إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [16]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حديث: (إن الأذنين من الرأس) ورد من طرق عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبي أمامة وعبد الله بن زيد وابن عمر وعائشة وأبي موسى ولا تخلو هذه الطرق من علة. ومن الأحاديث المعلة حديث الصنابحي: (خرجت ذنوبه من أذنيه) فذكر الأذنين غير محفوظ؛ والصنابحي تابعي لم يدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضاً أن هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ولم يرد فيه ذكر الأذنين.

    1.   

    حديث أبي أمامة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح المآقين وقال: إن الأذنين من الرأس)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فأول أحاديث اليوم هو حديث أبي أمامة عليه رضوان الله تعالى ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح المآقين, وقال: إن الأذنين من الرأس ).

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد , و أبو داود و الترمذي وغيرهم من حديث حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    علة حديث: (إن الأذنين من الرأس)

    وهذا الحديث قد وقع فيه جملة من العلل:

    أولها: أن هذا الحديث في إسناده سنان بن ربيعة وقد ضعفه غير واحد، وممن ضعفه يحيى بن معين و النسائي , ولينه الإمام أحمد وغيرهم.

    الأمر الثاني : أن شهر بن حوشب قد تفرد بروايته عن أبي أمامة ورواه عنه سنان ، و شهر بن حوشب قد اختلف فيه العلماء بين معدل ومجرح, والناظر في كلام العلماء في حال شهر بن حوشب يجد أن كثيراً من العلماء يحسن الظن به، و شهر بن حوشب من أئمة القراء, ومن المقرئين الذين عرفوا بالعبادة أيضاً، وإنما كلام الأئمة في أبواب الجرح والتعديل ينصَب على ضعف الراوي من جهة حفظه أو ثقته، ولا علاقة لمسألة الديانة, فإذا قيل في راو من الرواة: إنه ضعيف, فلا صلة لمسألة الديانة في ذلك, فالضعف ملكة قد تتحقق في الإنسان وقد لا تتحقق فيه، وأما مسألة الديانة فإنها باب آخر ليس من المباحث عند العلماء في كثير من ألفاظ الجرح والتعديل, وكلامهم في ذلك عن عدالة الضبط، وأما بالنسبة لعدالة الديانة فالأصل عند الأئمة عليهم رحمة الله أنهم لا يسوغون -المتساهل وغير المتساهل- الرواية عن غير العدل من جهة الديانة، فالكافر من جهة الأصل، وكذلك الفاسق ظاهر الفسق ونحوهم لا يروون عنهم من جهة الأصل، وإنما ما يقع فيه الاختلاف، وفحص ذلك يتعذر إلا لمن خبر مرويات الراوي فإنه لا بد من سبرها وكذلك سبر حاله بالمعاينة، فألفاظ العلماء عليهم رحمة الله في الرواة في قولهم: فلان ثقة وفلان ضعيف؛ ينصرف إلى الضبط، ونجد أن بعض العلماء في بعض إطلاقاته ربما يحمل على مسألة الديانة عند الاختلاف أو التشديد في باب, فيريد العلماء أن يتوازن الناس في نقد راو من الرواة.

    فشهر بن حوشب من أئمة القراء، ولكنه أُخذ عليه أنه بعد اعتزاله الدنيا وانصرافه إلى القراءة توجه إلى القرب من السلطان, فقدح فيه بعض الأئمة في هذا الوجه, وكان يقبل الأعطيات من السلاطين، وتكلم فيه بعض العلماء من هذا الوجه، فأسرف في حقه العامة, فأراد العلماء أن يبينوا أنه عدل في ذاته, وأما من جهة الحفظ والضبط فهو ضعيف، فلهذا ينبغي في حال ورود الاختلاف على راو من الرواة أن ننظر إلى حال الراوي وتنوعها, فإذا كانت حال الراوي متباينة، فإذا كان مثلاً الراوي من أهل الرواية ومن أهل العبادة أو من أهل شيء من المناصب؛ كأن يكون قاضياً أو عاملاً من عمال أحد السلاطين, أو أن يكون مؤذناً أو نحو ذلك, فإن هذه الأوصاف لها أثر في أبواب العلل, فربما انصرف لفظ من ألفاظ التعليل إلى أحد هذه الأوصاف, وانصرف لفظ الجرح إلى الرواية، فيظن بعض من ينظر إلى أمثال هذه الألفاظ أنه قد وقع فيه اختلاف عند العلماء ولا خلاف عندهم في ذلك، والحل في هذا أن ننظر إلى كلام العلماء في قبولهم لرواية الراوي، فإذا نظرنا إلى شهر بن حوشب فإننا نجد أن الأئمة أغلبهم على عدم قبول رواية شهر بن حوشب فيما يتفرد به, و شهر بن حوشب قد تفرد بهذا الحديث عن أبي أمامة بهذا النحو. وقد جاء من وجه آخر و الطرق في ذلك واهية, لكن المراد بذلك على هذا النحو وهذا اللفظ.

