, فالجنوب والشمال يستدل عليها بمعرفة الشرق والغرب, أما الشرق والغرب فتعرف في ذاتها من غير معرفة جنوب وشمال, ولهذا نقول: لما كان الشرق والغرب معروفة بذاتها قدمت؛ لأن الدلالة عليه ظاهرة, بخلاف الجنوب والشمال فلا يمكن للإنسان أن يعرفها إلا بمعرفة الشرق والغرب, ولهذا كثر في كلام الله عز وجل وسنة رسوله ذكر المشرق والمغرب, وكذلك في كلام العرب.

    وكذلك أيضاً لارتباط أزمنة الناس بها, فغالب أزمنة الناس وجهاتهم تضبط بالشروق والغروب, فالشروق والغروب يضبط فيه الزمن والمكان, بخلاف الشمال والجنوب فإنه يضبط فيه المكان ولا يضبط فيه الزمان.

    ولهذا تقول: إن البلدة الفلانية شمالاً, ولكن لا تستطيع أن تضبط زمناً بحال الشمال, وإنما تضبط مكاناً, أما المشرق والمغرب فتضبط به الزمان والمكان فتقول: عند شروق الشمس, والبلدة الفلانية مشرقاً, فضبطت بها زماناً ومكاناً.

    وفي ذكر المشرق والمغرب الاهتمام بها في ظاهر كلام الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, كذلك أيضاً في كلام العرب, والله جل وعلا ذكر المشرق والمغرب في قوله: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة:115], وهذا له أثر في أمر القبلة, كما تقدم الإشارة إليه، وإنما ذكر الله سبحانه وتعالى المشرق والمغرب على سبيل الإفراد لا على سبيل الجمع؛ لأن المشرق والمغرب مطلع واحد, وإذا أردنا أن نضبط القبلة لا بد من تحديد موضع الشروق والغروب, ومعلوم أن الشمس من جهة شروقها في الشتاء تختلف عن الصيف, فإذا ذكر الله عز وجل المشارق والمغارب فإن الضبط في ذلك ينبغي أن يدور الإنسان إذا تغيرت القبلة, فإذا قيل: إنه على درجة معينة بالانتصاب بين المشرق والمغرب فإنه إذا تغير الشروق ينبغي له أن ينحرف عن القبلة, وذلك أن الله عز وجل ذكر المشارق والمغارب, ولكن ذكرها على سبيل الانفراد يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يضبط القبلة على شرق وغرب واحد ثم يلزم ذلك, وهذا من ألفاظ الإعجاز في كلام الله سبحانه وتعالى.

    وفي هذه الآية دلالة على التوسعة في أمر القبلة, وعدم المشقة على الناس.

    اختلاف العلماء في قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب..) بين النسخ والإحكام

    وهذه الآية من العلماء من قال بإحكامها, ومن العلماء من قال بنسخها, وهما قولان معروفان عند المفسرين:

    القول الأول: من قال بنسخ هذه الآية, قال: وذلك أن الله جل وعلا قد خير نبيه في ابتداء الأمر باستقبال ما يشاء فاستقبل المسجد الأقصى, ثم أمضاه الله عز جل عليه ولم ينصرف منه إلا بعد أن أمره الله سبحانه وتعالى بأن يتوجه إلى البيت الحرام كما يأتي بيانه, وذهب إلى هذا القول بعض العلماء، وهو مروي عن عبد الله بن عباس و قتادة , رواه عنه سعيد بن أبي عروبة و معمر بن راشد .

    القول الثاني: من قال: إن هذه الآية محكمة, وهي شاملة لمجموعة من المعاني.

    المعنى الأول: أن الله جل وعلا قال: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115], قالوا: إن هذا محمول على الضرورة والحاجة, ويمثل لهذه الضرورة في حال إذا استقبل الإنسان غير القبلة وظن أنها القبلة ثم بان له بعد ذلك أنه لم يستقبل القبلة؛ قالوا: فهذه ضرورة؛ لأن الله لا يكلف عبده ما لا يطيق, فقد أداها في حال أدائها, وهو يحسب أنها على القبلة, قالوا: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115].

    إذاً: فهذه الآية تحمل على مثل هذه الحال, فهو قد استقبل القبلة من جهة ذاته ولو كان قد استدبرها؛ لأنه خوطب بذلك بما في قلبه إذا لم يقصد الانحراف, واجتهد بالتصويب إلى القبلة, وهذا المعنى قد ذهب إليه بعض العلماء. وجاء في ذلك خبر كما رواه الترمذي , وكذلك ابن جرير الطبري من حديث أبي الربيع أشعث بن سعيد السمان عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أنه قال: ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: فبتنا ليلة, فأخذ كل واحد منا حجراً فصلى, فلما أصبحنا فإذا نحن على غير القبلة, فأنزل الله جل وعلا: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] ), قالوا: وفي هذا دلالة على أن المراد بذلك هو التوسعة في مثل هذه الحال.

    ولكن غير واحد من العلماء يعل هذا الحديث, وهو كذلك, كما أعله الترمذي رحمه الله؛ وذلك أنه تفرد بروايته أبو الربيع السمان وهو: أشعث بن سعيد وهو ضعيف, ويروي هذا الحديث عن عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف أيضاً, ضعفه يحيى بن معين وغيره, وقد قال فيه البخاري : منكر الحديث, وهذا المعنى حمله عليه أيضاً بعض العلماء من المفسرين, وله وجه كذلك.

    المعنى الثاني ممن قال بإحكام هذه الآية: قالوا: إن هذه الآية نزلت في النافلة, وهذا جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كما رواه ابن جرير الطبري من حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه, قال سعيد بن جبير : ( كنا مع عبد الله بن عمر في سفر فكان يصلي على راحلته إلى غير القبلة, فقال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسافر من مكة إلى المدينة يصلي على راحلته جهة المدينة, فأنزل الله جل وعلا: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] ), وهذا المعنى جاء عن بعض المفسرين, فجاء عن إبراهيم النخعي , و عطاء , كما رواه عبد الرزاق في كتابه المصنف عن عطاء بن أبي رباح أنه أفتى بمثل ما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه.

