إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [35]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خص الله عز وجل الوالدات بالذكر في قوله: (والوالدات يرضعن أولادهن) وذلك لأن الأصل والفطرة أن الأم تتعلق بالولد والولد يتعلق بأمه، وقد أخذ بعض العلماء وجوب الرضاع على الأم من هذه الآية. ومدة الرضاع حولان فإن تصالح الوالدان على أقل من ذلك فجائز وإلا وجب أن يكون الرضاع حولين. وقد أخذ العلماء من قوله تعالى: (حولين) وقوله: (وفصاله ثلاثون شهراً) أن أقل الحمل ستة أشهر.

    1.   

    قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    الحكمة من ذكر أحكام الرضاع بعد أحكام النكاح والطلاق

    فتقدم الكلام على شيء من أحكام النكاح والطلاق، وكذلك والخلع والرجعة والعدد، وخلاف العلماء والمروي عنهم في المسائل المتعلقة بهذه المسألة.

    ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك أحكام الرضاع، وناسب أن تذكر أحكام الرضاع بعد ذلك، لأن أحكام النكاح والطلاق هي أهم وأعسر.

    وأما من جهة الأهمية: فلأن بها استحلال الفروج، فقدم الله عز وجل بيانها، وبيَّن أحكامها، وكذلك من جهة عسورتها لكثرة وشدة الخلاف فيها وتوابعه ولوازمه المؤثرة فيه.

    وأما بالنسبة لأحكام الرضاع، فالخلاف فيها أيسر؛ لأن الرضاع يتعلق بأمر خارج عن الزوجين، والغالب أن حظوظ الزوجين في ذلك تنتفي؛ لأن الأمر يتعلق بشيء مشترك بينهما وهو الولد، وحظوظ النفس بينهما تنتفي؛ لتعلق الوالدين بولدهما، بخلاف ما يتعلق بأمور النكاح والطلاق والعدد، والخلع وما يأتي من النفقة، والمهر، ومن لوازم ذلك وتوابعه من أحكام، فإن النفوس في مثل ذلك تبنى في الغالب على المشاحة، وأما بالنسبة لأحكام الرضاع فإن المشاحة في ذلك يسيرة أو ربما تعدم؛ ولهذا أخر الله سبحانه وتعالى ما يتعلق بأحكام الرضاع بعد ذلك.

    وهذا فيه إشارة وتنبيه إلى أنه ينبغي للإنسان أن يقدم المسائل المهمة والعسيرة، والتي يقع فيها خلاف بين الناس وآثارها عظيمة على المسائل التي دون ذلك، كما هو في إحكام كلام الله سبحانه وتعالى بتأجيل أحكام الرضاع وتأخيرها عن الأحكام المهمة، والعسيرة في ذلك .

    وقول الله جل وعلا بعد أن ذكر أحكام الطلاق، والإمساك، والإضرار.

    تخصيص الوالدات بالذكر في قوله: (والوالدات يرضعن..)

    قال الله جل وعلا: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233] ذكر الله جل وعلا أمر الوالدات، ولم يتوجه الخطاب إلى الإرضاع مطلقاً وإنما قيده بالوالدات، فإن التي ولدت ولداً فإنها ترضعه، أي: يتوجه الخطاب إليها، وذلك من وجوه:

    أولها: أن هذا هو الفطرة والأقرب إلى الأصل، فإن الأصل والفطرة أن المرأة تتعلق بولدها والولد يتعلق بأمه، فإن الولد ربما يمتنع فطرةً عن الرضاع إلا من أمه، وكذلك فإن أمه تتعلق بإرضاعه وتتمسك بذلك، فتوجه الخطاب إليها جرياً على هذا الأصل.

    حكم الرضاع من الأم

    ومن العلماء من حمل هذه الآية على حكم الرضاع بالنسبة للوالدات، فقال: إن الرضاع يجب على الأم أن ترضع ولدها؛ استدلالاً بهذه الآية في قول الله جل وعلا: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233] ، قال: وجه الخطاب إلى الوالدة وبين الوجوب بالأمر هنا بفعل المضارع في قوله: (يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ) ، أي: يجب عليهن أن يرضعن أولادهن حولين كاملين.

    وكذلك فإن هذه الآية هي من مواضع الخلاف: في مسألة وجوب الرضاع أو عدمه، من العلماء من قال: هي دالة على وجوب الرضاع، ومنهم من قال: إنها ليست دالة على وجوب الرضاع، وإنما جاءت هذه الآية لبيان مدة الرضاع لا لبيان حكمه، فإن الله جل وعلا أراد أن يبين مدته وأجله ولا يبين حكمه.

    وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله في مسألة الرضاع: هل هي واجبة أم لا؟ على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: قالوا بوجوب الرضاع، وهو قول ينسب للإمام مالك عليه رحمة الله وقال به أبو ثور ، وحملوا هذه الآية على بيان وجوب الرضاع، أي: أن الرضاع يجب على الوالدة وجوباً عينياً ولو وجدت مرضعة أخرى ما أمكن الأم أن ترضع ولدها، فيجب عليها عيناً.

    والقول الثاني: قالوا: إن الأمر على الاختيار بالنسبة للوالدة وأما الراضع فواجب، أن يقوم بكفالة الرضاع الوالدان، إما أن ترضع الوالدة، وإما أن توجد بديلاً لها، قالوا: وهذه الآية مبينة لمدة الرضاع وأجله، وليست بمبينة لوجوب الرضاع وحكمه، وهذا قال به جماعة من الفقهاء وهو قول الإمام الشافعي والإمام أحمد ، وهو ظاهر مذهب الحنابلة، أن الرضاع على الاختيار بين الوالدة وغيرها، وأن الآية متعلقة ببيان مدة الرضاع وأجله لا ببيان حكمه.

    والقول الثالث: وهو المشهور عن الإمام مالك وهو مذهب المالكيين: يقولون بالتفريق بين المرأة الرفيعة الشريفة، التي غالب الحال أن مثلها لا يرضع وإنما تسترضع خادمةً أو أجيرة، قالوا: حينئذٍ لا يجب عليها، وأما من كان دونها فإنه يجب عليها ذلك، وهذا هو المشهور عن الإمام مالك رحمه الله وهو مذهب المالكية.

    وثمة مسألة هي محل اتفاق عند العلماء، وهي أن المولود إذا امتنع من الرضاع إلا من أمه تعين عليها، ولا خلاف عند العلماء في ذلك، وتُلزم بإرضاع ولدها، وهذا لا ينبغي أن يكون فيه خلاف، لأن الولد إذا لم يقبل إلا من امرأة أجنبية عنه وجب عليها وتعين، فمن باب أولى إذا كانت المرأة المرضعة أمه، فيجب عليها من باب أولى؛ لاجتماع الأمرين: لامتناع الرضاع إلا منها، وحق الولادة في ذلك فإنه واجب عيناً.

    وهذه المسألة يذكرها الفقهاء على بيان التقييد في ذلك .

    مدة الرضاع

    وقول الله سبحانه وتعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233] ذكر الله سبحانه وتعالى أجل الرضاع ومدته، وهل هذا عام في كل رضاع وفي كل حال؟

    من العلماء من حمل هذا على كل حال، وهذا قول عامة العلماء: على أن كل مولود عليه أن يرضع حولين كاملين، هذا هو أقصى مدة الرضاع.

    ومن العلماء من قال: إن هذا محمول على من كان أجل ولادته ستة أشهر، فمكث في بطن أمه ستة أشهر، قالوا: فما زاد من ذلك من حمل أمه به فينقص من أجل الرضاع، فيحملون ذلك بمن كان مكثه في بطن أمه على ستة أشهر، وجاء ذلك عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، كما رواه ابن جرير الطبري وغيره، وعامة المفسرين على خلاف ذلك.

    الحولين في الرضاع

    وهنا ذكر الله سبحانه وتعالى الحولين: هل هي على سبيل الوجوب أو لبيان الأقصى؟ هي على بيان أقصى أجل الرضاع، وذلك لما ذكر الله عز وجل من تقييد واستثناء أن للوالدين أن يصطلحا على إرضاع المولود دون ذلك ولكنه بقيد، والقيد في ذلك أن يكون ذلك عن تراضٍ بين الوالدين وبعد تشاور منهما، رخص الله جل وعلا بقصر الرضاع عن الحولين.

    وأما إذا لم يتصالحا ولم يتراضيا فإنه يجب في ذلك إتمام الحولين، وهذا فيه دفع للمشاحة والمضارة، المشاحة التي تكون بين الزوجين، وذلك لحظ واحدٍ منهما بالفطام، فيتضرر حينئذٍ الولد ويتضرر أحد الزوجين، فالمشاحة تكون بينهما والضرر يكون لواحد منهما وللمولود، فإن اتفقا فالغالب أن الاتفاق في ذلك لا يكون إلا لصالح المولود.

    وفي هذا أيضاً أن التشاور يكون بين الاثنين إذا كان الأمر متعدياً، ولهذا جاءت الشريعة بتأكيده، فحث الشارع على التشاور بين الاثنين للأمر المتعدي، فكلما تعدى الأمر استحق التشاور حتى لا يقع حينئذٍ الضرر المتعدي، ولهذا جعل الله عز وجل قصر الرضاع دون الحولين، ذلك أن يكون باتفاق وتراض بينهما، فإن اتفقا مضيا.

    وفي هذه الآية قد يقال بقول بعض الفقهاء بأن الشورى أحياناً تكون ملزمة، وذلك إذا كان فيه ضرر متعدٍ بخلاف تحقيق المنفعة.