    وثمة علة أخرى في الحديث وهي أنه قد اختلف في رفعه ووقفه, فهذا الحديث كما تقدم يرويه حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة , ووقع فيه اختلاف هل قول: الأذنان من الرأس, من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أم من قول أبي أمامة ؟ والصواب أنها من قول أبي أمامة ، وإن كان أكثر الرواة يروونها مرفوعة عن حماد بن زيد , وقد رواها مسدد , و عفان و يحيى بن حسان , و سليمان بن داود الزهراني وغيرهم, كلهم يروونها عن حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر عن أبي أمامة مرفوعاً، وهناك من رواه بالشك؛ وذلك كـقتيبة فإنه رواه عن حماد بالشك, قال: قال حماد : لا أدري قوله: ( الأذنان من الرأس ), من قول أبي أمامة أو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه غيره بالشك أيضاً, وهناك من جزم بأنها من قول أبي أمامة وهو: سليمان بن حرب الثقة الحافظ, فرواه عن حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة به، بل جزم بذلك وقال: من قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الأذنين من الرأس، فقد أخطأ، فهو يقطع بذلك وأنه من قول أبي أمامة , وبهذا نعلم أن سليمان بن حرب قد جزم بذلك، والرواة الذين ينقلونه عنه وهم الأكثر يجعلونه مرفوعاً على الإجمال.

    مخالفة الفرد للجماعة في رفع الحديث ووقفه

    وهنا مسلك من مسالك التعليل ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار وهو: أن الرواة في أبواب المخالفة هل يؤخذ بقول الجماعة كـمسدد و عفان و يحيى بن حسان والهيثم بن جميل وغيرهم في مقابل سليمان بن حرب ؟.

    نقول: الأصل أن القول قول الجماعة، ولكن هنا العلة ليست من الجماعة ولا من سليمان بن حرب ، العلة فيمن فوق هؤلاء وهم الرواة الذين يروي عنهم حماد بن زيد , فهؤلاء كلهم يختلفون على حماد بن زيد.

    والاضطراب في هذا الإسناد يحتمل أن يكون من سنان بن ربيعة، ويحتمل أن يكون من شهر بن حوشب , ولو كان الرواة ثقات إلى حماد بن زيد ووقع الاختلاف لرجحنا رواية الجماعة.

    ومن القرائن التي نرجح بها الموقوف ولا نرجح بها المرفوع أن حكم الأذنين من الرأس يقتضي وجوب مسح الأذنين، ولا أعلم قائلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجوب مسح الأذنين مع الوضوء، وإنما هو سنة, وكذلك لا أعلم من قال: بوجوب مسح الأذنين في الوضوء أيضاً من التابعين سوى ما يروى في ذلك عن الزهري عليه رحمة الله، والصواب في ذلك أن مسح الأذنين من سنن الوضوء لا من واجباتها, والصفة الواردة في ذلك هل هي بإدخال الأصبعين أم بمسح الباطن والظاهر مجرداً؟ هذا من مواضع الخلاف, وتقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في المجلس السابق.

    ومن القرائن أن الحديث إذا كان مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح إسناده فإن مقتضى ذلك العمل به على سبيل الوجوب, فلما لم يفتوا بالوجوب دل على أن الحديث من جهة الرفع لم يثبت، ولهذا يذهب عامة العلماء إلى أن الأذنين مسحهما سنة، ولما كان كذلك دل على أن الحديث المرفوع في ذلك معلول، فهو موقوف.