    المعنى الثالث لمن قال بالإحكام: قالوا: إن هذه الآية محكمة والمراد بها استقبال القبلة, ففي قول الله جل وعلا: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115], قال بعض العلماء: إن معنى التولي جهة القبلة, هو أن الإنسان مهما تعددت جهاته ودارت به الأرض سواء اتجه شرقاً أو غرباً إذا كان على القبلة فتلك الجهات لا تؤثر، فهو يتولى وجه الله سبحانه وتعالى بحسب اتجاهه, فقبلة أهل اليمن تختلف عن قبلة أهل العراق, وقبلة أهل المدينة تختلف عن قبلة أهل البحرين, وهكذا, قالوا: فهؤلاء كلهم يولي وجه الله سبحانه وتعالى, وهي القبلة التي أمر الله جل وعلا باستقبالها, جاء هذا المعنى عن مجاهد بن جبر , قال: وهذه الآية محكمة على هذا المعنى.

    وعلى كل سواء قلنا: بأن هذه الآية منسوخة أو ليست بمنسوخة؛ فإن المقطوع بذلك أن هذه الآية لم يقل أحد من أهل الإسلام: إن الإنسان له أن يستقبل ما شاء من الجهات, ومن قال: إن للإنسان أن يستقبل ما شاء من الجهات لظاهر هذه الآية فهو كافر مرتد, ولا خلاف عندهم في ذلك, وإنما الخلاف في حالها, هل كانت قبل نسخ القبلة أو بعد ذلك, وإذا كانت بعد ذلك فما المعنى المراد بها, ولا خلاف عندهم على مجموع هذه المعاني, إنما الخلاف فيها على هذه المعاني.

    استقبال عين الكعبة وجهتها في الصلاة

    وهذه الآية إذا حملناها على المعنى في عدم النسخ مع المعنى الذي جاء عن مجاهد بن جبر فإنها تفيد عدم التشديد في أمر القبلة لمن كان بعيداً من أهل الآفاق ومن لم ير الكعبة, فإن الأمر في ذلك يسر.

    فلدينا جهة وهي التي يصلي إليها الإنسان ممن لم ير الكعبة، ولدينا عين عين الكعبة, فالإنسان إذا عاينها بعينه فإنه يجب عليه أن يصلي عياناً إليها, وهذا محل اتفاق عند العلماء, ولا يجوز له أن يصلي جهتها غير مصوب عليها, منحرف عن حائطها فإن صلاته باطلة, وهذا محل اتفاق عند العلماء, وهذا في حال المشاهدة.

    وأما إذا كان الإنسان لا يراها, تحول بينه وبينها الجبال وهو من أهل مكة أو كان بعيداً عنها, فصلى جهتها ثم بان أنه لم يصوب عليها فصلاته صحيحة على قول جماهير العلماء, كذلك على الصحيح من كان في الحرم, وحال بينه وبين الكعبة ومباشرتها الحيطان أو المباني وشق عليه أن يراها, فصلى ناحيتها ثم بان له أنه انحرف عنها قليلاً فصلاته صحيحة على قول جماهير العلماء.

    وأما استقبال عين الكعبة لمن عاينها فنقول: إنه يجب التصويب عليها للمنفرد والإمام وهذا لا خلاف فيه.

    ولكن إذا خرج المأموم عنها شيئاً يسيراً هل تصح صلاته أم لا؟ أولاً ينبغي أن نبين أن الصفوف حول الكعبة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء الراشدين لم تكن مستديرة, وإنما كانت صفاً واحداً من جهة الباب, فيبتدأ من الحجر إلى الحِجر فإذا زاد الصف انقطع وبدءوا بصف آخر وهكذا, وكلما ابتعدت الصفوف زادت الصفوف؛ لأنه كما لا يخفى أن أمر الجهة وهذا معلوم بالحس, ومعلوم أيضاً حتى عند علماء الهندسة أنهم يقولون: أن الزاوية كلما ابتعد اتسعت وكلما قرب منها ضاقت, ولهذا الإنسان يقف مثلاً بعيداً عن منزل أو نحو ذلك فيقول: إنه عن يميني, بينهما لو مشى إليها خطاً مستقيماً لوجد أن بين النقطة التي يصل إليها وبين ذلك البيت أو ذلك الجبل مسافة طويلة ربما تزيد على كيلو متر أو أكثر من ذلك بحسب بعده, وهو في ذاته يرى أنه مصوب, ومن كان بعده مثلاً بمائة متر أو أكثر من ذلك, أو ربما كيلو وكل منهم يرى أن ذلك المكان البعيد هو صوبه, وهذا معلوم، فكلما بعد الإنسان اتسعت الجهة بالنسبة له, وكذلك أيضاً العين, فإذا قلنا: بأن الصفوف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر فهل نأخذ من ذلك أنهم ييسرون في أمر المأموم, وذلك أن الصفوف إذا كانت في أحد حيطان الكعبة من جهة البيت يصلون صفاً واحداً ثم يليه صفاً آخر ثم آخر ثم آخر وهكذا, فهل كانوا ييسرون للمأموم, وذلك مثلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم حج معه أكثر من مائة ألف, وهؤلاء قطعاً لا يصلون جماعة بكل هذا العدد؛ لأنه لو أراد إمام أن يصلي بهم ما استطاع أن يبلغ الصوت ولو كان وراءه عشرة يبلغون لتغيرت الأركان قبل أن يصل الصوت إلى من كان متأخراً, وهذا معلوم, وإنما يصلون جماعات, كل على جهة, وينزلون منازل متعددة, ولكن هذه الجماعات حتى لو قلنا: إنهم ألف يصلون, فإن هذا يشق أيضاً من جهة تبليغ الصوت لمن صلى خلفه؛ كأن يكون مثلاً الصف العاشر أو العشرين ونحو ذلك, وفي هذا شيء من المشقة, إلا أن نقول: إنهم كانوا لا يصلون جماعات في موضع واحد بالعدد الواحد, وإنما كانوا يصلون جماعات متتالية وهذا أمر محتمل.

    والصفوف إنما استديرت في ولاية خالد بن عبد الله القسري وهو أول من جعلها مستديرة, كما ذكر ذلك الأزرقي في كتابه أخبار مكة عن سفيان بن عيينة قال: أول من أدار الصفوف حول الكعبة خالد بن عبد الله القسري , وذلك أجازه بعض العلماء من الأئمة من السلف, كما جاء هذا عن ابن الزبير وكذلك عطاء , ويستأنسون بالملائكة في مقامهم عند العرش, وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ [الزمر:75], أي: مستديرين على حافة العرش, قالوا: وإذا كان كذلك فإنه يجوز أن تدار الصفوف, كما ذكر ذلك الأزرقي في أخبار مكة عن ابن جريج عن عطاء عن ابن الزبير , وهذا معنى حسن من جهة الاستنباط, وعليه مضى أمر الناس, فيكون الإمام من جهة الباب, ثم يصلي الناس مستديرين حول الكعبة.