    ومعلوم أن الرضاع منعه يكون فيه ضرر بخلاف كمال المنفعة، فإن كمال المنفعة يكون بعد الحولين، ونفيه يكون فيه الضرر غالباً إذا كان دون ذلك، فإذا تراضيا ففي ذلك دفع للمفسدة والضر الذي يلحق بالمولود، وما بعد ذلك فالأمر بالخيار من جهة الزوجة وهي المرضع، أن تزيد في ذلك ولا حرج عليها، إلا أنها من جهة النفقة من الزوج عليها، سواءً كانت مطلقةً أو غير مطلقة، ألا يزيد في نفقتها بخصوص الرضاع، لأن الشارع قيده بالحولين، فإذا أرادت أن تزيد على الحولين من تلقاء نفسها، فإنه لا حق لها على زوجها من جهة النفقة.

    والدليل على تمام الرضاع بالحولين وهو الغالب وبه يتحقق المقصد النفعي للمولود، وبه تدفع المشاحة أن الله جل وعلا تمام ذلك بقوله جل وعلا: لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة:233]، يعني: غاية التمام في ذلك، وأن ما دونها فهو عدم تمام، فلما تعلق بالطفل أوجب الله جل وعلا التراضي بينهما، والتشاور، حتى لا يصدر إلا عن نفع.

    أقل الحمل

    وقول الله سبحانه وتعالى: حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233]، وكذلك في قول الله جل وعلا في آية الأحقاف: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ [الأحقاف:15]، استدل بعض العلماء أن أقصر الحمل الذي يتم به الولادة الصحيحة هو ستة أشهر، وهذا من مواضع الخلاف ويأتي الكلام عليه بإذن الله عز وجل في سورة الأحقاف، وأخذوا بهذه الآية مع تلك الآية على أن أقل الحمل في ذلك هو ستة أشهر، وأن المرأة إذا حملت بعد نكاح وكان وضعها لستة أشهر، وكان الوضع صحيحاً أنها لا يقام عليها الحد في ذلك، وهذا جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، وعن علي بن أبي طالب كما جاء من حديث الدؤلي أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى عرضت عليه امرأة ولدت لستة أشهر، فأمر بإقامة الحد عليها الرجم، فامتنع علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى ومنعه من ذلك، واستدل بهذه الآية وكذلك آية الأحقاف، فأراد الله سبحانه وتعالى بيان ذلك بهاتين الآيتين، وبهذا يسقط في ذلك الحد، وليس المراد بذلك هو مطلق الحمل، ولكن المراد بذلك هو الذي يكون به وضع صحيح.

    الوقت المؤثر في الرضاع

    وفي هذا معنى من المعاني وهو ما يتعلق بالرضاع المؤثر، الرضاع المؤثر هو الذي يكون في الحولين، وهو التمام، وأن الرضاع إذا كان في غير الحولين فإنه في غير تمام، وذلك أن الله جل وعلا قال: حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة:233]، يعني: ما كان بعد ذلك ليس بتمام، وقد جاء ما يؤيد هذا الخبر جملة من الأخبار المرفوعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الرضاعة من المجاعة) والجوع يلحق الصبي إذا كان في هذين، ولهذا وصفه الله عز وجل بالتمام، وجوعه يكون للرضاع لا جوع أكل، وما بعد ذلك فيكون جوعه للأكل لا جوع للرضاع، وهذا هو الغالب.

    وهل هذا مطرد أم يحمل على الغالب؟

    وذلك أن بعض الأطفال ربما يلحقوا به ضعف، فتكون حاله بعد الحولين كحال الصبي قبل الحولين من جهة حاجته إلى الطعام، فهل يطلق ذلك؟

    نقول: يطلق، لأن النادر لا حكم له، وتقييد الأحكام الشرعية بضوابط معروفة حسم لمادة الخلاف، وتسلل الأهواء والآراء الشاذة للدخول في ذلك، وهذا يأتي معنا بإذن الله عز وجل في مسائل المحرمات في سورة النساء بإذن الله تعالى، والكلام على مسألة حرمة الرضاع وحد الرضاع الذي يحرم به، وكذلك في مسألة رضاع الكبير، وكلام العلماء في هذه المسألة.

    المأمور بالرضاع في قوله: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) وقوله: (فإن أرضعن لكم)

    وهنا في قول الله جل وعلا: لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة:233]، الخطاب هنا يتوجه إلى الزوجين، وهذه الآية هي أعم من آية الطلاق، والله جل وعلا قد ذكر الرضاع في هذا الموضع، وذكر الرضاع في سورة الطلاق، فالطلاق مقيد برضاع المطلقة لولدها، وهنا جاء عاماً.

