إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [38]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر الله عز وجل أنه لا حرج في الطلاق قبل المساس وهو الجماع، ولكن الحكم يختلف بحسب حالة المطلقة غير المدخول: فإما أن يكون قد فرض لها مهر فلها نصف ذلك المهر، وإما أنه لم يفرض لها مهر وبالتالي يكون عليه أن يمتعها بحسب وسعه؛ وذلك جبراً لخاطر تلك المطلقة، كما أن في قوله تعالى: (ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) دليل على صحة عقد النكاح ولو لم يسم المهر، وفيه إشارة إلى وجوب المهر.

    1.   

    قوله تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة...)

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:

    سبب ذكر حكم المطلقة المدخول بها قبل ذكر غير المدخول بها

    فذكر الله سبحانه وتعالى حال المرأة المطلقة بعد دخول زوجها, وذكر الله سبحانه وتعالى عدتها, وذكر حالها بعد وفاة زوجها, وما يلزم من ذلك من أحكام تتعلق بالزوجة, وكذلك ما يجب على الزوج في حال طلاقه لزوجته.

    لما ذكر الله سبحانه وتعالى حال المرأة التي يدخل بها, ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك المرأة التي يعقد عليها زوجها, لكنه لا يقوم بالدخول بها, فهي زوجة له ولكن وقع عليها طلاق, ولكن هذا الطلاق كان قبل الدخول بها.

    أولاً: قدم الله سبحانه وتعالى ما يتعلق بعدة المرأة وأحكامها فيما بعد الدخول بها, وتقديم الله عز وجل لهذه الأحكام؛ لأن هذه السورة هي أكثر ما تعم بها البلوى, وذلك أن المرأة المطلقة تكون على حالين:

    الحالة الأولى: مدخول بها وهي الأغلب, أن المرأة يتزوجها زوجها ثم يقوم بالبناء بها, وهذا هو الغالب من حال النساء.

    الحالة الثانية: أن يطلقها زوجها قبل أن يبني بها أو يختلي بها, وهذه حالات عارضة, ولما كانت البلوى والغالب في أحوال الطلاق, أنه يكون بعد الدخول, قدًّم الله عز وجل ما يتعلق بأحكام المطلقة بعد الدخول, وذلك من عدتها ومهرها, وما يتعلق بمتعتها, وما يجب بينها وبين الزوج, من صلح وما ذكر الله عز وجل من عدد الطلقات, وكذلك من مسألة الخلع, وكذلك في بينونة المرأة من زوجها, وحكم تعريض من رغب نكاحها بعد وفاة زوجها في عدتها.

    ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك الحالة الثانية وهي الأقل وقوعاً, وهذا من إحكام القرآن, أنه يذكر الحالة العامة والغالبة ويصدرها, ثم يأتي بعد ذلك بالنادر, وهذا له في القرآن أسلوبان.

    الأسلوب الأول: أن الله سبحانه وتعالى يذكر ما تعم به البلوى في الأغلب, وما يكثر وقوعاً، وهذا هو الغالب.

    الأسلوب الثاني: أن الله عز وجل يذكر العارض وقليل الوقوع, ويقدمه على غيره, أو يخصه بالذكر ولا يذكر غيره, وسبب هذا: أنه مظنة الجهل, وأما ما عداه فللعلم به, وهذا ظاهر في ذكر الله سبحانه وتعالى هنا لمتعة المطلقة قبل الدخول بها, وذلك أنه يغلب على الظن أن المرأة لا حق لها على زوجها إذ طلقها قبل أن يبتني بها, فهما لم يخسرا شيئاً؛ ولهذا لا يظن أن يكون بينهما عوض, فيذكر الله سبحانه وتعالى ذلك على سبيل التنصيص؛ بياناً لأهميته.

    صحة الطلاق قبل الدخول

    في قوله سبحانه وتعالى: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة:236], ذكر الله عز وجل الطلاق ورفع الحرج في مثل هذا؛ إشارة إلى صحة الطلاق في مثل هذه الحال, وذلك أن الله عز وجل رفع الحرج فلا يجب على الزوج ألا يطلق زوجته إلا وقد دخل بها فلا حرج في ذلك, وحتى لا تكلف النفوس ما لا ترغب ولا تود, وذلك أن الرجل ربما يخطب امرأة, فإذا دنا منها أو دنا من أهلها لم تتشوف نفسه للدخول بها, فانصرافه عنها قبل البناء بها أولى من انصرافه عنها بعد ذلك, وما يتبع ذلك من مفاسد, فجاءت الشريعة بالتخفيف والتيسير في هذا الباب.