    والذي يظهر والله أعلم أنه يخفف للمأموم ما لم تتغير جهته عن الكعبة، أما الأمام والمنفرد فهذا محل اتفاق ولو خرج شيئاً يسيراً عن صوبها وجب عليه أن يعيد الصلاة, أما المأموم فلدينا صوب ولدينا جهة, الجهة هي التي يتوجه إليها الإنسان وهي ناحية الشيء, وأما التصويب فهو أن يصيب بوجهه هذه الجهة, فإذا تحققت الجهة مع انخرام شيء من التصويب فصلاته صحيحة ما لم يفحش ذلك, والعلماء يحترزون في هذا, ويدل على احترازهم أنهم أداروا الصفوف؛ خشية أن تزيد الصفوف ثم يبالغ في مثل هذا الأمر.

    ويبغي للإنسان في مسألة استقبال القبلة الاحتياط, وإنما نقول بمثل هذا المعنى استئناساً بمثل هذه الآية وهي قول الله جل وعلا: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115], وقد نقول بمسألة التيسير على من كان بعيداً لهذه الآية أيضاً؛ كمن كان بالمدينة أو كان من أهل جدة ونحو ذلك أنه لا يلزمه التصويب والدقة, وهذا ما يذهب إليه جماعة من العلماء من المحدثين المحققين وغيرهم؛ كالإمام أحمد رحمه الله وغيره, فإن الإمام أحمد رحمه الله ينكر على من يهتدي ويستدل بالنجوم على القبلة إذا كان يعرف الجهة, وكأنه يقول: صل على الجهة ولا تدقق في هذا, فينكر على من يستدل بالجدي لضبط القبلة؛ لما في ذلك من التشديد على الناس.

    تخريج حديث: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)

    ويظهر والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال لأهل المدينة وقد اختار القبلة لأمته وضبطها عليه الصلاة والسلام, قال: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ), ويقصد بذلك أهل المدينة, وهذا الحديث قد تكلم فيه بعضهم, وإن كان لا يصح مرفوعاً إلا أنه صحيح عن عمر بن الخطاب , و عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, وجاء معنى ذلك عن علي بن أبي طالب و عبد الله بن عباس , و سعيد بن جبير وغيرهم من السلف.

    وأما المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ), فجاء من حديث أبي هريرة و عبد الله بن عمر .

    أما أبي هريرة فقد رواه الإمام أحمد و الترمذي وغيرهم من حديث عبد الله بن جعفر عن عثمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة , وجاء من وجه آخر أيضاً من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة , وجاء من وجه آخر من حديث أبي معشر نجيح يرويه عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة , وقد أعل هذا الحديث غير واحد، كـالبخاري و الترمذي و ابن رجب و غيرهم, ولكن جاء أيضاً من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً, والصواب فيه الوقف, وصوب الوقف أبو زرعة كما في العلل, و الدارقطني والحافظ ابن رجب رحمهم الله.

    ومال إلى عدم صحة المرفوع الإمام أحمد رحمه الله فقال: ليس له إسناد, يعني: المرفوع, وصححه عن عمر بن الخطاب , فإنه قد جاء عن عبد الله بن عمر من حديث نافع عنه, وإسناده عنه صحيح, وجاء أيضاً عن عمر بن الخطاب رواه الإمام مالك من حديث نافع عن عمر بن الخطاب مرسلاً , وجاء موصولاً كما ذكره الدارقطني في العلل, من حديث نافع عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب قال: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ).

    وهذا الحديث المرفوع وإن كان ضعيفاً إلا أن ثبوته عن جماعة من الصحابة يدل على الاعتداد بمعناه.

    التيسير في أمر القبلة

    والمراد ما بين المشرق والمغرب قبلة هو أمر التيسير وعدم التشديد على الناس؛ ولهذا نقول للإنسان: وإن كان يستطيع أن يهتدي لضبط ذلك بما يسمى بالبوصلة, وما يسمى بعلم النجوم والحساب, فإن الأولى له أن يهتدي إلى الجهة, ونقول له حال الإنسان في ذلك على حالين: الحالة الأولى: إذا كان يعرف الجهة فيصلي إليها من غير حساب.

    الحالة الثانية: إذا كان لا يعرف الجهة, لا يدري الشرق من الغرب, لا حرج عليه أن يستعين بشيء من آلات الحساب.

    والحالة الأولى إذا عرفها أو عرَّفَه أحد بدقة فعليه أن يصلي صوبها ولا يصلي إلى غيرها مع انحراف يسير ولو كان إلى جهتها؛ فمثلاً إذا قيل له إنها على درجة تسعين ونحو ذلك ثم انحرف شيئاً يسيراً وهو يعلم أن التصويب على ذلك, نقول: إنه ينبغي له أن يصوب ولا ينحرف ولو كان على جهتها, وإنما في قوله: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ), توسعة ابتداءً لا في حال المعرفة, ومن عرفها صوباً ولو كان بعيداً فإنه ينبغي أن يصوب عليها كحال من يعاينها, وينبغي ألا يشدد الناس إذا وجد في بعض المساجد في القرى أو المدن ونحو ذلك انحرافاً يسير عن القبلة, بل يبقي الأمر على ما هو عليه, والتشديد بهدم المساجد وحرف القبلة ونحو ذلك لوجود انحراف يسير هذا فيما أرى أنه مخالف للسنة وعمل السلف, لقوله هنا: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ), فهو نظير قوله: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ), أي: أن الأمر في الضبط بالحساب ليس مطلوباً, وإنما جاء الأمر للتيسير؛ لأنه ما كل أحد يستطيع أن يوجد البوصلة, ويستطيع أن يتعلم بالنجوم ونحو ذلك, فيترك الناس على الجهة, إلا في حال انتفاء الجهة فإنه حينئذ يستعمل آلات الحساب والضبط بما يسمى بالبوصلة, أو تحديد الجهات بمعرفة النجوم والأفلاك, فإن هذا من الأمور الواجبة حينئذ.

    الصلاة إلى غير القبلة جاهلاً أو ناسياً

    وأما الصلاة إلى غير القبلة للجاهل أو الناسي فصلاته صحيحة على قول جماهير العلماء, وهذا قد جاء عن جماعة من السلف, وهذا نظير مسألة في الصيام وهي: أفطر وهو يظن أن الشمس قد غربت ثم بان ظهورها, والمسألة أيضاً فيها خلاف.