    من العلماء من قال: إن هذه الآية متعلقة بالمتزوجة لا المطلقة، وأما بالنسبة لآية الطلاق فإنها تتوجه إلى المطلقة لا للمتزوجة، ومنهم من حمل هذه الآية على العموم باعتبار بيان الأحكام، وذلك أن الحولين الكاملين يتوجه الخطاب في ذلك للمطلقة ولغير المطلقة من جهة الأجل، وكذلك التشاور والأحكام الواردة في ذلك، فيتوجه الخطاب على العموم وهذا هو الأظهر.

    فهذه الآية هي أعم من آية الطلاق في أبواب الرضاع.

    النفقة على المرضعة

    وفي قول الله جل وعلا: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ [البقرة:233]، والمراد بذلك هو الأب والزوج، يجب عليه أن ينفق على الوالدة، وقد أخذ العلماء في ذلك أنه إذا أرضعت امرأة ليست بأم للولد، فإن ذلك آكد أن يعطيها أجرتها، فيجب عليها في ذلك، ويختلف العلماء في مسألة بيع حليب الرضاع هل يباع في ذاته أم لا أم الأجرة لخلاف ذلك؟ منهم من يقول: إن الله عز وجل إنما أوجب على الأب أن ينفق على المرضعة، سواءً كانت أماً مطلقة، أو كانت أجنبية عنه، أوجب الله عز وجل ذلك؛ لأن المرأة غالباً أنه ينفق عليها إذا كانت متزوجة ينفق عليها الزوج، وإذا كانت ترضع انشغلت عن زوجها وربما لم تتزوج فاحتاجت إلى الإنفاق، فوجب حينئذٍ أن ينفق عليها بهذا الخصوص.

    وفي قول الله جل وعلا: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، هنا هل هي هذه أجرة للرضاعة أم هي نفقة على الزوجة؟

    من قال: إن هذه الآية خاصة بالمتزوجات قال: إن هذه نفقة معتادة أراد الله عز وجل تأكيدها.

    ومن قال: إن هذه الآية عامة ويدخل في هذا المتزوجة، وغير المتزوجة فيجعل هنا هذه أجرة للرضاع، وهل هذه الأجرة الواردة في كلام الله جل وعلا من جهة الرزق والكسوة هي تقدير منضبط على مطرد في كل حال أن النفقة من جهة الرضاع تكون من جهة كفاية الطعام، وكذلك الكساء، ومن العلماء من قال: هذه الآية إنما تتوجه إلى المتزوجة، وأما بالنسبة للمطلقة فتؤتى أجراً، فالأجر الذي ذكره الله عز وجل في سورة الطلاق في الرضاع هل يحمل على الكسوة والطعام؟

    جمهور العلماء حملوه على ذلك، أنه يجب عليه أن ينفق عليها نفقة بطعامٍ وكساء، وقالوا: هذا هو الأجر الذي تستحقه، سواءً كان ذلك الطعام عيناً أو تقديراً من جهة النقدين، يقدر لها شيء تعطى إياه بحيث تستطيع أن تشتري به طعاماً، وكذلك كساءً، ومن قال بأن هذه الآية مقيدة بالمتزوجة حمل ذلك أن الله عز وجل يذكر الرزق ويذكر الكسوة فيمن كان تحت ولاية الإنسان، سواءً كان من الزوجة أو كان من الذرية من الأبناء والبنات، ولهذا يقول الله جل وعلا في سورة النساء: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ [النساء:5]، فذكر الله عز وجل النفقة هنا على النساء، وكذلك على الأولاد، فأوجب الله جل وعلا في ذلك الطعام وهو الرزق، وكذلك الكساء، قالوا: فهذا يتوجه على ما يجب على الإنسان من نفقة على من تحته، فيجب عليه هذا، وهذا أمر محتمل.

    ولكن الذي يظهر في هذه الآية العموم، وهذا تفسير لما يأتي معنا بإذن الله عز وجل في سورة الطلاق للأجر في ذلك أن يكون رزقاً من جهة الطعام والشراب، وكذلك الكسوة.

    وفي هذا دلالة على أن الرزق إذا ذكر في كلام الله عز وجل فإنه أول ما ينصرف إلى الطعام والشراب، ومع كون الكساء رزقاً إلا أن الله عز وجل جعله منفرداً بوصف، فذكر الرزق على سبيل الانفراد.

    المعروف في النفقة على المرضعة

    وقوله سبحانه وتعالى: بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، أي: ينفق على المرضعة بالمعروف عندها، لا عند الوالد، ولهذا الأجرة تكون بالنسبة للمرضعة لا بالنسبة للمولود له، فإذا كانت شريفة من ذات شرف وحسب فإنها تعطى نفقة وكسوة بما يتعارف عليه عندها مدة الرضاع كاملة، وإذا كانت دون ذلك فدون ذلك، فالمعروف يتوجه هنا إلى المعتاد عند أهلها بالنسبة للمرأة لا بالنسبة للوالد.

