إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [21]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في كتاب الطهارة ما ورد من حديث علي بن أبي طالب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: (..وإذا رأيت الوذي فانتضح واغتسل)، ووجه النكارة فيه ذكر الوذي مع أن الثابت هو سؤال علي عن المذي فقط، ومنها حديث عائشة: (من أصابه قيء أو رعاف أو قلس فلينصرف وليتوضأ ثم ليبن على ما مضى من صلاته)، ومثله حديث ابن عباس وأبي سعيد وكل هذه الأحاديث منكرة وغير ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حديث علي: (... وإذا رأيت الوذي فانتضح واغتسل)

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

    فأول أحاديث اليوم هو حديث علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى قال: ( كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني, قال: فأوصيت من يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي فسأله فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذكرك, وإذا رأيت الوذي فانتضح واغتسل ).

    وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث زائدة بن قدامة عن الركين عن حصين بن قبيصة عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفيه ذكر الوذي, والوذي لم يثبت فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسناد هذا الخبر صحيح, ومتنه منكر.

    والنكارة من جهات.

    الجهة الأولى: أن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله إنما سأل عن المذي وما سأل عن الوذي, والمذي هو الذي يخرج من غير تدفق، وهو السائل الذي يخرج عند المداعبة, وهذا نجس بالاتفاق.

    وأما بالنسبة للوذي فقيل: إنه نوع من أنواع الأمراض التي تطرأ على الإنسان, وقيل: إنه هو الذي يخرج من الإنسان بعد خروج المني, فهو يخرج بعد المذي وبعد المني وهذا لم يسأل عنه علي بن أبي طالب عليه رضوان الله, ولا يتفق هذا مع السياق.

    الجهة الثانية: أن هذا الحديث تضمن الأمر بالاغتسال عن خروج الوذي مجرداً, وهذا التعميم فيه نظر.

    الجهة الثالثة: أن حديث علي بن أبي طالب في خروج المذي في الصحيحين وغيرهما وليس فيه ذكر الوذي, ويظهر لي والله أعلم أن هذا الحديث إنما ذكر فيه الوذي تصحيفاً, أو ربما فهماً خاطئاً من بعض الرواة, وإن كان الإسناد رواته ثقات, ففيه زائدة بن قدامة عن الركين عن حصين بن قبيصة عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله.

    وخلاصة ذلك أنه لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوذي خبر؛ ولهذا قد اختلف فيه العلماء من جهة نجاسته, ومن جهة حكمه, فهذا مما يطرأ على الإنسان في ذلك.

    1.   

    حديث: (من أصابه قيء أو رعاف أو قلس فلينصرف وليتوضأ ...)

    الحديث الثاني حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أصابه قيء أو رعاف أو قلس فلينصرف وليتوضأ ثم ليبن على ما مضى من صلاته وهو في ذلك لا يتكلم ).

    حديث عائشة عليها رضوان الله في بيان حكم الإنسان إذا كان يصلي وخرج منه قيء أو رعاف أو قلس أنه ينصرف, وهذا الحديث يرويه إسماعيل بن عياش وقد رواه الإمام أحمد وغيره من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة عليها رضوان الله, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا الحديث رفعه منكر, وقد تفرد برفعه إسماعيل موصولاً، من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, واختلف فيه على إسماعيل بن عياش , فتارة يروى من هذا الوجه, وقد رواه عنه الهيثم بن جميل و هشام بن عمار و أبو الربيع كلهم رووه عن إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم موصولاً.

    وهذا الحديث بكل حال منكر؛ لأن إسماعيل بن عياش روايته عن غير أهل بلده غير محفوظة, و ابن جريج مكي و إسماعيل بن عياش شامي.

    وأيضاً فإن إسماعيل بن عياش رواه عنه غير هؤلاء وخالفوه فيه, فرواه عنه داود بن رشيد وغيره, يروونه عن إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن أبيه, ولم يقل ابن أبي مليكة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقرن داود في روايته هذه عن إسماعيل والد ابن جريج مع عبد الله بن أبي مليكة وهو أيضاً وهم وغلط.

    ورواه مرسلاً جماعة, فرواه الربيع بن نافع و محمد بن الصباح و محمد بن المبارك كلهم عن إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن أبيه مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الصواب.

