إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [18]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في كتاب الطهارة حديث ابن عمر: (أنه توضأ ومسح على قفاه)، جاء موقوفاً ومرفوعاً، والمرفوع لا يصح بوجه من الوجوه، ومنها حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم مسح وجهه ويديه بثوبه) وهذا الخبر منكر؛ لتفرد رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم, وكلاهما ضعيف. ومنها حديث: (إن الحلية تبلغ من المؤمن مبلغ الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) فهذه الزيادة مدرجة من كلام أبي هريرة وقد وهم فيها نعيم وجعلها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حديث ابن عمر: (أنه توضأ ومسح على قفاه)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فأول حديث في هذا اليوم: هو حديث عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه توضأ ومسح على قفاه ).

    هذا الحديث جاء موقوفاً وجاء مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمر , والموقوف في ذلك أصح, فرواه البيهقي من حديث فضيل عن مجاهد عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا الحديث -أعني: الحديث المرفوع- حديث منكر, ولا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه, وقد تقدم الكلام على إعلال المرفوع.

    وأما الموقوف فعن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى من فعله, وربما فعل عبد الله بن عمر مسح القفا في حال وضوئه وهو الرقبة من الخلف, مبالغة في وضوئه، فإنه كان يبالغ في تحري بعض السنن, وهذا معلوم عنه, وكذلك أيضاً جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه شدة التحري والمبالغة في غسل مالم يغسل.

    وبالنسبة لمسح القفا في الوضوء فلا يقال إنه من السنة؛ لعدم ثبوت شيء مرفوع في هذا.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم مسح وجهه ويديه بثوبه)

    الحديث الثاني: حديث معاذ بن جبل عليه رضوان الله تعالى: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم مسح وجهه ويديه بثوبه ), وهذا الحديث رواه الترمذي في كتابه السنن من حديث رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عتبة بن حميد عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به, وهذا الخبر خبر منكر؛ وذلك أنه تفرد به من هذا الوجه رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم , وكلاهما ضعيف, وقد تكلم عليهما غير واحد من النقاد, بل لو قيل إنهما ضعفاء باتفاق الأئمة ما كان ذلك بعيداً, وإن كان عبد الرحمن أحسن حالاً من رشدين بن سعد , فإنه قد تكلم فيه بعضهم بأنه مقارب الحديث, كما أشار إلى هذا البخاري عليه رحمة الله, وإنما أراد بذلك أنه ربما يأتي ببعض الحديث المقارب لكلام الثقات, وما يتفرد به هو وأمثاله فإنه لا يعد مقبولاً, وقد تفرد بهذا الحديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنشف في وضوئه ), وهذا الحديث لا يصح لا من هذا الوجه ولا من غيره كما يأتي بيانه.

    فقد روى الطبراني هذا الخبر من وجه آخر من حديث محمد بن سعيد المصلوب عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل , و محمد بن سعيد المصلوب متهم بالكذب, بل كذبه غير واحد, وحديثه في ذلك مردود, ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ مسح وجهه ويديه بطرف ثوبه ), وهذا الخبر منكر.

    وقد جاء عن عائشة عليها رضوان الله تعالى بنحوه, كما رواه الترمذي وغيره من حديث أبي معاذ عن الزهري عن عروة عن عائشة عليها رضوان الله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له خرقة يتنشف بها بعد وضوئه ), وهذا الحديث تفرد به من هذا الوجه زيد بن حباب عن أبي معاذ عن الزهري عن عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, و أبو معاذ هو: سليمان بن الأرقم , وقد ضعفه غير واحد من الأئمة ولا يحتج به, بل هو واهي الحديث, وقد وهم في ذلك الحاكم كما في كتابه المستدرك, فظن أن أبا معاذ هو: الفضل بن موسى وليس كذلك, وقد قواه بعضهم, والصواب في ذلك أنه سليمان بن الأرقم .