    نفي الكلفة في قول: (لا تكلف نفس إلا وسعها)

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:233]، ذكر الله سبحانه وتعالى نفي الكلفة، وهذا أصل متقرر، ولكن إنما احتيج إلى ذكره هنا؛ لأنه ربما يكون ثمة كلفة على أحد الوجهين، من جهة المرضعة الأم ألا تستطيع الرضاع، فلا يكلفها الله جل وعلا إلا ما تستطيع، وكذلك من جهة الوالد أنه لا يستطيع الإنفاق على المرضعة بما يتعارف عندها، فيعطيها بقدر ما يستطيع، كذلك بالنسبة للوالدة إذا أرادت أن ترضع فاحتاجت إلى نفقة، سواءً كانت مطلقة أو متزوجة لتفرغها للرضاع.

    من العلماء من قال: إنه يجب عليه أن يزيدها في أمر الرضاع نفقة وكسوة لأجل رضاعها، ومن العلماء من قال: إذا لم يستطع فإنه لا يجب عليه؛ لأن الله عز وجل لا يكلفه إلا ما يطيق، وما لا يطيقه الإنسان في ذلك الزيادة على النفقة على المرضعة لأجل رضاعها؛ لأنه لا يستطيع إلا النفقة المعتادة، ومن قال بأن هذه أجرة حتى على الأم المرضعة، فإنه يوجب على الوالدة إذا أرضعت نفقة ضعفين، النفقة كزوجة، ثم النفقة كمرضعة، فيعطيها نفقة تسدها وزيادة، وذلك لأجل رضاعها، وكذلك لأجل الإنفاق عليها كزوجة.

    النهي عن المضارة في الرضاع

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا [البقرة:233]، هنا ذكر الله سبحانه وتعالى أن الضرر منتفٍ، وذلك لا يجوز للزوجة أن تضر بالزوج، ولا أن تضر بالولد، ولا المولود له وهو الزوج أن يضر بأم الولد، وكذلك لا يجوز له أن يضر بالولد لحظ نفسه، ولا بالزوجة كذلك، لأن الله عز وجل قيد ذلك بالتراضي بينهما على ما تقدم، وأنه لا يجوز لهما أن يقصرا الرضاعة دون الشهرين إلا عن تراضٍ منهما وتشاور، وهذا رحمة الله عز وجل ولطف، وفصل في أمثال هذه الأمور، لأن الأمر إذا تعدى على ما تقدم فإنه يجب فيه أن يكون عن تراضٍ وتشاور بين الأطراف.

    نفقة الرضاع على الوارث

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة:233]، هنا ذكر الله جل وعلا الوارث بعد أن ذكر ما يجب على الوالدين من أمر الرضاع للمولود، وذلك ما يتعلق بالنسبة للوالدة، وبالنسبة للوالد من جهة النفقة، وكذلك ما يتعلق بأمر التشاور.

    ذكر الله سبحانه وتعالى الوارث هنا، لاحتمال وفاة أحد الأبوين: إما الأم وإما الأب، وبالنسبة للأب إذا توفي فإن الأم تحتاج إلى نفقة، من الذي ينفق عليها؟ ينفق عليها ورثة الرضيع، كذلك فإن الأم إذا توفيت فهل يتوجه الخطاب في ذلك من جهة كفالة الرضاعة إذا عجز الأب عن أن يجد مرضعة بلا أجر لعجزه أن تقوم بلا أجر وارثة تستطيع الرضاع؟ نعم يتوجه الخطاب إليهم جميعاً، فيتعين على الوارث أن يقوم بذلك، فإذا ماتت الأم وأصبح المولود بلا أم، وله أب، والأب عاجز عن أن يوجد نفقة يسترضع به ابنه، فالواجب يتعين هنا على أقرب وارثة للمولود، وإذا توفي الأب وأرادت الأم أن ترضع ولدها، فالنفقة حينئذٍ تتوجه إلى الوارث أن ينفق عليها، هل يتكفل بذلك أقرب الورثة عيناً أم ينفقون ذلك بقدر أنصبائهم منه لو قدر ميتاً؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال: منهم من أوجب النفقة على أقرب ذي رحم تجب عليه عيناً، وأنه لا يجب على كل وارث، لمشقة ذلك وتعددهم، وكذلك أمثال هذه الأقوال يلحق فيها شيء من المشاحة، فإنها تختلف عن إرث المال، فإن إرث المال يعطون إياه فيقسم عليهم لحظ أنفسهم بخلاف انتزاعه منهم، فإنه يتوجه الخطاب حتى لا يقع في ذلك ضرر على المولود بامتناع واحد منهم عن الاستيفاء، وكذلك فإن الخطاب إذا توجه إلى واحد عيناً، فإنه أيسر في تطبيقه وتحقق المقصد من توجه الخطاب إلى جماعة ربما لا يحصون، كأن يكون له إخوة وأخوات متعددون، فإنه يلحق في ذلك شيء ربما من الكلفة، وكذلك المشقة وأمثال أمور النفقة واستخراج المال، يلحق فيه شيء من المشاحة والعسر، وفي ذلك إضرار بالمولود.