    والدليل على أن هذا هو الصواب أن ابن جريج في روايته لهذا الحديث رواه عنه اثنان:

    أولهما: إسماعيل بن عياش ووقع عليه الاضطراب والثاني: يرويه جماعة غير إسماعيل يروونه عن ابن جريج عن أبيه مرسلاً, فرواه عبد الرزاق في كتابه المصنف, ويرويه أيضاً من طبقته عبد الوهاب بن عطاء و الدراوردي عن ابن جريج عن أبيه مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, والصواب في ذلك الإرسال وصوب الإرسال في هذا جماعة، منهم الإمام أحمد عليه رحمة الله, وأبو حاتم و الدارقطني و البيهقي وغيرهم.

    صلاة من أصابه قيء أو رعاف أو قلس

    وهذا الحديث يتضمن مسألة وهي أن الإنسان إذا أصابه قيء أو رعاف أو قلس فإنه ينصرف من صلاته ويتوضأ ثم يرجع ويكمل, في هذه حالتان عند العلماء.

    الحالة الأولى: أنه إذا تكلم في أثناء ذهابه فيبتدئ الصلاة من جديد.

    الحالة الثانية: إذا لم يتكلم كما في ظاهر هذا الحديث, فيبني على الصلاة ويكملها, وهذا قول له وجه, بل له قوته، وقد ثبت عن عبد الله بن عمرو.

    نقض الوضوء بالقيء والرعاف

    ومن مباحث هذا الحديث أيضاً أن هناك من يستدل بهذا الحديث على أن القيء والرعاف ينقض الوضوء, وهذه مسألة أخرى, هل الانصراف للنقض, أم الانصراف لغيره؟

    ظاهر النص أنه للنقض, وقد ثبت عن عبد الله بن عمرو أنه ينصرف ويأتي ويتم صلاته.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رعف وهو في صلاته ثم انصرف فتوضأ ثم بنى على صلاته)

    وجاء مرفوعاً أيضاً وهو الحديث الثالث من حديث عبد الله بن عباس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رعف وهو في صلاته, ثم انصرف فتوضأ ثم بنى على صلاته ).

    هذا الحديث يرويه عمر بن رياح وهو مولى عبد الله بن طاوس بن كيسان عن عبد الله بن طاوس بن كيسان عن طاوس بن كيسان عن عبد الله بن عباس مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا الحديث قد رواه الدارقطني و البيهقي , وهو حديث منكر.

    حيث تفرد بروايته عمر بن رياح مولى عبد الله بن طاوس وهو متروك, وقد اتهمه بالكذب بعضهم, وهو منكر الحديث وقد خالفه غيره, والصواب في ذلك أنه من فتيا طاوس بن كيسان وليس من قول عبد الله بن عباس فضلاً عن أن يكون مرفوعاً, وذلك أن هذا الحديث جاء عند ابن أبي شيبة من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس بن كيسان من قوله, فكان فتيا من قوله.

    والصواب أن هذا الحديث من قول طاوس بن كيسان لا مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد جاء أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري بنحو هذا اللفظ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما رواه الدارقطني.

    1.   

    حديث: (من رعف وهو في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى)

    وهذا له حديث رابع كما رواه الدارقطني في كتابه السنن, ورواه أيضاً البيهقي من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من رعف وهو في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى ).

    يعني يتم, وقيل يبني يعني كأن الإنسان كان له بناء فوصل إلى حد معين فذهب فإن عاد فليبن على ما مضى, فإذا كان مثلاً صلى ركعة ثم رعف أو قاء فإنه ينصرف ثم يتوضأ ثم يتم صلاته, هذا قول لبعض السلف, وقال به جماعة من الفقهاء.

    وحديث أبي سعيد الخدري هذا قد رواه الدارقطني و البيهقي من حديث أبي بكر عبد الله بن حكيم وتفرد به من هذا الوجه, ويرويه عن حجاج بن أرطاة عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث معلول بعدة علل.

    العلة الأولى: أنه من مفاريد عبد الله بن حكيم أبي بكر , وهو واهي الحديث ومتروك, وضعفه سائر الأئمة, وحديثه لا يرتقي إلى ضعف يسير, بل هو واه, وقد رواه عن الحجاج بن أرطأة و الحجاج بن أرطأة فيه لين وفيه ضعف وتدليس, وقد روى هذا الحديث عن ابن شهاب الزهري ولم يسمعه منه.