    ذكر الله سبحانه وتعالى هنا تطليق النساء, وهي شاملة لجميع أنواع النساء, سواء كانت مسلمة أو كافرة, أعني: كتابية يهودية أو نصرانية, أو كانت حرة أو أمة, يعني: إذا عقد الإنسان على أمة وتزوجها ولما يدخل بها, فهي داخلة في هذا العموم.

    من الأسماء التي يكنى بها عن الجماع

    قال الله سبحانه وتعالى: مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة:236], ذكر الله جل وعلا هنا المس, ويكنى عن الجماع بعبارات, تارة يكنى عنه بالرفث, وتارة باللمس, وتارة بالمس, ويكنى عنه بالنكاح, ويكنى عنه بالوطء, وجاء في جملة من المعاني أيضاً في سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    ذكر الله عز وجل هنا المس والمراد به الجماع, كما فسر هذا غير واحد من السلف, فقد جاء عن عبد الله بن عباس و طاوس بن كيسان و إبراهيم النخعي , و الحسن البصري من مفسري السلف.

    وهل المراد بذلك هو المسيس بعينه باعتبار أن المقصود في ذلك هو نفي الجماع فإذا بنى الرجل بامرأته من غير جماع فإنه لا يدخل في هذا المفهوم؟

    نقول: إن المراد بذلك الأغلب, فنصوص الأحكام إنما ترد على الأغلب, فلو أن رجلاً خلا بامرأته ومكن منها إلا أنه لم يقربها, فهل يدخل في هذا الباب أم لا؟

    نقول: الأصل في آي القرآن أنها تحمل على الغالب, ويجب للزوجة من ذلك ما يجب لغيرها؛ وذلك أنه لا حد لهذا, لخلوة الرجل بامرأته إذا لم يمسها, فربما بقيت المرأة مع زوجها يوماً.. شهراً.. شهرين, سنة أو نحو ذلك, ولم يمسها, فهل الحكم في ذلك يتغير أو لا يتغير؟

    نقول: إذا خلا بها ومكن منها ولو لم يمسها, فإن الحكم في ذلك واحد, والتعلق بالمسيس هنا باعتبار الأغلب, وأنه حق شرعه الشارع له, ولما لم يقع منه لا يعني سقوط ذلك الحق من جهة الزوجة.

    أحوال المرأة غير المدخول بها

    وقوله جل وعلا: مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة:236].

    ذكر الله سبحانه وتعالى هنا المسيس, والمراد بذلك هو الدخول والتمكن من الزوجة, وهذا على ما تقدم أن المرأة المطلقة على حالين: إما مدخول بها وإما غير مدخول بها, وهنا ذكر الله عز وجل المرأة التي لم يدخل بها, ولم يبن بها, وهذه المرأة التي لم يبن بها على حالين:

    الحالة الأولى: امرأة قد فرض لها مهراً معلوماً, وهذه المرأة التي فرض الزوج لها مهراً معلوماً ثم طلقها قبل أن يدخل بها ويمسها, فإنه يجب لها عليه نصف المهر الذي قدره.

    وأما الحالة الثانية: وهي أن الرجل عقد على امرأة ولم يدخل بها ولم يضرب لها مهراً محدداً, ويسميها الفقهاء: المفوضة, يعني: جعل أمرها مفوضاً من جهة المهر.

    في مثل هذه الحال بين الله سبحانه وتعالى أن الذي يجب لها على زوجها المتعة, والمراد بذلك هو أن يعطيها شيئاً غير مقدر, وهذا الشيء جاء وصفه في الشريعة أن المراد بذلك هو على سعة الإنسان فلا يضيق عليه.

    لماذا شدد الله سبحانه وتعالى وحسم أمر المهر إذا كان مقدراً بالنصف, وجعل أمر المهر إذا كان مفوضاً وليس بمقدر جعله إلى الزوج على حسب حاله؟.

    العلة التي تظهر لي في هذا, أن الزوج إذا لم يضرب للمرأة مهراً معلوماً, فهذا يعني نوع من التسامح بين الزوجين ابتداء, أن العقد تم ولم يضرب في ذلك مهر, فكان ثمة تسامح وتقصير من الزوجة أن تأخذ حقها تاماً, فيبقى الأمر على ما هو عليه من التيسير والتسامح, والله جل وعلا قادر على أن يجعل متعة المرأة إذا لم يضرب لها زوجها مهراً, أن يكون نصف مهر مثلها, ويبقى ذلك حكماً, وهذا من الأحكام المعلومة, ولكن لما كان ضبط المثلية فيه نوع صعوبة, والأمر من جهة العقد بينهما أنه عقد ولم يسم المهر, دل على وجود التسامح بين الزوجين, وربما يكون هذا نوع تفريط من الزوجة؛ لأن المهر حظ لها, ففرطت في هذا الجانب ولم يقصر الزوج؛ لأن المهر يكون طلباً من الزوجة، هذا هو الأصل, ووليها كذلك من جهة ضربه, فلما لم يضربوه دل على شيء من التسامح, وهذا يوكل إليهما بعدم التشديد فيه, فلم يضرب الله عز وجل في ذلك أمراً معلوماً للتفريق بين الحالين, فلم يشدد الله عز وجل في ذلك, وجعل الأمر يبنى على التسامح كما بدئ به.