    ومع وقفه هل يصح أم لا؟ نقول: مع كون الراجح في ذلك الوقف إلا أنه لا يصح أيضاً موقوفاً؛ لأنه من مفاريد سنان بن ربيعة يرويه عن شهر بن حوشب وقد تفرد بهذا الحديث عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو ضعيف على الوجهين: وجه الرفع، ووجه الوقف، إلا أن المرفوع منكر, والموقوف محفوظ ضعيف.

    1.   

    حديث عبد الله بن زيد: (الأذنان من الرأس)

    الحديث الثاني في هذا: هو حديث عبد الله بن زيد , بمعنى أو بلفظ حديث أبي أمامة: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بثلثي مد فتوضأ, فجعل يدلك وقال: الأذنان من الرأس ), هذا الحديث رواه الدارقطني وغيره من حديث سويد بن سعيد عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن شعبة عن حبيب بن زيد عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث قد وقع فيه اختلاف, وسويد بن سعيد قد تفرد بهذا الحديث عن ابن أبي زائدة , و سويد قد أخرج له مسلم في كتابه الصحيح.

    علة حديث عبد الله بن زيد: (الأذنان من الرأس)

    وهنا مسألة من مسائل العلل وهي أن سويد بن سعيد قد تفرد بهذا الحديث وبقية الرواة ثقات, و سويد بن سعيد مع كونه من الرواة, وإخراج الإمام مسلم له هل يعني: أن هذا الحديث صحيح أم لا؟ نقول: إن حديث سويد بن سعيد في هذا منكر؛ وذلك من وجوه:

    أولها: أن سويد بن سعيد متأخر, وقد أدركه جماعة من الأئمة الكبار من المتأخرين؛ كالإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى وغيره، وتفرده بهذا الحديث عن عبد الله بن زيد مع كثرة الفقهاء الذين يروون صفة الوضوء في حديث عبد الله بن زيد وغيره لم ترو هذه اللفظة فيه.

    الرد على من احتج بإخراج مسلم لسويد بن سعيد في تصحيح الحديث

    وأما من احتج بهذا الحديث بأنه قد رواه سويد بن سعيد و سويد بن سعيد قد أخرج له الإمام مسلم هل نقول بصحة هذا الحديث؟

    أولاً: سويد بن سعيد لا يُقبل ما يتفرد به، وما أخرجه له الإمام مسلم فليس في الأصول وليس مما تفرد به, ومن الإطلاقات التي يطلقها من يتكلم على أبواب العلل كون هذا الحديث وغيره عند أهل السنن أو المسانيد لرواة قد أخرج البخاري و مسلم لهم أحاديث، الأمر الذي يغفل عنه كثير من الباحثين والنقاد من المحدثين في هذا أنهم ينظرون إلى إخراج البخاري و مسلم لراو من الرواة في الصحيحين ويغفلون عما لم يخرجه البخاري و مسلم لهذا الراوي، فإذا قلنا أن الراوي من المكثرين, وأخرج له البخاري و مسلم حديثاً واحداً؛ فالأصل في هذا أنه جرح للراوي؛ لأن الراوي إذا كان من المكثرين بالرواية وممن يتفرد بالأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وله أحاديث كثيرة في الأصول, ولم يرو عنه إلا حديثاً واحداً، فهذا يعني أنه قد انتقى من حديثه هذا الحديث مع وفرة الحديث، ولهذا طالب العلم الذي يحكم على حديثٍ بإخراج البخاري و مسلم لراو في موضع ولا يعلم صفة الإخراج له, ويجهل حال الراوي كثرة وقلة في المرويات وكذلك نوع المخرج له؛ هذا نوع من القصور.

    فلهذا ينبغي لطالب العلم أن يسبر طريقة إخراج البخاري و مسلم للراوي، وأن يسبر أحاديث الراوي، فـسويد بن سعيد الذي صحح بعض المحدثين حديثه هذا الذي تفرد به بأن الإمام مسلم قد أخرج له في كتابه الصحيح نظر إلى إخراج الإمام مسلم لـسويد بن سعيد فقط, وقال: هذا تعديل، ودليل ذلك أن سائر مروياته صحيحة, وهذا فيه نظر، ولهذا إذا نظرنا للمخرج فينبغي أن ننظر للمتروك من حديثه، ولماذا ترك, ونوع ذلك الحديث المتروك؛ كحال بعض الناس إذا كان يحدث بأحاديث كثيرة ونحو ذلك ويوجد من يعتني بهذا الباب لا ينقل عنه شيئاً, وإنما ينقل عنه مثلاً خبراً واحداً، أو حكاية واحدة ونحو ذلك مع وفرة حديثه فهذا دليل على أن هذا المعتني لا يولي أحاديث أو أخبار أو حكايات فلان عناية, وأنها عنده في مرتبة الدون، ولهذا البخاري و مسلم كما أن إخراجهما لراو من الرواة تعديل فإنه قد يكون لراو من الرواة جرح.