    و سليمان بن الأرقم قد تكلم عليه غير واحد, وهو مضعف, وقد نص على أن هذا الحديث قد تفرد به سليمان بن الأرقم الترمذي , كما في كتابه السنن وأعله به, وكذلك ابن عدي و الدارقطني و البيهقي وغيرهم, على أن هذا الحديث من مفاريد سليمان بن الأرقم .

    طرق تمييز الرواة في الأسانيد

    وهنا مسألة في أمور تمييز الرواة, وهو أن طالب العلم إذا وقع له في حديث اختلاف في أبواب الرواة, وذلك أن الأئمة إذا أشاروا إلى أن هذا الراوي هو فلان وأشار آخرون إلى أنه فلان؛ فإنه يقع لديه شيء من الاضطراب, فيحتاج في ذلك إلى التمييز, فتمييز الرواة في الأسانيد يحتاج طالب العلم فيه إلى طرق حتى يميز:

    الطريقة الأولى: أن ينظر في ذلك إلى الشيوخ, وإذا نظرنا إلى شيوخ أبي معاذ في هذا الحديث فإننا نجد أن شيخه في ذلك هو: محمد بن شهاب الزهري , ونجد أن تلميذه في ذلك هو زيد بن حباب , وإذا أردنا أن ننظر إلى سليمان بن الأرقم نجد أن العلماء ذكروا في الرواة عنه زيد بن حباب , وأن من شيوخه محمد بن شهاب الزهري , وأما بالنسبة لمن ذكره الحاكم في كتابه المستدرك فلم يذكر العلماء أن من شيوخه الزهري .

    الطريقة الثانية ويعضد بعضها بعضاً: النظر إلى التلاميذ, فإن الشيوخ قد يتفقون على راو من الرواة, فيروي الراوي عن شيخ ويشاركه في ذلك التلميذ أيضاً, فيكون كل من وصف في هذا الحديث ربما يروي عن ذلك الشيخ فيتحدان في الرواية عنه, وتمييز ذلك بعد ذلك ينظر إلى التلاميذ, فإن اتفقوا في التلاميذ فالوسيلة الثالثة .

    الطريقة الثالثة: أن يُنظر إلى المكثر منهم, تُسبر مرويات الراوي الذي اتفق وغيره في الرواية عن شيخ واتفق أيضاً تلاميذه في الرواية عنه, فيُنظر إلى أيهم أكثر أخذاً عن الشيخ, وأي التلميذ أكثر أخذاً عنه, فتُسبر هذه المرويات؛ فإذا كان لأحدهما مائة حديث وللثاني عشرة فيغلب على الظن صاحب المائة؛ لأنه من المكثرين, وأما صاحب العشرة فإن الأئمة إذا رووا عن مقل اشترك مع غيره في الإسناد يميزونه؛ لأن الأصل أن الرواية هي رواية المكثر, والعلماء يسكتون عن رواية المشهور المكثر ولا يسكتون عن رواية المقل إذا اشترك معه مكثر؛ حتى لا يختلط على النقلة في ذلك.

