إسلام ويب

شرح السنة للإمام المزني [5]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فطر الله الناس على فطرة صحيحة مستقيمة, وهي ما جبلهم عليها من إدراك بعض المحرمات بلا نص, فهم يفهمون المحرم بلا نص من الوحي, وهو ما يسمى بوازع الطبع, وفائدة الشرع مع ثبوت الطبع هو المحافظة على الطبع من التبديل، ومن الإيمان بأسماء الله وصفاته: مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى، وأنه بائن من خلقه، وإثبات صفة القرب لله عز وجل مع كمال علوه من دون تشبيه.

    1.   

    إشكال في قوله صلى الله عليه وسلم: (لم يعملوا خيراً قط) مع قول: الإيمان قول وعمل والجواب عنه

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فثمة مسألة تتعلق بالإيمان سألها أحد الإخوة, وهي ما يتعلق بقول المصنف رحمه الله: (الإيمان قول وعمل) واستشكل ما يأتي في بعض النصوص من إدخال الله عز وجل لبعض المؤمنين وإخراجهم من النار ولم يعملوا خيراً قط؛ كما جاء في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله, وهذا الحديث في الصحيح, وفيه: ( لم يعملوا خيراً قط ), والإيمان قول وعمل, ولا يصح إيمان الإنسان إلا بقول وعمل, ومعلوم أن الإنسان إذا لم يكن لديه قول وعمل في إيمانه الباطن والظاهر فإنه ليس بمؤمن, وإذا لم يكن مؤمناً فالله عز وجل قد حرم على المشركين الجنة, فكيف يخرج الله عز وجل من لم يعمل خيراً قط من النار ويدخله الجنة؟

    موجبات دخول الجنة بين الأفعال والتروك

    فينبغي الكلام على مسألة تعتبر مقدمة لهذا الإشكال, وهي أن الله سبحانه وتعالى يدخل بعض عباده الجنة بعد أن يدخله النار ممن شاء وقدر عليه العذاب من أهل الإيمان, ومن قضى الله عز وجل عليه الكفر وعذبه سبحانه وتعالى به يدخله النار بالأفعال والتروك, فلدينا أفعال وتروك, فالأفعال والتروك يستقل الناس فيها ويستكثرون, فمنهم من يستكثر من أمور الأفعال ومنهم من يقل منها, ومنهم من يستكثر من التروك مخلصاً ومنهم من يقع في المحرمات, لذا قد يستوجب بعض العباد دخول الجنة بالتروك مع قلة في الأفعال, وذلك أنه ترك المحرمات وترك الموبقات وترك المهلكات ولكن لديه عمل قليل, فعظم لديه الترك وقل لديه الفعل, وقد يدخل الله سبحانه وتعالى بعض عباده النار بفعل محرم مع وجود عمل صالح لديه, وقد يدخل الله سبحانه وتعالى بعض عباده النار بترك الطاعات -وهو يقابل دخول الجنة بفعلها- مع أنه لم يفعل المحرمات, فيكون لديه ترك الطاعات كثيراً وفعل المحرمات قليلاً, والناس في ذلك بين مستقل ومستكثر, إذا أدركنا هذه المسألة فإننا نفرق بين الفعل الذي يبادر به الإنسان من جهة العمل, وهو المقصود لدينا في مسألة الإيمان وبين ما يتعلق بمسألة التروك, إذا أدركنا هذا الأصل فدعونا ننتقل إلى معنى آخر.

    دليل الطبع والشرع وأثرهما في العذاب والنجاة

    وهذا المعنى وهو أن الله سبحانه وتعالى قد فطر الناس على فطرة صحيحة مستقيمة, وهذه الفطرة هي ما جبلهم عليها من إدراك بعض المحرمات بلا نص, فهم يفهمون المحرم بلا نص من الوحي, وهذا ما يسمى بوازع الطبع, وهو فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ كما في قول الله جل وعلا: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30], وكما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة, فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ), وهذا دليل الفطرة, فما هي المسائل التي يعرفها الإنسان بلا نص؟ فيعرف أنها محرمة بلا وحي وبلا رسول وبلا نذير؟ يعرف الأشياء المحرمة كالقتل, فيعرف أنه محرم بالفطرة, ويعرف أن السرقة -وهي أخذ مال الناس خفية- محرمة, ولا يحتاج إلى نص, وإنما جاء النص في ذلك مؤكداً ومعظماً, فدليل الطبع هو النوع الأول؛ وهو دليل الفطرة.

    النوع الثاني: هو دليل الشرع الذي لا يمكن لأحد من الناس أن يعلم التشريع به فطرة, وإنما لا بد من دليل من الشرع يبينه الوحي من الكتاب والسنة, فدليل الشرع هي هذه الشرائع, فالإنسان يولد ويكبر ولا يعلم أحكام الصلاة, فهل يمكن أن يعلم الصلاة بالطبع والفطرة؟ لا يمكن أن يعلمها, لكن يعلم أن ثمة خالقاً يستحق التذلل والتعبد والخضوع والطاعة له, لكن كيف يطيع وهو لا يعرف هذا, فتأتي الشريعة ببيان هذه الأحكام, كذلك أيضاً هناك محرمات لا يدل عليها دليل الطبع, وإنما يدل عليها دليل الشرع, كلبس الذهب والفضة مثلاً من المنهيات للرجال, فهذا لا يدل عليه غالباً دليل الفطرة, وإنما لا بد من دليل الشرع, كذلك النهي عن الأكل بالشمال وغير ذلك فهذه لا بد فيها من دليل الشرع، ولا يدل عليها دليل الطبع.