    والله سبحانه وتعالى إنما جعل للمرأة الحق في المهر إذا لم يدخل بها زوجها إنما عقد عليها, ولم يدخل بها ثم طلقها, جعل الله عز وجل لها في ذلك حقاً, وهذا الحق على ما تقدم: إما أن يكون مسمى ولها النصف, وإما لم يسم فلها المتعة.

    العلة في هذا فيما يظهر والله أعلم, أن فيه جبر خاطر للزوجة, وكذلك فيه دفع للإساءة للزوجة, التي ربما يكون في بعض نفوس الرجال، من الأذية لها أو الأذية لأهلها, وهو ضرب من ضروب الزجر والتأديب والحق أيضاً, وهذا هو الأصل أنه حق للزوجة وتمتيع لها.

    ومن العلل في هذا: أن المرأة حتى لا يفوت حظها من جهة النفقة عليها, فهي محبوسة لهذا الزوج, فلما حبست له فهي أحق أن تمتع من قبله, أولى من أن تمتع من أبيها وكذلك من زوج آخر بعد ذلك, فجعل الشارع لها حقاً من جهة زوجها الذي طلقها ولو لم يدخل بها.

    وكذلك أن فيه حفظ لكرامة المرأة, ألا يدنو إليها الرجل ولو بعقد من غير دخول إلا بحق.

    وهذا فيه قرينة على ما يذكره الفقهاء, أن التأديب للضرر المعنوي سائغ وهذا خلاف عند الفقهاء, يختلف الفقهاء في مسألة الضرر المعنوي, إذا أنزل الإنسان ضرراً معنوياً على أحد, هل يعاقب عليه أم لا؟

    هذه المسألة خلافية, والصواب أن الضرر المعنوي له جزاء, وهذا قضاء به جماعة من السلف, قضى به عمر بن الخطاب عليه رضوان الله, روي في معناه بعض الأحاديث المرفوعة, ولا أعلم من خالفه صريحاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهنا لما تقدم الرجل إلى الزوجة وطلقها قبل أن يدخل بها, هذا فيه إما هدر لكرامتها, أو صد لزوج يرجوها ثم امتنع عن ذلك, كذلك فإن الرجال لا يرغبون المرأة التي خطبت ثم تركت، تختلف عن غيرها, فكان ذلك عوضاً لها عن هذا, وهذا من العلل من جهة أصل التشريع.

    النكاح بدون تسمية المهر

    وكذلك في قول الله سبحانه وتعالى: مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة:236], في هذا إشارة إلى معنى أن النكاح يصح بلا تسمية مهر, وأن الرجل لو دخل بزوجته ولو يسم مهراً, فهذا نكاح صحيح, وهذا الذي عليه عامة العلماء, لكن لا يسقطون المهر, يدعون تسميته, لكن لا يتواطئون ويبيتون عدم وجود المهر إطلاقاً, لكن لو قالوا بالمهر ولكن يفوض الأمر بعد ذلك, فلو تزوج الرجل ثم دخل بامرأته بعد ذلك فنكاحه في هذا صحيح, لأن الله سبحانه وتعالى جعل الرجل الذي يعقد على امرأته ثم يطلقها قبل أن يمسها جعل طلاقه صحيحاً, والطلاق لا يقع إلا من زواج صحيح, وسماه الله عز وجل طلاقاً, والطلاق لا يقع إلا من زوج, دل على أن العقد تم بوجه صحيح, وهذا هو قول عامة الفقهاء, على أن المهر يفوض, ولا حرج في ذلك بإذن الله تعالى.

    وجوب المهر

    وهنا في قوله جل وعلا: مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة:236], في هذا قرينة على وجوب المهر من جهة الأصل, سواء كان مقدراً أو غير مقدر, وذلك أن الله عز وجل سماه فريضة, وهذا من قرائن الوجوب, وقوله جل وعلا: أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة:236], في هذا قرينة, على أن فرض المهر يكون من الزوج ابتداءً, والقبول يكون من الزوجة ووليها, وكأن أمر المهر موكول إلى كرامة الزوج وشأنه, باعتبار أنه ضرب من ضروب القوامة, قال: مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة:236].

    فجعل الله عز وجل ذلك فيه نوع عطف على المس, والمسيس يكون من الزوج, قال: مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة:236], كذلك أن المبادرة من جهة الفرض يكون من الزوج, وهو الذي يفرض, ثم يكون القبول من الزوجة.