    الضوابط التي ينبغي مراعاتها عند الحكم على الراوي بالجرح والتعديل ممن أخرج له الشيخان

    فإذا أردنا أن نتكلم على الجرح والتعديل نريد بذلك إلحاق الحكم براو من الرواة في غالب مروياته، والضوابط في ذلك عديدة:

    الأمر الأول: أن ينظر إلى المتن الذي قد أخرج فيه البخاري و مسلم لهذا الراوي هل هو من الأصول المتينة أم لا؟ فإذا كان من الأصول المتينة فإن هذا نوع تعديل، وإذا لم يكن من الأصول وإنما من جملة ما يؤخذ من الضعفاء من الفضائل والسير ونحو ذلك فهذا لا يؤخذ على أنه تعديل على الإطلاق، وإنما إذا اقترن بالأمر الثاني الذي سيأتي ذكره دل على أنه جرح.

    الأمر الثاني: إذا وجدنا البخاري و مسلماً قد أخرج لهذا الراوي مثلاً في الفضائل في موضع واحد، ولم يخرجا له فيما عداه، وله أحاديث كثيرة في الأحكام فإن المتروك من حديثه في الأحكام وعدم إخراج البخاري و مسلم له دليل على اطِّراحه فيما عدا هذا الباب، فيؤخذ جرحه في أبواب الأحكام من طريقة الصحيحين، ويؤخذ قبول روايته في مسائل الفضائل.

    الأمر الثالث: أن ينظر إلى كثرة حديثه, فالراوي الذي يخرج له البخاري حديثاً واحداً وله مئات الأحاديث فإن هذا دليل على ضعفه إذا أخرج الحديث في غير وفرة حديثه؛ كأن يكون مثلاً راو من المكثرين في أمور الأحكام وله مائتا حديث وأخرج له البخاري و مسلم حديثاً واحداً, فهذا دليل على أنه انتقى من حديثه واحداً, والواحد من المائتين قليل جداً، ولهذا ما تركت المائتان مع الحاجة إليها وهي في الأحكام إلا لضعف هذا الراوي, فكان إخراجه لهذا الراوي علامة على ضعفه لا علامة من علامات التعديل, فلهذا الذين يطلقون العبارات ويقولون: إن البخاري و مسلماً قد أخرج لهذا الراوي في الصحيح ويسوقونها مساق التعديل على الإطلاق هذا فيه نظر، بل يقال: إنه لا بد من النظر فقد يكون هذا الإخراج من علامات الطعن، فلا بد أن ينظر في الأمور السابقة ونحو ذلك.

    الأمر الرابع: أن يُنظر إلى الوجه الذي قد أخرج عنه البخاري و مسلم، فقد يكون لهذا الراوي جملة من الوجوه والطرق يروي به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإذا كان هذا الوجه الذي يروي عنه وجه يُقل الرواية فيه، والوجه الأكثر لم يخرج عنه البخاري دل على أن الأكثر معلول، والوجه القليل هو أقرب إلى الصحة.

    فلهذا نقول: إن هذا يتباين بحسب المتون, وبحسب الأسانيد, وبحسب الكثرة, وبحسب النوع, فهذه أربعة أمور لا بد من اعتبارها في الراوي الذي يخرج له البخاري و مسلم.

    وإذا أردنا أن نطلق فيما يخرج له البخاري و مسلم ضابطاً معيناً في أمر التعديل والتجريح فإننا مخطئون, لأننا لا نستطيع أن نقطع بذلك على كل راو بقاعدة مطردة؛ لتباين الرواة في هذه الأنواع الأربعة، فلدينا أنواع أربعة:

    أولها: المتون من جهة نوع هذه المتون التي أخرجها, ونوع المتون التي تركها.