    والله سبحانه وتعالى يعاقب عباده بالأمرين, بدليل الطبع وبدليل الشرع؛ ولهذا الإنسان إذا كان ملحداً يزعم أنه لا خالق, ثم قام بجريمة قتل ولم يكن لديه نص من الوحي من كلام الله ولا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن القتل محرم وببيان عقوبته, فالله سبحانه وتعالى يوم القيامة يؤاخذه على القتل ولو فعله من غير علمه بالشرع؛ لأن الدليل قائم بالطبع, ولهذا ينزل الخلق عليه العقوبة فيما بينهم، فإذا قتل فإنهم ينزلون عليه العقوبة بذلك؛ لأن هذا الأمر معلوم بالطبع.

    كذلك أيضاً ما يكون من السرقة والاغتصاب وغير ذلك من الأمور المعروفة في الطبائع, ولهذا تجد الناس على اختلاف شرائعهم ومللهم, سواء كانت سماوية محرفة أو محكمة، أو كانوا أيضاً من أهل الاختراع والابتداع للملل أو من الذين يعبدون الأصنام والأوثان, كلهم يحرمون القتل، والسرقة، وغصب الناس أموالهم وضربهم وغير ذلك؛ لأن دليل الطبع في ذلك قائم عندهم.

    فإذا وجد مسلم من المسلمين يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, ولم يرد إليه من نصوص الشرع إلا شيء يسير يقوم به, أو ربما لم يأته شيء من الأدلة إلا ما ينطق به من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولم يأته شيء من تفصيلها, ثم قام بالقتل, فهل يعاقبه الله عز وجل يوم القيامة بالقتل أو لا يعاقبه، مع أنه لم يأته دليل من الكتاب، ولا أيضاً من السنة أن القتل حرام؟ الجواب: أن الله يعاقبه بالقتل؛ لأن دليل الفطرة قائم فيه, ودليل الطبع تارة يكون في الإنسان أقوى من دليل الشرع, والله الذي أوجد دليل الطبع في الإنسان هو الذي أنزل دليل الشرع على النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغه للناس.

    ولهذا تقوم الحجة على الإنسان بالدليلين: بدليل الطبع ودليل الشرع, وقد جعل الله سبحانه وتعالى دليل الطبع في الناس فيما فطرهم عليه من الإيمان بوحدانيته حينما أخرج من آدم ذريته وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172], وهذا الإشهاد هو دليل الطبع, وهو الإيمان بوحدانية الله سبحانه وتعالى, ويقيم الله عز وجل الحجة على عباده يوم القيامة بهذا الدليل؛ بأنك خلقت وأنك مطبوع على الإيمان بالخالق, فلماذا تجحد الحقيقة التي يؤمن بها العقل، ويؤمن بها السمع والبصر من جهة ما يشاهده, ولماذا تكفر بها, فدليلها في ذلك قائم, لكن ما يتعدى عن هذا وهو كيف يُعبد الخالق؟ أنت تؤمن بوجود خالق لكن الصلة بينك وبين وصف هذا الخالق وبين صرف العبادة له هذا الأمر الذي يحتاج إلى دليل شرعي, وهو مساحة العذر بالجهل, ولهذا لا يعذر الملحد بلغه الدليل أو لم يبلغه الدليل؛ لأنه قد قام فيه قائم الطبع, ولهذا حينما يأتي شخص ويقول: أنا لا أؤمن بوجود خالق, فهذا لا يعذر بجهله مع أنه لم يأته نبي مرسل؛ لأن دليل الطبع في فطرة الإنسان موجود وهو الذي جحده, ولو جاءه نص لجحده أيضاً, إذاً هو يجحد دليلاً مشابهاً من جهة الحجة لدليل الشرع، وهو ما يأتي من آيات الله سبحانه وتعالى في كتابه ووحيه العظيم.

    كيفية دخول الشخص النار وخروجه منها ولم يعمل خيراً قط

    ولهذا نأتي إلى مسألة وهي أن الله سبحانه وتعالى يخرج من النار من لم يعمل خيراً قط, إذاً ماذا كان يفعل؟ لماذا دخل النار؟ لدينا الباب الآخر, وهو أنه لم يفعل خيراً قط, بل كان يفعل محرمات, فعدم فعله للخير على أمرين: إما بعلم أو بعدم علم, فالإنسان يدخل الجنة إما بأفعال أو بتروك: فالتروك كتروك المحرمات والأفعال كأفعال الطاعات.

    فلا بد أن يوجد جنس الأفعال في الإنسان حتى يستوجب الجنة, فقد يكون لدى الإنسان مثقال ذرة من الأفعال فحفظ على إيمانه, ولكن لديه تروك كثيرة من المحرمات زادت في ثوابه مخلصاً لله عز وجل فاستحق دخول الجنة.