    العلة الثانية: ثم أيضاً إن هذا الحديث يرويه الحجاج عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري , ولـأبي سعيد الخدري ولـعطاء أصحاب كثر يروون عنهم, فتفرد الحجاج في هذا الحديث عن عطاء مما لا يحتمل مع الحاجة إليه, واعتماد الأوائل من الأئمة الفقهاء على الأحاديث الموقوفة في هذا الباب دليل على عدم صحة الأحاديث المرفوعة المروية في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وبهذا نقول: إنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن القيء أو الرعاف أو القلس ينقض الوضوء, وإنما هي أقوال لجماعة من الفقهاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذلك من التابعين, حيث جاء هذا عن جماعة من التابعين بنحو ما جاء عن عبد الله بن عمرو فجاء عن سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وإبراهيم النخعي وقال به ابن سيرين .

    وثبت أيضاً عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله, كما روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب بنحو ما جاء عن عبد الله بن عمرو عليه رضوان الله تعالى.

    فالثابت عن عبد الله بن عمر من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر فيمن قاء أنه ينصرف ثم يتوضأ ثم يبني إذا لم يتكلم, وهذا كما تقدمت الإشارة إليه قول وجيه, ولهذا الإمام مالك عليه رحمة الله في كتابه الموطأ أورد الموقوف في هذا ولم يورد المرفوع, ولو كان فيه خبر صحيح في هذا لجاء في كتابه, فإنه يعتمد على المرفوع, وإن لم يجد فإنه يعتمد في ذلك على الموقوف, فدل على أن هذه المسألة ليست من المسائل القطعية, ولهذا مال إلى القول بعدم نقض الوضوء بهذه الأشياء غير واحد من الأئمة من السلف.

    كذلك أيضاً في مسألة البناء على ما تقدم ذهب غير واحد من العلماء إلى عدم القول بهذه الأحاديث المرفوعة, وثمة أقوال أيضاً لجماعة من السلف تخالف ما قال به ابن عمرو وعلي بن أبي طالب و سعيد بن المسيب و إبراهيم النخعي و ابن سيرين وغيرهم.

    1.   

    حديث: (لا وضوء إلا من الريح أو الغائط)

    الحديث الخامس هو حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا وضوء إلا من الريح أو الغائط ).

    هذا الحديث جاء عند الدارقطني في كتابه السنن, والبيهقي وغيرهم, من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فرواه بهذا اللفظ عن سهيل بن أبي صالح جماعة كـشعبة بن الحجاج كما عند الدارقطني وغيره, وكذلك رواه الترمذي والإمام أحمد وجاء عند القاسم بن سلام أبي عبيد في كتابه الطهور من حديث سعيد بن أبي عروبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فتوافق شعبة بن الحجاج وسهيل بن أبي صالح في روايتهما لهذا الحديث على هذا اللفظ.

    وهذا الحديث روي بالمعنى, والصواب فيه أنه في حكم الرجل الذي في المسجد, وأن هذا التقييد رواه شعبة بن الحجاج بالمعنى واختصر لفظه, والدليل على هذا أن الإمام مسلم قد أخرج هذا الحديث في كتابه الصحيح من حديث جرير بن عبد الحميد , ورواه أيضاً محمد بن عبد الله الأنصاري وجماعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان أحدكم في صلاة- أو كان في المسجد, جاء في رواية في المسجد - فوجد في بطنه شيئاً فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ).

    وحديث أبي هريرة السابق الذي تفرد به شعبة بن الحجاج و سعيد بن أبي عروبة يستدل به من يقول إن النقض يكون بالخارج من السبيلين, وأن القيء والرعاف لا تنقض, فيستدل بهذا التقييد والاستثناء, أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( لا وضوء ), يعني أنه لا يكون وضوء إلا من الخارج من السبيلين.

    وهذا الحديث جاء من جهة الأصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال معينة, هذه الحال المعينة أن يكون الإنسان في المسجد ويكون في الصلاة, ولهذا العلماء يفرقون بين حال الإنسان في صلاته, وبين حاله في غير الصلاة, فإذا كان في صلاته فيدفعون من باب الاحتياط, ويقولون: الاحتياط وسوسة.