    الأمر الثاني: ما يتعلق بها كثرة وقله.

    والأمر الثالث: ما يتعلق بوجوه الأسانيد التي أخرج فيها البخاري و مسلم, فإذا نظرنا إلى هذه الأنواع نجد أنه لا يكاد يتفق الرواة على هذه الأربعة, فتجد منهم المستكثر في باب، وتجد منهم من ليس له إلا وجه واحد، أو وجوه المرويات عنه متحدة, أو كذلك أيضاً بالنسبة لأنواع المتون التي يرويها فيرويها في باب واحد لا تختلف, وقد يكون ذلك له قرائن بالمتون الأخرى التي يخرج عنها البخاري مثلاً في خارج الباب, فمثلاً سويد بن سعيد الذي تفرد بهذا الحديث على هذا الوجه, لم نقبله؛ لأننا ذكرنا أن الأصل فيما يتفرد به سويد أنه مردود، وإن كان قد أخرج له مسلم.

    الأمر الأول: أنه لم يخرج له في الأصول.

    الأمر الثاني: أن لـسويد أحاديث في الأحكام يُحتاج إليها ومع ذلك لم يخرجها البخاري و مسلم .

    الأمر الثالث: أن سويد بن سعيد قد تفرد بهذا الحديث ولم يخرج هذا الحديث البخاري ولا مسلم مع وقوفهما على حديثه.

    كذلك أيضاً فإن الأئمة النقَّاد ممن عاصر سويد بن سعيد ينتقي من حديثه ولا يقبل حديثه جميعاً, فالإمام أحمد عليه رحمة الله ينتقي من حديث سويد بن سعيد ويأمر أبناءه بأن يسمعوه منه بعد الانتقاء وتحرير المرويات فيأمر أبناءه كـعبد الله أن يسمعوا من سويد , وفي هذا إشارة إلى أن صاحبي الصحيح ينتقون من مرويات الراوي، وانتقاؤهم من ذلك لا ينبغي أن يؤخذ على الاطراد أنه باب من أبواب التعديل، بل قد يكون تعديلاً من وجه وإعلالاً من وجه, وهو تعديل في باب من الأبواب الضيقة, وغالب من يخرج له البخاري و مسلم في باب حديثاً أو حديثين وهذا في الأغلب وليس بالكل والاطراد أنه معلول أو له روايات معلولة من وجوه أخرى.

    1.   

    حديث ابن عمر: (الأذنان من الرأس)

    الحديث الثالث: هو حديث عبد الله بن عمر , وهو بمعنى حديث عبد الله بن زيد و أبي أمامة ( أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: الأذنان من الرأس ).

    حديث عبد الله بن عمر رواه الحاكم و الدارقطني وغيرهم من حديث أسامة بن زيد الليثي عن نافع عن عبد الله بن عمر: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الأذنان من الرأس )، وهذا الحديث حديث ضعيف، فإن في إسناده أسامة بن زيد الليثي ولا يحتج به, ولكن هذا الحديث قد جاء موقوفاً على عبد الله بن عمر وهو صحيح بمجموع الطرق الموقوفة, فرواه عبد الرزاق في كتابه المصنف، والدارقطني من حديث عبد الله بن عمر العمري و عبد الله بن نافع عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: الأذنان من الرأس.

    وجاء عند ابن أبي شيبة متابعاً له من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن عبد الله بن عمر من قوله: الأذنان من الرأس, وهذه طرق يعضد بعضها بعضاً. فـالعمري و عبد الله بن نافع ضعفاء, و محمد بن إسحاق يقبل حديثه في الموقوفات وإن لم يصرح بالسماع ما استقام المعنى، وأيضاً فإنه يتساهل في الموقوفات مالا يتساهل في غيرها, وعلى هذا نقول: إن هذا الحديث حديث صحيح موقوفاً, وأما مرفوعاً فلا يصح.

    1.   

    حديث عائشة: (الأذنان من الرأس)

    الحديث الرابع في هذا: هو حديث عائشة بلفظ الأحاديث السابقة: ( الأذنان من الرأس )، وحديث عائشة رواه الطبراني و الدارقطني من حديث محمد بن الأزهر عن الفضل , و محمد بن الأزهر ضعيف, تفرد بروايته عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الأذنان من الرأس )، و محمد بن الأزهر متروك الحديث لا يحتج بحديثه.

