إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [4]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إقامة الحدود منوطة بالسلطان, ولا يجوز لأفراد الناس أن يقوموا بذلك سداً لذرائع أن يقتل بعضهم بعضاً, وأن يعتدي بعضهم على بعض؛ أما إذا لم يقم السلطان بذلك فلهم أن ينصبوا أحدهم للقيام بذلك في بعض قضايا الأعيان. والحدود تفارق التعزيرات في أنها لازمة, ولا يجوز للسلطان الاجتهاد فيها أو التنازل عنها. ثم هذه الحدود كفارة لأصحابها.

    1.   

    قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم...)

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    تكلمنا في المجلس السابق في قول الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43].

    واليوم سنتحدث عن قول الله جل وعلا: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54].

    تشديد العقوبة على من ظهرت له البينة أو كان حديث عهد بها ثم خالف

    في قوله سبحانه وتعالى: فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:54], أمر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل أن يقوموا بقتل أنفسهم, وهذا حكم من الله سبحانه وتعالى تأديباً لهم, وذلك باتخاذهم العجل؛ أن عبدوه من دون الله سبحانه وتعالى, وهذه العقوبة التي أمر الله عز وجل بإنزالها ببني إسرائيل لم يأمر الله موسى أن ينزلها ببني إسرائيل, وإنما أمر بني إسرائيل أن يقوموا بإنزالها بأنفسهم, وهذا إما أن يكون حداً من حدود الله عز وجل عليهم عقوبة, وإما أن يكون تعزيراً لهم على فعلهم ذلك, ويدخل هذا في أبواب الحدود والتعزيرات, فهي داخلة في أبواب القضاء, ومسألة إقامة الحدود مردها إلى ولي الأمر.

    وإنما أنزل الله سبحانه وتعالى هذه العقوبة على بني إسرائيل؛ حتى يتوب الله عز وجل عليهم ويرى صدقهم, وذلك أنهم لما وقعوا في جرم عظيم؛ وهو الكفر بالله سبحانه وتعالى، مع ظهور البينة والحجة, وهذا نأخذ منه حكماً وهو: أن البينة كلما ظهرت للإنسان فخالف فعقوبته عند الله عز وجل أشد, وإذا كان حديث عهد ببينة ثم خالف فإن العقوبة عليه كذلك أشد, بخلاف البينة إذا كانت بعيدة, أو كانت البينة ضعيفة, فإن العقاب عليه يكون أدنى, وموسى عليه السلام لما ذهب إلى ميعاد ربه؛ أخذ السامري من حلي بني إسرائيل من نسائهم ورجالهم من الذهب والفضة وصنع منه عجلاً له جسد, فعبد من دون الله سبحانه وتعالى؛ لما قيل: إن الله عز وجل جعل فيه خصلة أن الهواء يأتيه ثم ينطق, فيكون له خوار, وهذا مما يجعلهم يتعلقون به, وقيل: إن الله عز وجل قلبه عجلاً على الحقيقة, لما قبض قبضة فرمى بها عليه, وهذا من ابتلاء الله عز وجل لبعض عباده, وذلك أن بعض العباد يبتليهم الله عز وجل بضعف يقينهم, حتى يختبر ما فيهم من إيمان وتعلق بالله سبحانه وتعالى, فالإنسان يكون لديه يقين بالله عز وجل مع ضعف علم, ويكون لديه علم مع ضعف يقين, وأعظم ما ينجي الإنسان اليقين ولو لم يكن ثمة كثير علم, ولهذا العلم المقصود منه هو الخشية, فإذا وجدت الخشية -وهي ثمرة لليقين- فإن الإنسان يكون من أهل رسوخ الإيمان, ولهذا لما ذكر معروف -وهو من العباد- عند الإمام أحمد , قيل: إنه قليل الفقه, فقال الإمام أحمد رحمه الله: مه, وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف , يعني: أن العلماء يتعلمون ويريدون أن يصلوا إلى ما وصل إليه معروف رحمه الله, وذلك من التعبد لله عز وجل, والله سبحانه وتعالى قد يعطي عبده بعلم يسير يقيناً عظيماً, وقد يعطي عبده يقيناً يسيراً بعلم كثير, ولهذا نقول: إن العلم في ذاته لا يقي الإنسان, واليقين بذاته إذا وجد في قلب الإنسان رسخ الإنسان وقوي, والغالب أن اليقين لا يرسخ إلا مع علم, ورسوخ اليقين بدون علم فهذا متعذر, ولكن يقال: إن اليقين يوجد مع الإنسان مع وجود العلم, ولكن قد يوجد كثير اليقين مع علم قليل, وهذا معلوم في أحوال كثير من الناس.

    ومن أراد اليقين التام فلا بد له من أمرين: العلم, والعمل, فهو الذي يورث الإنسان اليقين التام, فمن رسخ بهذين الجانبين فإنه من أهل التمكن والثبات على دين الله سبحانه وتعالى وقلما ينتكس, ولما كان موسى عليه السلام حديث عهد بقومه فاتخذوا العجل من بعده لما ذهب إلى ميقات ربه كانت العقوبة في ذلك أشد, وهذا سر تشديد عقوبة الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل؛ أن أمرهم بقتل أنفسهم.

    كيفية قتل بني إسرائيل أنفسهم

    أما كيفية القتل فقد جاء ذلك عن غير واحد من المفسرين, من ذلك: ما جاء كما عند ابن جرير الطبري وغيره من حديث مجاهد بن جبر , وكذلك جاء عن سعيد بن جبير رواه عنهما القاسم بن أبي بزة أنهما قالا: إن الله عز وجل أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم, فأخذوا السكاكين والخناجر, فأخذ بعضهم يضرب بعضاً لا يلوون على أحد, لا يعرفون أباً ولا راحماً, حتى أومأ موسى عليه السلام بثوبه، ثم نظروا وقد قتل منهم سبعون ألفاً, فقال الله عز وجل: حسبي, يعني: أن الله عز وجل أنزل عليهم العقوبة تلك, وإن لم تقع على أعيانهم فإن الإنسان تنزل عليه العقوبة بموت أخ أو بموت قريب, فأنزل الله عز وجل عليهم ذلك البلاء أن قاموا بذلك بأنفسهم.

    وهذه العقوبة من جهة الأصل فالله سبحانه وتعالى جعلها موكولة إليهم في قوله: فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [البقرة:54].

    الحكمة من أمر الله عز وجل بني إسرائيل بقتل أنفسهم مع أن مرد إقامة الحدود والتعزير إلى ولي الأمر

    والأصل أن القتل إذا أمر الله عز وجل به إما أن يكون حداً, وإما أن يكون تعزيراً, ومرده في ذلك إلى ولي أمر المسلمين, وولي الأمر هو موسى عليه السلام, ولكن الله عز وجل توجه بالخطاب إلى بني إسرائيل أن يقوموا بقتل أنفسهم, والعلة في ذلك أن القتل فيهم كثير, والعلة الأخرى: أن موسى لو قام بهذا الأمر فيهم واحداً واحداً لحملوا عليه, ولو كان ذلك على سبيل التدرج, لو قتل واحداً أو اثنين فرأوا الدماء قد استفاضت فيهم ربما حملوا عليه, وربما ارتدوا عن الدين بالكلية, ولم يكن ثمة أوبة, ولكن الله عز وجل جعل الأمر فيهم حتى تضيع دماء كثير من الناس فيما بينهم, ويكفر الله عز وجل عنهم ما وقعوا فيه, وهذا من العلة, وإلا فالأصل أن الأمر يتوجه إلى ولي أمر المسلمين, وهذا محل اتفاق عند العلماء, لا خلاف عندهم فيه, ولهذا قال الله عز وجل في كتابه العظيم: فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2], قال غير واحد من المفسرين المخاطب المتوجه بالأمر بالجلد هنا هو إلى ولي الأمر, قال ابن العربي رحمه الله في كتابه أحكام القرآن: ولا خلاف, يعني: أن الأمر هنا متوجه إلى ولي أمر المسلمين وليس إلى غيره, وهذا ما يقول به جماعة من الأئمة، كما روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث عبدة عن عاصم عن الحسن البصري أنه قال: أربعة إلى السلطان: الزكاة, والصلاة, والحدود, والقصاص, وهذه الأربعة إنما تكون إلى السلطان فهو الذي يتولى أمرها, وليس لأحد أن ينازع في ذلك, ولا خلاف عند العلماء في هذه المسألة أن الأمر إلى السلطان.