    وكذلك بالنسبة لدخول النار, فقد يدخل الإنسان النار ولديه أكثر من مثقال الذرة من جهة الطاعات، ولكن لديه محرمات وأفعال، فهو لم يفِ بالتروك التي أمر الله عز وجل بتركها فاستحق حينئذ دخول النار؛ كالذي يقع في الزنا, ويقع في الربا, ويقع في السرقة, ولكنه يصلي ويصوم، وآخر أقل منه صلاة ولكن لديه تروك, أي: تارك المحرمات, فهذا يدخل الجنة، وذاك يعذب في النار.

    ولهذا لدينا بابان: الباب الأول باب الأفعال, والباب الثاني باب التروك, ولدينا دليلان: دليل الطبع, ودليل الشرع, وكلها يعاقب الله عز وجل بها عباده بالأفعال والتروك, ويثيب الله عز وجل عباده أيضاً بنوع من الأفعال والتروك.

    ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى قد يدخل عبداً النار ولم يبلغه دليل الأفعال في الشرع, بمعنى: أن الإنسان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وهو لا يدري ما صلاة، ولا صيام، ولا صدقة، ولا نسك, ولا يعلم شيئاً من الشريعة, فهذا معذور، لكنه يقتل ويزني ويسرق, فلم يأته دليل من الشرع في فرضية الصلاة فضلاً عن أن يأتيه دليل من الشرع بمسألة الزنا والسرقة والقتل, لكنه يزني ويسرق ويقتل, فهذا يستوجب النار, وقد يعذبه الله سبحانه وتعالى, وهو لديه أفعال، فإذا عذبه الله عز وجل عذبه بما ثبت من دليل الطبع فيه, وهو تحريم القتل, وإن لم يأت نص بتحريم القتل لديه, فالقرآن ليس لديه والسنة ليست لديه, لكن دليل الطبع موجود لديه بتحريم القتل, فعذبه الله به، ولكن لم يعذبه بترك الأعمال؛ لأنه ليس لديه خير يخرجه من النار إلى الجنة, ولما عذبه الله بالقتل، وعذبه بالزنا، وعذبه بالسرقة وعاقبه فيها ومحصه ليس لديه عمل خير, فهذا يخرج من النار ولم يعمل خيراً قط.

    وهذا التوجيه, يؤيده حديث حذيفة عند ابن ماجه وكذلك عند الحاكم في المستدرك مرفوعاً: ( يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب ), يعني: يدفن وتطمس معالمه, ( حتى لا يدرى ما صلاة، ولا صيام، ولا صدقة، ولا نسك, إلا أقوام يقولون: لا إله إلا الله, سمعنا آباءنا يقولونها ونحن نقولها ) هذا لديه قول, لكن ليس لديه عمل, قيل لـحذيفة: ( ما تفعل به لا إله إلا الله؟ قال: تنجيه من النار لا أبا لك ), لهذا نقول: إن الإنسان الذي ليس لديه علم بالأفعال يعذر بعدم فعله لعدم علمه, ولو قيل: كيف يدخل النار؟ فنقول: بالأفعال التي دل عليها الطبع, ولهذا لو تأتي الأرض من مشرقها إلى مغربها, فتسأل أي شخص عن حكم القتل, فيقول لك: محرم طبعاً, والسرقة محرمة, فيؤمنون بهذا, فما الذي جعلهم يؤمنون به؟ فنقول: دليل أوجده الله في الناس كما أنزل الوحي؛ ليؤيده بالطبع, ولهذا تنحرف بعض الفطر, فتجد أنهم يجعلون الزنا حلالاً, فهذه فطر مبدلة، فكما تبدل الشرائع تبدل كذلك الفطر.

    توجيه حديث: (لم يعمل خيراً قط) في اللغة

    أيضاً من الأمور التي يوجه فيها هذا أن العرب قد تستعمل قولهم: لم يعمل خيراً قط, أو لم ير شيئاً قط, لشدة ما يخالفه, ولهذا جاء في الحديث ( في الرجل الذي يغمس في النار غمسة, هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا, أو يغمس في الجنة غمسة وهو أبأس الناس، فيقال: هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا ), فهذا كلامه ليس بصحيح؛ لأن معنى قوله: لم يمر به بؤس قط، أنه رأى نعيماً لعظمته تضاءل لديه ما مر به من بؤس, وقوله: لم يمر به نعيم قط، أنه رأى عذاباً لهوله تضاءل ما مر به من نعيم.

    ولهذا قد يستعمل في لغة العرب أنه لم يفعل خيراً قط لعظم السيئات في مقام الحسنات, وهذا أسلوب عربي, وأمثال هذه النصوص لا نضرب بها المحكم, وإنما نفسرها ونبينها على ما جاء في أصول الشريعة العامة, ونفهم بالتفصيل والتأصيل الأول مسألة من المسائل المهمة, وهي مسألة العذر بالجهل, فثمة أشياء دل عليها دليل الطبع فالأصل ألا يعذر بها أحد, شخص يقول: أنا ملحد, نقول: هذا دل عليه دليل الطبع, لسنا بحاجة لمحمد ولا لعيسى ولا لموسى, لسنا بحاجة إلى شيء, دليل الطبع قام في هذا الأمر, فالقاتل يعاقب, لو جاءنا رجل الآن وقال: إني قتلت فلاناً ولم يبلغني دليل من الكتاب والسنة عن هذا, فيقام عليه الحد؛ لأنه ليس بحاجة إلى نص؛ لأن الله فطره على هذا الشيء وأوجد فيه هذا الأمر, وموجد الطبع هو منزل الشرع, وقد أقام الحجة بالاثنين, إذاً ما فائدة الشرع مع ثبوت ذلك في الطبع؟ ليحافظ على الطبع من التبديل وكذلك يؤكد الطبع بالتنزيل حتى يعظم في نفس الإنسان القتل.