    1.   

    حديث أبي موسى: (الأذنان من الرأس)

    الحديث الخامس: حديث أبي موسى , وهو بلفظ الأحاديث السابقة وجاء من حديث الحسن البصري عن أبي موسى عبد الله بن قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الأذنان من الرأس )، و الحسن البصري لم يسمع من أبي موسى شيئاً، و الحسن البصري يدلس عن الصحابة ممن لم يسمع منهم.

    ويوصف الحسن بالتدليس والمقصود به أحد أنواع التدليس وهو بالمروي عن الصحابة ممن لم يسمع منهم شيئاً، وتقدمت الإشارة معنا إلى شيء من ذلك إلى أنه ينبغي لطالب العلم في مسائل التدليس ألا يطلق الرد لكل مدلس، وإنما ينظر إلى نوع التدليس الذي يوصف به، فبعض الرواة تدليسه خاص براو، والحسن البصري تدليسه خاص بمن لم يسمع من الصحابة، وما سمع منهم فلا يدلس عنهم؛ وذلك أنه يتجوز أن من عاصره يعلم أنه لم يسمع منهم شيئاً، فينسب المرويات إليهم، وإذا وجدنا رواية لم يصرح فيها بالسماع عن التابعين فلا نردها بالتدليس؛ لأنه سمع منهم وعاينهم, ورد مروياته بالتدليس فيه نظر.

    1.   

    حديث ابن عباس: (الأذنان من الرأس)

    الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس , وهو كذلك أيضاً بلفظ: ( الأذنان من الرأس )، وحديث عبد الله بن عباس يرويه البزار و الدارقطني من حديث ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الأذنان من الرأس )، وهذا الحديث قد اختلف في وصله وإرساله, والصواب فيه الإرسال, وذلك أن الأصح فيه رواية ابن جريج عن سليمان بن موسى مرسلاً, صوبه الدارقطني وغيره.

    وأما رواية الوصل فإنه قد تفرد بها أبو كامل و الربيع بن بدر عن ابن جريج , فيروونه عن غندر محمد بن جعفر عن ابن جريج به موصولاً, وهو خطأ, فـالربيع بن بدر متروك الحديث، و أبو كامل ممن لم يحتج بتفرده عن ابن جريج , فحديث ابن جريج له في البصرة، وابن جريج ما يحدث به في البصرة فيه وهم وغلط، وما يحدث به في مكة فأحاديثه منضبطة, وهي أتقن المرويات.

    1.   

    حديث الصنابحي: (خرجت ذنوبه من أذنيه)

    الحديث السابع: حديث عبد الله الصنابحي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا توضأ أحدكم فغسل كفيه خرجت ذنوبه من كفيه مع آخر قطر الماء, حتى ذكر جميع أعضاء الوضوء وذكر منها: وخرجت ذنوبه من أذنيه )، وجاء في رواية: ( حتى تخرج ذنوبه من أذنيه )، هذا الحديث رواه الإمام مالك في كتابه الموطأ, وعنه الإمام أحمد و النسائي في السنن عن الإمام مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث حديث صحيح.

    القرائن الدالة على عدم حفظ زيادة: (حتى تخرج ذنوبه من أذنيه)

    وذكر الأذنين فيه غير محفوظ, وهي أن الذنوب تخرج من آخر قطر الماء من الأذنين؛ وذلك لأسباب:

    أولها: أن الصنابحي تابعي متقدم لم يدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسماه الإمام مالك : عبد الله الصنابحي والصواب أنه أبو عبد الله الصنابحي , وقد وهَّم غير واحد من الحفاظ الإمام مالك كـالبخاري ؛ أنه جعل اسمه عبد الله وهو معروف بكنيته.

    ثانيها: أن هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في كتابه الصحيح من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وذكر فيه خروج الذنوب مع آخر قطر الماء ولم يذكر الأذنين، وكذلك هذا الحديث قد أخرجه الإمام مالك في كتابه الموطأ عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وليس فيه ذكر الأذنين.

    كذلك أيضاً فإن هذا الحديث قد أخرجه الإمام مسلم من حديث عمرو بن عبسة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو حديث أبي هريرة ولم يذكر فيه الأذنين.