    إقامة غير السلطان الحد إذا تعذر على السلطان أن يقيمه

    ولكن ثمة جملة من المسائل؛ وهي أن الله عز وجل حينما توجه بهذا الأمر إلى بني إسرائيل، فهل يقال: إن إقامة الحدود قد تنصرف إلى الناس إذا تعذر ذلك في ولي الأمر؛ بأن يكون تعذر ذلك قدراً بعدم وجود ولي أمر, أو تعذر ذلك من جهة عدم إقامة الحدود؛ لعدم إقامة الحدود؟

    أولاً: ينبغي أن نحرر المسألة ونقول: إن العلماء اتفقوا على أن مرد ذلك إلى السلطان, وهذا لا خلاف فيه, ولا أعلم من خالف في هذا, إلا ما يتعلق بإقامة الحد على العبد من سيده, على خلاف عند العلماء في هذه المسألة على أقوال يأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى.

    وأما إذا تعذر إقامة الحد من ولي الأمر فإن ثمة مفسدتين:

    المفسدة الأولى: هو تعطيل الحد.

    المفسدة الثانية: هي الافتئات على ولي الأمر.

    أما المفسدة الأولى فهي تتعلق بالتوحيد, وهو تعطيل الحد, فالله عز وجل قد جعل الحدود إليه, ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40], ويقول الله جل وعلا: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65], ويقول الله جل وعلا: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45], فأطلق الله عز وجل هذه الأوصاف: الظلم والكفر والفسق, على من لم يحكم بما أنزل الله, وهذا الأمر من الله سبحانه وتعالى بتحكيم شرعه من عباده, والعبادة من جهة الأصل لا يخالفها الإنسان أو يصرفها لغير الله إلا وقد أشرك مع الله عز وجل غيره, وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40], وظاهر أيضاً في قول الله جل وعلا: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65], إشارة إلى أن الأمر يتعلق بأمر ظن, والعبادة إذا تعلقت بأمر ظن من جهة ثبوت الإيمان وعدمه دل على أن هذا الأمر يتعلق بالتوحيد.

    الفرق بين الحكم والتحكيم

    ولدينا في مسألة الحدود وإقامتها أمران: حكم, وتحكيم, فالحكم ينصرف إلى ولي الأمر, والتحكيم ينصرف إلى المحكومين, فالحكم هو: التشريع والتقنين وإقامة الحدود على الناس, وأما التحكيم: فهذا الذي يكون من الناس للحاكم, أي: يختارون أحداً يقيم عليهم حكم الله جل وعلا, فالله سبحانه وتعالى قال في الحكم: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40], فجعله متعلقاً بالله سبحانه وتعالى, وأما التحكيم فقال الله جل وعلا: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    التحاكم إلى الأنظمة الوضعية في حكم مطابق للشرع

    وهذا يتفرع عنه جملة من المسائل فيما يتعلق بمن أراد أن يتحاكم إلى غير نظام شرعي, وكان هذا النظام غير الشرعي يأتي بحكم الله عز وجل مطابقاً فهل له أن يتحاكم إليه, كالذي يريد أن يعيد ماله الذي سلب منه, إما بغصب أو كان عارية فجحدت, فإن الأنظمة الوضعية تقوم بإعادة الحق إلى صاحبه, فهل مثل ذلك يجوز للإنسان أن يتحاكم؟ الحكم في ذلك باطل, أما بالنسبة للتحاكم فهل يجوز ذلك أم لا؟ الذي يظهر لي والله أعلم أن الشريعة إذا جاءت مطابقة لشريعة الإسلام من جهة التحكيم جاز للإنسان أن يتحاكم إليها, فإذا كانت مطابقة أو دون ذلك إذا رضي ببعض الحق مع لزوم الكراهة القلبية, وأما مع الرضا القلبي فإن ذلك محرم, وهو مناف للإيمان؛ كما هو ظاهر في قول الله جل وعلا: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65],, وهذا فيما يتعلق بمسألة الحكم والتحكيم والكلام عليها يطول, ولا علاقة لها بمسألتنا هنا.

    تابع إقامة غير السلطان الحد

    وما يتعلق بإقامة حدود الله عز وجل من غير الوالي؛ ذكرنا أن ثمة مفاسد, المفسدة الأولى تقدمت الإشارة إليها, وهي الافتئات على ولي الأمر, المفسدة الثانية: هي تعطيل الحكم الشرعي.

    نقول: إن المسألة إذا تعطل الحكم الشرعي الواحد فتلك مفسدة عينية, وأما المفسدة العامة هي التي تقع بين الناس في مسألة الافتئات على ولي الأمر, وذلك أن الناس يتداعون على إقامة الحدود بأنفسهم حتى يشيع الأمر عند الناس فيقتل بعضهم بعضاً, وذلك أن النفوس تتشوف إلى الزيادة بالبغي, فالنفوس مجبولة على الظلم, وقليل من النفوس من تعدل, ولهذا وجه الله عز وجل الولي بقوله: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء:33], يعني: لا يتعد بتنفيذ حكم الله عز وجل على من سلطه الله عليه, لهذا نقول: إن الحكم إذا تعطل من ولي الأمر ولم يقمه فهل للرعية أن تقيمه؟ نقول: بالنسبة لقضايا الأعيان مثل: أن يملك الإنسان أن يقيم حكم الله عز وجل من غير الرجوع إلى ولي الأمر من غير مفسدة جاز له ذلك, وإذا كانت المفسدة ولو يسيرة محتملة فإنه يحرم عليه ولو تعطل حكماً عينياً, ومن العلماء من يحكي الاتفاق على أنه لو عطل ولي الأمر الحدود ولم يدفع تحقيق المصلحة إلا بأن يقيم الناس الحدود فيما بينهم من غير مفاسد متعدية قالوا: وجب عليهم أن يقيموا الحدود فيما بينهم, قالوا: وذلك أن الأصل في أنه للسلطان إقامة الحدود والصلاة والزكاة وما يتعلق أيضاً بالقصاص, فلما جعلها الله عز وجل في بني إسرائيل وذلك لعذر ظاهر لموسى عليه السلام, فإن الأمر دليل على أنه ليس على الاطراد, وأن إقامة حكم الله عز وجل أولى من إناطته بولي الأمر, فإن المصلحة إذا تحققت بحكم الله عز وجل وإقامته في الناس وجب إقامتها من غير مفسدة ظاهرة.