    ولهذا جاءت النصوص متكاثرة بالوعيد على القتل والزنا وغير ذلك؛ حتى تكبح جماح الشهوة والعدوان, فالإنسان قد يحب الانتقام؛ فيأتيه النص ويوقفه, وقد يتجاوز الطبع فيأتيه النص, ولهذا إذا اجتمع الطبع والشرع على الإنسان تقاويا على أسره وتقييده, وإذا كان الإنسان صاحب فطرة صحيحة وصاحب شرع صحيح فإنه حينئذ يكون أكثر انضباطاً.

    وقد يكون الإنسان منضبطاً بطبع صحيح بلا شرع يعلمه, وينضبط في دائرة الشرع ويضل فيما فقده من أمور الشرع, ولهذا نعرف دوائر العذر, ودوائر عدم العذر؛ فلو شرب شخص الخمر وسكر ولم يعلم دليلاً من الشرع في ذلك؛ فهل يعذر بشربه الخمر أو لا يعذر؟ الجواب أنه يعذر؛ لأن الخمر لا يدل على تحريمها الطبع, كذلك الذي يترك الصلاة, وهو جاهل بها وثبت جهله, فدليل الطبع لا يدل على هذا, لكن لو سرق، أو زنى، أو ضرب، أو اغتصب أو غير ذلك فهذه يدل عليها دليل الطبع؛ لأنه بطبع الإنسان لا يحب أن ترتد إليه هذه الأشياء, ولا يحب أن تكون منه, وإن وجد نزوة أن تكون في غيره.

    أحكام العذر بالجهل

    ثم بعد ذلك تأتي الدائرة الأخرى وهي العذر بالجهل في مسألة من مسائل الشرع متى يعذر الإنسان ومتى لا يعذر؟ فما تمكن الإنسان من العلم به ولم يسعَ إلى تحقيقه, فهذا لا يعذر به ولو كان جاهلاً من جهة الحقيقة؛ فحينما تأتي إلى شخص وتقول له: هذه أحكام الإسلام وأركانه, قم بقراءتها وتعلمها لتتعبد لله, ثم تركها ولم يقرأها, فهذا من جهة الحقيقة هو جاهل, وشخص آخر لم يعرض عليه الإسلام ولم يعلم بمكانه حتى يسعى إليه, ولم يسعَ إليه, اشتركا في الجهل, لكن ذاك تمكن من العلم وعلم بمكانه فأعرض, ولو طلبه لرفع الجهل عنه, وذاك ما علم بمكانه وما عرض عليه, فيعذر الثاني ولا يعذر الأول, بحسب الحال, وهي على مراتب, قد تختلف في زمن ولا تختلف في زمن, وتشتهر في موضع دون موضع.

    وتأتي بعض المسائل الخلافية في هذا الأمر, ومنها مسألة الشرك والوثنية, هل يعذر الإنسان بجهله في أمر الوثنية إذا عبد الأصنام أم لا يعذر؟ فتدخل في هذه الدائرة, هل عبادة الأصنام يدل عليها دليل الطبع منفرداً؟ فإنك تعلم بوجود خالق فلماذا تعبد الحجر؟ إذا عبد الحجر منفرداً على أنه الخالق مدبر الكون إذاً نفى وجود الخالق سبحانه وتعالى، وذلك بتعدده, فالعلماء عليهم رحمة الله تعالى لهم كلام في هذا, فمنهم من ينفي العذر في مثل هذا الأصل, ومنهم من يعذر بحسب الحال.

    ولهذا يختلفون في مسألة أهل الفترة على أقوال, وهي تتقارب من جهة التأصيل وتختلف من جهة التنزيل, والكلام على هذه المسألة يحتاج إلى بسط, ولكن نكتفي بهذا القدر.

    وبه نعلم المسألة التي يتكلم فيها العلماء, أو يسأل عنها بعض الإخوة, وهي مسألة كيف يخرج الله عز وجل أناساً من النار لم يعملوا خيراً قط ويدخلهم الجنة مع أننا نقول: إن الإيمان قول وعمل, إذاً إذا انتفى الإيمان ليسوا من أهل الإسلام, نقول: انتفى عنهم العمل بعذر وعوقبوا بالتروك, لوجود وازع الطبع فكابروا عليه فعوقبوا عليه, ولهذا قد يدخل الإنسان النار ولو لم يعلم دليلاً بحرمة السرقة، وحرمة القتل، وما في أحكامها؛ لوجود قائم الطبع في ذلك, ويعظم عليه العقاب إذا اجتمع فيه الوازعان: وازع الطبع, ووازع الشرع.

    1.   

    تنزيه الله وصفاته عن مماثلة المخلوقين

    قال المصنف رحمه الله: [ جلت صفاته عن شبه صفات المخلوقين ].

