إسلام ويب

شرح السنة للإمام المزني [6]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من عقيدة أهل السنة: أنهم يؤمنون بأن الله سبحانه قدر الآجال والأرزاق لجميع الخلق، ويؤمنون بعذاب القبر وفتنته وما فيه من النعيم للمؤمن والعذاب للكافر، وأهوال القيامة وما فيها من البعث والنشور والميزان، وأن ذلك كله حق.

    1.   

    تقدير الله لآجال الخلق وأرزاقهم

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    قال رحمه الله: [ والخلق ميتون بآجالهم عند نفاد أرزاقهم وانقطاع آثارهم ].

    وذلك أن الله سبحانه وتعالى يقدر على الخلق الآجال, فيقدر عليهم الولادة, ويقدر عليهم الوفاة, ويقدر عليهم الرزق, ويقدر عليهم السعادة والشقاوة؛ كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود في قوله: ( حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ), الحديث, والله عز وجل قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام, كل المقادير بجميعها, سواء الأرزاق أو الأعمار, أو السعادة, أو الشقاوة, أو الذرية, أو الأرض التي يسكنونها, أو المال الذي يؤتون إياه, وما يحرمون إياه, والأمراض والأسقام, وكذلك الصفات والهيئات والأشكال, كلها يقدرها الله سبحانه وتعالى على مخلوقاته.

    وقوله هنا: (والخلق ميتون بآجالهم عند نفاد أرزاقهم), ذكر هنا مسألة الموت؛ لأنه إذا علم أجل الموت علم أجل الولادة, فمن يقدر على عباده الموت يقدر على عباده أيضاً الإيجاد والحياة, ولكل أجل كتاب لا يتجاوزونه, ولا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون, وهذا لجميع الخلق, سواء كان حيواناً أو غير حيوان.

    أنواع الخلق

    وخلق الله سبحانه وتعالى الذين أوجدهم في هذه الأرض على أنواع:

    النوع الأول: خلق لهم أرواح وأنفس ونمو؛ وهم الإنس, وكذلك الجان, فلهم أرواح وأنفس ونمو.

    النوع الثاني: لهم أنفس ونمو وليس لهم أرواح؛ وهذا في حال البهائم؛ كالأنعام وغيرها, وكذلك فيما له نفس من الحشرات والطيور وغيرها, فهذه لها أنفس لكن ليس فيها أرواح؛ لأن وجود الروح يلتزم معه وجود الإدراك العقلي, وللبهائم إدراك لكنه يختلف عن إدراك الإنسان, والبهائم تحاسب في الحقوق فيما بينها, ولا تحاسب بالتفريط في التكليف الشرعي بأمور العبادات وغير ذلك, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة: ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص الله من الشاة القرناء للشاة الجماء ), إذاً تكلف في الحقوق التي بينها بهذا الأمر, وهذا يؤيد ما تقدم الكلام عليه أن وازع الطبع كافٍ من غير شرع, حتى في البهائم فكيف في بني آدم.

    والنوع الثالث من هذا الخلق: ما له نمو وليس له نفس ولا روح؛ وذلك كالأشجار, فالله عز وجل يقدر لها آجالاً تنمو وتموت, ثم تدور دورتها بما يقدره الله سبحانه وتعالى عليها, فهذه لها نمو ولكن ليس فيها أنفس وليس فيها أرواح.

    والرابع: خلق ليس فيهم أرواح ولا أنفس ولا نمو؛ وهي الجمادات, وهي أنواع, منها الحجارة, والتراب, والماء, وكذلك أيضاً مما يوجده الله عز وجل من الحديد، والمعادن، وغير ذلك, وهذه لها آجال أيضاً, وآجالها تختلف, وتركيبتها وسببيتها تختلف أيضاً, وكل هؤلاء عباد لله يسبحون الله سبحانه وتعالى, ولكن الله عز وجل لا يُطلِعُ أحداً على تسبيح أحد وعبادته إلا بعلمه، وكل له صفة من أمور العبادات, فإذا كانت بعض عبادات بني إسرائيل من قوم موسى تختلف عن عبادة عيسى, وعبادة بني إسرائيل تختلف في بعض صورها عن عبادة محمد صلى الله عليه وسلم, وكذلك الجن والإنس -وهما الثقلان- يخاطبون برسالة نبي واحد فيختلفون في بعض صور العبادة, فكيف بجنس يختلف عن غيره من جهة الخلق, فلكلٍ نوع من العبادة يصرفها لله سبحانه وتعالى لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى, وقد يطلع الله عز وجل بعض عباده على بعض الأشياء من هذا؛ كما أطلع الله سليمان وعلمه منطق الطير, وكذلك أيضاً كلام النمل وفهمه وسماعه.