    أما إذا كان خارج الصلاة فيستحب الاحتياط من وجوه, منها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ لكل صلاة, فيستحب أن تتوضأ أيضاً لكل صلاة, وأما إذا كان الإنسان في المسجد, فإنه لا يخرج حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً, وقال غير واحد من العلماء: إن شعبة بن الحجاج اختصر هذا الحديث فرواه بمعناه, قال ذلك أبو حاتم كما في كتابه العلل, والبيهقي عليه رحمة الله كما في كتابه السنن, ولهذا ينبغي أن يعلم أن كثيراً من الفقهاء يستدلون بأحاديث تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وتكون استدلالاتهم فيها في مواضع الرواية بالمعنى على غير وجهها, وإنما رواها من رواها ممن عادته الضبط, كـشعبة بن الحجاج فإن عادته أنه يسرد الأحاديث لا يميل إلى الاختصار؛ لأن نفسه ليس على نفس الفقهاء, وإن كان شعبة بن الحجاج عراقياً؛ لأن نفسه هو من نفس المحدثين الذين يأتون بالروايات على وجهها.

    إلا أنه لما اختصر هذا الحديث جاء مختصراً عنه ولم يرجع إلى اللفظ التام, واللفظ التام كما في الصحيحين؛ ولهذا عادة الإمام مسلم في كتابه الصحيح أن يورد الحديث بكامله ولا يقطعه, بخلاف البخاري , فـالبخاري يورد الحديث مختصراً؛ ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يرجع إلى متن من المتون أن يجمع طرق الحديث حتى يقف على المتن تاماً, ثم بعد ذلك يعرف مواضع الاختصار.

    وإنما قلنا: إن شعبة اختصره لوجوه:

    الأول: أن مخرج الحديث واحد, وهو سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة .

    الوجه الثاني: أن الأئمة نصوا على أن شعبة اختصره, ولكن ثمة إشكال قد يرد في ذهن البعض وهو أن سعيد بن أبي عروبة تابع شعبة بن الحجاج على الحديث على نحو اختصاره, فيقال: إن سعيد بن أبي عروبة هو من أئمة الفقه, وقد يروي الحديث أيضاً مختصراً حتى يفهم عنه المراد, وما ذكر شعبة بن الحجاج ولا سعيد بن أبي عروبة في هذا الحديث المسجد, وأن الإنسان إذا كان في المسجد أو كان في الصلاة, وإنما عمموا الحكم, فحال الإنسان في المسجد يختلف عن حاله في غيره.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم في رأسه ولم يتوضأ وإنما غسل محاجمه)

    الحديث السادس في هذا هو حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم في رأسه ولم يتوضأ وإنما غسل محاجمه ), والمراد بذلك أنه غسل مواضع إزالة الدم.

    هذا الحديث رواه الدارقطني في كتابه السنن من حديث صالح بن مقاتل عن أبيه عن سليمان بن داود عن حميد عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به, وهذا الحديث حديث منكر, وذلك أن صالح بن مقاتل في روايته عن أبيه متروك الحديث, وسليمان بن داود أيضاً ممن لا يحتج بحديثه, وقد تفرد بهذا الحديث وهذا المعنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأحاديث حميد كثيرة وله أصحاب كثر يروون حديثه عنه, وتفرد سليمان بن داود في روايته لهذا الحديث عن حميد مع كون أصحابه في ذلك كثر دليل على أن هذا الحديث فيه غرابة من جهة المتن, فربما كان موقوفاً أو رأياً فقهياً, فرووه وجعلوه مرفوعاً.

    ولهذا فقد أخرج الدارقطني عليه رحمة الله هذا الحديث مبيناً علته ونكارته, وقد ضعف صالح بن مقاتل الدارقطني عليه رحمة الله, وغيره بعد إخراجه لهذا الحديث.

    القول بغسل المحاجم

    وهذه المسألة وهي مسألة غسل المحاجم قد جاءت عن غير واحد من السلف, فجاءت عن عبد الله بن عمر كما رواه البيهقي وغيره من حديث عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه احتجم فغسل محاجمه, وجاء ذلك عن جماعة من السلف, لكن الموقوف لا يشهد لذلك المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لشدة ضعف المرفوع.

    وأما بالنسبة للموقوف في هذا فيكون هذا مما يقوي القول بالمسألة, ولا يلفت إلى المرفوع الوارد في ذلك؛ لشدة ضعفه, بل إن الأحاديث الموقوفة إذا وجدت واعتمد عليها الفقهاء, ولم يعتمدوا على المرفوع فإن هذا من علامات اطراح المرفوعات في هذا الباب.

    والأئمة الكبار كالإمام أحمد عليه رحمة الله و ابن معين و علي بن المديني و البخاري في كتابه الصحيح, كذلك والتاريخ ونحو ذلك, و الترمذي أيضاً في كتابه السنن, في بعض كلامهم على المسائل يوردون بعض الأحاديث القاصرة أو يحتجون ببعض الموقوفات مع وجود مرفوعات في الباب, فإذا وجدت مرفوعات في هذا الباب والعلماء الأوائل قد احتجوا بالموقوفات وتركوها فإن هذا من علامات ضعف المرفوع في ذلك.