    الطريقة الرابعة: أن ينظر إلى المتون, فبعد سبر مرويات الرواة الذين اشتركوا بالرواية عن شيخ ورواية التلاميذ عنهم يُنظر في المتون التي يرويها هؤلاء, فغالباً نجد أن بعض الرواة يميل إلى نوع من المتون, فبعضهم يروي الأحكام, وبعضهم مثلاً في الأحكام له نفسٌ معين؛ فيروي أبواب الطلاق مثلاً, أو أبواب العقود, أو أبواب العبادات ونحو ذلك, فإذا سبرنا مرويات الراوي غلب على الظن أننا نستطيع أن نميز مرويه هذا عن مروي غيره, وإذا استطعنا بذلك التمييز فإننا ربما نستطيع أن نرجح إذا انفصل عنه أو عن مشاركته بالمتون غيره؛ فإذا كان الراوي مثلاً يروي باباً معيناً والراوي الآخر لا يشاركه في ذلك فإننا نستطيع التمييز في هذا, وأما إذا شاركه فيه؛ فإذا كان مثلاً يروي في أمور العقود ولا يخرج عنها, وذاك يروي أيضاً في أبواب ومنها العقود, فإننا نغلب في ذلك الأكثر, فإذا كان المتن لدينا مثلاً في أمور الطهارة فهذا إشارة إلى أن الراوي ينبغي أن يكون من أهل الاهتمام بأمور العبادات, فننظر إلى أيهما أكثر في أمور العبادات رواية, فإذا كان أحدهما من المكثرين فإننا نغلب على الظن أن هذا الراوي هو هذا المكثر في باب من الأبواب, ولا ينبغي لنا أن نميل إلى وجه من وجوه الترجيح وندع الآخر, فإن الراوي مثلاً إذا كان من المكثرين - وهذه كما تقدم وهي الطريقة الثالثة - فإننا نغلب الأكثر على الإطلاق، أو نغلب المقل إذا كان مختصاً بالمروي؛ لأنه قد يختلف راو عن غيره بالإكثار, فيروي ذاك خمسين أو مائة, والذي يشاركه في الاحتمال روى معه لكنه يروي عشرة أحاديث, وهذا المتن هو موافق لأحاديث صاحب العشرة من جهة الاختصاص, وليس هو من أهل الموافقة لحديث صاحب المائة أو الخمسين, فحينئذ غلبنا الاختصاص على الكثرة, وحينئذ نقول: بأن المترجح في ذلك هو الاختصاص على الكثرة في حالة الموافقة في التعديل, فإذا اشترك الرواة في التعديل فكان الراوي الأول ثقة والثاني ثقة فإن العلماء في التصحيح والتمييز بينهما يغتفرون ويتسامحون ذلك, أما في حال الضعف فإننا نتشدد في ذلك ونتحرى, ونغلب جانب الثقة إلا إذا كان الراوي في ذلك مدلساً أو متهماً بالتدليس, وينبغي أن يُحتاط في هذا أن بعض الرواة ربما يُسقط تمييزه, عن غيره من راو يأتي بعد ذلك أو من ناسخ أو مصنف؛ فيقولون مثلاً حدثنا أبو معاذ يعني: سليمان بن الأرقم , وهذه اللفظة قول: يعني: سليمان بن الأرقم هي تمييز للراوي عن غيره, فهذه اللفظة قد يسقطها بعض النُسَّاخ؛ وذلك لأنهم يرون أن لا حاجة إليها, وربما يكون عند الناسخ معروف فيظن أنه عند غيره كذلك معروف, فينبغي أن يحتاط في أمثال هذه الأمور.

    وهذا الحديث هو خبر منكر لتفرد أبي معاذ سليمان بن الأرقم به عن ابن شهاب الزهري عن عروة عن عائشة عليها رضوان الله تعالى.

    التنشف بعد الوضوء

    والتنشف بعد الوضوء لا يثبت فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نص على ذلك غير واحد؛ كـالترمذي في كتابه السنن وهذه المسألة هي من مواضع الخلاف عند السلف, فجاء عن غير واحد أنه كان يتنشف, منهم سعيد بن جبير و الحسن و مسروق بن الأجدع و عامر بن شراحيل الشعبي وغيرهم, وجاء عن بعضهم أنه كره ذلك, كابن شهاب , و سعيد بن المسيب , ويدل على نكارة الحديث المرفوع أن ابن شهاب جاء عنه كراهة التنشف, وهذا الحديث من طريق ابن شهاب , وفيه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنشف بعد وضوئه ), و ابن شهاب هو من متأخري التابعين الثقات, فهو من أواخر التابعين طبقة وهو من الثقات الفقهاء, فكيف روى عنه القول بالكراهة, مع أنه يروي هذا الحديث المرفوع بتنشف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهذا لا يقال باستقامته.

    ومن السلف من قال بالتنشف في الغسل وعدم التنشف في الجنابة, وهذا جاء عن عبد الله بن عباس كما روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن عبد الله بن عباس , وهذا التفصيل من عبد الله بن عباس محتمل من جهة الصحة, وإن كان قابوس قد تكلم فيه بعضهم إلا أن روايته عن أبيه عن عبد الله بن عباس مما يحتمل.