    رزق الله للكافر والمؤمن

    يقول رحمه الله: (والخلق ميتون بآجالهم عند نفاد أرزاقهم وانقطاع آثارهم), أي: إن الله سبحانه وتعالى من لازم ربوبيته أن يتكفل بأرزاق الخلق, فالله يرزق المؤمن والكافر, فإذا سلب الله عز وجل عبده الرزق ولم يعطه إياه فلا بد ألا يكون حياً؛ لأنه لا بد أن يكون له رب, والله عز وجل إذا أوجده حياً فلا بد أن يتكفل برزقه, على اختلاف في هذا من جهة الغنى والفقر, بما يقدره الله عز وجل على عباده سبحانه وتعالى؛ لأنه إذا كان حياً ولم يرزقه الله عز جل فله رب غير الله, وإلا من الذي أبقاه؟ ولهذا تنقضي آجالهم عند نفاد أرزاقهم.

    فالله سبحانه وتعالى يرزق المؤمن والكافر, وهذا مقتضى الربوبية, ولهذا الله عز وجل وصف نفسه بقوله: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المؤمنون:72], قال قتادة وغيره: يرزق المؤمن والكافر, فهو يتكفل بهذا الأمر, وبعض الناس يقول: لماذا يرزق الله الكافر وهو يكفر بالله ويسب الله عز وجل وغير ذلك؟ والخلل في هذا هو تشبيه الخالق بالمخلوق؛ لأن المخلوق إذا سُب انتقم ومنع المال ممن يعطيه إياه؛ فإذا كنت تحسن إلى شخص وتعطيه مالاً, ثم قام بسبك فإنك تجد دافعاً بقطع المال عنه؛ لأنك تتألم, وتريد انتصاراً لنفسك, لكن الله لا يتألم ولا يضره فعل العباد, فهم إنما يكفرون لأنفسهم ويحسنون إلى أنفسهم, ولهذا يرزق الله عز وجل الكافر ويرزق المؤمن؛ لأن الحسنة له والسيئة عليه, وهذا يوجد نوع منه مع ضعف في البشر, وذلك أن الإنسان في جانب انتصاره لنفسه ينتصر ممن يؤذيه ولا ينتصر ممن لا يؤذيه ولو اشتركا في الأذية, إذا سبك طفل عمره ثلاث سنوات, سبك بكلمة فقال: يا كذا, وسبك رجل عمره عشرون سنة فقال: يا كذا, أيهم أقرب إلى انتقامك؟ لا شك أنه الثاني؛ لأنه أوجد في نفسك ألماً ولعلمك أنه قاصد لذلك, لكن الصغير ربما يطلق عليك كلمة وتقوم بالمسح برأسه وتعطيه حلوى أليس كذلك؟ لماذا تشفق عليه؟ لأنك ترى أن بينك وبينه بوناً شاسعاً, فهذا مخلوق مع مخلوق, فكيف بالخالق الذي له المثل الأعلى وليس له مثيل سبحانه وتعالى, لذا ربما يسيء المخلوق لله فيمزق المصحف ويسب الله ثم تجد أن الله يعطيه ما لذ وطاب؛ لأن الله عز وجل لا يتضرر بهذا الشيء, بل الضرر عليك أنت, وهذا يجده الإنسان في نفسه.

    فمثلاً: تجد الذرة أو النملة تأتي إلى قدمك وربما تلدغك وأنت لا تشعر ثم تذهب، فهي ترى نفسها أنها منتصرة عليك؛ لأنك ما تبعتها, وأنت ترى أن مقامك وجبروتك أكبر من أن تطارد هذه النملة.