    عضد المرفوع بالموقوف

    والذي يذهب إليه بعض المحدثين من أن الموقوف يعضد المرفوع على الإطلاق, فيقال: إن الموقوفات قد تضعف المرفوع ولو كانت موافقة له, وهذه المسألة في مسألة العضد الموقوف وعدمه للمرفوع له طريقتان.

    الطريقة الأولى: يعضد الموقوف المرفوع إذا جاء المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه ضعف يسير يحتمل لكنه يحتاج إلى أحد يحمله, فجاء موقوف وهذا الموقوف ليس عن ذات الصحابي, وإنما هو عن صحابي آخر, فيقال: إن الموقوف هنا يعضد المرفوع.

    الطريقة الثانية: أن الموقوف يرد المرفوع, وهذا له صور كثيرة تقدمت الإشارة إلى شيء منها.

    منها: إذا خالف الصحابي المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هذا الصحابي قريب دراية بمعنى المرفوع, ومعنى قرب الدراية أن يكون ذلك الصحابي إما روى نفس الحديث فخالفه, فمثلاً عبد الله بن عمر يروي حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام, ثم له فتيا في المصنفات تخالف ذلك المرفوع الذي رواه.

    فالموقوف يضعف المرفوع, وهذا نهج الأئمة, فالفقهاء والمتكلمون يقولون: إن المرفوع يضعف الموقوف؛ لأنهم يقولون العبرة بما رواه الراوي لا بما رآه, وهذه القاعدة ليست صحيحة بهذا الإطلاق, بل يقال: إن العبرة فيما يراه الراوي إذا خالف مرفوعه هو, وليس كل مرفوع, فإذا خالف المرفوع عن النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل العموم, وثبت المرفوع عندنا, فنقول: العبرة بالمرفوع, لكن أن يكون صحابي يروي مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروى عنه فتيا في موقوف تخالف المرفوع الذي رواه هو بنفسه, فهذا من علامات ضعف المرفوع عنده, ولهذا تجد جل مخالفات الصحابة عليهم رضوان الله للأحاديث المرفوعة عن النبي عليه الصلاة والسلام مما يروونها أن أسانيد المرفوعات ضعيفة وأحاديث وأسانيد الموقوفات صحيحة, وهذا يدل على ضعف المرفوعات.

    تصحيح الحديث بمجموع الطرق

    وهذا باب في مسألة تصحيح الأحاديث بمجموع الطرق له وسائل قد تقدمت الإشارة إليها, فقد يصحح الحديث بالقرآن, وكيف يصحح الحديث بالقرآن مع أنه ليس من بابه من جهة الرواية, فالقرآن كله متواتر؟

    نقول: العلماء ينكرون المتون لمخالفتها الأصول, والأصول هي الكلية المستقرة, فإذا كان الحديث يوافق الأصول فإن هذا يعضده ضمناً, لكن العلماء لا ينصون على ذلك, فإذا جاء الحديث موافقاً للأصول فإن هذا نوع عضد لا ينص عليه, وإنما يخفف من قبول الحديث.

    وأيضاً الحديث يعضد الحديث الآخر, ولكن هذا في أبواب ضيقة, وأقوى أنواع التقوية في هذا أن تتعدد بلدان الحديث مع وجود الفتوى عليه, وقلنا بالتعدد دفعاً للمواطأة والوهم والغلط, فيوجد إسناد في العراق وإسناد في مصر وإسناد في خراسان وإسناد في الكوفة فهذه متنوعة, وعادة الإشاعة والخبر يكون في الناس في بلدة واحدة فتجد أنه من أهل هذه البلدة, فيكون مصدر الخبر إذا كان لم يوجد عند غيره, لكن إذا وجد في البلد الفلاني والبلد الفلاني, والبلد الفلاني, وتعددت مصادر الخبر, ضعف أن يكون إشاعة بل يكون له مصدر وأصل.