    التيسير في مهور النساء

    وفي هذا مبدأ التيسير الذي يكون في مهور النساء, أن الأمر يوكل إلى الزوج ابتداء, ائت بما تشاء من غير كلفة, حتى لا يقدر عليه شيء ثم يكون في ذلك كلفة عليه؛ ولهذا جعل الله عز وجل ذلك: مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ [البقرة:236].

    (تفرضوا لهن) يعني: أنتم, ولم يقل: يفرض عليهم, هذا فيه إشارة إلى قوامة الرجل, وأنه ينبغي أن يكون ذلك مبادرة منه, وكذلك إلى الأولياء والزوجة, ألا يشق على الزوج بضرب المهر ابتداء, فربما كان ذلك شاقاً, وإنما يوكل إلى قدرته.

    وكذلك هذا ظاهر أن الله عز وجل وكل متعة الزوجة بعد طلاقها إلى قدرة الزوج, وهذا ضرب من ضروب التيسير, وذلك أن الزوج إذا قدر مهراً, يعني: أنه قادراً على ذلك, ففرض للزوجة مهراً معلوماً, فطلقها قبل الدخول بها فلها النصف, وذلك أن الزوج لم يفرض هذا المهر إلا وهو قادر عليه, ويقدر على نصفه من باب أولى, فللزوجة من ذلك النصف.

    ولما لم يسم مهراً, ثم طلقها قبل الدخول بها, وعدم التسمية قرينة على عدم الجدة, وهذا شيء من التفويض, وذلك أنه لا يجد, والرجال يبادرون إلى إكرام الناس, وهو إعطاء المرأة المهر, ولكنه في حال امتناعه وتفويضه, هذا قرينة على عجزه ابتداءً، وكأنه فوض إلى ما بعد ذلك, وجعل الله عز وجل بعد ذلك أمراً إلى التيسير بلا حد ولا أجل, ولهذا يقول العلماء: إن المهر يجب من الزوج للزوجة بحالين.

    الحالة الأولى: بالفرض, إذا فرضه وجب عليه, وجب إذا سمى مهراً, إما أن يجب من الزوج على الزوجة تاماً بعد دخوله, وإما أن يجب النصف ولو لم يدخل.

    إذاً: مقداره وضابطه الشرعي في ذلك يجب في الفرض.

    الحالة الثانية: إذا مس الزوج الزوجة وجب لها عليه مهر المثل, وبه يجب على الزوج أن يدفع الفريضة, وذلك على الحالين.

    متعة المطلقة

    وقوله سبحانه وتعالى: أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ [البقرة:236].

    ذكر الله سبحانه وتعالى هنا بدل وعوض الفريضة, وهي أن الإنسان لم يسمها, ذكر الله عز وجل بدل ذلك المتعة, وهي متعة المطلقة, والمطلقات على أحوال, على ما تقدم معنا: مدخول بها وغير مدخول بها, والمطلقة المدخول: بها, إما أن تكون بطلاق بائن أو بطلاق غير بائن, وكذلك المختلعة تدخل في هذا الباب, والملاعنة هل يجب لها متعة أو لا يجب لها متعة؟ يأتي بإشارة إلى هذا.

    الله سبحانه وتعالى هنا ذكر حالة واحدة من أمور الطلاق, وهي: المرأة التي يطلقها زوجها قبل أن يدخل بها, ولم يسم لها مهراً, هذا الوصف الذي ذكر الله عز وجل وذكر متعته في هذه الآية, وأمر بمتعة المرأة بمثل هذه الحال, وهي أخص حالة جاء فيها متعة النساء, وجاءت الآيات الأخرى على سبيل العموم, سواء في آية الأحزاب, أو في تمتيع النبي عليه الصلاة والسلام لأمهات المؤمنين, ويأتي بإشارة إلى هذا.

    هذه المتعة إنما هي خاصة بهذه الصورة, وجاءت على سبيل الوجوب, وبهذا نأخذ ونقول: إن المتعة آكدها هي هذه المتعة, آكد أنواع متعة المطلقة هي هذه؛ لأن قرائن القرآن أن ما خص من أحوال عامة دليل على أهمية المخصص, وأما ما جاء المعنى فيه عاماً, فهذا دليل على إما وجوبه, أو مشروعيته على سبيل العموم, لكن تأكيد التخصيص أولى, وهذا كقول الله عز وجل: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238], ذكر الوسطى دليل على تأكيدها, وذكر الله عز وجل لصلاة بعينها من دون الصلوات, كصلاة الفجر وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78] وكذلك ما يتعلق بصلاة الليل, ذكر الله عز وجل فضلها, وكذلك الاستغفار بالليل, وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ [آل عمران:17]، دل على أن هذا التخصيص أفضل من غيره وآكد, وهنا في ذكر الله سبحانه وتعالى في هذا الموضع, دليل على أن آكد أنواع المتعة هي متعة المطلقة من غير دخول ولا فرض مهر.