    كذلك أيضاً البعوضة تأتي إلى يدك وتقوم بلدغك ثم تطير وأنت تراها تطير, ولا تتبعها, ولم تنتصر منها؛ لأنها بعوضة وأنت إنسان, فكذلك أنت ودنياك لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

    ولهذا من يسأل لماذا الله يرزق الكافر وهو يسبه سبحانه وتعالى؟ نقول له: لأن الدنيا كلها ومن فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة, وإنما أنت الذي تقوم لأجلها وأنت تتضرر؛ لأنك عبد فقير, فكيف تريد من الخالق أن يمتنع عن رزق عبد سبه ولم يتضرر الله عز وجل من ذلك؛ لأن الضرر عائد على الإنسان, ولهذا خلل الناس في إدراك حق الله سبحانه وتعالى سببه هو التشبيه الذي لا يدركونه, منه ما هو بمقدار الشعرة ومنه ما يزيد, فإذا ضعف هذا الجانب لديه قوي إيمانه بالله سبحانه وتعالى, والإنسان يقع في هذا الأمر من حيث لا يشعر؛ لأن الإنسان بطبعه التشبيه, فهو دائماً يحرص على المماثلات, فتجد أنه يتوجس من شيء قد مر عليه في السابق؛ لأنه يسير على المثال, فهو يعتمد في علمه على المثليات, وأما الله سبحانه وتعالى فهو أوجد المخلوقات وهو يعلمها سبحانه وتعالى وليس بحاجة إلى مثال حتى يقيس عليه، بل يعلم الكائنات على سبيل الاستقلال بلا قياس سبحانه وتعالى, ولكن جعل الأمور متماثلة ومتشابهة حتى يعلم العباد ويقيسون حتى تستمر مصالحهم في هذه الأرض.

    1.   

    إثبات عذاب القبر وفتنته

    قال رحمه الله: [ ثم هم بعد الضغطة في القبور مساءلون ].

    يقول رحمه الله: (ثم هم بعد الضغطة في القبور مساءلون) وهذه هي حياة البرزخ, والإنسان لا بد أن يمر بها، حياة الدنيا ثم حياة البرزخ, ثم الحياة الآخرة, وهو يعذب في قبره ويفتن, وعذاب القبر كما جاء في الصحيح وغيره ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ في صلاته قبل السلام: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وعذاب النار ), فاستعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر.

    تعلق عذاب القبر بالروح والجسد

    وعذاب القبر يجعله الله سبحانه وتعالى على الروح والبدن, ويجعله على الروح, ولا يجعله على البدن وحده؛ لأن البدن لا يعذب إلا مع وجود الروح فيه, فينزل الله عز وجل عذابه على الروح, وينزل عذابه على الروح والبدن؛ لأن البدن بالنسبة للروح كحال البدن بالنسبة للقميص؛ الإنسان إذا نزع قميصه وأخرج جسده منه كحال الروح إذا انتزعها من الجسد, فإذا أخذ القميص ثم رماه ثم أُحرق لا يتضرر؛ لأن جسده الذي يماثل روحه خرج منه, ولهذا يحرق الميت ولا يتضرر؛ كحال القميص الذي أُخرج من الجسد, فالله سبحانه وتعالى يعذب الجسد والروح معاً, ويعذب الروح ولو لم تكن في الجسد, كما يعذب الجسد -من باب التقريب- ولو لم يكن فيه قميص, ويعذب القميص والجسد معاً, ولكن لا يعذب القميص بلا جسد فيتضرر الإنسان بذلك.