    الحكم على الحديث من خلال النظر إلى البلدان

    وهذا يعلم بالحس والنظر, ولأننا نقول: إذا تعددت مخارج الحديث من جهة البلدان قويت, وأعظم المخارج هي مكة والمدينة, فقد تتعدد مخارج الحديث لكنه لا يوجد في مكة ولا في المدينة إسناداً ولا فتوى فقهية فيكون الحديث مردوداً, وهذا يحسن كثير من القضايا في تصحيح الأحاديث بمجموع الطرق, وأسهل وسيلة يقف الإنسان فيها في وجه تصحيح الأحاديث أو يحسم القضية هو أنه إذا وجد لديه حديث له عدة طرق يدع هذه الطرق يمينه, ثم ينظر في أهل المدينة وفي أهل مكة على سبيل الاستقلال, هل يوجد عندهم كلام في هذا الحديث؟ هل يوجد فتوى فقهية؟ هل يوجد إسناد عندهم؟

    فإذا لم يوجد هذا الحديث وهو من مباحث الدين خاصة أمور العبادة, فليضع مقدمة لديه أن هذه الطرق لا تنفع, فيحسم القضية أنها لا تنفع, بعض الناس عكس, يأتي ويبحث في العدد ويستكثر, فيكون لديه عشرون طريقاً ثم تصنع هذه العشرون حالة في ذهنه, ثم حينما ينظر في غيرها يضعف هذا الباب, فلهذا ينبغي للإنسان أن ينطلق في أمور الرواية من أمور البحث عنها في مكة والمدينة, وتجد في كلام العلماء في تقوية الأحاديث بمجموع الطرق في كلام الإمام أحمد وسفيان له كلام في تصحيح مجموع طرق عبد الرحمن بن مهدي , ويحيى بن معين , وعلي بن المديني لهم كلام في هذا, والترمذي عليه رحمة الله له كلام وافر في هذا, تجد أنهم يعولون على هذا المبدأ.

    فأي مسألة تكون الطرق لديك وافرة وكثيرة جداً, انظر إلى هذين البلدين, ثم انطلق منهما إلى البحث في هذه الأعداد, تجد أن هذه القضية مما يحسم لديك في هذا الباب, وقد تكون المسألة من وجه آخر, وهذا أمر ينبغي أن ينتبه إليه, فقد توجد فتاوى لدى المدنيين أو المكيين في قضية من القضايا والأحاديث الموجودة في ذلك كلها معلولة, فإذا كثرت أقوال المدنيين في مسألة من المسائل فهذا علامة على عدم تقوية الحديث الموافق لها, فإذا وجدنا في مسألة من المسائل عشرين قولاً لفقهاء المدينة, سواء من التابعين أو من أتباع التابعين, ثم لم نجد في هذا إلا ثلاثة أحاديث وكلها مطعون فيها, فهل هذا دليل على ضعف هذه الأحاديث؛ لأن هذه الأحاديث القليلة إذا لم يكن فيها شيء يرقى إلى الاحتجاج, فنضعفها؛ لأن هذه الفتاوى الكثيرة التي جاءت عن التابعين، عشرون قولاً أو خمسة عشر قولاً, ينبغي أن نأخذ فيها انطباعاً أن هذه المسألة محل اهتمام, وينبغي أن يكون هؤلاء قد اهتموا بالحديث لو وجد له إسناد صحيح, فأول من يهتم به هؤلاء, لكن لو وجدنا قولاً أو قولين في المدنيين, ثم وجدنا حديثين ضعيفين, فهذه تعضد؛ لأن المسألة موجودة لكنها ليست محل اهتمام أهل المدينة ولا أهل مكة, ولهذا ما أخذوها مأخذاً قوياً, أما إذا أخذوها مأخذاً فقهياً قوياً فأفتى بها عشرون من المدنيين, وما جاء فيها إلا ثلاثة أحاديث وكلها فيها علل, فلا يمكن هذا ويكون الحديث صحيحاً هذا لا يكاد يثبت.

    ولهذا نقول: إن المسألة مسألة موازنة, مسألة نسبة وتناسب، فيأخذ فيها الإنسان من جهة العلاج, وهي قرائن دقيقة.