    الصلاة نافلة إلى غير جهة القبلة

    أما بالنسبة لمن أراد أن يصلي النافلة إلى غير القبلة, فنقول: له ذلك ولو لم يستقبلها ابتداءً؛ كالإنسان يكون على راحلته, على السيارة, أو على الطيارة, أو نحو ذلك, فأراد أن يصلي نقول: صل كيفما شئت في النافلة فالأمر في ذلك سواء, وهذا في حال السفر. وأما في حال الحضر فيجب عليه أن يستقبل القبلة في النافلة كالفريضة, ولو صلى إلى غير القبلة في النافلة في حال الحضر بطلت صلاته، ويجب عليه أن يعيدها إذا كانت واجبة عليه إما بنذر أو نحو ذلك, وكذلك على القول بوجوب قضاء العبادة الباطلة ولو كانت نفلاً. وأما الصلاة على الراحلة في الحضر فإنها لا تجوز على قول عامة العلماء, وذهب قلة وهو من العلماء مروي عن أنس بن مالك وفيه حديث مرفوع ولا يصح, ونسب لبعض الفقهاء من الحنابلة؛ كـابن عقيل , ونسب أيضاً رواية عن الإمام أحمد وفيها نظر أنه يجوز ذلك.

    هنا الآية الثالثة, ولعلنا نرجئ الثانية؛ لأنها تحتاج إلى مجلس كامل, فلا نستطيع أن نقسمها بين مجلسين وهي في قول الله جل وعلا: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124], وهي سنن الفطرة, والكلام عليها وكما جاء ذلك عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه, حيث قال: ابتلاه بعشر: خمس في الرأس، وخمس في سائر الجسد, وتحتاج إلى كلام, ومما في الرأس: السواك, وقص الشارب, وفرق الشعر, والمضمضة, والاستنشاق وأحكامها, وكذلك أيضاً ما كان في الجسد من نتف الإبط, وحلق العانة, والاستنجاء, والاستجمار, والختان, وهذه تحتاج إلى مجلس كامل في هذه الآية, لهذا نرجئها إلى المجلس الآتي. ونأخذ التي بعدها وهي: قوله جل وعلا: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125].

    1.   

    قوله تعالى: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ...)

    معنى كون البيت الحرام مثابة

    قوله سبحانه وتعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125], الله سبحانه وتعالى جعل البيت مثابة للناس, والبيت المراد به: هو المسجد الحرام, ويطلق عليه البيت, و(جعل) أي: خلق وهيأ ودبر سبحانه وتعالى, والله جل وعلا جعل البيت مثابة للناس, والمثابة المراد بذلك هو: المرجع, يقال: ثاب فلان إذا رجع, يرجع الناس إليه, بزمن محدود وغير محدود, أما الزمن المحدود مما حده الله سبحانه وتعالى من مواسم الحج، وفضائل الأعمال فيه, وغير محدود مما يأتي إليه الناس من غير ضبط بشيء معين.

    تحديد زمن معين لزيارة البيت الحرام

    وهل يؤخذ من ذلك أنه يسوغ للإنسان أن يجعل له زيارة راتبة محددة إلى البيت الحرام, وذلك لظاهر هذه الآية؛ لأن الله جل وعلا جعل البيت مثابة للناس, أي: يرجعون إليه مرة بعد أخرى؟

    نقول: ليس له ذلك, وإنما المراد بذلك هو بيان الحال, والنبي عليه الصلاة والسلام كان مجيئه إلى البيت بحسب تهيئة السبيل, وبحسب مقتضى الحاجة والحال؛ كمواسم العمرة, والحج ونحو ذلك, وكذلك أصحابه, ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ), فليس له أن يجعل له شيئاً راتباً مستديماً يأتي فيه إلى البيت، ويقصد ذلك الزمن بعينه, ويخرج من هذا إذا أراد الإنسان أن يجعل له شيئاً معيناً لا لذات الزمن, وإنما لأن هذا هو أهيأ له؛ كالذي يريد أن يأتي يوم الجمعة إلى المسجد الحرام؛ لأنه يوم إجازة فيتجرد من مشاغله ولا يوجد لديه عمل أو تجارة أو انشغال بالأهل ونحو ذلك, فهذا هو وقت فراغه, فيذهب إلى المسجد الحرام في مثل هذا اليوم, أو يجعل له يوماً كالسبت والأحد؛ لأنه أهدى لوقته ويتخلى من الناس ونحو ذلك, فنقول في مثل هذا: إذا لم يكن مقصوداً لذاته فالأمر فيه سعة, وينبغي له أن يغاير ولو من مدة بعد مدة, حتى لا يجعل ذلك سنة, خاصة إذا كان الإنسان يقتدى ويُتأسى به.

    المراد بالبيت في عرف الشرع واللغة

    والبيت أصبح علماً على المسجد الحرام وهو الكعبة, وهذا ما ذكره الله جل وعلا في مواضع عديدة في كتابه العظيم, كقوله: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ [آل عمران:96], وقوله جل وعلا: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97], وقول الله جل وعلا: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ [البقرة:125], وهو في السنة النبوية كذلك, وكذلك أيضاً في الأثر, وكذلك حتى في كلام الجاهليين, فإن هذا معروف في كلامهم, والبيت في كلام العرب: هو البناء المسقوف, سواء كان من حجر أو من طين أو كان من شعر, فالله جل وعلا جعل البيت هنا من حجر وسماه بيتاً, وكذلك أيضاً سائر البيوت, وإذا كان من طين فهو من باب أولى, إذا كان الله عز وجل قد سمى ما يجعله الناس من جلود الأنعام بيوتاً فإن الطين من باب أولى, لهذا نقول: إن البيت: ما كان مسقوفاً سواء كان من حجر أو طين أو شعر, أو صوف, وأما إذا لم يكن مسقوفاً فلا يسمى بيتاً؛ لأنه لا قرار للآدمي عادة فيه, فإن الحيطان غير المسقوفة تكون بساتين وحيطان, يكون فيها الزروع ويكون فيها المواشي, ولا تكون مبيتاً للإنسان عادة, ولا تكون مبيتاً للإنسان إلا إذا كانت مسقوفة؛ وذلك أنها تقيه الحر والبرد والمطر وغير ذلك, فإن هذا هو الظاهر في استعمالات الكتاب العزيز, وكذلك السنة, وكذلك أيضاً ظاهر كلام العرب, وسمي بيتاً قيل: لأن المراد من ذلك: المبيت, فالإنسان يبيت فيه, وقيل: لأنه يبيت فيه رأياً وقولاً, أو يتحدث فيه, وما يبيت به الإنسان بالنوم ونحو ذلك.

    والبيتوتة تكون في الليل, وهذا فيه إشارة إلى ملازمة هذا الموضع, فما يعتاده الإنسان نهاراً باجتماع وحديث يسمى بيتاً كما كان الجاهليون يجعلون لهم داراً وهي دار الندوة وهي: بيت يجتمعون فيه ولا يبيتون فيه, وإنما يبيتون فيه الرأي.