    وقد جاء في هذا الحديث أعني: في حديث التنشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة من الأحاديث الموضوعة, وهذا لا يثبت فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    بعض وجوه النكارة في الحديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم مسح وجهه ويديه بثوبه)

    ومن وجوه النكارة أيضاً: أن هذا الحديث يتعلق بمسألة مما تمس الحاجة إليه ومما تعم به البلوى؛ وذلك أن الإنسان يتلبس بمثل هذه الأحكام في يومه وليلته مراراً, ومثل هذا الفعل إذا أردنا أن نسبره بنظر التشريع فإنه لا يخلوا من حالين:

    الحالة الأولى: أن يقال: إن التنشف في ذلك عبادة, والعبادة في مثل هذا يلزم منها الديمومة أو التغليب, تغلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يفعل ذلك, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا فعل سنة أدامها أو غلبت عليه فتركها عرضاً حتى لا يقال بوجوبها, وهذا هو الأغلب في الأفعال الذاتية, بخلاف السنن المتعدية, فالتزام رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلق بالحاجة.

    أما اللازمة مما تعم بها البلوى على سبيل الدوام إما في اليوم والليلة أو الأسبوع ونحو ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم يلتزمها أو تغلب على فعله, وإذا قلنا بذلك فإنه ينبغي أن يرد النص في هذا بما هو أقوى من هذه الطرق, وقد جاءت في ذلك النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفة وضوئه في أحاديث كثيرة, تبلغ درجة التواتر بمجموعها, ويكفي في ذلك ما جاء في حديث عثمان بن عفان و علي بن أبي طالب وغيرها في الصفة, وحديث أيضاً عبد الله بن زيد , وغيرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم يرد في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم تنشف في وضوئه, ولو ثبت عنه وكان سنة لنقل.

    الحالة الثانية في هذا: أن تكون من جملة العادة أو فُعلت لأجل الحاجة, والعادة والحاجة لا تدخل في باب التعبد, ولا تنقل من غير بيان المقتضي لها؛ وذلك أن الذي يتنشف بعد وضوئه احتمال أن يكون فعله ذلك لأجل برد, وذلك أن الإنسان إذا توضأ في حال شتاء وأراد أن يخرج من داره فإنه يتنشف حتى لا يتضرر من برودة الجو, فربما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على سبيل الاعتراض, فإذا فعله على سبيل الاعتراض وكان من جملة الحاجة فإنه لا ينقل إلا بتمييز, فإذا نقله الثقات ميزوا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله على سبيل الاحتياط وعلى سبيل الاحتراز, و النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه لا هذا ولا هذا.

    وعلى هذا فنقول: إن التنشف بعد الوضوء يبقى على أصله من جهة الإباحة, فإذا فعله الإنسان للحاجة ساغ له ذلك, وإذا لم يفعله فهو كذلك سائغ, وإن ترك ذلك لحاجة أو لعلة ونحو ذلك فإن هذا في أبواب الترك كأبواب الفعل من جهة الجواز, وقد جاء الخبر في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يردها, وهذا الحديث ليس في بابنا, فنحن نتكلم هنا على مسألة التنشف؛ وذلك أن بعض الفقهاء قالوا باستحباب التنشف بعد الوضوء, ويستدلون بهذه الأحاديث، وكذلك ببعض الموقوفات, حيث جاء ذلك عن عثمان بن عفان , و علي بن أبي طالب و عبد الله بن عمر وهي معلولة, لا يثبت منها شيء عنهم, وإنما جاء ذلك عن غيرهم وعن جماعة أيضاً من التابعين.