    من العلماء من قال: يقسم بمقدار التركة، وهذا جاء عن الإمام أحمد عليه رحمة الله، وقال به إسحاق بن راهويه وغيرهما من أهل العلم.

    كيفية دفع الوارث نفقة المرضع

    وقول الله جل وعلا: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة:233] أي: ما يجب على الزوج، وهو الوالد من الإنفاق يجب على الوارث مثل ذلك، ومن قال من العلماء: إنه يجب على الجميع بالتفصيل بمقدار التركة، قالوا: إن ظاهر الآية ذكرة الوارث، وكل وارث ولو تعددوا يطلق عليه ذلك الوصف، ولو كان لأقرب رجل لذكره الله سبحانه وتعالى في هذا، ولكن نقول: إن الأظهر -والله أعلم- أن أقربهم حظاً في التركة أنه هو أوجب عليه أن يقوم بمثل ما وجب على الوارث، لأنه أحظ بتركته، ولكن إذا تعددوا وتساووا كالإخوة، فإنه يجب عليهم على التساوي في ذلك، ولو قام واحد منهم على سبيل الاحتساب والتطوع وإسقاط الكلفة في ذلك صح وسقط عن الباقين، فإنه لا يجب عليهم عيناً.

    التراضي عند الفصال قبل الحولين

    وقول الله سبحانه وتعالى: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ [البقرة:233]، ذكر الله جل وعلا الفصال والمراد بذلك هو الفطام، (وإن أرادا) يعني: الوالدين فطام المولود دون الحولين، فإنه لا يجوز لهما ذلك إلا عن تراضٍ منهما جميعاً، وهذا على ما تقدم دفعاً للمشاحة التي تكون بين الزوجين لحظ واحدٍ منهما بعد الفطام، وذلك أنه لا يجوز للوالدة أن تفطم ولدها إذا كانت مطلقة ترغب بالزواج، فتضر بالمولود لحظ نفسها، فأوجب الله جل وعلا أن يكون ذلك من بين الزوجين بمعرفة حال المولود.

    التشاور في قوله: (عن تراضٍ منهما وتشاور )

    وهذا على ما تقدم فيه إشارة إلى أن ما كان الأمر فيه متعدٍ من جهة المنفعة، والمفسدة، فإنه يتأكد فيه التشاور.

    وهل كل أمر لم يقض الله عز جل فيه تكون المصلحة فيه متعدية يجب فيه التشاور أم لا؟

    نقول: لا يخلو ذلك من حالين:

    الحالة الأولى: أن يكون في الأمة والٍ ورأس، فإنه لا يجب عليه في كل حالٍ إذا كان عالماً بأمر الله جل وعلا، فإذا كان عالماً بأمر الله اجتمع فيه العلم واجتمع فيه الأمر، فله أن يصدر في صالح الأمة من غير تشاور.

    الحالة الثانية: إذا لم يكن في الناس رأس، كناس اجتمعوا في حي من الأحياء، أو رفقة في سفر، ولا أمير فيهم، فهل يجب التشاور في أمر لمنفعة؟ نقول: يجب؛ لأنه ليس لهم رأس يقضون بذلك، ولهذا في مسألة الرضاع لما كان الأمر يتعلق بالوالدين الأم والأب، واحتمال أن تكون الأم مطلقة لا قوامة للزوج عليها، وجب في ذلك أن يكون الأمر بينهما تشاوراً، أوجب الله جل وعلا ذلك.

    وأما ما كان من أمر الحولين، فإن المرأة تتوقف عن رضاع ولدها، ولو من غير الرجوع للمولود له، وهذا لا خلاف فيه عند العلماء، وإذا زادت في ذلك فهل يجب على المولود أن ينفق عليها أم لا؟

    هذا على ما تقدم الكلام عليه إذا كان المولود يتضرر بالإمساك عن الرضاع بعد الحولين، وذلك لضعف في بنيته، ضعف في قوامه، أو نحو ذلك، ولم يستطع الطعام، فإنه يجب أن يستمر في النفقة، ويجب على الزوجة أن تقوم بالرضاع، وأما إذا كان ذلك ليس بحاجة ولا ضرورة، فإن ذلك مزيد من المرأة، ولا يجب على الزوج أن ينفق على زوجته لأجل الرضاع بعد الحولين.