    وهذا الحديث إنما قلنا بنكارة الأذنين فيه؛ لأنه ذكر في الحديث أن الذنوب تخرج من أذنيه, ( حتى تخرج الذنوب من أذنيه )، وفي بعض ألفاظ الأحاديث: ( مع آخر قطر الماء )، يؤخذ من ذلك أن الأذنين تغسل؛ لوجود قطر الماء فيها, وهذا حجة لمن قال بأن الأذنين تأخذ حكم الوجه، لا تأخذ حكم الرأس، وإذا أخذت حكم الرأس فإنها تمسح مسحاً، ومعلوم خلاف الفقهاء في ذلك على عدة أقوال، وقد جعل بعض العلماء حديث الصنابحي أقوى من حديث (الأذنين من الرأس) في مسألة الاحتجاج كالنسائي عليه رحمة الله، فإنه لم يخرج في كتابه السنن حديث الأذنين من الرأس, وإنما أخرج حديث الصنابحي ؛ لأنه يرى أنه أقوى إسناداً, ومعلوم شرط النسائي وشدته في كتابه السنن، ولهذا ينبغي لطالب العلم في مسائل العلل إذا أراد أن يتكلم على الأحاديث أن ينظر وأن يلتمس إخراج النسائي ووجه الإخراج, وكذلك السياق الذي أخرجه فيه, وكلام النسائي أيضاً بعد إخراجه للحديث.

    ثالثها: أن مسح الأذنين لا يثبت فيه أمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل الأذنان إذا قلنا: إنها تأخذ حكم الرأس فإنه يلزم من ذلك أن نجعلها كحكم الرأس في وجوب المسح ومن يتمسك بهذا ممن يقول بمسح الأذنين وجوباً من المتأخرين محجوج بعدم فعل السلف، ومحجوج أيضاً بعلة في الحديث, وقد تقدمت الإشارة إليها مراراً وهي أن هذا الحديث مما تعم به البلوى، فالأذنان يمسحهما الإنسان في اليوم والليلة كثيراً, ولو كانت واجبة لوجب أن يرد فيها النص كما ورد في اليدين والوجه، خاصة إذا قلنا: إن من ترك المسح بطل وضوءه؛ كقول الزهري ، ولهذا يقول ابن عبد البر عليه رحمة الله في كتابه الاستذكار: لا أعلم أحداً من السلف قال: إن من ترك مسح الأذنين يبطل وضوءه إذا تركها عمداً إلا الزهري , و الزهري مع كونه مدنياً إلا أنه تابعي متأخر ولم يسبق إلى هذا القول, وهذا من وجوه التعليل.

    وكذلك ما تقدمت الإشارة إليه في بعض المسائل التي تقدمت معنا أن من وجوه إعلال الأحاديث أن يُنظر في القائل بالمتن, وألا ينظر إلى صحة المتن وأنه إذا لم يصح العمل به فإن هذا من قرائن التعليل لا من النص, فقد يصح الحديث ويكون منسوخاً, لكن نقول نحن في هذا: كون الحديث مرفوعاً لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه جاء موقوفاً من طريق ثلاثة كلهم عن نافع عن عبد الله بن عمر.

    وإذا قلنا بعدم ثبوته من جهة الفتوى عن السلف لا من الصحابة ولا من التابعين فإنا نقول: بأن هذا من قرائن التعليل، ولهذا يقول إبراهيم النخعي : لا أبالي بحديث يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعمل به أحد من الصحابة أن أرمي به، والمراد من هذا إما أنه مدخول بعلة من العلل, أو أن يكون منسوخاً لا يُعمل به, وكثير من الأقوال الحادثة عند المتأخرين سببها أنهم نظروا إلى المتون وأهملوا أقوال القرون المفضلة, فنظروا إلى المتن فاستنبطوا منها أحكاماً، ولهذا يوجد أحاديث صحيحة لم يعمل بها السلف، ويوجد أحاديث ضعيفة عمل بها السلف واتفقوا عليها, وهذه من الأمور التي ينبغي أن تضبط حتى لا يضطرب الإنسان فيها، وثمة تلازم في أمور العلل بين أمر الرواية وبين أمر الدراية، ولهذا نقول مراراً: إن الرواة على نوعين: راوٍ دارٍ, يعني: يدري, فقيه حافظ، وراو ليس بدارٍ وهم الأكثر فنقلة الرواة أكثر من الفقهاء الذين يروون، والذين يروون يحفظون مع فقههم قليل منها، ولهذا تجد كتب الرجال دواوين ضخمة من الرواة فيها مئات وآلاف, ولكن إذا أردت أن تخرج الفقهاء أخرجتهم في أوراق معدودة، وهذا ما ينبغي لطالب العلم أن يضبطهم حتى يميز بين الراجح والمرجوح في أمور المرويات.