    اعتضاد المرفوع بالموقوف والمقطوع

    وهنا مسألة وهي: هل الموقوفات والمقطوعات التي وردت في هذا الباب تعضد المرفوع؟

    أولاً: بالنسبة للموقوفات فليست محل إجماع حتى تعضد المرفوع، ويكون هذا الحديث من جملة الأحاديث المضعفة التي عليها العمل, وذلك للاختلاف الذي قد ورد في هذه المسألة, فإن جماعة من السلف قالوا بجواز المسح وهذا مروي عن سعيد بن جبير و مسروق بن الأجدع و الحسن البصري و عامر بن شراحيل الشعبي وغيرهم, وجماعة قالوا بكراهة ذلك, وهذا مروي عن ابن شهاب الزهري و سعيد بن المسيب , ومروي أيضاً عن أصحاب عبد الله بن مسعود كما رواه عنهم إبراهيم النخعي ؛ قال: كانوا يكرهون التنشف بعد الوضوء, والمراد بذلك أصحاب عبد الله بن مسعود , فإن إبراهيم النخعي إذا روى حكاية وقال: وكانوا يفعلون أو كانوا يتركون فالمراد بذلك هم أصحاب عبد الله بن مسعود كما لا يخفى, وكما نص على ذلك هو بنفسه كما روى ابن أبي خيثمة في كتابه التاريخ من حديث الأعمش عن إبراهيم النخعي .

    وأصحاب عبد الله بن مسعود هم أهل الكوفة؛ كـعلقمة و الأسود و أبي الأحوص وغيرهم من فقهاء الكوفة, فعلى هذا نقول: إن القول بالسنية وعضد المرفوع بالموقوف والمقطوع فيه نظر؛ وذلك لضعف الموقوف بمجموعه وكذلك للخلاف الوراد أيضاً في المقطوعات, بل إننا إذا أردنا أن ننظر إلى مسألة الترجيح في هذه المسألة فإننا نرجح أقوال المدنيين على غيرهم, فإن سعيد بن المسيب و ابن شهاب من رءوس الفقه في المدينة, والذين خالفوهم في ذلك هم من أهل الكوفة وأهل البصرة وأحد علماء الحجاز؛ وذلك أنه مروي عن سعيد بن جبير و عطاء , والغالب في مثل هذه الأحوال -خاصة العملية التي تنقل- أن يُنظر إلى عمل أهل المدينة لأن النقل عنهم أوسع.

    النقل القولي والفعلي في الرواية

    ولدينا في نقل الرواية، وهذان أمران ينبغي أن يلتفت إليههما:

    الأمر الأول: نقل قولي, وهذا هو الملموس والموجود في الكتب المصنفة, والذي يعزوه الراوي عن شيخه وهكذا.

    الأمر الثاني: هو عزو بالأفعال من غير قول, وهذا أضعف من الأول, فالقول أصرح, والفعل في ذلك ضعيف, فإنه إذا استقر عمل فئة أو أهل بلد على عمل من الأعمال واجتمعوا عليه فهو متوارث؛ لأنهم لا يمكن أن يتواطؤوا عليه إلا وقد جاء منقولاً يفعله الواحد عن الواحد أو الجماعة عن الجماعة, ولهذا العلماء ينظرون إلى القوادح في الأفعال, ومن أظهر القوادح في الأفعال هو تغاير البلد؛ لأن أهل الكوفة لا يمكن أن يرثوا الفعل عملاً ويتواتر لديهم عن أهل مكة من غير أن يُنقل قولاً؛ لأنهم لو كان في أهل الكوفة ووصل لديهم فلا بد أن يصل إليهم عن طريق قول, فإذا لم يوجد هذا القول دل على عدم صحته, أو وجد فإنه كذلك أيضاً معلول.

    وأما بالنسبة للبلد الواحد فقد لا يوجد القول ويوجد النقل من جهة العمل, فيتوارثونه في ذلك من جهة العمل, ولهذا نقول: إن ما يتوارث فيه من جهة العمل سواء في أمور الصلاة أو من أمور الطهارة وأشباهها ينظر إلى أهل المدينة, وهذا في بعض الأبواب.

    كذلك أيضاً مما يترجح فيه عمل أهل المدينة على مكة الوارد في أمور المزارعة؛ لأن أهل مكة ليسوا بأهل مزارعة, ولهذا سفيان لما قال لـيحيى قال له: إن أهل مكة يروون حديث العرايا, قال: وما يدري أهل مكة بالعرايا؟ أهل مكة يروونه عن جابر بن عبد الله , يعني: يسمعون بالعرايا سمعاً, والتمر يجلب إليهم جلباً, فلهذا ترجح أمثال هذه القرائن عن أهل المدينة وقولهم أولى من قول غيرهم, فلهذا ينبغي لطالب العلم حال وجود المخالفة أن ينظر إلى الرواة في الإسناد والبلد, وأن ينظر أيضاً إلى المتن حتى يترجح لديه شيء في ذلك.