    كذلك أيضاً فكما أنه في مسائل التابعين فهو كذلك في مسائل الصحابة, فالصحابة عليهم رضوان الله تعالى في مخالفتهم للحديث النبوي كما تقدمت الإشارة إليه, ما يجري عليهم يجري على التابعين, فالتابعي إذا خالف المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا هل نرد به أم لا؟

    التابعي إذا خالف حديثاً مرفوعاً فيعل الحديث إذا كان في نفس السند, إذا خالف التابعي الحديث المرفوع عن النبي عليه الصلاة والسلام وكان هذا التابعي في ذات الإسناد وأفتى فتيا تخالف الإسناد, فلهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن ينظر في حديث من الأحاديث أن ينظر إلى الرواة كأنهم أمامه صف, ويأتي مع كل شخص يحقق معه, كأن يكون الإسناد فيه خمسة, فيأتي إلى الأول من البلدة الفلانية, من شيخك هل تفتي في مسائل فقهية؟ نعم أفتي بمسائل فقهية, أين فتاواك في الطلاق وإلا في النكاح وإلا في كذا؟ يقول: لا فتواي في الطلاق, هل تفتي أنت بخلاف هذا الحديث أو لا تفتي؟ فيحقق مع كل واحد, حتى تخرج النتيجة لديه صحيحة, فيأخذ هذا التصور. وهذا قد يظن البعض أنه تصرف بوليسي, وتفتيشي, لكنه أمر حسن في مسألة الاحتياط للسنة, فينصب في ذهنه هؤلاء ثم ينظر في أحوالهم, ونظره في أحوالهم لا يعني أنه خير منهم, فقد يكونوا خيراً منه, بل قد يقال: إن الضعيف من الرواة في بعض دواوين السنة هو خير من عباد المتأخرين.

    ولكن نحن نتكلم في مسألة الاحتياط في الرواية, والاحتياط في مسألة الألفاظ من حيث التصحيح والتضعيف, أنه ينظر فيهم واحداً ثم يقوم بالترجيح, فينظر في أحوالهم من جهة العدالة, ومن جهة الثقة, والبلد التي هو فيها, وشيوخه وتلاميذه, وهل له فتاوى أم ليس له فتاوى؟

    لهذا ينبغي لطالب العلم أن يضع له مدونة في نفسه لهؤلاء الرواة الذين امتازوا في ميزة فقهية بخصائص ونحو ذلك, بحيث يحفظهم مع الممارسة ويستطيع أن يميز, فهذا له فتوى تخالف هذا الحديث, فنحاكمه إليه, لماذا تروي شيئاً وتحمل أمانة على ظهرك ثم تفتي بخلافها؟ فهذا محك, ولهذا العلماء يعلون الحديث المرفوع إذا خالفه الراوي؛ لأنهم يرون أن ذلك الجيل جيل ورع وديانة وأمانة, فلا بد أن يفتوا في الحديث المرفوع, فلما خالفوه علم أن الحديث فيه دخل.

    أسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    مخالفة الراوي حديثاً لم يروه

    السؤال: إذا كان هناك راو ليس في السند وخالف الحديث؟

    الجواب: هذا لو نأخذ به لم تسلم السنة كلها؛ لأنه ما من حديث إلا وثمة مخالف, لا بد أن يكون في نفس السند, هناك أبواب دقيقة جداً, لعلها تأتينا مناسباتها فنذكرها, نحن إذا جاءتنا مناسبة توسعنا في هذا, هناك أبواب لا يكون الراوي في السند, لكنها ضيقة ودقيقة جداً فهي مسالك دقيقة قد تعل, كيف يكون هذا ليس في السند ويخالف؟

    مثال: عبد الله بن عباس له أصحاب كثر, لو قدر أن ثمة رواة كثر يروون عن عبد الله بن عباس حديثاً مرفوعاً, فهذا الراوي عن عبد الله بن عباس هو عكرمة مثلاً, عكرمة ليس له قول, لا بموافقة ولا مخالفة, وإنما روى هذا الحديث فقط, هناك رواة قد يجعلون الإنسان يتحفظ عن مضمون هذا الحديث من جهة أنه روي بمعني أو يتأولونه حتى لو كان قوي الإسناد, بمخالفة أشخاص ليسوا موجودين, كأن يطبق أصحاب عبد الله بن عباس كلهم على مخالفة هذا الحديث.