    اتفاق أناس على تنصيب أحدهم لإقامة الحدود إذا عطلها الولي العام

    وهذا ينبغي للإنسان أن ينظر فيه بعين البصيرة, بالنظر إلى الأحوال, وإذا تعذر على الإنسان أن يقيم الحد بنفسه فهل له أن يستدعي غيره؛ بأن ينصبه والياً ونحو ذلك، وأن يقيمه في حال تعطيل الحدود؟ نقول: هذا حكمه على ما تقدم, من جهة الأصل هو المنع, والعلماء يتفقون على أن مرد ذلك إلى ولي الأمر, وهذا ربما يحتاجه من يتعلق بمسائل تطبيق أحكام الشريعة في العقود وغيرها في الأقليات في بلدان المسلمين, وذلك أنه يكون لديهم الحاجة بإقامة أحكام الله, بالتراضي فيما بينهم, وأما من غير تراض فإن المفسدة في ذلك ظاهرة, ولكن من الناس من يريد تطهيراً, ويعلم أنه لو ذهب مثلاً إلى ولي الأمر أو الحاكم في ذلك البلد أنه لن يقيم الحدود, وهذا يريد أن يطهر, أو يتداعى اثنان ثم عرف أحدهما وأقر بالحق؛ فهل لأحد أن يقيم الحد عليه؟ نقول: يجوز له, بل يجب عليه على قول جماعة من العلماء, وحكي الاتفاق على هذا إذا لم يكن ثمة مفسدة, خاصة في حال الإقرار؛ كشخص قذف شخص بزنا, ثم قال: إني قد أقررت بأني قذفتك بباطل، وأريد أن يقام علي الحد, وهم في بلد لا يقام فيه الحد, أو لو أراد أن يرفعه إلى السلطان لم يقم حكم الله عز وجل عليه؛ جاز أن يقيم حكم الله عز وجل عليه آحاد الناس, وهذا حكي الاتفاق عليه؛ لأن مثل هذا لا تظهر فيه المفسدة, وأما أن يفتح هذا الباب للناس بأن يقيموا الحدود من غير ولي أمر فإن في مثل ذلك مدعاة لفتح أبواب البغي فيما بينهم, ولهذا نقول: إن مثل هذا يدفع, ولهذا للإنسان أن يقيم حكم الله, وأن يزجر أهل الباطل ممن أصابوا حداً أو تعزيراً ولو لم يرفعه إلى ولي الأمر إذا غلب على ظنه أن ولي الأمر لا يقيم حكم الله عز وجل عليه.

    سأل رجل الأمام أحمد قال: إني وجدت رجلاً شرب الخمر ولو رفعته إلى السلطان لم يقم الحد عليه؟ قال: اضربه أنت, يعني: تؤدبه إذا غلب على ظنك أنه لا يقيم حكم الله, شريطة ألا يوجد مفسدة في هذا, فلا ينصب الإنسان نفسه جلاداً في إقامة حدود الله عز وجل في الأرض, فإن المفسدة في هذا تظهر, ولكن نقول: الإنسان إذا غلب على ظنه وجود مفسدة وقامت عليه البينة عنده فإنه يجوز له أن يضربه، أو يقيم حد الله عز وجل عليه إذا لم تكن ثمة مفسدة ظاهرة, وهذا يحكم فيه في قضايا الأعيان, وليس هو الأصل, والأصل في ذلك أن يرجع في هذا إلى ولي الأمر.

    الحالات التي يقام فيها الحد دون الرجوع إلى السلطان

    وفي مثل هذا وهو إيكال الحدود والقصاص إلى ولي الأمر هل ثمة استثناء من هذا؟ نقول: منه ما تقدم الإشارة إليه, ومنه ما يتعلق بالإماء والعبيد إذا أصابوا حداً, فالإماء والعبيد إذا أصابوا حداً من حدود الله عز وجل فإن للسيد أن يقيم الحد عليه, حكي اتفاق السلف على هذا, أعني: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقد روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت أشياخاً من الأنصار يجلدون إماءهم إذا زنين, وهذا أيضاً جاء عن غير واحد, كما جاء عن ابن شهاب الزهري فيما رواه عبد الرزاق في كتابه المصنف من حديث معمر أن الزهري قال: مضت السنة أن يقيم على الإماء والعبيد الحد، يعني: يقيمون عليهم الحدود, وهذا فيما بينهم.

    وقد جاء ذلك أيضاً عن جماعة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى, روي هذا -وفي إسناده انقطاع- عن عمر بن الخطاب , وجاء هذا عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله, و عبد الله بن عمر بإسناد صحيح, كما روى ذلك ابن أبي شيبة و عبد الرزاق في كتابه المصنف من حديث أيوب عن سالم عن عبد الله بن عمر أنه جلد عبداً الحد, وجاء أيضاً عن حفصة أنها قتلت جارية لها ساحرة ولم ترفع ذلك إلى السلطان, فنقول: إذا أصاب العبد حداً سواء شرب الخمر أو كانت الأمة أو العبد زانياً فإنه يقام عليه الحد على قول أكثر الأئمة, وهو قول الجماهير. ذهب إلى هذا الإمام مالك و الشافعي و الإمام أحمد رحمه الله.

    وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن مرد ذلك إلى ولي أمر المسلمين سواء كان عبداً أو حراً, وثمة قول في مذهب أبي حنيفة رحمه الله وهو: أن الأمة إذا كانت ذات زوج حر فإن أمرها إلى السلطان, وكذلك العبد إذا كان متزوجاً فإن أمره إلى السلطان, وأما إذا كان العبد والأمة ليسا بمتزوجين فإن الأمر إلى السيد, وروي هذا أيضاً عن عبد الله بن عمر في التفريق بين هذين الحالين, وعن ابن شهاب الزهري , ونستطيع أن نقول: إن الأمر في مسألة الإماء على أحوال:

    الحالة الأولى: أن ما كان من الإماء من غير زوج, فهذا شبه إجماع عند الصحابة عليهم رضوان الله تعالى أن الأمر إلى السيد أن يقيم الحد عليهم.

    الحالة الثانية: إذا كان العبد والأمة متزوجين، فنقول حينئذ: إن الأمر إلى السلطان, وإذا لم يكونا كذلك فإن الأمر إلى السيد على قول عامة العلماء خلافاً لـأبي حنيفة , وثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كما رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث عمرو عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى أنه سأله رجل عن أمته التي زنت, فقال: أقم عليها الحد, يعني: أنت, وهذا ظاهر كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما, قال: ( إذا زنت أمة أحدكم فلتجلد الحد ولا يثرب, فإذا زنت الثانية فاجلدوها الحد ولا تثرب, ثم ذكر الثالثة قال: فإذا زنت في الرابعة فبعها ولو بحبل شعر ).

    كون بيع الأمة الزانية من إقامة الحد

    وبيع الأمة في هذه الحالة بعد الزنا في الرابعة هل هو من الحدود أم لا؟ نقول: فيما يظهر أنه من أمور التعزير, والبيع هنا أن الإنسان إذا فارق مكاناً أو بلدة وباعه فإنه شبيه بالنفي, والإنسان إذا فارق أهله ومن تربى فيهم ونحو ذلك نوع تأديب له أن ينفى عنه, وكذلك فيه نوع تأديب أن ينفى عن مواضع معارفه مما يعرفه من أحوال الناس وأقوالهم وأفعالهم ولغتهم, وكذلك في قضاء حاجته إذا أراد أن يركن إليهم ونحو ذلك, وفي هذا من التأديب النفسي كما لا يخفى, ولهذا شرع الله عز وجل على من وقع في الزنا وليس بمحصن أن يغرب, وهذا التغريب القصد منه هذا, ولكن يظهر أنه ليس بحد, والدليل على ذلك أن هذا يأتي في بعض الروايات، وفي بعضها يشك هل هو في الثالثة أم في الرابعة؟ وعدم وضعه وتحديده في موضع معين دليل على عدم ضبط الرواة له على أنه من وجوه التعزير, فمن وجوه الحدود البينة وإنما هو من أمور التعزيرات, وهذا إذا كان في أمر الحدود.