    وهذا على ما تقدم إنما هو بيان من الشارع أن مثل هذه الحالة ربما يضيعها صاحبها لغلبة الظن من جهة النظر, أن هذه المرأة لا حق لك عليها ولا حق لها عليك, أنك عقدت عليها ثم تركتها, لم تبتن بها بدار, ولم تمس منها شيئاً, فلا حق بينكما, ويغلب على ظن الناس أن مثل هذا الأمر لا يكون بين الناس, فيفرطون في هذا الباب, فجاء الشارع مبيناً مثل هذا الحكم, حتى لا يفوت.

    بخلاف المرأة التي ابتنى بها زوجها وربما كان لها ذرية, حقها وحق ذريتها, النفوس والشيم تدفع الإنسان إلى القيام بذلك, بأداء حق العشرة وأداء حق الذرية, وما كان بينهما, فيكون من الزوجين من حسن المعشر, وسابق العهد ما يدفع الإنسان إلى الوفاء بما كان بينه وبين زوجه في مثل هذا, ولكن لما لم يكن بين الزوجين صلة, أدعى إلى عدم الإتيان بشيء أو مبادرة الزوج بشيء من المتعة في مثل هذه الحال, فخص الله جل وعلا هذه الحال وأكدها, ويسر على الزوج المتعة, فجعل ذلك بالنظر إلى حال الزوج لا بالنظر إلى حال الزوجة.

    أن متعة المرأة المفوضة ينظر إليها إلى قدرة الزوج أو حاجة الزوجة, ولهذا الله جل وعلا يقول: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ [البقرة:236], لماذا وكل الأمر إلى الزوج, ولم يوكل إلى حاجة المرأة؟

    نقول: إن المهر إنما هو للمرأة, فلما فوضت ابتداءً, وقبلت بالعقد بلا مهر, فهذا دليل على تسامحها وتفريطها بحقها, فيرجع بهذا المبدأ إلى التيسير على الزوج, وعدم المشقة عليه, فأنت لم تشق أيها الولي والزوجة على الزوج ابتداءً, بتحديد مهر، فلن يشق الله عز وجل عليه وقد ابتدأ التسامح منك, فكان هذا مقتضى التيسير من الله سبحانه وتعالى على عباده.

    وهنا الأمر كما فوض إلى الزوج بحسب قدرته, اختلف العلماء عليهم رحمة الله في جملة من المسائل في متعة المطلقة.

    وجوب المتعة للمطلقة

    أولاً: في مسألة وجوب المتعة هذه هل هي واجبة؟ وإذا كانت واجبة هل هي واجبة على كل مطلقة, وإنما يختلف مقدار الوجوب, أم هي مستحبة؟

    ثم في حال الخلاف في قدرة الإنسان وسعته, ربما يكون الإنسان بخيلاً ويأتي بشيء ويقتر, وهو قادر على ما هو أوسع من ذلك, فهل للقاضي والحاكم أن يفصل ببيان مقدار في هذا الأمر؟

    السلف الصالح عليهم رحمة الله اختلفوا في بيان متعة المطلقة المفوضة بلا دخول, منهم من ذكر مراتب المتعة, ومنهم من جعل في ذلك قدراً معلوماً, جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله كما روى عكرمة عن عبد الله بن عباس أنه قال: متعة المطلقة أعلاها خادماً, أن يجعل لها خادماً, وأوسطها ورق, يعني: من الفضة أن يدفع لها مالاً, وأدناها كسوة, يعني لباس.

    وجاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى, شبيهاً بهذا من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس كما رواه ابن جرير الطبري .

    وجاء عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله أنه جعل متعة المرأة المطلقة ثلاثين درهماً, وجاء هذا القول عن بعض الفقهاء, وهو قول للإمام الشافعي عليه رحمة الله.

    من الأئمة من قال بإلزام الزوج عند النزاع بمقدار معين, منهم من جعل ذلك المقدار هو ما يشابه نصف مهر المثل, ومن العلماء من قال: لا يقال بإلزامه بذلك, وإنما يكون بذلك هو شبيه بالنفقة, وهل هي معلومة من جهة الأمد, هل ينفق عليها لباساً لشهر أو لشهرين؟

    نقول: هي مرة واحدة, ولا يجعل في ذلك إلى أمد طويل حتى تجد زوجاً, هذا فيه المشقة على الأزواج ما هو ظاهر, ولكن نقول: إن المرأة المفوضة والمطلقة بمثل هذا, لا عدة عليها, وإنما يجب على زوجها أن يمهرها نصف المهر إذا فرض لها, وإذا لم يفرض فإنه يمتعها متاعاً مرة واحدة, إما أن يعطيها مالاً, وإما أن يعطيها كسوة وطعاماً مرة واحدة, بما يكفيها وبما يغلب على الحال أن تجد زوجاً بعد ذلك.