    كذلك أيضاً جعل الله جل وعلا البيت الحرام بيتاً مع أن الناس لا يبيتون في داخله, ولا يبيتون في جوفه رأياً, ولكن لما كانت هيئته على هيئة البيوت المعروفة سماه الله جل وعلا بيتاً, فكان استحقاقه لهذا الاسم أولى من استحقاق غيره, بل أصبح علماً عليه, وما زال الفقهاء يستعملون ذلك في مصنفاتهم, فيقولون: استقبال البيت, والطواف بالبيت ونحو ذلك, يريدون بذلك الكعبة.

    المراد بجعل الله البيت الحرام أمناً

    وقوله جل وعلا: مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125], الله جل وعلا جعل البيت مثابة للناس وأمنا, تكلمنا على معنى مثابة, وأما الأمن فالمراد بذلك ضد الخوف كما هو ظاهر, وهل المراد هنا بالجعل القدري أم الشرعي؟ يظهر والله أعلم أن الله جل وعلا جعل البيت مثابة للناس وأمنا قدراً وشرعاً.

    والجعل يأتي بمعنى القدر، ويأتي بمعنى الشرع, ولهذا نقول: إن المعنى في هذه الآية: مَثَابَةً لِلنَّاسِ [البقرة:125], أي: جعل الله جل وعلا الناس تأوي إلى المسجد الحرام حتى في الجاهلية, وذلك حتى يعظم, فيعظم حتى عند الجاهليين فيلجأ إليه من أصاب دماً فجعل الله جل وعلا ذلك حتى عند الجاهليين، لتبقى حرمة هذا البيت.

    كذلك الجعل الشرعي, فجعل الله سبحانه وتعالى البيت مثابة للناس, أي: يأتون إليه, فجعل الصلاة فيه مضاعفة أعظم من غيره, وجعل الله جل وعلا فيه الطواف معظماً ولا يكون إلا فيه, وجعل الله سبحانه وتعالى الاعتكاف فيه يختلف عن الاعتكاف في غيره, وجعل شد الرحال إليه يختلف عن شد الرحال إلى غيره, فلا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد, وهذا من المثابة التي جعلها الله سبحانه وتعالى لهذا المسجد, وهي مثابة شرعية, وهذا من المثابة غير المحدودة بزمن, وأما ما كانت محدودة بزمن مما شرعه الله جل وعلا من أشهر الحج, وإقامة شعائر الله سبحانه وتعالى فيها, فهذه من المثابة التي جعلها الله جل وعلا شرعاً.

    كذلك أيضاً في مسألة الأمن, جعل الله جل وعلا المسجد الحرام أمناً قدراً, وجعله أمناً شرعاً, أما بالنسبة للقدر فإنه معلوم, فهو منذ أن خلق الله جل وعلا إبراهيم وبنى البيت إلى يومنا هذا موضع أمان, وما استثناه الله جل وعلا مما ينزل بأهله من شيء من الخوف فهذا بقدر الله سبحانه وتعالى, فالله جل وعلا يقدر أشياء, ويقدر استثناءً منها في بعض الأحيان، وهذا لا يخرم الأصل, ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4], مع وجود من يولد بعاهةً أشل, أو أعمى, أو أعرج, أو نحو ذلك, فهذا لحكمة عظيمة لا تلغي ما قدره الله جل وعلا في خلقة الإنسان.

    لهذا نقول: إن الله جل وعلا قدر في خلقة الإنسان أنه على أحسن تقويم إلى أن تقوم الساعة, فهذا أمر ماض, وما يستثنى من ذلك فهو من قدره أيضاً, فكان الجاهليون يعلمون أن الله جل وعلا جعل البيت مثابة للناس وأمناً حتى قدراً, ولهذا عبد المطلب لما جاء أبرهة لهدم المسجد الحرام علم أن لله جل وعلا سنة في ذلك, وهو أن ينزل العقاب بمن أراد بالمسجد الحرام إلحاداً, وأن يذيقه الله جل وعلا من العذاب الأليم, فقال: للبيت رب يحميه, فحماه الله سبحانه وتعالى, وما حدث من بعض الفتن في مكة من القرامطة, وكذلك أيضاً في حصار الحجاج ابن الزبير ومن معه في مكة, وما حدث من خوف لأهلها, وقتل لبعض الأنفس فيها, وقصة القرامطة وسلبها الحجر، وقتل بعض الناس ونحو ذلك, فهذا كله من قدر الله الذي لا يلغي الأصل في ذلك, ولله جل وعلا سنن ومقادير, وما يند عن تلك العادة فهو من قدر الله جل وعلا, فيكون ما يند هو بالنسبة لأذهان الناس يريدونه مضطرداً والله جل وعلا جعل له شيئاً على الاستثناء منه, وهو من قدره سبحانه وتعالى, ونستطيع أن نقول: إن سنن الله الكونية على نوعين:

    سنن مضطرد لا تنخرم, وسنن غير مضطرد يجعل الله جل وعلا لها قدراً يستثني من ذلك الاضطراد, فهذا كله من قدره سبحانه وتعالى, وهذا يجد له الإنسان أمثلة كثيرة, فكلها داخلة في قدره جل وعلا.

    وأما بالنسبة للأمان الشرعي فهو ما جعله الله جل وعلا من تحريم القتال عند المسجد الحرام, وكذلك أيضاً من تحريم تنفير الصيد, وقطع الشجر, وغير ذلك مما حرمه الله سبحانه وتعالى من سائر المحرمات التي تعظم في هذا المكان أعظم من غيره, فهذا كله من الأمان الشرعي, وهذا الأمان تعظيماً لهذا البيت وخصه سبحانه وتعالى به.

    وهذا الأمان والمثابة هل ظل كذلك على هذا النحو منذ أن بدأ به إبراهيم إلى يومنا هذا أم لا؟ نقول: هو كذلك لظاهر الآية, وهل التحريم في هذا كان في زمن إبراهيم ومن جاء بعده؟ نقول: هو كذلك, منذ أن كان إبراهيم , وهذا هو ظاهر؛ لأن الله جل وعلا جعل البيت مثابة للناس وأمنا, وجعله ذلك كان منذ أن رفع إبراهيم و إسماعيل القواعد من البيت, وسيأتي الإشارة إلى شيء من هذا بإذن الله تعالى.