    الفرق بين الحدود والتعزيرات

    وأما ما كان من أمور التعزيرات فأمرها إلى ولي الأمر كذلك, ولكن التعزيرات تختلف عن الحدود في كلام العلماء, وذلك أن الحدود هي واجبة على ولي الأمر أن يقيمها وليست من حقوقه, ومعنى أنها ليست من حقوقه: أنه لا يملك الصفح والعفو فيها, فلا يملك العفو والصفح فيها, فإن عفا وصفح عُد ظالماً باغياً, ولهذا يقول العلماء: إن إقامة الحدود واجبة على السلطان وليست حقاً له, وأما التعزيرات فهل هي حق عليه أم حق له؟ جمهور العلماء وهو قول الإمام مالك وقول أبي حنيفة والإمام أحمد رحمهم الله أنها واجبة عليه, وله أن يعفو للصالح العام لا لصالح نفسه, وأما الإمام الشافعي رحمه الله فيرى أنها حق للإمام, لا واجبة عليه, والفرق بينهما أن الإمام الشافعي رحمه الله يرى أن الأمر موكول إلى الإمام أو نائبه ومن ينصبه, فله أن يعفو وله أن يقيم الحد من غير سؤال, وجماهير العلماء إلى أن الأمر ليس إلى ولي الأمر, وأنه واجب عليه, وأن العفو في ذلك يتعلق بالمصلحة العامة لا بمصلحته هو, والفرق بين هذا وهذا أن العلماء يقولون: إن ولي الأمر ليس له أن يعفو في أمور التعزير إلا للمصلحة العامة لا المصلحة الخاصة, فإذا لم تقم المصلحة العامة بإقامة حد التعزير وقامت المصلحة في العفو عنه جاز له أن يعفو عنه؛ لأن المصلحة العامة ليست بظاهرة, وأما العفو من غير مصلحة عامة فلا تجوز, ويكون هذا من التعدي والظلم بإسقاط حكم الله سبحانه وتعالى.

    الحدود كفارة لأصحابها

    وفي قول الله عز وجل: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ [البقرة:54], دليل على ما تقدمت الإشارة إليه أن إقامة الحدود كفارة لأصحابها, كفارة لتلك الذنوب التي وقعوا فيها, وهذه المسألة خلافية, وعامة العلماء على أنها كفارة, ويستدلون بحديث عبادة بن الصامت عليه رضوان الله تعالى وهو الصحيح, قال: ( من أصاب من هذه حداً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ), وجاء عند الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة قال: لا أدري أيغفر له أم لا, أو إلى الله, إن شاء غفر له وإن شاء عذبه, يعني: أن مرده إلى الله عز وجل ولا يغفر له ذلك الذنب, ويظهر والله أعلم أن حديث عبادة ناسخ لحديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى.

    1.   

    قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها...)

    الآية الثانية قول الله سبحانه وتعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة:58-59].

    المراد بالقرية

    في قوله جل وعلا: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ [البقرة:58], هذه القرية هي بيت المقدس على الصحيح, والقرية إنما سميت بذلك لقرار الناس فيها, فما يقر الناس فيه يسمى: قرية, ويطلق هذا على سائر البلدان سواء كانت صغيرة أو كبيرة, فما استقر فيه الناس واستداموا بقاء فإنه يسمى: قرية, ولا يتوجه إلى ما يسكنه الناس من بيوت الشعر ونحوها, باعتبار أن الناس ما استقروا فيها؛ لأنها ليست بقرار, فتطلق القرى على المواضع التي يقر فيها الناس مدداً طويلة فلا يرتحلون.

    العقاب بالنفي والتشريد

    والله سبحانه وتعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا هذه القرية, وذلك لمنة الله سبحانه وتعالى عليهم بعدما كتب عليهم التيه في الأرض, فتاهوا فيها أربعين سنة عقاباً من الله سبحانه وتعالى, وهذا فيه دلالة على أن الله عز وجل يبتلي الإنسان, إما بلاء وهو من الصالحين بالتشريد في الأرض, وإما أن يكون ذلك عقوبة عليه, كما جعله سبحانه وتعالى عقوبة على بني إسرائيل, وقد تقدم معنا في قول الله جل وعلا: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا [البقرة:38], فالله سبحانه وتعالى جعل ذلك نفياً بسبب الذنب الذي وقع فيه آدم وحواء, فنفي آدم وحواء رحمة, ونفي إبليس مغضوباً, ملعوناً, مطروداً, فلما أراد الله عز وجل ببني إسرائيل الإكرام والإنعام والرحمة بهم أمرهم جل وعلا بأن يدخلوا هذه القرية, قال: ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ [البقرة:58], والدخول هنا هو إلى بيت المقدس.

    ضرورة وجود المأكل والمشرب في الأرض التي ينفى إليها أو تكون سكناً

    فَكُلُوا مِنْهَا [البقرة:58], أمر الله عز وجل بالأكل منها, وفي هذا إشارة إلى مسألة وهي: أنه ينبغي للإنسان ألا يسكن إلا بلداً فيها طعامه وشرابه, ولهذا أظهر الله عز وجل المنة بإسكانهم هذه الأرض المقدسة، وبين أظهر منة بعد دخولهم فيها وهي الأكل منها, فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا [البقرة:58], أي: أمر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل أن يظهروا منة الله سبحانه وتعالى بالأكل منها, وفي هذا دليل على القاعدة الأصلية؛ وهي أن الأصل في الأشياء الحل, والله عز وجل جعل الأصل في هذه الأرض المقدسة الحل في قوله جل وعلا: حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا [البقرة:58], وهذا غاية الحل, وهو التمتع بالمأكول من غير استثناء, وهذا ظهر معنا في قول الله سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [البقرة:29], والدليل على هذا أن الإنسان يسكن الأرض التي فيها طعامه وشرابه ويبتعد المواضع التي على غير هذا الوصف, أن هذا من الدلالات أو من الأمور البدهية في العقل أن الله عز وجل أنزل آدم إلى هذه الأرض ليحفظ الدين ويحفظ البدن.

    ودليل حفظ الدين قول الله عز وجل: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [البقرة:38], وهذا هو حماية الدين.

    وأما بالنسبة لحماية البدن فقول الله جل وعلا: وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة:36], فجعل الله عز وجل لهم في الأرض مستقراً ومتاعاً, إِلَى حِينٍ [البقرة:36], إلى قضاء الله عز وجل الأجل عليهم, لهذا جعل الله عز وجل لهم في هذه الأرض المتاع إلى حين, وهذا المتاع ما يتمتعون به من ملبس ومأكل ومشرب, كذلك أيضاً من قرائن الأدلة في هذا أن إبراهيم الخليل شكا إلى ربه سبحانه وتعالى أنه وجد مكة وادياً غير ذي زرع, فشكا إلى الله سبحانه وتعالى ذلك, وطلب من ربه جل وعلا أن يرزقه من الثمرات, وأن يجعل أفئدة من الناس تأتي إليها بالزرق والخير.