    1.   

    حديث: (إن الحلية تبلغ من المؤمن مبلغ الوضوء ...)

    الحديث الرابع: حديث أبي هريرة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وقال: إن الحلية تبلغ من المؤمن مبلغ الوضوء, فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ).

    هذا الحديث حديث أبي هريرة أصله في مسلم , وقد رواه الترمذي بهذا التمام من حديث سعيد بن أبي هلال وغيره عن نعيم المجمر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذه الزيادة: ( فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ), زيادة مدرجة وليست من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذه مما وهم فيه واضطرب نعيم .

    وقد رواه جماعة عن نعيم بن حماد من غير هذه الزيادة, وقد توبع عليها نعيم , وصحح هذه الزيادة بعض الحفاظ من المتأخرين, وهذا فيه نظر؛ وذلك أن المتابعات كلها ضعيفة, فقد جاء عند أبي نعيم في كتابه الحلية من حديث أبي صالح و أبي زرعة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروها.

    وجاء أيضاً عند الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث كعب المدني عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروها, وهذه الطرق شديدة الضعف لا تصح إليهم.

    ويظهر أن منشأ هذه الزيادة من نعيم فجعلها من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي من قول أبي هريرة , وذلك لأمور.

    الأمر الأول: أن هذه الزيادة لم تأت في أكثر الطرق مع ظهورها حكماً والحاجة إليها.

    الأمر الثاني: أن الغرة من المؤمن يصعب إطالتها؛ لأن الغرة هي: ما ظهر في جبين الإنسان, فإن الإنسان إذا أراد أن يطيل غرته ليس له ذلك؛ لأنها تتجاوز إلى الرأس, فالغرة لها حد محدود وهي جبين الإنسان, وكذلك أيضاً في التحجيل وهذا الحكم يأتي في مسألة تحجيله, فلهذا هذه الزيادة لو جاءت بإسناد صحيح لأمكن القول بنكارتها؛ كيف وقد جاءت في بعض الطرق أنها من قول أبي هريرة , وفي بعضها جاءت بالشك، كما جاء عند الإمام أحمد من حديث فليح بن سليمان عن نعيم المجمر عن أبي هريرة أنه روى هذا الحديث فقال: لا أدري أقَول: ( فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل ), هو من قول أبي هريرة أو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا يدل على أن هذه الزيادة ليست من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنما هو اجتهاد فعله أبو هريرة فسئل عنه فأجاب تعليلاً, فتوهم الناقل أن هذا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومما يعضد ذلك ويؤكده أيضاً: ما جاء عند البخاري في كتابه الصحيح من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة : ( أنه توضأ فغسل يديه حتى شرع في العضد, وغسل رجليه حتى شرع في الساق ), وهذا أيضاً أصله في مسلم من حديث أبي حازم عن أبي هريرة , ( فتوضأ فقيل له: أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هذا منتهى الحلية ), ومراده في ذلك أن يبين أن فعله ذلك إنما هو حمل على فهم فهمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا على نص, وذلك أن أبا هريرة لو كان لديه نص صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المسألة لقاله؛ لأن أبا هريرة عليه رضوان الله تعالى لا يجامل في أحاديث الأحكام, بل يرمي بها بين أظهرهم كما جاء عنه, ولو كان لديه نص في ذلك لما أحجم عن رواية هذه, وكذلك أيضاً لرواها عنه الثقات.

    الأمر الثالث: أن مثل هذا الفعل لو كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاء من غير هذا الوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم, فقد نقلت صفة الوضوء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة, فلما لم تنقل دل على أنها إنما جاءت في مثل هذا الطريق.