    حكم التراضي في الفصال قبل الشهرين

    وقول الله سبحانه وتعالى: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [البقرة:233]، من هذا أخذ العلماء وجوب التراضي بينهما في مسألة الفطام قبل الشهرين، لقول الله جل وعلا: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [البقرة:233]، يعني: أن ما كان من أمر الفطام قبل الحولين عليهما جناح إذا صدرا من غير تراضٍ ولا تشاور، فإن عليهما جناحاً، والجناح في ذلك هو الحرج، والحرج لازمه في ذلك الإثم؛ لوجود الضرر المتعدي في ذلك، وإذا كانت الزوجة الوالدة ترضع والوالد متوفى، فهل الوارث هو الذي يشاور في ذلك؟

    نقول: نعم، له مثل الذي عليه من جهة التراضي، وكذلك التشاور الذي يكون مع الأب؛ لأنه يقوم مقامه، فكما أوجبنا عليه النفقة من جهة الرزق والكسوة، فإنه كذلك له حق بالنظر إلى أمر المولود.

    وإذا لم يكن ثمة وارث، فهل يجب على الوالي أن ينفق على المرضعة في رضاعها؟

    نقول: نعم؛ لأنه والٍ من لا ولاية له، فيجب عليه أن ينفق، وذلك لمصلحته إذا كان ذلك في مقدور بيت مال المسلمين.

    المراد بنفي الجناح في قوله : (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح...)

    في قول الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [البقرة:233]، هنا ذكرنا الخلاف فيما تقدم في مسألة وجوب الرضاع في قول الله جل وعلا: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233]، ذكرنا أن من العلماء من حمل هذه الآية على وجوب الرضاع، ومنهم من قال: هي بيان لمدة الرضاع لا لحكمه.

    فمن قال: إن هذه الآية هي بيان لمدة الرضاع لا لحكمه، استدل بآخر هذه الآية، أن الله سبحانه وتعالى يقول: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [البقرة:233]، أي: لا حرج عليكم أن تسترضعوا، فالله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية في أمر مدة الرضاع، ولم يذكر له سبحانه وتعالى ذلك في أمر الوجوب، وتقدم معنا الخلاف في هذه المسألة، وأنها على ثلاثة أقوال، وتقدم معنا ذكر الخلاف في هذا، وذكرنا حمل بعض العلماء هذه الآية على الوجوب، وحمل بعضهم على المدد، ويستدلون بأن آية الطلاق إنما هي على المطلقة، وهذه جاءت على بيان العموم، والعموم يتعلق بأمر بيان الضوابط العامة لها، على الوجوب العيني في ذلك، وثمة قرينة تفيد الوجوب في ذلك، وهي: مسألة الرزق والكسوة أنه يجب عليه إذا كان ثمة أجرة في ذلك قالوا: فيجب، وهذه قرينة ضعيفة في مقابل ما يأتي ما جاء بعد ذلك من صريح القول مثل قول الله جل وعلا: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [البقرة:233].

    منهم من حمل هذا على التعاسر، كما جاء في سورة الطلاق، قالوا: أنه لا يسترضع للولد إلا عند التعاسر وعدم التراضي بين الزوجين، فإذا تعاسر الزوجان أو الوالدان في أمر الرضاع، فإن الوالدين يقومان باسترضاع المولود بمرضعة أخرى، وهذا قيد صحيح، ولكن نقول: إن التعاسر في ذلك هو بيان لمخرج للإصلاح؛ حتى لا يغلق الباب، أنه لا بد أن تكون الأم في هذا وإلا لا رضاع، فإنه قد يكون في ذلك شيء من الإضرار الذي يكون بالولد، فربما يتخاصم الزوجان في مسألة الرضاع، ولا تريد الأم أن ترضع ولدها اتكالاً على الولد، والوالد لا يريد أن يسترضع اتكالاً على الأم، فيتضرر في ذلك الولد، فالله جل وعلا قد جعل في ذلك مخرجاً حتى لا يتضرر المولود، وهو أن يسترضعوا له، وستأتي مسألة الاسترضاع في ذلك.

    وكذلك في قول الله جل وعلا: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء:24] بيان الأجور، وما يجب عليه في مسألة المولود، وتفصيل في شيء في مقداره بإذن الله عز وجل.