    رابعها: ومن وجوه التعليل - وهذه قرائن تقدمت معنا في هذا الحديث في مسألة الأذنين من الرأس ولها صلة في بابنا هذا - أن هذه الأسانيد التي جاءت في الأذنين تتضمن رواة فقهاء, يعني: أن هذا اللفظ مر من عندهم, منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلماذا لم ينقل عنهم القول بالوجوب؟ ومثل هذا في الرواة الحسن البصري فهو يرويه عن أبي موسى و عطاء يرويه عن عبد الله بن عباس، وابن جريج يرويه عن عطاء وهؤلاء من الفقهاء، ومع ذلك لم يرو عن واحد منهم القول بوجوب مسح الأذنين، فدل على أن هذا الحديث إما لم يصح إليهم، أو صح عنهم ورأوا عدم العمل به، ولهذا لا بد من استخبار حال الراوي وتمييزها, هل هو من الفقهاء؟ وهل نقل عنه شيء يخالف هذا أو لم ينقل عنه؟ خاصة أن هذه المسألة لا بد أن يخرج فيها قول؛ لأن مسائل يسيرة في مسألة الوضوء, كثر فيها كلام السلف، بل تعدوا إلى ما هو أبعد من ذلك, إلى صفة التيمم التي ربما يكون الإنسان حتى في السابقين يمر عليه مثلاً الشهر ما احتاج إلى تيمم، فكيف بمسح الأذنين الذي يحتاجه في اليوم خمس مرات ثم يتكلمون على تفاصيل وجزئيات في مسائل الوضوء وكذلك الخفين ويدعون ما يعملونه في كل وضوء أكثر من مرة لمن أراد أن يثلث فضلاً عمن يعملها في اليوم والليلة جملة أو أكثر من خمس مرات؟ فلهذا ينبغي لطالب العلم في حال نظره لإسناد من الأسانيد أن يلتمس الفقهاء فيه ثم يبحث في فقههم.

    خامسها: أن هذه الأسانيد شرقت وغربت، فيوجد فيها المدني ويوجد فيها العراقي ويوجد فيها الشامي ومع ذلك لم يرو عن واحد منهم أنه قال بوجوب مسح الأذنين مع تعدد وتنوع الأسانيد, وإذا دخل الحديث بلداناً متعددة ولم يعمل به أحد دل على ضعفه، فإذا كثرت عندك الطرق لحديث من الأحاديث ثم لم تجد به عملاً تستنبط أنها كلما كثرت الطرق قويت قرائن النكارة؛ لأنه دخل بلداناً وما عمل به, فدل على النكارة، ولهذا العلماء كما أنهم يقوون الأحاديث بمجموع الطرق ربما أنكروا أحاديث بمجموع الطرق، خاصة أنها بلدان مليئة بالفقهاء, والمرويات في ذلك كثيرة عنهم في مسائل الفقه ومسائل الطهارة, فدل هذا على نكارة ما يروى عنهم في هذا.

    ورود حديث خروج الذنوب من الأذنين في الصحيح

    فإن قيل: هل ورد في الصحيح أن الذنوب تخرج من الأذنين عند مسحهما؟

    قلنا: لا, أصله في الصحيح من حديث أبي هريرة و عمرو بن عبسة , وليس في الصحيح من حديث الصنابحي وإنما هو في الموطأ.

    لكن أصله في الصحيح فيما عدا ذكر الأذنين في روايات محفوظة, وصح فيه حديث الصنابحي فيما عدا الزيادة؛ لأن أصله في الصحيح من حديث أبي هريرة وحديث عمرو كما تقدم, فدل على صحته, لكن ذكر الأذنين فيه غير محفوظ, وهذا يدل على أن مالك بن أنس لا يروي من المرسلات إلا ما صح مجموعه عنده, تجد له أصلاً, سواء من البلاغات أو المعلقات ونحو ذلك.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.