    المراد بالسجود في قوله تعالى: (وادخلوا الباب سجداً)

    وفي قوله جل وعلا: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [البقرة:58] أمر الله عز وجل بني إسرائيل بالسجود عند دخول هذه الأرض المقدسة.

    والسجود هنا قيل: إن المراد بذلك هو الركوع؛ وذلك أنه لا يتصور أن الإنسان يدخل وهو ساجد, فقالوا: المراد بذلك الركوع, والله عز وجل يطلق على الركوع سجوداً وعلى السجود ركوعاً, باعتبار أنه تذلل وخضوع, ومعلوم في كلام العرب أنهم يطلقون السجود على التذلل والعبودية, وهذا الموضع من هذه الآية هو موضع الحكم هنا في قوله: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:58], والسجود هنا هو سجود الشكر, سجود الشكر وركوعه, وهل للشكر ركوع؟ نقول: الله عز وجل شرع لهذه الأمة سجود شكر ولم يشرع لها ركوعاً, والله سبحانه وتعالى لما أنعم على بني إسرائيل أمرهم أن يدخلوا هذه البلدة, وأمرهم أن يسجدوا له سبحانه وتعالى, وهذا السجود هو إظهار لنعمة الله سبحانه وتعالى بعد هذا الدخول, وبعد القرار فيها, وذلك أن الله عز وجل أمرهم بالأكل منها من حيث شاءوا رغداً, تمتعاً وغاية في الاستمتاع بالحلال بما فيها من غير استثناء, ثم أمرهم الله عز وجل بدخول الباب سجداً لله سبحانه وتعالى, وسجود الشكر مما هو مشروع لظاهر النص هنا, كذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ونحن نسجدها شكراً ), ولقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن أبي داود وغيره ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه أمر يسره خر ساجداً ).

    أنواع السجود في كلام الله

    وثمة جملة من الأحكام نتكلم عليها فيما يتعلق بالسجود, السجود في كلام الله سبحانه وتعالى على نوعين: سجود تسخير, وسجود عبادة, سجود التسخير يكون للمخاطب غير المكلف الذي تجري عليه التسخير لسائر المخلوقات من الأحجار والأصنام وغيرها, تسجد لله سبحانه وتعالى.

    وأما بالنسبة لسجود العبادة فيجري على المكلفين, بما يجري عليه الحسنات والسيئات, وهذان النوعان يقعان في النوع الثاني, ولا يجتمعان في النوع الأول.

    النوع الثاني وهو سجود العبودية, أي: أن الإنسان جوارحه ذليلة لله سبحانه وتعالى, فيتصور التسخير فيه ولا تتصور العبودية المحضة التكليفية في الأحجار والشجر وسائر المخلوقات مما خلقه الله عز وجل, ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول عن سجود التسخير: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [الرعد:15], وهذا المراد به سجود التسخير, وكذلك في قول الله عز وجل: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ [الرحمن:6], فهو سجود التسخير.

    وأما بالنسبة لسجود العبادة ففي قول الله جل وعلا: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ [النحل:49], فالمراد بالسجود في هذه الآية هو سجود العبادة, مما يدب على هذه الأرض مما خلقه الله جل وعلا وخاطبه بالتكليف, ومعلوم أن مما جعله الله عز وجل في هذه الكائنات من المخلوقات من لا عقل له, ومن المخلوقات ما لها عقل, وهذه المخلوقات التي بلا عقل منها ما هو جماد ليس فيه روح ونفس, ومنها ما فيه نفس بلا روح.

    المؤثرات في الكائنات التي تتحرك

    وما يكون في هذه الكائنات التي تتحرك في هذا الكون ففيها ثلاث مؤثرات:

    المؤثر الأول: الروح. الثاني: النفس. الثالث: النمو. فالإنسان فيه هذه الثلاث إكراماً وتعظيماً؛ روح, ونفس, ونمو, وأما بالنسبة للبهائم ففيها نفس, ونمو, وأما بالنسبة للشجر ففيها نمو, وليس فيها نفس, وليس فيها روح, وأما بالنسبة للحجر والمياه وغيرها ومما خلقه الله سبحانه وتعالى فليس فيها روح ولا نفس ولا نمو, وكلما اجتمعت هذه الأوصاف في الشيء كان أظهر في أمر التعبد, وتنقص وتزيد في الإنسان, وأما بالنسبة للبهائم فإن الله عز وجل جعل فيها نمواً وجعل فيها نفساً, وهل فيها روح أم لا؟ ظاهر النصوص أنه لا روح فيها, وإذا قلنا: فيها روح فإن الذي تقبض أرواحها ما يقبض أرواح الملائكة, وهو ملك الموت, وجاء في أثر عن عبد الله بن عباس أن الذي يقبض أرواح الملائكة هو ملك الموت, وإسناده عنه فيه ضعف, ولكن نقول: إن الله جل وعلا في ظاهر كتابه وكذلك أيضاً في السنة المتواترة جعل قبض الأرواح لبني آدم هو إلى ملك الموت, وأما بالنسبة للبهائم فإن مرد ذلك إلى الله سبحانه وتعالى.

    العقل عند البهائم

    أما بالنسبة للبهائم وهي كالدواب على الأرض فلها عقل, وهذا العقل إنما فصل الله عز وجل بينها وبين الإنسان من جهة الإدراك، وذلك للغة التي بينها أنهم لا يتصلون فيها, ولهذا لما جعل الله عز وجل الصلة بين سليمان والبهائم أدرك ما هم فيه من عقل, فلهم لغة ولهم نظام, ويعقلون من خطاب الله عز وجل ما يخاطبهم الله سبحانه وتعالى, وربما يدركون من حال الإنسان ما لا يدرك الإنسان من حالهم, ولهذا تقول النملة: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18], فهي تدرك أن سليمان سيأتي إليهم وهم لا يشعرون, إذاً: هي تعلم أنه سيطأ عمداً أو من غير عمد, يدل على أنها تدرك من مدارك الإنسان العشوائي وغير العشوائي وهي بهيمة, وتسمية الإنسان لها بهيمة إنما لأنها منفكة عنه, فلغة الخطاب غير موجودة, ولهذا يسميها بهيمة بالنسبة له, فلا تفهم له أمراً ولا تدرك له سؤالاً ولا ترد جواباً.