    الصلاة خلف المقام

    وقوله جل وعلا: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125], قوله: وَاتَّخِذُوا [البقرة:125], جاءت هنا بصيغة الأمر, وهي القراءة المشهورة, وجاءت بصيغة الماضي, وَاتَّخَذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125], وهذه القراءة قرأ بها نافع و ابن عامر وَاتَّخَذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125], يعني: من كان قبل ذلك, وهذا يدل على أن مقام إبراهيم اتخذ مصلى في زمن إبراهيم كما هو ظاهر هذه القراءة, لهذا نقول: إن الصلاة خلف المقام سنة إبراهيمية وشريعة حنيفية, جاء بتأكيدها الإسلام.

    المراد بمقام إبراهيم

    وقوله جل وعلا: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125], اختلف كلام العلماء في مقام إبراهيم هل المراد بذلك الموضع الذي قام فيه أم المراد بذلك الحجر الذي وضع عليه قدمه ليناول ابنه إسماعيل الحجر؟

    ثبت عن عبد الله بن عباس أنه قال: هذا في الحجر, ومن العلماء من قال: إن المراد بذلك هو الموضع الذي وقف فيه, وهذا هو الأظهر.

    وقول الله جل وعلا: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125], ربط الله جل وعلا ذلك بالمقام, والمقام: هو موضع قيام الإنسان, وهذا لا يرتبط بما وقف عليه, فلو زال ذلك الحجر أو حرك يمنة أو سلب أو غير فإنه لا يمكن أن يتحول الإنسان إلى تعظيم المكان.

    وقياساً على ذلك لو قدر أن الكعبة هدم منها, أو أزيلت فهل نصلي لذلك الموضع أم إلى الكعبة؟ الجواب: إلى الكعبة؛ لأن هذا ما أراده الله سبحانه وتعالى, كذلك أيضاً فإن الحِجر باق من البيت مع زواله وبقاء قواعده, فمن طاف ودخل بين الحِجر وبين البناء الموجود من الكعبة فإن طوافه ناقص ويجب عليه أن يكمله لأن الارتباط إنما كان بأصل البناء, سواء تحول أو نقص منه شيء أو لم ينقص, فإن تقدم الحجر وتأخره كما أخره عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى ثم جاء السيل فموضعه الرئيسي مجهول في زمن الصدر الأول, لا يعرف الموضع بالضبط للحَجر, ثبت هذا عن سفيان ؛ كما نقله ابن أبي عمر عن سفيان أنه سئل عن موضع الحجر فقال: لا أدري, و سفيان هو من الأئمة الكبار, فإذا كان لا يعرف المكان تحديداً فإنه من باب أولى ألا يعرف لموضعه تحديداً, ولهذا نقول: لما كان يغلب الفقهاء الصلاة خلف الحجر, سواء تقدم أو تأخر؛ لأن ضبط ذلك وتحديده من جهة المكان مما يجهل أصله عند السلف, والله سبحانه وتعالى قال: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125], وجب الالتزام بذلك, فهل الله جل وعلا يأمر بالالتزام بشيء من ذلك وهو يعلم أن السلف سيجهلون شيئاً من ذلك فيتعطل مثل هذا الحكم؟ نقول: لا, الله جل وعلا يعلم ذلك, ومراده بالاتخاذ هنا إما ذلك الموضع، وإذا جهل فعلى الحجر فلا تتعطل شريعة, لأنا لو قلنا: إنه يلزم في ذلك المقام بعينه فيلزم من هذا أن يتعطل هذا الحكم, والشريعة باقية لا يزول منها شيء.

    المقصود بالمصلى في قوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)

    وقوله جل وعلا: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125], هل الاتخاذ هنا على الوجوب؟ أولاً معنى الصلاة في قوله: مُصَلًّى [البقرة:125], أي: موضعاً للصلاة, ومن العلماء من قال: إن المراد بالصلاة هنا هي الصلاة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم وهذا قول الجماهير, ومن العلماء من قال: إن المراد بذلك الدعاء, أي: أن هذا الموضع من مواضع الدعاء, ثبت هذا عن مجاهد بن جبر ؛ كما رواه ابن أبي حاتم وغيره عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر قال: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125], قال: مدعى, أي: موضعاً للدعاء, ونقول: إنه شامل للمعنيين, فيدخل فيه الصلاة أصالة, ويتبعها الدعاء, فيدعو الإنسان في صلاته, وإذا كان في غير صلاة فإنه يدعو ولا حرج عليه.

    وهل للإنسان أن يقصد المقام للدعاء خلفه؟

    نقول: له ذلك؛ لما روي عن بعض السلف في ذلك, وبهذا نعلم أن اتخاذ مقام إبراهيم مصلى شريعة سابقة, ولهذا قال الله جل وعلا: ( وَاتَّخِذُوا ) أي: أن من كان قبلكم اتخَذوا مقام إبراهيم مصلى، فهي شريعة إبراهيم الخليل لأمة الإسلام.

    صلاة ركعتي الطواف خلف المقام وتلاوة: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) عند الذهاب لذلك

    وأولى الصلوات خلف المقام هي صلاة ركعتين بعد الطواف, وذلك لفعل النبي صلى الله عليه وسلم, ولفعل أصحابه عليهم رضوان الله تعالى وقصدهم لذلك, وتتابع هذا العمل, فكل من طاف عند البيت سبعاً فيتأكد في حقه أن يصلي ركعتين, وصلاة ركعتين خلف المقام هي سنة عند جماهير العلماء بعد الطواف, وذهب بعض العلماء إلى وجوبها، وهو قول الإمام مالك .

    وقوله جل وعلا: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125], قالها النبي صلى الله عليه وسلم حينما انتهى من طوافه وذهب إلى المقام ليصلي, فهل تلاوة هذه الآية سنة عند الصلاة خلف المقام؟

    نقول: ليست بسنة, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها على سبيل الاستدلال بهذا المعنى, ويؤيد هذا أنه في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدها ( ذهب إلى الصفا وقال: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158] ), فهذا أراد به النبي صلى الله عليه وسلم استدلالاً, والعجب أن كثيراً ممن في المناسك يذكر أن من السنة أن يقول عند ذهابه إلى المقام للصلاة: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125], ولا يقول بتلاوة: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ [البقرة:158], عند صعوده على الصفا مع أنها جاءت في سياق واحد, ولهذا نقول: إن آكد الصلوات خلف المقام هي الصلاة بعد الطواف.