    وهذا لأن الله سبحانه وتعالى ليس له مثيل ولا نظير ولا ند ولا شبيه، كما قال سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11], فإذا نفينا الشبيه عن الله ننفي عن صفاته المثيل والشبيه والنظير من جميع الوجوه, والخطأ في هذا الباب هو الذي ضلت به الطوائف, سواء في أبواب التشبيه أو في أبواب التعطيل.

    قال رحمه الله: [ وقصرت عنه فطن الواصفين ].

    وذلك أن الواصفين إنما يصفون على مثال موصوف مشاهد, أو مذكور مسموع, فهذا يدركه الإنسان فيصف ما سمع على ما رأى, أو ما سمع على ما سمع, فمسموع موصوف على مسموع لم يوصف, فيلحقه بذلك المثال, ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء, ولهذا تقصر عنه فطن الواصفين، فالإنسان لا يستطيع تمثيل الشيء إلا بوجود مثال وشبيه له أو برؤيته له بعينه, والله سبحانه وتعالى يتجلى لعباده في الآخرة.

    وأما مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا فمحل اتفاق أن الناس لا يرون الله سبحانه وتعالى في الدنيا, وإنما اختلف في رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذلك اختلف في مسألة: هل يرى الله عز وجل في المنام؟ هذه من المسائل الخلافية التي قد اختلف فيها العلماء على قولين.

    1.   

    إثبات صفة القرب لله تعالى وعلاقتها بعلمه سبحانه وتعالى

    قال رحمه الله: [ قريب بالإجابة عند السؤال ].

    وذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186], وفسر الله سبحانه وتعالى قربه هنا بالإجابة, وذلك أن قوله قَرِيبٌ[البقرة:186], فسر بقوله: أُجِيبُ [البقرة:186], والله سبحانه وتعالى يسمع دعوة الداعي, ويُسمعه لو شاء سبحانه وتعالى كما لو كان قريباً, ولهذا الله سبحانه وتعالى يخاطب الناس يوم القيامة فيُسمع البعيد كما يسمع القريب بصوت واحد, كما جاء في المسند وغيره من حديث جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلاً, فيناديهم الله عز وجل بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب, فيقول: أنا الملك, أنا الديان, لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقص منه حتى اللطمة, ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعليه لأحد من أهل النار حق حتى أقص منه حتى اللطمة ), الحديث, وأصله في البخاري معلقاً في كتاب العلم.

    فالله سبحانه وتعالى قريب من عباده, مطلع على أحوالهم, وهو معهم أينما كانوا, كما قال تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4], يعني معهم سبحانه وتعالى بعلمه، وسمعه، وبصره، وإحاطته جل وعلا, يرى أفعالهم ويسمع سبحانه وتعالى ما يصدر منهم من أصوات وهمسات, ويجيب دعوة الداعي, ويعلم خطرات الأنفس, ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.

    ومن سعة علمه سبحانه وتعالى أنه يعلم الغيب والشهادة, ويعلم ما كان, وما يكون, وما سيكون, وعلم الله عز وجل لأمر الغيب والشهادة لا يختلف, فلا يزيد علم المشاهد عنده لكونه مشاهداً, ولا ينقص علم الغيب عنه لكونه غائباً.

    وهذا الأمر إذا أدرك على وجهه عُلم أن الله سبحانه وتعالى شرع شرعته وأحكم دينه للعباد في حال الغيب وحال الشهادة, فشرع شريعته لأمة الإسلام في الصدر الأول وهم شاهدون, وشرع الله سبحانه وتعالى الشريعة لبقية الأمة وهم غائبون, فهو يعلمهم سبحانه وتعالى على حد سواء, فلا ينقص علمه الغائب لكونه غائباً, ولا يزيده الشاهد لكونه شاهداً, فعلمه سبحانه وتعالى في كل ذلك تام.

    فهذا الاختلال في أمر العلم هو الذي أضل العقلانيين في باب الحكم وباب التشريع, فقالوا: إن شريعة الله صالحة لزمن دون زمن؛ لأنهم يقيسون علم الله على أنفسهم, فيرون العلم المشاهد، ويضعف لديهم العلم الغائب, فإذا جاء الغائب وحضر وكان شاهداً عظم المشاهد وضعف الغائب, ولهذا يتقلبون بين غيب وشهادة.

    والله سبحانه وتعالى يرى الماضي والمشاهد، ويرى الغائب على حد سواء من جهة كمال العلم, وقد أنزل سبحانه وتعالى شريعته على الجميع, فبها يصلح أمر دينهم وتصلح دنياهم, ولهذا جاء في حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى -وهو أيضاً ظاهر القرآن- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح صلاة الليل بقوله: ( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما اختلفوا فيه ), فلننظر ماذا قال, قال: ( عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك ), أي العباد؟ العباد السابقين والحاضرين واللاحقين, ( فيما اختلفوا فيه )؛ لأن حكم الله عز وجل في غاية الإحكام والدقة لكمال علمه سبحانه وتعالى للغيب والشهادة, ولهذا لما ضعف هذا الإيمان أو غاب لدى كثير من الخلق من الحكام، أو المفكرين، أو العلماء ضعف لديهم تناول حكم الله وأنه لا يصلح اليوم ويصلح للأمس, وضعف لديهم كمال علم الله سبحانه وتعالى في هذا الباب, وأن الله سبحانه وتعالى ما أنزل حكمه لكون هؤلاء حاضرين, وإنما أنزل حكمه لأمة محمد من أولهم إلى آخرهم ليعلمهم على حد سواء, فلا يزيد علم المشاهد لمشاهدته, ولا يضعف علم الغيب لمغيبه وعدم شهوده.