    وينظر في ذلك إلى جدة الإنسان وإلى عرف الناس في أمر النساء.

    وبالنسبة للمتعة من جهة وجوبها, هل هي مشروعة, فتوسع الشارع في مشروعيتها فلم يفرضها, وهل هي فريضة؟ وهل هي فريضة على نوع دون نوع؟

    تقدم معنا أن آكد أنواع المتعة هي هذا النوع, هي متعة المرأة المفوضة؛ لأنها تكون مكسورة, وكذلك جبراً لها, ودفعاً للأذية الطارئة عليها, وكذلك دفعاً للمفسدة التي ربما جاءها زوج فامتنع لوجود هذا الزوج, وكذلك فإن المرأة المدخول بها قد أخذت حقاً وهو نصف, أخذت المهر كاملاً, ومن سمي لها ولم يدخل بها أخذت نصف المهر, فهذه لا بد من حق لها ظاهر.

    اختلف العلماء عليهم رحمة الله في وجوب المتعة على عدة أقوال:

    القول الأول: منهم من قال: إن المتعة واجبة على سبيل الإطلاق بجميع أنواعها لكل مطلقة, وذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل للمطلقات حقاً في ذلك عموماً: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ [البقرة:241], فجعل الله عز وجل حقاً لهن، وهذه هي المتعة بجميع أنواعهن حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:180], فجعل الله سبحانه وتعالى ذلك عاماً.

    وهذا القول ذهب إليه جماعة من السلف, روي هذا عن سعيد بن جبير وغيره, وقال به الإمام أحمد عليه رحمة الله, أن متعة الطلاق واجبة, سواء كان هذا الطلاق هو طلاق المفوضة, أو كان طلاقاً آخر, وهو الطلاق الذي يطلقه الرجل زوجته بطلاق رجعي أو غير رجعي.

    القول الثاني قالوا: بأن المتعة واجبة للمطلقة المفوضة ومستحب لغيرها, أما المفوضة، قالوا لظاهر هذه الآية, وأما بالنسبة لغيرها وذلك لعموم تلك الآيات الواردة في الطلاق في هذا, ومن ذلك في أمر الله سبحانه وتعالى؛ لقول الله عز وجل: فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28], وأيضاً في حديث سهل و أبي أسيد : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة فبسط إليها كفه فكأنها امتنعت, فأمر النبي عليه الصلاة أبا أسيد أن يمتعها ), وهذا من النبي عليه الصلاة والسلام متاع, فسرحها النبي عليه الصلاة والسلام, وطلقها.

    من قرائن وجوب متعة المطلقة

    وفي قول الله عز وجل: فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:49], دليل على العموم, منهم من يأخذ بهذه الآيات الاستحباب, وهذه الآية يأخذ بها الوجوب, وهذا قال به جماعة من السلف.

    قرينة الوجوب في هذا ما تقدم أن الله عز وجل خصص المطلقة المفوضة بآية, وهذا من قرائن الوجوب.

    ومن قرائن الوجوب أن هذه المطلقة حالها كحال المطلقة التي فرض لها, إلا أنها تختلف عن تلك أن هذه سمي لها وهذه لم يسم لها, وتلك ضرب لها نصف المهر وجوباً ولا خلاف عند العلماء في ذلك, فدل على أن أصل الوجوب والحق موجود, ولكن لما نص عليه بين مقداره, وأما هذه المرأة التي لم يسم لها, فالله جل وعلا جعل الأمر متعة, وهو واجب في هذا, وهو هو أظهر الأقوال.

    القول الثالث: قالوا بأن المتعة مستحبة بجميع أحوالها, وليس واجبة ومنها هذه الآية, وذلك استدلالاً بقرينة؛ قالوا: إن الله عز وجل وكل هذا الأمر إلى الزوج, تيسيراً عليه بمقداره, ومثل هذا التفويض إذا وكل إلى ذات الزوج فهذا قرينة على عدم الوجوب, وذلك أنه يصعب على القاضي أن يقدر شيئاً من هذا لو كان واجباً, فإذا كان واجباً نزاعاً بين الزوجين, فتنازعا على شيء, فلا بد أن يفصل القاضي في مثل هذا الأمر, فكيف يفصل في شيء وكله الله عز وجل إلى الزوج؟

    وكذلك من القرائن التي قالوا بها: أن الله جل وعلا يقول: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة:236], فسماهم الله عز وجل محسنين, وما يحصل من المحسن إحساناً, والإحسان لا يكون واجباً, وإنما هو فضيلة, وذلك أنه مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة:91], أي: لم يوجب الله عز وجل عليهم من ذلك شيئاً.