    الطواف الذي يصلي بعده ركعتان خلف المقام

    وهل هي في كل طواف أم في طواف العمرة والحج؟

    نقول: في كل طواف, أياً كان نوعه, سواء كان طواف تحية البيت المطلق, أو كان مرتبطاً بشيء من المناسك من طواف العمرة والحج؛ كطواف الإفاضة أو طواف القدوم أو طواف الوداع, فإنه يصلي ركعتين, وهذا الذي عليه عمل عامة العلماء, والسلف الصالح عليهم رضوان الله تعالى يتفقون على سنية ذلك، وإنما يختلفون في الصلاة خلف المقام في أوقات النهي, هل هي من ذوات الأسباب أم لا؟ وهذا خلاف معلوم, وقد كان عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى لا يصليها في وقت النهي, وإنما ينتظر حتى تطلع الشمس, وقد صلاها عليه رضوان الله تعالى لما خرج إلى البطحاء.

    وصلاة الركعتين خلف المقام لمن طاف, هل محلها خلف المقام على سبيل اللزوم أم المراد بذلك ركعتين في أي موضع؟ نقول: الأكمل أن تكون خلف المقام لظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    المراد بالصلاة في قوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)

    وهل الصلاة المذكورة هنا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125], هي الصلاة بعد الطواف أم المراد المطلق؟

    نقول: المطلق وليس الركعتين والطواف, ولكن ركعتي الطواف أولاها, وهذا من السنن المهجورة التي يغفل عنها كثير من الناس فلا يصلون خلف المقام إلا ركعتي الطواف, ويظنون أن ذلك مرتبط بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في حجه وعمرته, بل هي سنة مطلقة لظاهر هذه الآية, والنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستدل لعمله لا أن يقيد عموم هذه الآية, ولهذا نقول: إنه يستحب للإنسان أن يصلي ركعتين متى ما تيسر له خلف المقام, فإذا لم يتيسر له فإنه يدعو.

    القرب من المقام والكعبة عند الصلاة

    وأما القرب والدنو من المقام فلا أعلم فيه حديثاً, سواء قرب منه أو بعد, كحال المصلي من محرابه فإن ابتعد عنه أو تأخر فالأمر في ذلك سعة, أما بالنسبة للقرب من الكعبة فاستحب بعض السلف الدنو منها, ويعللون بذلك بشيء من العلل منها: الخشوع, وكذلك لئلا يمر من بين يديه أحد، وغير ذلك من العلل المتنوعة في هذا.

    الطواف تحية البيت عوضاً عن الركعتين

    وفي قوله سبحانه وتعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125], إذا لم يستطع الصلاة خلف المقام فإنه يصلي في أي موضع شاء, والطواف تحية البيت فإنه ينوب عن الصلاة, ولهذا قال بعض العلماء: إن الطواف عند البيت أفضل من الصلاة فيه؛ لأن الله جل وعلا جعل تحية البيت الطواف فيه ولم يجعل الصلاة, وجعل الصلاة لغيره من المساجد, ومن تعذر عليه الطواف جعل الصلاة بدلاً عنه, ومعلوم أن الـمُبْدَل منه آكد من البدل, ولهذا نقول: إن الوضوء أولى وآكد من التيمم, فالطواف هو آكد من الصلاة, على خلاف عند العلماء أيهما أفضل: الطواف أم الصلاة في البيت؟ منهم من فرق, ومنهم من لم يفرق, ومنهم من قال: إن الطواف أفضل من الصلاة, ومنهم من فرق بين الآفاقي وغيره.

    معنى العهد في القرآن

    وقوله جل وعلا: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ [البقرة:125], العهد من الله سبحانه وتعالى إما أن يعدى بـ (إلى) وإما ألا يعدى بـ (إلى), فإذا عدي بـ (إلى) فالمراد بذلك: الوصية والميثاق الذي يجب على الإنسان أن يفي به, ولهذا نقول: إنه بهذا المعنى هو العهد الشرعي, ونستطيع أن نقول: إن العهد على نوعين:

    عهد شرعي, وهو الذي يعدى بـ (إلى), وهو الوصية, أي: عهدي إليك أن تفعل كذا وكذا, فهذا هو الوصية من الإنسان لغيره, وهو وصية الله جل وعلا لـإبراهيم وإسماعيل في هذه الآية.

    وعهد كوني: وهو الذي لا يتعدى بـ (إلى), والعهد الكوني لابد أن يقع, وذلك كقول الله جل وعلا: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124], وهذا من الله جل وعلا قضاًء وتقديراً أن عهد الله جل وعلا لا يتولاه الظالمين، فإن الله سبحانه وتعالى قضى وقدر أمراً محتوماً لا بد أنه صائر فعهد الله جل وعلا لا يناله ولا يتولاه إلا أهل الإسلام.

    مكانة إبراهيم وابنه إسماعيل

    وفي قوله سبحانه وتعالى: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ [البقرة:125], والعهد من الله جل وعلا لـإبراهيم وإسماعيل وإشراك الابن مع أبيه إشارة إلى فضل الابن, وكذلك إشارة إلى جواز اقتران الابن بأبيه في الوصية وتوجيه الخطاب, وأن ذلك من الأمور الجائزة أيضاً ومن وجوه التشريف, والتشريف هنا ظاهر في حال إبراهيم وفي حال إسماعيل وذلك من جهتين:

    أن الله جل وعلا عهد إليهما جميعاً بهذا العهد, وهذا مقام تشريف, وتشريف لإسماعيل أن قرنه الله جل وعلا بإبراهيم عليه السلام.

    كذلك أيضاً تشريف بأن جعل الله جل وعلا تلك الوصية متعلقة بأعظم ما يوصى به وهو قبلة أهل الإسلام.

    تشريف المساجد ومن يسجد فيها

    وهو تطهير البيت, فالله جل وعلا عهد إلى إبراهيم وإلى إسماعيل تطهير البيت, أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ [البقرة:125], أضاف الله جل وعلا البيت إليه للتشريف, وبيان الخصوصية, وعلى هذا يدخل في ذلك سائر المساجد التي تتوجه إليه, وهذا كما أنه في المسجد فهو كذلك في الساجد, ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18], المساجد هنا على معنيين:

    المساجد التي يسجد فيها لله جل وعلا وهي بيوت الله, وقيل: إن المراد بذلك هي: الأعضاء السبعة التي يسجد الإنسان عليها هي لله, فهي من مواضع التشريف والتعظيم لها, وهذا فيه إشارة إلى ولاية الله جل وعلا لعبده, وأن الإنسان يستحق الولاية بإكثاره من العبادة لله سبحانه وتعالى.

    المراد بالطهارة في قوله: ( أن طهرا بيتي)

    والتطهير هنا في قوله: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ [البقرة:125], تطهير معنوي وتطهير حسي.