    1.   

    كمال عزة الله من أن يبلغه ضر عباده

    يقول المصنف رحمه الله: [ بعيد بالتعزز لا ينال ] الله سبحانه وتعالى عزيز وعزته عن عباده يظهر فيها كمال الغنى وكمال حاجة عباده له, فتظهر العزة بكمال غنى الله سبحانه وتعالى عن عباده, وكمال فقر العباد لربهم سبحانه وتعالى, ولكنه يُوجد في عباده أسباباً ومشيئة يكسبون بها، فيغترون بهذه القدرة التي أعطاهم الله عز وجل ليكسبوا بها, وإلا فالله سبحانه وتعالى يجعل من المخلوقات ما لا قدرة لها من جهة الحياة والموت فيرزقها عز وجل ويحييها ويميتها, فجعل الله عز وجل للعباد من جهة النوال في الأرض وكذلك القدرة, فظنوا أن هذه القدرة التي أوتوها من جهة التكسب عزة تضاهي عزة الله سبحانه وتعالى, فاغتروا بما آتاهم الله عز وجل من نوال.

    والله سبحانه وتعالى يضرب لعباده مثلاً في النبات, فالنبات ليس له تدبير يذهب ويقتات، والله عز وجل هو الذي يغرسه، وينبته، ثم يظهره من ثماره، ثم يسقطه ويعيده في دورة الحياة بلا حركة في ذاته, وما جعله للإنسان في ذاته من جهة الأخذ بالأسباب هو مشيئة يسيرة يأخذ بها الإنسان من جهة السبب والتكسب والمعيشة, وقد رزق الله سبحانه وتعالى من دونه وأحياه حتى كمل وأماته, بل جعل لبعض الشجر أعماراً لم تكن للإنسان, يشاهده أجيال وهو قائم, يسقيه الله سبحانه وتعالى ويحفظ حياته ويجعل له آجالاً بلا سبب, فإذا كان هذا ممن ليس له قدرة، فينبغي للإنسان الذي له قدرة أن يعلم أن الله عز وجل يبتليه ويفتنه بالقدرة التي آتاه الله عز وجل إياها.

    ولهذا أعظم الناس ضلالاً أكملهم عقلاً إذا انحرف, وأقلهم عقوبة عند الله سبحانه وتعالى أضعفهم عقلاً إذا انحرف؛ لضعف السببية الموجودة لديه من جهة الأخذ بالتكسب ولضعف اغتراره بعزة ذاته, ولهذا نقول: لله سبحانه وتعالى العزة والكمال ولعباده كمال الفقر إليه.

    قال رحمه الله: (بعيد بالتعزز لا ينال) ولا ينال الله سبحانه وتعالى بأي شيء من عباده, فلا يبلغه خيرهم ولا يلحقه ضرهم وشرهم, فالنفوس ما تكسب من شر هو عليها, وما تكسب أيضاً من خير فلها, ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى لا يضره أحد من عباده.

    وأما الأذى فنقول: الأذى على نوعين:

    أذى يضر, وهذا لا يكون للخالق سبحانه وتعالى, ولهذا الله عز وجل يقول في الحديث القدسي: ( يا عبادي لن تبلغوا ضري فتضروني ), يعني: لن يصل إلي الضر.

    النوع الثاني: أذى لا يضر, وهذا كما جاء في الحديث: ( يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر ), ولهذا نقول: الله سبحانه وتعالى لا يضره أحد من عباده بسوء أو بشر, ولا ينفعه أحد من عباده بخير يفعله, فإن أحسن فلنفسه وإن أساء فعليها.

    1.   

    إثبات علو الله تعالى وذكر أنواعه

    قال رحمه الله: [ عال على عرشه, بائن من خلقه, موجود وليس بمعدوم ولا بمفقود ].

    تقدم الكلام على علو الله سبحانه وتعالى, وأن علو الله عز وجل على نوعين: علو الذات وعلو القدر، وعلو الذات هو علوه عز وجل على عرشه في السماء، والعرش فوق السماء السابعة, وهو عز وجل مستو على عرشه استواء يليق بجلاله, الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5], وإثبات علو الله سبحانه وتعالى أمارة وعلامة على الإيمان؛ كما جاء في الصحيح لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية حين ضربها سيدها وجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ( سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السماء, قال: فأعتقها فإنها مؤمنة ).

    فالله سبحانه وتعالى له العلو بنوعيه: علو الذات, وعلو القدر, وذلك لأن الله سبحانه وتعالى مستو على عرشه كما سبق, وعلو القدر هو علو المنزلة، فإن الله سبحانه وتعالى له الكمال في أسمائه وصفاته, كالعزة والإذلال لمن شاء, والقدرة, والرحمة, واللطف, والرزق, والإحياء, والإماتة, وغيرها.