    الأمر الرابع: أن أبا هريرة يستتر بهذا الفعل, ولو كان هذا الفعل عند أبي هريرة من السنة وثبت النص فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعاً لم تبرأ الذمة إلا ببيانه ونقله, والمجاهرة بفعله, ولو ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع للزمه ولفعله أيضاً غيره, خاصة أن أبا هريرة هو من متأخري الإسلام من الصحابة؛ وذلك أنه أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربع سنين.

    وهنا ينبغي أن يشار إلى مسألة مهمة إلى أنه من أقوى القرائن في إعلال أمثال هذه الروايات هو النظر إلى ما تعم به البلوى ومقارنته بأحاديث الباب, فأمثال هذه المسألة من الأمور التي يحتاج إليها لا تفعل في اليوم مرة بل تفعل مرات, فإذا أردنا أن ننظر إلى أفعال وأحوال العبادات فإن مقتضى ذلك أن ترد فيها النصوص من وجوه صحيحة أو أكثر من طريق.

    وينبغي أيضاً أن يشار إلى مسألة أن من صحح هذه الرواية لوجودها في بعض الوجوه أنها جاءت من حديث أبي صالح و أبي زرعة، ومن حديث كعب المدني عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك علامة ضعف, ولا ينبغي أن تقبل, وأمثال هذه الطرق مع شدة ضعفها لو كانت هذه المسألة في غير الوضوء لاحتمل ذلك منهم ولكنها في الوضوء علامة على الوهم والغلط, فربما كان الواسطة في ذلك هو نعيم المجمر فأسقطت هذه الواسطة, خاصة أن الأسانيد لا تصح من جهة الرواية عن أبي صالح ولا عن أبي زرعة ولا عن كعب المدني كما في مسند الإمام أحمد فضلاً عن أن تصح عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى.

    الأمر الخامس من وجوه الإعلال: أن البخاري قد تنكب هذه الزيادة مع إخراجه لحديث أبي هريرة وأما إخراج الإمام مسلم لها في كتابه الصحيح وإيراده لها في أصل الباب فهو اجتهاد منه له وجهه عليه رحمة الله, ولهذا نقول: إن هذه الزيادة يظهر من صنيع البخاري أنه يعلها, وأما الإمام مسلم فيظهر أنه يميل إلى تصحيحها.

    والصواب في ذلك أن هذه الزيادة هي من الموقوف على أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى, وربما أيضا كان ثمة قرينة يأخذ بها من يقوي هذه الزيادة؛ وذلك أن أبا هريرة لم يرو هذه الزيادة مجردة, بل رواها وعمل بها, وهذه من قرائن التقوية, ولعل ذلك هو الذي جعل الإمام مسلم عليه رحمة الله يقوي هذه الزيادة لعمل أبي هريرة بها؛ وذلك أن القاعدة في أمور العلل أن الراوي إذا روى خبراً وعمل به وأفتى به فإن هذا من قرائن تقوية الرواية المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأنه إذا روى حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالفه فإن هذا من قرائن الإعلال.

    كذلك أيضاً من الأمور التي قد يقال بترجيحها: أنه جاء عن بعض السلف بعد أبي هريرة أنه عمل بهذه الزيادة وغسل اليدين إلى الإبطين والرجلين إلى الساقين, وهذا من مسائل الاجتهاد, ولو كان سنة لفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو مرة, وصنيع البخاري عليه رحمة الله في تنكبه للطريق الذي أورده الإمام مسلم واعتماده ما هو أصح من ذلك في حديث أبي هريرة كرواية أبي زرعة عن أبي هريرة وغيره إشارة إلى أن الطريق الذي تفرد به نعيم أنه هو موضع الوهم والغلط في هذا.

    وكذلك أيضاً في رواية الشك الذي رواه فليح بن سليمان عن نعيم المجمر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء عند الإمام أحمد في كتابه المسند.

    1.   

    حديث: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)

    نأخذ حديث في هذا نختم به: وهو حديث عقبة و عمر ( لما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله, اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ).