    الحكمة من خلق الحيوانات بهيمة

    وهذا لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى, ولعل من أظهر الحكم أن الله عز وجل حينما جعل الخطاب بين الناس بأن يدرك بعضهم خطاب بعض فسدوا, وذلك أنهم يتواطئون على الشر, وحينما فصل الله عز وجل لغة الخطاب بين الإنسان وبين البهائم انتظمت الحياة, فكل له نظام مستقل, وكلما تواطأت المخلوقات فيما بينها، وأصبحت اللغة متصلة عظم التواطؤ على الشر, وهذا كما تقدمت الإشارة إليه في قول الله عز وجل: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30], في مسألة الاستخلاف, وأنه كلما كثر الناس كثر الفساد فيهم, وأن من السياسة الشرعية: أن ولاة الأمر لا يجمعون الناس بكثافة في البلدان, فيمصرون الناس حتى يتكاثروا, فإنهم إذا تكاثروا تواطئوا على الشر, أو كثر الشر عياناً ثم استمات في قلوبهم, بخلاف البلدان اليسيرة, ولهذا تجدون البلدان اليسيرة أقل شراً وأكثر حياءً وأكثر غيرةً وحشمةً, وأما بالنسبة للبلدان المتسعة التي فيها الناس متوافرون من أجناس وأعراق فإنك إذا مشيت بطولها وعرضها ترى المنكر, ثم يتشرب القلب في ذلك حتى تفعله أنت من حيث لا تشعر, بخلاف البلد اليسير, فإنك لا ترى في ذلك المنكر, ولهذا من السياسة الشرعية أن البلدان لا تمصر كثيراً, وهذا أمر معلوم, فإنه يظهر الفساد في الناس كلما اجتمعوا, لهذا أمر الله عز وجل باجتماع الناس على الإيمان, وأمر بالعزلة في حال الفتنة والفرقة, ففي الصحيح من حديث أبي سعيد أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: ( يوشك أن يكون خير مال الإنسان غنماً يتتبع بها شعف الجبال, يفر بدينه من الفتن ), يعني: في مثل هذا الموضع جاءت مسألة التواطؤ على الشر, إذاً: الوحدة خير لك من أمر الجماعة, ومن القرائن في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين- أمر بالتغريب, والتغريب: نوع من دفع شر الإنسان عمن تواطأ معه على الشر, وتأديباً له, وجلباً لاستقامته أيضاً.

    من الأدلة على أن البهائم تدرك

    ومن الأدلة على أن البهائم تدرك: ما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها، وليقتصن الله من الشاة القرناء للشاة الجماء ), فالبهائم حين تتناطح على الطعام يعاقبها الله عز وجل؛ لأنها تدرك أن هذا لفلانة وهذا لفلان, ولكن هو البغي, والله عز وجل الأصل أنه لا يعاقب إلا وقد بعث رسولاً, وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15], وهذه الرسل إما أن يكون إلهاماً لهذه البهائم بالأمر بالحقوق فيما بينها، تعلم أن هذا الأكل لفلانة فلا تعتدي عليها, ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( وليقتصن الله للشاة القرناء من الشاة الجماء ), إما أن يكون القصاص بلا عقل, وهذا لا يجوز أن يوصف به الله عز وجل, وإما أن يكون بتكليف, وهذا التكليف دليل على وجود مكلف, ووجود نوع إدراك في هذه البهائم في أمر الحقوق, ولهذا نقول: إن البهائم تدرك كما يدرك الإنسان في شأنها, ويدرك الإنسان في شأنه ما لا يدركه غيره, ولهذا فمن نظر فيمن تكلم على مسائل الحيوان وإدراكها يعجب الإنسان في هذا خاصة في زمننا الحالي، ما يتكلمون على أنظمة الحيوان مثل النمل والنحل وما فيها من تنظيم ونحو ذلك, بل إن الأنظمة التي توجد الآن عند الغرب ما يسمى بالملكيات الدستورية ونحو ذلك, وأنا أقرأ في أحد كتب الحيوان في أحكام النحل فبسبر أحد الخبراء لأمر النحل وجد أن النحلة الملكة لا تنصب نفسها, وإنما تنصبها المجموعة, فإذا رأوا أنها لا تصلح قاموا بقتلها والإتيان بغيرها, ومثل هذا ليس دعوة للملكية الدستورية, وإنما هو بيان كيفية النظام الذي يكون بين الحيوان, وكذلك أيضاً بهائم الأنعام مما خلقها الله عز وجل عليه، فهذه البهائم على نظام واتساق يعجب الإنسان منه, وهذا لله سبحانه وتعالى حكمة فيه, ولا يدلل أحد على جواز الأنظمة الدستورية بالقياس على النحل, أن الله عز وجل أوحى إلى النحل, فيكون هذا من ضمن الوحي الذي أوحاه الله إلى النحل؛ لأن هذا يصلح للبهائم وقد لا يصلح للبشر, فلا يجوز قياس البشر على البهيمة, ويجوز قياس البهيمة على الإنسان في بعض الوجوه لا من جميعها.

    سجود الشكر

    وفي قول الله عز وجل: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [البقرة:58], السجود هنا سجود الشكر, وقد جاء في كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا ذهب إليه جماعة من الأئمة, وأنكره الإمام مالك فكان لا يرى سجود الشكر, كما جاء عنه في المدونة أنه سئل عن ذلك فقال: لا أراه, وقيل له: إن أبا بكر سجد في قتال الردة, قال: كذب, وقال: هذا ما مضى عليه الأمر, يعني: أنهم لا يسجدون سجود الشكر.

    ولكن النصوص بذلك ثابتة وظاهرة, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد كما جاء عند أبي داود في كتابه السنن من حديث موسى بن يعقوب عن ابن عثمان عن إسحاق عن عاصم بن سعد بن أبي وقاص عليه رضوان الله تعالى قال: ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة, حتى لما كنا بعزوراء قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ثم خر ساجداً, ثم قام يدعو ثم خر ساجداً, ثم قام يدعو ثم خر ساجداً, فقال: إني سألت ربي وشفعت لأمتي بثلثها فأعطاني, فخررت ساجداً، ثم قمت أدعو بأن يعطيني ثلثها فأعطاني فسجدت شكراً لله, ثم قمت فدعوت أن يعطيني ثلثها الآخر فأعطاني فخررت ساجداً ), وهذا قد ضعفه بعض العلماء لحال موسى بن يعقوب , ولكن قد جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أنس بن مالك ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى أمراً يسره سجد لله ), ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين في قصة كعب بن مالك لما بشر بنزول توبته في القرآن, قال: فخررت ساجداً لله, وهذا هو سجود الشكر, فسجود الشكر يكون عند ظهور نعمة.

    أما السجود بلا سبب فهو بدعة ولا يجوز, نص على هذا جماعة من العلماء, وهو ظاهر كلام الإمام مالك , ونص عليه ابن تيمية , وكذلك ابن حجر وغيرهم؛ أن السجود بلا سبب بتر لعبادة, والعبادة لا بد أن تكون تامة, إما أن تكون تامة بسجدة بسبب, وذلك كالصلوات الخمس, وإما أن تأتي بلا سبب, ونُفِي هنا بلا سبب, وجاء بالسبب، فلا بد من وروده.

    وجاء عن أبي بكر أنه سجد, وجاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى أنه سجد, وجاء عن سعد بن أبي وقاص أنه سجد, وذلك في غزوة من الغزوات لما حوصرت وفتح الله عز وجل عليهم سجد عليه رضوان الله تعالى, ولهذا نقول: إن سجود الشكر سنة.

    استقبال القبلة والطهارة لسجود الشكر

    وهل يلزم له استقبال القبلة؟ نعم, يلزم له استقبال القبلة, وهو قول جماهير العلماء, وذهب بعضهم إلى عدم استقبالها, وهل يستلزم له تطهر أم لا؟ على قول الجمهور يلزم, والذي يظهر والله أعلم أنه لا يلزم له الطهارة, وذلك أنه ليس بصلاة, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إلا بطهور ), وهذه ليست بصلاة وإنما هي سجود, ولهذا نقول: إن الإنسان إذا سجد من غير صلاة جاز, ولو تطهر فهو حسن, وثمة أمر يغفل عنه الكثير, وهو السجود للتلاوة ينبغي أن يكون قائماً, ولو كان جالساً أن يقوم فيخر ساجداً؛ وذلك لأمور:

    الأمر الأول: أن هذا أظهر في التعبد والخضوع لله عز وجل, والانكسار بين يديه.