    منشأ ضلال الحلولية والرد عليهم

    قوله: (بائن من خلقه) يريد العلماء عليهم رحمة الله تعالى بهذه المسألة تقرير جملة من المعاني, منها رد ما يقول به الحلولية من الجهمية الذين ينفون علو الله سبحانه وتعالى, وإذا سئلوا عن الله قالوا: هو في كل مكان, فإن سئلوا عن كل مكان, تدرجوا في هذا الأمر فقالوا: هو حال في كل شيء, حتى أن منهم من يبالغ في ذلك ويقول: إن الله حال في ذواتنا, وتسلسلوا في هذا.

    والأصل في هذه البدعة المضلة هو نفي استواء الله عز وجل على عرشه, بدءوا من هذه المسألة فنفوا استواء الله عز وجل على عرشه وتأولوه على جملة من المعاني, وحملهم ابتداءً ربما ورع، وربما إفساد لدين الله عز وجل بالهوى, ومنهم من يروم حسن القصد بتنزيه الله عز وجل عن عدم العلم بعباده, والحق أنه لا يلزم من علم الله عز وجل بعباده أن يكون حالاً في مخلوقاته سبحانه وتعالى, بل كمال العلم في ذلك أن الله عز وجل يعلم ما كان وما يكون, سواء أمر الغيب وأمر الشهادة, وسواء كان عبده قريباً منه أو لم يكن قريباً منه, فلله عز وجل الكمال في ذلك, ثم لما نفوا علو الله عز وجل واستواءه سئلوا: أين الله إذاً؟ فقالوا: الله عز وجل في مكان, ثم توسعوا في هذا, فقالوا: الله في كل مكان؛ ويلزم من هذا أنه موجود في الجمادات, وموجود في البشر, وموجود في كذا, فتوسعوا في هذا, حتى سئلوا: أين الله؟ فقالوا: حال في ذواتنا, بل حتى التزموا فيما هو أبعد من ذلك في مسألة حلول الله عز وجل كحلوله فيما يستقذر, هل الله حال فيه، كالمزابل وغيرها, وكذلك أيضاً يستوحش الناس منه في أمور المقابر أو الحمامات أو غير ذلك, تعالى الله عز جل عن ذلك علواً كبيراً, فبلغ بهم الضلال في هذا الباب حتى قالوا: ما في الجبة إلا الله, ومنهم من بلغ في ضلاله أن يمر بجيفة كلب فيقول: الله هاهنا, يعني: أن الله عز وجل يحل في هذه الأشياء, فأوغلوا في هذا حتى كان بشر المريسي لشدة انحرافه وإيمانه بهذا الضلال إذا سجد يقول: سبحان ربي الأسفل, تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً؛ لنفيه علو الله عز وجل على عرشه, وهذا كفر بالله سبحانه وتعالى.

    ولهذا نقول: إن المؤمن لا يسلم له دينه حتى يمر نصوص الشريعة كما جاءت، فيثبت لله عز وجل علوه واستواءه سبحانه وتعالى على عرشه, ويثبت لله عز وجل علمه وإحاطته بخلقه وكماله سبحانه وتعالى في ذلك, ويمسك عما عدا ذلك, فالالتزام في أمثال هذه التفاصيل أدخل كثيراً من الطوائف في دائرة الزندقة والإلحاد, حتى إن منهم من نفى الكفر فجعل الناس كلهم مؤمنين وكلهم في الجنة, فيقول: إذا كان الله عز وجل يحل في عباده وحال في كل مكان فكيف يعذب الله عز وجل من هو حال فيه.

    وكذلك أيضاً في الأصنام, إذا كان الله عز وجل يحل في كل مكان فيلزم من ذلك أنه حال في الأصنام، فمن سجد لصنم فهو يسجد لله, فهو ما عبد إلا الله, ثم يبحثون التماس الأقوال في هذا الأمر, فيلتمسون في قول الله عز وجل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23], فيقولون: قضى يعني: قدر, فالله قدر على عباده أن يعبدوه سبحانه, فمن سجد لصنم فلا يعبد إلا الله؛ لأن الله قدر عليه, ولو نظروا في تكملة الآية: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23], للزمهم أن الرجل إذا ضرب أمه وأباه أنه بار بهما؛ لأن الله قدر عليه هذا الشيء, ولا يقول بذلك عاقل, فالذي قدر عبادة الله هو الذي قدر طاعة الوالدين, إذا كان قضى بمعنى قدر، والحق في تفسير القضاء هنا أنه على نوعين: قضاء قدري كوني, وقضاء شرعي, والقضاء الشرعي هو المراد في هذه الآية, وعليه فقوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23], يعني: وصى وأمر؛ كما فسر ذلك جماعة؛ كـعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وغيرهم, أي: أمركم الله بتوحيده سبحانه وتعالى وببر الوالدين, ولكن قد يقع من العباد شيء من ذلك بإذنه سبحانه وتعالى.