    هذا الحديث في الصحيح ولكن زيادة الدعاء فيه: ( اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ), تفرد بها زيد بن الحباب , عن معاوية بن صالح , وقد خالفه في ذلك جماعة, فرووا هذا الحديث من غير هذه الزيادة, رواه عبد الرحمن بن مهدي و عبد الله بن وهب و الليث بن سعد كلهم عن معاوية بن صالح ولم يذكروا هذه الزيادة, فدل على نكارتها, وقد تنكبها الإمام مسلم في كتابه الصحيح, فإن الحديث أخرجه الإمام مسلم في كتابه الصحيح من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح ولم يذكر هذه الزيادة, ولو كانت مرتبطة بالشهادتين وفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحتاج إلى النقل, وثمة زيادة في الحديث من حديث عبد الله بن عمر وجاءت في بعض ألفاظ هذا الحديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى السماء ), وزيادة النظر إلى السماء منكر أيضاً في مثل هذا الموضع, إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من عادته أن يكثر النظر إلى السماء؛ لما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي موسى قال: ( دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ثم نظر إلى السماء، وكان كثيراً ما ينظر إليها ), والعلة في ذلك أن النظر إلى السماء والتدبر والتأمل في الأفلاك مما يزيد الإيمان, ومما يزيد الإنسان تواضعاً, بأن يعرف حقارته وضعفه وعظم هذا الكون العظيم الشاسع، وعظم خلق الله سبحانه وتعالى وحقارته عند الخلق وعند الخالق, وكذلك عظم حاجته وافتقاره إلى الله سبحانه وتعالى.

    وقد جاء بهذه اللفظة: ( اللهم اجعلني من التوابين ومن المتطهرين ), عند الطبراني , وغيره من وجوه أخرى واهية شديدة, لا يصح منها شيء, ومسلسلة بالمجاهيل, فلهذا يقال من السنة بعد الانتهاء من الوضوء هو أن يقول الإنسان الشهادتين؛ أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله, وقد جاءت في وجه عند البخاري في التاريخ وغيره أن قول الشهادتين يكون بعد الصلاة, فيتوضأ ثم يصلي ركعتين ثم يقولها بعد صلاة ركعتين وهو ضعيف أيضاً, ولا يثبت في ذلك شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    وجود ثياب خاصة عند الصحابة يتنشفون بها

    السؤال: [ هل كان عند الصحابة ثياب خاصة للتنشيف؟ ]

    الجواب: لا, ما عندهم شيء يتنشفون فيه, ما في هدوم, النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( أوكل واحد يجد منكم ثوبين؟ ), يعني: ما لأحد ثوب واحد؛ كيف تسأل عن وجود مناشف ومناديل، ولما جاءتهم المناديل عجبوا منها, فقال: ( أتعجبون؟ إن مناديل سعد في الجنة خير من هذا ), فضعف اليد والقلة لها أثر في العلل, فالتروك إذا كان الإمكان موجود, لو كان في زماننا مع وجود ترف الناس, وثبتت النصوص أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل لأمكن أن نقول بأن السنة هو عدم التنشف.

    اعتبار تروك النبي صلى الله عليه وسلم من السنة

    السؤال: [ هل تروك النبي صلى الله عليه وسلم تعتبر من السنة؟ ]

    الجواب: الترك من جهة الأصل لا يقال بأنه سنة, فربما ترك الإنسان لأنه مستعجلاً أو لقرائن, أو ربما أراد أن يتبرد بوجود الماء أو يتنظف به, يعني: هناك قرائن كثيرة تدفع القول بأنه سنة, لكن لو وجدت نصوص كثيرة في الترك لأمكن القول بالسنية؛ لأن هذا الفعل يحتاج إلى نصوص كثيرة, ويحتاج أيضاً إلى عمل السلف, والتنشف الوارد عن السلف أكثر من الترك, ولو كان سنة يستدل بهذا لقيل بإمكان القول بهذا الحديث.

    الطريق التي أوردها مسلم في حديث إطالة الغرة

    السؤال: [ ما هي الطريق التي أخرجها مسلم في حديث إطالة الغرة؟ ]

    الجواب: في صحيح مسلم من حديث أبي حازم عن أبي هريرة .

    نكتفي بهذا.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.