    وأما ما جاء في قول الله عز وجل: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:180], قالوا: تفسره هذه الآية وهي آكد منه, وهذه الآية في هذا السياق هي آكد من تلك الآية في عموم متعة المطلقات, فجعل الله عز وجل هذا إحساناً.

    ثم في مسألة التقوى, أن الله عز وجل خاطب أهل التقوى, وهم أعلى الناس مرتبة, وكذلك أهل الإحسان.

    ومن الأدلة في هذا قالوا: إنه لم يثبت عن أحد من السلف, ولا من قضاتهم أنه أوجب على زوج بعينه مقداراً معيناً, أو حبسه في حال امتناعه, ويعضد ذلك ما روى ابن أبي حاتم في كتابه التفسير من حديث أبي إسحاق أن عامر الشعبي سئل عن متعة المطلقة, هل كنتم تحبسون عليها؟

    قال: والله ما كنا نحبس عليها؛ لأنها ليست واجبة, فبين أنهم لا يحبسون عليها, يعني: إن امتنع الزوج عن إمتاع زوجته التي لم يدخل بها أو بعد طلاقها, لا يحبس القاضي الزوج لامتناعه عن ذلك, وهذا كأنهم يحملون هذا إلى الاستحباب, وأن الأمر يرجع في ذلك إلى كرامة الرجل, فيوكل الأمر إليه.

    ومن السلف من قال: إن القاضي يُلزم ويأمر ويرهَّب إلا أنه لا يعاقب, وهذا قال به بعض الفقهاء, وهو قول أبي حنيفة عليه رحمة الله.

    المراد بالموسع في قوله: (على الموسع قدره)

    وقول الله سبحانه وتعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة:236], الموسع المراد بذلك هو صاحب اليسار, صاحب القدرة, على ما يستطيع الإنسان, فالمسألة نسبية بالنسبة للمقتدر, فيعطيه بحسب قدرته, وأما بالنسبة لمن كان ضعيف الحال وليس من أهل اليسار, وقد سماه الله عز وجل مقتراً يعني أنه ليس بصاحب سعة ولا جدة, فهذا يعطي بوسعه, وهذا من قرائن عدم الوجوب على من قال بعدم الوجوب, أن الأمر موكول إلى الزوج.

    مفاد قوله تعالى: (متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين )

    وقوله سبحانه وتعالى: مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة:236], الله سبحانه وتعالى جعل هذا متاعاً للزوجة, وجعله الله سبحانه وتعالى حقاً, ولكن الحق هنا نسبه إلى أهل الإحسان, والمحسنون ما يبدر منهم إحسان وهو فضل وليس بواجب، على من قال بعدم الوجوب, ولكن أقوى القرائن في هذا من جهة وجوب المتعة للمطلقة المفوضة, أنها شبيهة بالمطلقة التي فرض لها, وحالها كحالها, ولهذا نقول: إن المتعة في ذلك واجبة, وأما عدم حبس السلف في هذا؛ لأن الشارع وكل الأمر إلى الزوج, والزوج في ذلك بني الأمر بينه وبين الزوجة على عدم التسمية, يعني: أنهم لم يضيقوا عليه, فلا يسوغ بالقاضي أن يضيق عليه في هذا.

    ولهذا نقول: إنه من العقوبة, كما أن الحبس عقوبة ولم يحبس السلف, فالترهيب والتشديد والوعيد عقوبة تقع على الإنسان, والزجر نوع من العقوبة, فإذا زجر القاضي أو زجر الحاكم وهدد, فهذا ضرب من ضروب العقوبة, إذ أنزل عليه تهديداً ولو كان لا يستحق في ذلك لما هدد وأوجب عليه هذا.

    ومن القرائن في هذا: أن الله عز وجل ذكر ووصف المتاع هنا بالحق، فقال: مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة:236], وقال: مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241], فجعله الله عز وجل في ذلك حقاً, وعدم التسمية لا يسقط في ذلك حق الزوجة, ولكن إنما اختلفت مرتبة حقها في ذلك من مهر المثل, نصف مهر المثل, إلى أن يكون متاعاً, وحملها في ذلك عليها باعتبار أنها قصرت في تسمية المهر.

    دلت الآية بطريق التضمين, على أن النكاح يصح بلا تسمية مهر, ولو دخل الزوج على زوجته من غير تسمية مهر, فنكاحها في ذلك صحيح, وهذا قول عامة العلماء, ولكن العلماء يقولون: إنه لا يجوز للزوج والزوجة أن يتواطآ على إسقاط المهر بالكلية, لا عند العقد ولا بعد ذلك؛ لأنه حق, ومن قرائن إيجاب المهر: أن الله سبحانه وتعالى ذكر المتعة وهي عوض عن مهر لم يسم, لامرأة طلقت قبل أن يدخل بها, فجعله الله عز وجل متاعاً على الزوج لمفارقته زوجته.