    معنى فتنة القبر

    وأما بالنسبة لفتنة القبر فالمؤمنون والكفار يفتنون في قبورهم, ومعنى الفتنة هي الاختبار, وهذا المقصود في قول الله عز وجل: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27], فالثبات في الآخرة هو ما يتعلق بالثبات في القبر عند السؤال, وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر قال: ( ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتان القبور, ثم قال: إن أرواحكم تعاد إليكم كهيئتكم اليوم ), فتعاد الأرواح في القبور للناس كهيئتهم ويقظتهم اليوم, ثم يسألون: من ربك؟ ومن رسولك؟ وما دينك؟ فأما الثابت الواثق فإنه يجيب, وأما المتردد الذي يقلد فإنه يتردد, وبقدر ضعفه وتقليده ونفاقه فإنه يكون تردده وكذلك إحجامه, وربما أيضاً خطؤه في ذلك, ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيم أمر القبر وشدة أمره, وأنه أول منازل الآخرة, وبه يعرف الإنسان مقعده من الجنة والنار, وقد جاء عن عثمان عليه رضوان الله: أنه كان إذا رأى القبر بكى, فقيل له: إنا نذكر عندك الجنة والنار ولا تبكي، وإذا ذكرنا القبر بكيت, قال: إنه أول منازل الآخرة, وبه يعرف الإنسان موضعه من الجنة أو النار, وهذا أمر عظيم؛ لأن الإنسان أول ما تقبض روحه ثم يوضع في قبره يفتن إذا كان من أهل الجنة أُري مكانه.

    وبهذا نعلم أن الله سبحانه وتعالى إنما يجري الكتبة على عباده ويحصي عليهم ليعلموا, وإلا فهو يعلم مآلهم سبحانه وتعالى في الآخرة إما إلى جنة وإما إلى نار, ويريهم الله عز وجل ذلك قبل الميزان والحساب, يعني: ما سيئولون إليه, فيقال: هذا مقعدك من الجنة وهذا مقعدك من النار لو أنك كفرت.

    فالإنسان في قبره يفتن, وجاء فيمن يفتنه أنهما الملكان وهما: منكر ونكير, والحديث في السنن, واحتج به أحمد رحمه الله كما ذكره القاضي ابن أبي يعلى عنه, وبعض العلماء يعل الحديث الوارد في تسمية الملكين, والفتنة في القبر ثابتة وهي محل قطع خلافاً للمعتزلة الذين ينفون عذاب القبر.

    ضمة القبر وأثر الفتنة فيه في تكفير السيئات

    وكذلك أيضاً فإن للقبر ضمة أو ضغطة, وقد جاء في ذلك الحديث وفيه كلام, فمن العلماء من يصحح الحديث ومنهم من يضعفه, وعلى كل نقول: إن الله سبحانه وتعالى يجعل فتنة القبر من مواضع وأسباب التكفير لذنوب العباد ممن كان من أهل الإسلام, فالمكفرات عديدة: منها: المصائب والأحزان التي تلحق الإنسان, كالأمراض وغيرها, وكذلك أيضاً الحسنات التي تكفر السيئات, وكذلك أيضاً دعوة الإنسان لنفسه واستغفاره لربه, وكذلك دعوة غيره له يكفر الله عز وجل بها عنه, ومنها أيضاً: فتنة القبر؛ لأن الله عز وجل إذا عجل لعبد من عباده فتنة أو هماً أو حزناً في قبره فالله عز وجل عدل, قد جعل العقاب في الآخرة بالنار, فإذا ابتلى عبده بشيء من الامتحان والكرب والشدة في القبر، فإن الله عز وجل يخفف عنه بمقداره، وذلك لمن يستحق التخفيف من أهل الإسلام, وأما من كان كافراً فالله عز وجل لا يغفر لمشرك إشراكه إلا أن يتوب.

    العذاب بالنار في القبر

    وأما العذاب بالنار في القبر فالأظهر أن الميت لا يعذب بالنار في قبره, وإنما يفتن, ويعذبه الله سبحانه وتعالى بغير نار؛ لأن الله عز وجل يقول عن آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر:46], يعرضون عليها عرضاً ولم يدخلوها, وهذا نوع من العذاب, والله عز وجل يعذب الجسد لو شاء في القبر, بالضغطة ونحوها, أما النار فالله سبحانه وتعالى يعرضها؛ لأن من أشد الناس كفراً فرعون وقومه, ومع ذلك الله سبحانه وتعالى يعرضهم على النار, النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا [غافر:46], إذاً ثمة عرض وثمة إدخال, العرض يكون في القبر, والإدخال يكون في الآخرة بعد البعث والنشور.

    حال الأنبياء وأجسادهم في القبور

    قال رحمه الله: [ وبعد البلى منشورون، ويوم القيامة إلى ربهم محشورون، ولدى العرض عليه محاسبون ].