    الأمر الثاني: أن هذا هو ظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث سعد بن أبي وقاص وإن كان مضعفاً, لكن يأتي ما يعضده, وهو ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ثم دعا ثم خر ساجداً, ثم قام ثم خر ساجداً ).

    الأمر الثالث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى النافلة قاعداً ودنا من الركوع قام ثم ركع ), وهذا في الركوع, والسجود من باب أولى, فالإنسان إذا قام يصلي النافلة كقيام الليل مثلاً, وأراد أن يصليها جالساً فله أن يصليها جالساً, لكن يتأكد في حقه إذا قرب من ركوعه أن يقوم حتى يكون ركوعه عن قيام, وذلك أن الركوع والسجود عن قيام أظهر في أمر التعبد والانقياد والتذلل لله جل وعلا, ولهذا نقول: إنه يشرع للإنسان في سائر أنواع السجود؛ كسجود الشكر, وسجود التلاوة, وسجود الآية, أن الإنسان يقوم ثم يسجد لله سبحانه وتعالى, وهذا هو السنة.

    التقدم في الاستغفار باللفظ المشروع

    وفي قوله سبحانه وتعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:58], أمر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل أن يقولوا: حِطَّة, والمراد بالحطة هو غفران الذنوب, أي: يحط الله جل وعلا عنهم الخطايا, وهذه الخطايا التي يحطها الله عز وجل عنهم ما كان مما سلف قبل ذلك, وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يديم الاستغفار باللفظ المشروع, فالله عز وجل قد جعل لبني إسرائيل هذه اللفظة: حطة, وجعل الله عز وجل لبعض الأمم -كأمة الإسلام- الاستغفار؛ أستغفر الله وأتوب إليك, فينبغي أن يتقيد باللفظ المشروع, ولكن ما قالوا: حطة, وإنما بدلوها وقالوا: حنطة, وجاء في رواية: حبة, وهذا من تحريفهم لكلام الله جل وعلا, ومعلوم أن تحريف اللفظ والمعنى عظم واشتهر عند النصارى, كما تقدمت الإشارة إليه, وأما تحريف المعنى مع ثبوت اللفظ فعظم واشتهر عند اليهود، وتحريف المعنى مع بقاء اللفظ أشد حرجاً؛ لأنه أعظم في العناد؛ لأن الذي يدلس هم أحبارهم, حيث يقومون بتحريف الله عز وجل, وقلب العبارة, فالذين يأتون بعدهم لا يظنون إلا أن هذا كلام الله.

    إذاً: فهم عصوا على حروف يظنون أنها كلام الله, ولكن الذي يحرف المعنى مع ثبوت اللفظ يأتي أجيال يعاندون مع ظهور اللفظ عندهم, فجعلوا عمل الأحبار غالباً على عمل الله, ولهذا كان اليهود أشد كفراً من النصارى؛ لأنهم حرفوا المعنى مع بقاء أكثر اللفظ, فلا يوجد لديهم معاني, ويقرءون المعنى ويرون أنه يخالف أمر الأحبار والرهبان فينساقون لأمر الأحبار ويلوون أعناق كلام الله جل وعلا فيما بقي بين أيديهم, أما بالنسبة للنصارى فإنهم أخف كفراً مع كفر الجميع, وذلك أن التحريف لديهم طال اللفظ وطال المعنى, فجاء الأتباع فطابقوا المعنى مع اللفظ فوجدوها متطابقة, فضلوا على بصيرة فيما يحسبون, وهم على ضلال في الحالين, ولكن كفرهم ليس على عناد غالباً, خصوصاً عامتهم, أما بالنسبة لمن تبصر في كتابهم فإنهم انحرفوا عن كلام الله سبحانه وتعالى استكباراً ومعاندة لأمر الله جل وعلا.

    وجوب ضبط النصوص الشرعية

    وهذا في إشارة إلى وجوب ضبط النصوص الشرعية كتاباً وسنة, وأن التحريف إذا تغير فيها ولو شيئاً يسيراً قلب كثيراً من المعاني, وأن هذا من تلبيس بني إسرائيل على الأمم.

    ولهذا نقول: إن من حرف المعنى مع بقاء اللفظ فيه شبه من اليهود, ومن حرف اللفظ مع المعنى فيه شبه من النصارى, وإن العلماء الذين يحرفون المعاني ويلوون عنق الألفاظ هم أشد عناداً في الأمة ممن يغير اللفظ مع المعنى فيتبعه الناس, فالذين يتبعونه أخف منه؛ لأنه يرى النص ناطقاً بين عينيه ثم يلويه بهواه.

    زيادة المثوبة على مغفرة الذنب لمن تاب منه

    وفي قول الله جل وعلا: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:58], فيه أن الله جل وعلا لفضله يكفر السيئة عن عبده ثم يزيده فوق ذلك إثابة على تلك التوبة, وهذا فيه مسألة وهي: أن الإنسان إذا تاب من ذلك الذنب, كالذي يغتاب, أو يكذب, أو يسرق, أو يزني, أو يشرب الخمر, ثم تاب من ذلك الذنب واستغفر؛ هل هذه التوبة إزالة للذنب أم زيادة بإثابته عليه فوق ذلك حسنة أجر ذلك الاستغفار؟ نقول: هي توبة وذكر زيادة من الله سبحانه وتعالى, فيؤجر على ذلك, ولهذا جعل الله جل وعلا ذلك الاستغفار منهم في قوله سبحانه وتعالى: حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:58], يزيدهم الله جل وعلا إثابة على تلك التوبة من ذلك الذنب أن يجعل تلك التوبة عملاً صالحاً مستقلاً, ويزيدهم الله جل وعلا أيضاً نعيماً جزاء ذلك الشكر, شكر الله سبحانه وتعالى بالتوبة والاستغفار.

    1.   

    قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون...)

    الآية الثالثة: قول الله سبحانه وتعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [البقرة:84].

    أعظم حقوق الإنسان على أخيه

    في قول الله جل وعلا: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ [البقرة:84], يعني: بني إسرائيل, فأخذ الله عز وجل على بني إسرائيل الميثاق ونهاهم عن سفك الدماء, وسفك الدماء: هو التعدي عليها, وهذا أعظم ما ينبغي للإنسان أن يؤخذ الميثاق عليه, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع أصحابه على ذلك, وهو حرمة التعدي, فيشدد في حق الآدميين, ولهذا نقول: إن لله عز وجل على عباده حقوقاً, ولعباده فيما بينهم حقوقاً, وأعظم حقوق الله عز وجل على عباده التوحيد, وأعظم حقوق العباد فيما بينهم هو عصمة الدماء, ولهذا أعظم حق لله التوحيد, وأعظم ذنب يبادر به الإنسان في حق ربه هو الشرك, وأعظم حق للعباد فيما بينهم هو حقن الدماء, وأعظم عدوان في ذلك هو سفك الدماء, ولهذا جعل الله عز وجل أول ميثاق أخذه على بني إسرائيل ألا تسفكوا دماءكم.

    جريمة نفي الإنسان من بلده

    ويلي بعد ذلك إخراج الناس من ديارهم, ولهذا نقول: أنه يحرم النفي والتغريب بغير حق, فنفي الإنسان من بلده بغير حق محرم, وقد قرنه الله عز وجل بالقتل, ولهذا نقول: إنه كبيرة من كبائر الذنوب؛ أن يخرج الإنسان من بلده؛ كأن يكون الإنسان مثلاً في مكة ويؤمر بالإقامة في المدينة من غير سبب, فهذا لا يجوز, وهو محرم, أو أن يكون الإنسان مشرقياً ويؤمر بالذهاب إلى الغرب, أو غربياً ويؤمر بالذهاب إلى الشرق, فهذا من الظلم؛ لكونه أخرج من دياره بغير حق, ولهذا الله سبحانه وتعالى أكد ذلك بأنه جعله من أمور الميثاق, والله لا يأخذ ميثاقاً بمثل هذا التشديد إلا على أمر عظيم.