    فتأتي إلى أصحاب عبد الله بن عباس سواء من أهل المدينة, أو من أهل مكة أو من غيرهم, تأتي إلى عطاء , أو ابن سيرين , أو مجاهد بن جبر وغيرهم ممن يروون عن عبد الله بن عباس وتبحث في فتاويهم فتجد أن هؤلاء يطبقون على خلاف هذا الحديث, لكن عطاء بحثت عنه لم تجد عنه لا فتوى ولا مخالفة لهذا, مع أن أصحاب عبد الله بن عباس كلهم يخالفون المرفوع, فهذا يجعلك تحترز منه وتلتمس له مطعن, سواء إسنادياً أو متنياً؛ لأن هذا الحديث عند عبد الله بن عباس وأولئك الجيل عرفنا حالهم, خاصة في مثل القضايا المهمة, فتاوى الحلال والحرام, أنهم من أكثر الناس عرضاً للأدلة لأصحابهم, فلماذا كلهم يطبقون في طبقات متنوعة على عدم القول به, حينما تقسم أعمارهم في مخالطة عبد الله بن عباس تجد أن هؤلاء الذين أطبقوا على مخالفة الحديث في أربعين سنة موزعين, وكلهم لا يقولون بهذا القول, وهذا يعطي إشارة إلى المتن, فهذا من المسالك وهي قليلة أيضاً ونادرة في أبواب العلل.

    مفاد حديث ابن عمرو فيمن قاء في الصلاة أنه ينصرف فيتوضأ ثم يعود فيبني

    السؤال: هل الموقوف على عبد الله بن عمرو في النقض أم في عدمه؟

    الجواب: ظاهر ما جاء عن عبد الله بن عمرو في هذا أنه ذهب فتوضأ ثم رجع وبنى صلاته, الذي يظهر والله أعلم أن عبد الله بن عمرو لا يرى النقض؛ لأن له فتيا في هذا, واحتمال الإنسان خاصة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث ضعيف, لكن ننسبه كما نسب في قوله: ( من قاء أو رعف ), تخصيص هذين الشيئين أن الإنسان إذا خرج منه صعب أنه يتم الصلاة, فالإنسان إذا أصابه قيء فإنه يخرج, لا بد أن يخرج إلا في حالات نادرة إذا كان الشيء يسيراً جداً, كذلك أيضاً في الرعاف, فالرعاف إذا خرج من الإنسان وقد يكون مرض لدى الناس يخرج منه دائماً, فهذا يلزم منه الانصراف.

    ولهذا قال: ( فلينصرف وليتوضأ ), قال بعض العلماء: إن الوضوء في هذا الحديث لو ثبت ليس المراد بذلك هو الوضوء التام, وإنما هو غسل ما خرج من الإنسان, وعلى هذا فنقول: ما جاء عن عبد الله بن عمرو هو الانصراف, ثم هل هذا الانصراف يعني النقض؟

    نقول: لو قال عبد الله بن عمرو بعدم النقض للزم أن يخرج من الصلاة؛ لأنه قيء ورعاف, فلابد أن يخرج لينصرف من الصلاة, بقي لدينا مسألة الوضوء هذه, هل رآها فرضاً؛ لأنها ناقضة أم تطييباً واستحساناً؟

    هذه الأمور المحتملة تحسمها النصوص الأخرى, فقد جاء عن عبد الله بن عمرو أنه خرج منه دم ولم يتوضأ فإذا قلنا: بأن الدم ينقض فالناقض القليل والكثير سواء, فالذي يفطر الإنسان من الطعام هو الطعام القليل والكثير, فلو أكل الإنسان عمداً حبة رز أو أكل إناءاً تاماً فهو مفطر, وكذلك في النقض, فالقطرة من البول والبول التام كله ينقض وضوء الإنسان, فإذا قلنا: بأن الدم ناقض فيلزم أن القطرة من الدم الكثير كذلك ناقضة.

    فلما جاء عن عبد الله بن عمرو أنه خرج منه دم يسير ولم يتوضأ فهذا دليل على أن انصرافه ذلك هو لإزالة القذر الذي يكون عليه لا لنقض الوضوء, نعم, والقلس هو السليط.

    تأثير تصحيح الأحاديث بمجموع الطرق على المذهب الإمام

    السؤال: تصحيح الأحاديث بمجموع الطرق هل هذا له أثر على المذهب الإمام أو تأثره بالمتكلمين؟

    الجواب: لا يظهر هذا, وإنما هي مدارس يوجد من علماء السلف من يتساهل في هذا الباب من المتأخرين وهو سلفي العقيدة, ومن العلماء من يشدد في هذا الباب, وإن كان سلفياً, فمسألة التوجه أو المذهب نعم هناك الغالب من صنيع الفقهاء من أهل السنة ممن كان على منهج السلف, أو على منهج المتكلمين, عموماً سواء كانوا أشاعرة معتزلة أو جهمية أو غيرهم ممن له نفس في الحديث, أنهم يتساهلون في تصحيح الأحاديث تساهلاً واضحاً, والذين يدققون ويشددون في هذا كتشديد الأئمة الأوائل قلة وندرة.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.