    يقول هنا: (وبعد البِلى منشورون), يعني: بعدما تبلى أجسادهم ويقدر الله عز وجل عليهم ذلك, وهذا هو الأصل, وليس كل جسد يبلى, ولكن الأصل في الأجساد أنها تبلى, وممن لا يبلى جسده في قبره الأنبياء, وقد جاء في ذلك جملة من الأحاديث, منها قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء ), يعني: أن تأكلهم, وقد صنف في ذلك غير واحد من العلماء كـالبيهقي، فإن له رسالة في حياة الأنبياء في قبورهم, وقد ساق في ذلك جملة من الأحاديث.

    واختلفوا في الأنبياء, هل هم أحياء في قبورهم أم ترد لهم الحياة ثم تنزع منهم؟ فمنهم من قال: إنهم أحياء في قبورهم, وانتصر لهذا جماعة كـالبيهقي رحمه الله, وصنف في ذلك رسالة: حياة الأنبياء في قبورهم, ومن يقول بحياة الأنبياء يلزم من باب أولى بمسألة الأجساد, ومن العلماء من يقول: إن الله عز وجل يردها إذا شاء وإلا فالأصل أنهم ليسوا أحياء في قبورهم, وهذا مقتضى القبض, وكذلك أيضاً مقتضى ما بعده من البعث والنشور.

    دخول الأولياء في خصائص الأنبياء في القبور

    وهل يدخل في الأنبياء بعض الخلق؛ كالأولياء وغير ذلك؟ بعض العلماء يقول هذا, وهو أن بعض الأولياء لا يعذبه الله سبحانه وتعالى, وقد جاء ذلك في بعض الآثار, كما في قصة دانيال عند ابن عساكر وغيره, ولا أعلم في ذلك نصاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يحرم على غير الأنبياء أن تؤكل أجسادهم, وما جاء في ذلك عن الشهداء أو الأولياء أو غير ذلك، فيها كلام.

    1.   

    البعث والنشور يوم القيامة

    وهنا يقول رحمه الله: (وبعد البلى منشورون), ذكرنا أن هذا على الأصل. قال رحمه الله: (ويوم القيامة إلى ربهم محشورون), فالإيمان بالبعث والنشور ركن من أركان الإيمان, ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: ( الإيمان أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, وبالقدر خيره وشره, قال: وبالبعث بعد الموت ), فمن شك بالبعث بعد الموت, أو تردد في ذلك أو نفاه فهو كافر بالله سبحانه وتعالى, سواء كان نفيه في ذلك نفياً لقدرة الله عز وجل على الإعادة, أو كان النفي بأن الله عز وجل خلق الخلق ليفنيهم لا ليعذبهم سبحانه وتعالى, فكل ذلك كفر بالله جل وعلا, والأول أشد كفراً لأنه شكك في قدرة الله سبحانه وتعالى, والثاني أثبتها وكذب النص أو نفاه, وكل كافر به سبحانه وتعالى.

    يقول رحمه الله: (ولدى العرض عليه محاسبون), ما من أحد من العباد إلا ويحاسبه الله سبحانه وتعالى إلا من شاء من عباده ممن يستثنيهم.

    إثبات حقيقة الميزان وأن له كفتين

    قال رحمه الله: [ بحضرة الموازين ]، هل كل الخلق يوزنون؟ وهل كل الخلق يحاسبون؟ قد جاء في حديث السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب, بغير حساب يعني: أنهم لا يحاسبون, فإذا قلنا: إنهم لا يحاسبون فالأنبياء من باب أولى؛ لأن هؤلاء إنما اكتسبوا عدم الحساب من اتباع الرسالة, ولأسباب توفرت فيهم في أمر الاتباع, الأنبياء من باب أولى, يدخلهم الله عز وجل الجنة بغير حساب, وقد جاء في الحديث ( أن الله عز وجل يدخل الجنة من هذه الأمة سبعين ألفاً من غير حساب ولا عذاب, قال: ومع كل ألف سبعون ألفاً ), وجاء في زيادة: ( الحثيات ), وبعضهم يتكلم فيها.