    وقد أوغلوا في هذا الباب حتى دخلوا في تعطيل أحكام الله سبحانه وتعالى, مثل: كيف يقتص من الضارب, وكذلك أيضاً في مسائل النكاح، وقالوا: إنه يكون النكاح فيما شاء, بل بالغوا في هذا الأمر حتى قالوا بالحلول والفناء في بعضهم, يعني: أن الكون قطعة واحدة, فلم يكن ثمة مقام للتحريم, فحتى يتخيل بعضهم أن الذي أمامه هو, وأنه هو الذي أمامه, وقد ذكر بعض الأئمة أن أحدهم كان واقفاً على نهر فسقط صاحبه بجواره فلحقه، فقال: سقطت أنت فظننت أنك أنا, وهذا نوع من الهوس في هذا الباب, فبدءوا من الضلال بنفي العلو، وانظر إلى أين تسلسوا وانتهوا في هذا.

    ولهذا نقول دائماً: إن البدعة في بدايتها لا ينظر الإنسان إلى لوازمها ثم تنتهي به إلى ضلال, قد لا تنتهي به في العقد الأول ولا العقد الثاني, بل تنتهي به إلى ما بعد ذلك, أما العقيدة الصحيحة فهي سالمة، تلتزم بها ولو مضى عليك قرون, انظروا إلى بدعة الرفض مثلاً, بدءوا في مسألة عصمة الأئمة, وأن الإمام هو النائب عن الله وهو الذي يبلغ عن الله؛ لأنهم يحتاجون إلى مشرع, إذا كذبوا الصحابة وافتروا عليهم فيحتاجون إلى مشرع يبلغ عن الله, من أين يأخذون الشريعة؟ يأخذونها من الإمام, فجعلوا عصمة الأئمة, وُجد الإمام, وُلد للثاني, وُلد للثالث, وُلد للرابع, وجدوا إماماً لم يولد له, توقفوا, حينئذ تعطلت مسألة التشريع, هل يرجعون إلى صحة العقيدة؟ كابروا وأحدثوا مسألة الغيب, قالوا: وُلد له ولكنه دخل في السرداب, ثم دخلوا في هذه الدائرة إلى ما شاء الله سبحانه وتعالى.

    تولد الضلال في عقائد أهل الضلال

    ولهذا نقول: إن عقائد الضلال يتولد فيها الضلال, ولهذا تشعب الضلال عند الرافضة, هل دخل في السرداب, أو بقي لديهم؟ وإذا دخل في السرداب من الوسيط إليه؟ كل يبتكر أنه رآه, وأصبح الوسائط لديه شعب, فلا أحد يستطيع أن يكذب هذا؛ لأنه لو كذبتني كذبتك, فاسكت عني أسكت عنك, كل يلتقي به ويسكت الدجال هذا عن هذا الدجال, وبقوا في دين من الخرافات في هذا الباب, ولهذا نقول: إن العقائد الفاسدة تنتهي إلى ما لا نهاية له من أمور الفساد, والعقائد الصحيحة تبقى على صواب ولا يحدث فيها فساد إلى أن يرث الله عز وجل دينه والأرض ومن عليها.

    ولهذا هنا في كلام المصنف رحمه الله: (بائن من خلقه) أراد أن يبين ما عليه أهل الضلال من الجهمية وغيرهم, فالذين يقولون: إن الله عز وجل حال في كل مكان, أراد أن يبين لهم أن الله سبحانه وتعالى مستو على عرشه بائن من خلقه، وكذلك أهل الضلال الذين يقولون: إن الله حال فينا وحال في كل مكان, ودافعهم لذلك هو الالتزام، وذلك أنهم التزموا بالباطل؛ لأنهم فتحوا أوله, والتزموا بالباطل حتى لا يخاصموا, فقالوا: إن الله في كل مكان, فحاجوهم في كل مكان, هل يشغل من مكان؟ لأنك إذا قلت: إنه لا يوجد في مكان، فما المانع أن لا يوجد في غيره؟ هل يوجد في ذواتنا؟ هل يوجد في أمور النجاسات؟ فلا يريدون أن يجعلوا باباً يلتزمون به، فاندرجوا في هذا الباب ووقعوا في ضلال مبين.

    1.   

    حكم إطلاق عبارة واجب الوجود على الله تعالى

    وقول المصنف رحمه الله: (موجود وليس بمعدوم ولا بمفقود) المتكلمون يجعلون الموجود إما واجب الوجود أو جائز الوجود أو ممكن الوجود, ويجعلون الله عز وجل واجب الوجود من باب التقريب, وإلا لم يثبت نص من الوحي بمثل هذه اللفظة, ولكن هم يريدون بها التقريب المعنوي للأذهان ولا يريدون من ذلك الوصف لله سبحانه وتعالى, ولهذا نقول: يجوز الإخبار عن الله سبحانه وتعالى بمعاني الخير وصفات الكمال, فتقول: موجود, وتأتي مثلاً ببعض العبارات التي ربما لم تأت مثلاً في وصف أو اسم الله سبحانه وتعالى, فتطلق بعض العبارات من باب التجوز, فهذا سائغ إذا كانت عبارات تتضمن الكمال, ولكن لا يجوز أن تجعلها اسماً لله ولا صفة له, وإنما عن طريق الإخبار, فيتوسع العلماء في أبواب الأخبار ما لا يتوسعون في غيرها, وذلك أن المتكلمين في هذه اللفظة أخذوا يطلقون ويكثرون من إطلاق هذه العبارة في مسألة الوجود؛ واجب الوجود, وممكن الوجود, وجائز الوجود.

    وهنا أيضاً في قوله: (وليس بمعدوم ولا بمفقود), تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.