    ومن باب أولى في مسألة المهر, إذا كان بين الزوجين, وهذا من قرائن إيجاب المهر, ولهذا نقول: ثمة مسألة حكي فيها الاتفاق, وهي مسألة وجوب المهر أصلاً, ولكن اختلفوا في ذلك في مقداره, والاتفاق الثاني أن النكاح صحيح إذا دخل الزوج على زوجته ولم يسم في ذلك مهراً, فإن النكاح في ذلك صحيح, والوطء في ذلك صحيح, فإذا دخل عليها وجب عليه حينئذٍ مهر المثل في هذا, وهذا قول ظاهر بين.

    مقدار مهر المدخول بها إذا لم يسم لها مهراً

    ومن المسائل هنا وهي: أن الزوج إذا لم يسم مهراً, ثم دخل على زوجته, فما مقدار مهر المثل في هذا, هل هي إلى قراباتها, أو إلى أهل بلدها؟

    نقول: ينظر في ذلك إلى حال الزوجة لا إلى حال الزوج من جهة قراباتها, فينظر إليها, وإذا تقادم العهد, بمعنى: أن الزوج تزوج امرأته على مهر لم يسمه, ثم مضى بعد ذلك زمن, كأن يكون بعد خمس سنوات أو عشر سنوات, أرادت المهر الذي كان عليه النكاح, فنقول: يرجع في ذلك إلى حال الناس في زمن عقد النكاح, باعتبار أنه بقي في ذمة الزوج.

    المتوفى عن المرأة غير المدخول بها إذا لم يفرض لها شيء

    ومن المسائل المتعلقة في هذا الباب: لو أن الرجل توفي عن زوجته قبل الدخول بها, هنا ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى بين أمر المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها ولم يفرض لها شيئاً, ولكن المرأة إذا توفي عنها زوجها قبل الدخول بها ولم يفرض لها شيئاً, فما حكم هذه المرأة: هل الوفاة تأخذ حكم الطلاق أم لا تأخذ, أم تبقى زوجة له كسائر الزوجات؟

    نقول: إن الرجل إذا عقد على زوجته فهي زوجة له, وهو الذي امتنع عن مسيسها والدخول بها، فلها حق على زوجها كسائر الزوجات, وهل تزيد على الزوجات من جهة المتاع؟

    نقول: حكمها كحكم سائر الزوجات, ولا تلحق مسألة الوفاة في أمر كأمر الطلاق؛ لأن الوفاة لها حكم خاص, بخلاف أمر الطلاق, فالله عز وجل إنما ذكر الطلاق ولم يذكر أمر الوفاة, وهذا في حال عدم تسمية المهر, وفي حال تسمية المهر في ذلك، فإن المهر يكون للمرأة: هل يكون المهر في هذا تاماً للمرأة، إذا فرض الزوج لزوجته مهراً ثم لم يدخل بها لوفاته, فهل تعطى نصف المهر وتلحق في البقية وارثة, أم تأخذ بذلك المهر تاماً, فنصف المهر لمن لم يمس زوجته وفارقها؟

    فنقول في ذلك: إن الأصل أنها تلحق بالزوجية, فإذا لحقت بما هو أولى من ذلك وهو المهر, فإنها تلحق في الإرث, ويأتي المسائل فيما يتعلق بأمر المتعة العامة للمطلقات عموماً.

    وكذلك يأتي الكلام على المتعة للمرأة المختلعة, وللملاعنة.

    وكذلك يأتي في مسألة المرأة أو إذا وقع الطلاق بين الزوجين, من قبل الحاكم لا من قبل الزوج, فهل يجب عليها أو لا يجب؟ وهل يجب على الزوج أم لا؟

    نقول: إن الطلاق في مثل هذا إذا كان من غير الزوج, وهذا هو الأصل, فإنه لا يجب عليه متعة, والأمر في ذلك يرجع إلى شيم الرجال وكرامتهم, أما من جهة الوجوب فلا يجب عليه إلا إذا كان من قبله, أما إذا طلبت المرأة الطلاق, فيعني من ذلك أنه أسقط الحق الذي عليها في هذا الأمر, ويدخل في هذا الخلع ويدخل في هذا ما يتعلق في فصل القاضي بين الزوجين, إلا إذا كان العيب من قبل الزوج, يعني: أن القاضي فسخ العقد لا لمصلحة الزوجين, وإنما لمصلحة الزوجة لإضرار الزوج بها, فحينئذٍ له أن يلزم بذلك.

    وبهذا القدر نكتفي, وبالله التوفيق والإعانة والسداد, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.