    أما التطهير المعنوي فالمراد بذلك هو تطهيرها من الشركيات: من الأصنام, والأوثان, وقول الزور, وغير ذلك, وتطهيرها من الأقوال والأعمال, والنيات الفاسدة, وتفقيه الناس وتبصيرهم بأهمية ذلك ووجوبه.

    وأما التطهير الحسي فالمراد به: هو التنظيف من الأقذار والأنجاس وغير ذلك.

    مشروعية تنظيف المساجد

    وهذا فيه دليل على استحباب تطهير المساجد وتطييبها, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على ذلك, وكان عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى يتخذ جماراً للمسجد, وكان نعيم المجمر عليه رحمة الله, إنما سمي بذلك لأنه صاحب جمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيبه ويهتم به.

    منع المشركين من دخول المسجد الحرام

    وفي هذا دليل على أن الله جل وعلا حرم دخول المشركين إلى المسجد الحرام منذ إبراهيم عليه السلام, ولهذا قال الله جل وعلا: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [البقرة:125], والتطهير هنا أول ما يتبادر إلى الذهن هي الطهارة المعنوية؛ لأن الله جل وعلا قال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28], ولهذا فالله جل وعلا جعل المشركين أنجاساً: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28], والنجاسة هي ضد الطهارة, فأمر الله جل وعلا بتطهير المسجد الحرام من تلك النجاسة, فدل على أن دخول المشركين على التحريم منذ زمن الخليل إبراهيم, وأنها شريعة الإسلام التي لم تتغير, وإنما منع الله جل وعلا من دخول أهل الشرك إلى مكة حتى لا يغيروا شعائر الإسلام, ولا يقيموا لحدود الله جل وعلا وزناً, فالله جل وعلا جعل البيت مثابة للناس وأمناً, ثم بعد ذلك أراد حياطة تلك المثابة والثائبين والأمن والآمنين بمنع الدخيل إليهم ممن لا يقيم لذلك وزناً من المشركين وغيرهم.

    المراد بالطواف والاعتكاف في البيت الحرام

    ثم قال تعالى: طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [البقرة:125], ذكر الله جل وعلا الطائفين, هل الطواف المراد بذلك هو المرور أم المراد بذلك هو الدوران على البيت المعروف بالعبادة المعلومة؟ الجواب: المراد بذلك الطواف هو الدوران المعلوم, وهو أن يجعل الإنسان البيت على يساره, وذلك أولى ما يدخل فيه النص, وهل يدخل في ذلك غيره ممن جاء إلى البيت من غير طواف, ممن مر مروراً؟ نقول: وهو كذلك, إذا كان على نية حسنة, ويدل على هذا كلمة: وَالْعَاكِفِينَ [البقرة:125], ويأتي الكلام عليه, فإن العاكفين على قول بعض العلماء: إنه يدخل في هذا الجالس والنائم؛ كما جاء عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله, كما روى ابن أبي حاتم في كتابه التفسير عن عبيد بن عمير قال: لأقولن للأمير أن يمنع هؤلاء النوم, فإنهم يجنبون فيه ويحدثون, فقال له قائل: إن عبد الله بن عمر قال: إن النائم عاكف, وهذا يدل على أن النوم في المسجد الحرام لمن نوى أنه في حكم المعتكف يعد اعتكافاً أيضاً, وكذلك أيضاً فإنه يمنع القائمون على شأن الحرم من منع الناس من النوم في المسجد الحرام إلا إذا كان في ذلك ضرر لمن هو أولى منه؛ كالطواف, ومواضع الصلاة ونحو ذلك, ولهذا ذكر الله جل وعلا الطواف قبل الاعتكاف في البيت, فكان الاعتكاف أولى, والاعتكاف في البيت كان تحية للبيت, وهو مقام الصلاة, ويليه بعد ذلك الصلاة في حال من لم يأت بالطواف, ثم يأتي بعد ذلك المعتكف.

    كذلك أيضاً الجالس فضلاً عن القائم, والمصلي, فإن هؤلاء من المعتكفين في المسجد الحرام, أمر الله جل وعلا بتطهير البيت لهم.

    شرف من يقوم بشأن المساجد

    وفي هذا أيضاً دليل على أن تطهير البيت والقيام به يقوم به أشرف الناس, ولهذا جعل الله جل وعلا الخطاب متوجهاً إلى إبراهيم أن يطهر البيت لهؤلاء, ولهذا نقول: إن خدمة بيوت الله من المساجد والمسجد الحرام, والمسجد النبوي, والمسجد الأقصى يقوم بها أشرف الخلق, وكذلك على السادة من الناس في زمانهم أن يعتوا بهذا الأمر, فإن الله جل وعلا حينما وجه الخطاب إلى إبراهيم أراد أن يقوم إبراهيم وإسماعيل بهذا الأمر وأن يوجها غيرهما إلى القيام به ويدخل في هذا ابتداءً أن يباشرا ذلك بنفسيهما, وإنما قدمنا الطهارة المعنوية على الطهارة الحسية؛ لأنها أول ما قام بها النبي صلى الله عليه وسلم عند دخوله مكة, فإنه طهر المسجد الحرام من الأصنام والأوثان مما كان باقياً.

    الحكمة من تأخير ذكر الركع السجود بعد ذكر الطائفين والقائمين

    ثم قال تعالى: وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125], قال عبد الله بن عباس كما روى ابن أبي حاتم و ابن جرير قال: من صلى فهو راكع ساجد, وإنما أخر الركوع والسجود؛ لأن الغالب من أحوال الناس هو الطواف, ثم يليه بعد ذلك الاعتكاف؛ وهو: البقاء والمكث, ثم يليه بعد ذلك الصلاة, وإنما قيل بتقديم الطواف في هذا الموضع على قول بعضهم أن الله جل وعلا قدم أمر الطواف؛ لأن الطائف أحوج ما يكون لطهارة البيت؛ لأنه أقرب الناس إلى البيت وأدنى موضعاً ومكاناً, وهو أظهر في جانب التعبد من غيره من المصلي, الجالس, كذلك أيضاً لقربه من الكعبة كان أحوج إلى تطهير البيت، فكلما دنى الموضع من البيت كان أولى بالتطهير, وكلما بعد الإنسان كان أبعد, ولهذا نقول: إن الطائف أقرب إلى الكعبة, وأما بالنسبة للعاكف والمصلي فقد يكون أبعد عنها من الطائف, وهذا في الأغلب, وإنما قدم الركوع على السجود باعتبار أنه أولى, ويقدم محلاً، زمناً في الصلاة، وإلا فالسجود هو أعظم من الركوع.

    ونكتفي بهذا القدر, وأسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لمرضاته, والله أعلم, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.