    والميزان له كفتان: كفة للحسنات وكفة للسيئات, والله عز وجل ينصب الميزان يوم القيامة ليقيم الحجة على العباد, ولن يعذبهم الله سبحانه وتعالى حتى يعلموا بسبب عذابهم, وهذا مقتضى عدله جل وعلا, وهذا إذا كان في أمر الخالق مع مخلوقاته فإنه في أمر المخلوقين من باب أولى, فلا يجوز للحاكم ولا للقاضي أن يعذب أو يعاقب أحداً إلا وقد أقام الحجة عليه بالبينة الظاهرة, فيقيم عليك الحجة بكذا وكذا وكذا فما قولك؟ فهذا أمر العدل سبحانه وتعالى, ولو قامت البينة لدى الحاكم والقاضي فهل يجب عليه أن يخبر المقضي عليه؟ نعم, يجب عليه أن يعلمه بذلك, ولو كانت البينة قطعية؛ لأن مقتضى الأحكام الشرعية العدل حتى لا يقع في النفوس شيء, ويمنع المكابرة وانتصار الغير, كذلك يقع مقتضى التأديب, حتى ينزل العقاب على العلة التي لأجلها نزل, أما أن ننزل العقاب دون أن تُعلم العلة فإن هذا ينافي الحكمة المشروعة من حكم الله سبحانه وتعالى في إنزال العقاب على عباده.

    والميزان له كفتان: كفة للحسنات وكفة للسيئات, من العباد ما يوضع له في الكفتين, ومن العباد ما يوضع له في كفة واحدة, فمن له كفتان من الناس فالأصل أنه من أهل الإسلام؛ لأنه ما من أحد من المسلمين إلا ولديه خير وشر, ولديه حسنات وسيئات, ولديه حق وباطل, فتلك كفة الحسنات وتلك كفة السيئات, ومن الناس من ليس له إلا وزن واحد وهو في كفة واحدة وهي السيئات, وهم الكفرة؛ لأن ما فعلوا من خير يحبطه الله عز وجل, كما قال سبحانه: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65] وقال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5], فيحبط الله عز وجل ما يعمله الإنسان ولو كان صادقاً في أداء تلك العبادة لله, فيتصدق ويحسن ويبر الوالدين لأجل الله سبحانه وتعالى لكنه في ذاته كافر؛ لأنه يعبد غير الله, إما بسجود لصنم, أو بسب الله, أو غير ذلك من موجبات الكفر, فحينئذ يجعل الله عز وجل الحسنات تلك هباء منثوراً, ولأنه قد جعلها له في الدنيا.

    ومن عباده سبحانه وتعالى من له كفة واحدة, وهي أيضاً كفة الحسنات وليس له كفة للسيئات, وهؤلاء قلة من الخلق, وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي في الأرض وليس عليه سيئة ), مما ينزله الله عز وجل عليه من البلاء, فتنزل المصائب حتى تمحو السيئات, فإذا جاء يوم القيامة لا يوجد لديه إلا حسنات, ويدخل في هذا الحكم من يمحو الله عز وجل سيئاته لأي سبب من الأسباب بمشيئته سبحانه وتعالى في الآخرة.

    محاسبة الله عبده على الذنب الذي تاب منه

    وهل الله سبحانه وتعالى يحاسب عبده ويسأله عن الذنب الذي اقترفه وتاب منه مع أن الله عز وجل لا يعذب التائب إذا تاب؟ هل يسأله الله ويقرره إياه؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

    من العلماء من قال: إن الله عز وجل يسأل عبده ويحصي على عبده حتى السيئة التي تاب منها, وهذا مقتضى الإحصاء الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها, يقره بينه وبينه, فيقول هذه سيئة كذا في يوم كذا وكذا واستغفرت منها وتبت عليك, فهذا الإحصاء, ومن العلماء من يقول -وهذا جاء عن الحسن وغيره-: إن الله عز وجل لا يمحو من الكتاب السيئة وإن تاب منها لكنه لا يعاقبه عليها, وإنما يحصيها عليه ويريه إياها.

    والقول الثاني: إن التائب من الذنب كمن لا ذنب له, ومن لا ذنب له لا يسأل؛ لأن السؤال نوع من العذاب وكذلك الامتحان والكرب.

    عافانا الله عز وجل وإياكم, وستر عيوبنا وذنوبنا وغفر لنا وهدانا بهداه, وعصمنا, إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.