    الأمر الثاني: أن الله عز وجل قرنه بالقتل, بل إننا نقول: إن سجن الإنسان أو إقامته إقامة جبرية في بلده أهون من نفيه من أرضه, إذا أقيم على الإنسان إقامة جبرية في بلده فإنه أهون عليه من أن ينفى منها؛ لأن النفي عذاب؛ وذلك أنه يحرم من زوج, ويحرم من الأبناء, ويحرم من أقاربه وأرحامه, ويحرم من تجارته وأمواله وإدارته, ويحرم من عشيرته وأهله, ويحرم من معارفه, ويجد الإنسان من ذلك شدة على نفسه حتى إذا تغير عليه لسان قومه, يجد من ذلك شدة في نفسه, ولهذا لما كان أثر ذلك عظيماً على النفس قرنه الله عز وجل بالقتل, ولهذا قال الله جل وعلا: لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [البقرة:84].

    ما تتم به المواثيق والعهود

    وفي هذا أيضاً مسألة: وهي أن المواثيق والعهود والعقود لا تتم إلا بإقرار الطرفين, ولهذا قال الله جل وعلا: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [البقرة:84], فالإنسان إذا أخذ عقداً على أحد وهو ساكت, ولم يقر, فلم يقل: قبلت, أو نحو ذلك, فإن هذا ليس بإقرار, والإقرار إما أن يكون باللسان لمن كان متكلماً, أو بالإشارة لمن كان لا يستطيع الكلام, أو بالكتابة للاثنين فإن ذلك من الإقرار, أما إذا كان الأمر من شخص من غير إقراره فإن هذا باطل, ولا يجب الالتزام به, وإنما سمي الإقرار إقراراً؛ لثبوته واستقراره, وقد يحتمل أن المراد بذلك أنه خرج من قرار الإنسان, وهو جوفه, أي: أنه بين بذلك ما في جوفه, ولهذا قد يقال: إن ما يكره عليه الإنسان من قول فإنه لا يلزمه؛ لأن ذلك لا ينطبق عليه الإقرار.

    وآكد أنواع الإقرار هو أن يشهد الإنسان عليه, أو أن يشهد غيره عليه, ولهذا جعل الله عز وجل الميثاق على بني إسرائيل شديداً؛ لأنهم أقروا على أنفسهم ثم شهدوا على بعضهم, فشهدوا على بعضهم أن هذا الأمر موجباً, فاستحقوا من الله سبحانه وتعالى بذلك العقاب في مخالفتهم لأمر الله جل وعلا.

    الإجلاء بسبب

    وكذلك أيضاً الآية الرابعة: الآية التي بعدها قوله تعالى: وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ [البقرة:85].

    في هذه الآية إضافة إلى ما تقدم أن إخراج الناس بغير حق من ديارهم أمر محرم, ولكن ثمة مسألة وهي: ما يتعلق بالإجلاء والإخراج بسبب, وكما أجلى النبي صلى الله عليه وسلم اليهود من المدينة وهي أرضهم, وأخرجهم عمر بن الخطاب بعد ذلك من خيبر وهي أرضهم, نقول: إن ما أخرج منه الإنسان بسبب ليس له, ولهذا امتن الله على عباده في مواضع عديدة أنه أورث عباده أراضي الأمم السابقة من الذين ظلموا وكفروا وعاندوا واستكبروا في عبادة الله سبحانه وتعالى, ولهذا لا تسمى أرضاً لأولئك, وإنما هي أرض لمن خلفهم, وهذا أمر ظاهر, ولهذا أمثلة كثيرة جداً, ولعله يأتينا بإذن الله عز وجل شيء من ذلك أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والإعانة والسداد.

    1.   

    الأسئلة

    سجود الشكر لأمر تافه كتسجيل هدف في المباراة ونحو ذلك

    السؤال: إذا كان السجود لأمر تافه, أو ليس بذي بال؛ كسجود الإنسان مثلاً عند تسجيل الهدف, أو يلعب لعبة ثم فاز فيها, هل له أن يسجد أم لا؟

    الجواب: هذا عبث, وهذا لا يجوز, وهو من السجود بلا سبب؛ لأن الشريعة جاءت بأسباب, وهذه الأسباب ينبغي أن تكون مناسبة لها, والله عز وجل جعل للإنسان عقلاً يميز به بين الخير من الشر, فإذا سجد لمثل هذا دل على أن قلبه عمر بذلك, فلا يرى نعمة عظيمة إلا هذا الأمر, فيسجد له لضعف في قلبه لا لضعف في ذات السجود, وذلك أنه عظم عنده, وتعلقات القلوب لا حد لها.

    الاستدلال بحديث: (نهى أن يتخذ ما فيه الروح غرضاً) على أن البهائم لها روح

    السؤال: هل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( نهى أن يتخذ ما فيه الروح غرضاً ), دليل على أن فيه روحاً أم لا؟

    الجواب: يأتي تجوزاً ذكر الروح للنفس, وكذا العكس على سبيل التجوز, وإلا فالروح شيء، والنفس شيء, فالنفس: هي الدم السائلة, وأما الروح فهو قدر زائد عن ذلك, يهب المخلوق والكائن نوعاً من التصرف لا يملكه غيره.

    حكم تارك الزكاة والصيام

    السؤال: [ ما حكم تارك الزكاة والصيام؟]

    الجواب: إسحاق بن راهويه رحمه الله يحكي الإجماع على كفر تارك الزكاة, وتارك الصيام اجتهاد منه رحمه الله.

    المراد بالسجود في قوله تعالى: (ادخلوا الباب سجداً)

    السؤال: يا شيخ بارك الله فيك! إذا كان الأمر بالسجود في الآية: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [النساء:154], فكيف يكون فيه التعظيم فإن قوم موسى عليه السلام لم يكن عندهم التعظيم؟

    الجواب: كلام المفسرين في هذه الآية في قول الله عز وجل: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [النساء:154], منهم من قال: إن المراد بذلك السجود, والسجود كان بعد دخولهم, ومنهم من قال: إنه ركوع, وهذه المسألة خلافية, وكلا القولين محتمل.

    اجتهاد الإمام في التعزيرات بين العقوبة والعفو

    السؤال: [ هل حكم التعزيرات راجع لاجتهاد الإمام؟ ]

    الجواب: التعزير فيما تقدم معنا أنه لا يعفو ولي الأمر فيه لمصلحة خاصة, بمعنى: لو كان ولي الأمر مريضاً ثم إن شفي عفا عن الناس, هذا غير صحيح؛ لأن هذه مصلحة خاصة, وإنما العفو في مثل ذلك لمصالح الناس العامة, بمعنى: أنه لو كان ثمة مصلحة عامة لتأليف الناس, أو يحفظ القرآن, أو وجود مصلحة عامة، مثلاً يوجد مفسدون أشد والسجون قد امتلأت ونحو ذلك يؤخذ العفو عن الناس, ثمة توازن, بدفع فساد أعظم بفساد أدنى, مثل هذا يجوز ذلك, أما العفو بلا سبب فهذا لا يجوز.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.