    دفع أجرة المرضع الأولى قبل الانتقال إلى الثانية

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، قال غير واحد من العلماء: إن هذه الآية فيها دليل على أن المرأة أو الوالدة إذا استرضع الرجل لولده مرضعة ثم أراد أن يسترضع أخرى أنه لا يتحول إليها إلا وقد أعطى الأولى أجرها، ولهذا قال: سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، والتسليم في ذلك أن يقوم بالإتيان بالحق والأجرة، ومنهم من حمل ذلك على وجوب إعطاء الأجرة قبل ذلك، ولكن نقول: إن الأجرة ليست تامة، نعم قد يتوجه هذا الخطاب فيمن يسترضع غير الأم، ووجه ذلك في كلام بعض الفقهاء قالوا: إذا استرضع الرجل امرأته قد تكون فقيراً لا تجد طعاماً وشراباً لقوامها حتى تدر بحليبها لمولود، فتحتاج إلى شيء من الطعام، والطعام سابق للرضاع، فتحتاج قبل ذلك، فذكر الله جل وعلا تسليم الحق، وهذا قول وجيه، ولكن نقول: قد يكون في الأشهر، أو في الأسابيع، أو في قوت اليوم ونحو ذلك، ولكن ينبغي إذا كان ذلك يُضر بالولد أن يسبق الطعام الرضاع.

    وقول الله سبحانه وتعالى: إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، أن هذا على ما تقدم أن مسألة الأجرة التي تكون في الرضاع للمسترضعة تكون بالمعروف بما يتعارف عليه عندها، لا عند الوالد، وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:233]، أمر الله جل وعلا بتقواه، والخطاب يتوجه في ذلك إلى الوالدين، وكذلك يتوجه إلى الوارث، مع ظهور العموم في ذلك؛ لأن التواصي بالحق، وكذلك والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الخطاب يتوجه في هذا إلى الجميع، فربما أحد له أثر في أمر الرضاع يصلح بينهما، وذلك في حال ورود التشاور، ووجود المصالحة بينهما، فربما يتعلق هذا بأحد الأطراف، فإنه يتوجه إليه الخطاب كما يتوجه إلى الزوجين.

    العلم بالله يحمل على خشيته

    في قول الله جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:233]، ذكر الله جل وعلا التقوى، ثم بيّن أن الله جل وعلا بصير بما يعملون، ولكن الله عز وجل أمر بأن يعلموا، قال: وَاعْلَمُوا [البقرة:233] والخطاب هنا في التوجه بالعلم، أن الإنسان لا بد أن يعلم أن الله عز وجل بما يعمل بصير سبحانه وتعالى، أي: كلما كان الإنسان بالله جل وعلا أعلم وأبصر فهو له أتقى، وإذا وجد الإنسان في نفسه عدم تقوى من الله، فليعلم أنه ليس بعالم بالله، وإذا وجد الإنسان في نفسه علماً بالله سبحانه وتعالى ولا يقف عند محارم الله عز وجل، فليعلم أنه ليس بعالم بالله سبحانه وتعالى، وإن كان عالماً بالله سبحانه وتعالى فعلمه لغير الله جل وعلا؛ لأن العلم الذي أراده الله جل وعلا هو العلم الذي يورث تقوى الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول الله جل وعلا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وكذلك في قوله كما جاء في الأثر، قال: إنما العلم الخشية، هو الذي يورث الإنسان خشية، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع )، أي: أن الإنسان قد يتعلم علماً لا ينفعه، وأعظم ما يسلب الإنسان من منفعة علمه هو عدم تقوى الله عز وجل وعدم خشيته، وهذا اختبار للإنسان أن ينظر إلى حاله كلما ازداد علماً، ولم يزدد من الله جل وعلا قرباً وتقوى وخشية، فليعلم أنه ينقص فيما بينهما من أمر الباطن بزيادة تلك الفجوة، فإذا ازداد علماً فلم يزدد عبادة من جهة الذكر والتسبيح والصلاة واجتناب المحرمات والقرب من الله، فليعلم أن ثمة شيئاً في باطنه في أمر هذا العلم؛ لأن العلم يقرب لا ينفر، العلم يقرب إلى الله لا ينفر منه، ولهذا الله سبحانه وتعالى أمر بتقواه في قوله جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:233]، حتى تتحقق تلك التقوى، أمر الله جل وعلا بالعلم، وكذلك من الحكم واللطائف في هذا أن الله سبحانه وتعالى لما علم أن هذه الأحوال مما يكون من نزاع أو إضرار، وكذلك التشاور قد يكون بصيانة أو خيانة، أو ما يتعلق من أمر النفقة قد يكون فيه زيادة أو نقصان، ذكر الله عز وجل التكلف، وتقرير هذه الأمور ضبطها شاق، حتى على أحذق العقول، فهي ترجع في الغالب إلى الباطن، من جهة الكلفة والمشقة والضر، وتقدير الضر والتشاور، والنصح فيه وعدم النصح فيه، يرجع في ذلك إلى البواطن، ولهذا ذكر الله عز وجل بأمثال هذه الأمور وذكر بتقواه، قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:233]، وأعظم العمل في ذلك هو عمل الباطن، أن يتذكر الإنسان أن الله عز وجل مطلع على باطنه ويعلم خصيصته وسريرته، فعليه أن يستحضر ذلك حتى تكتمل أمثال هذه الأمور، وهذا مطرد في القرآن أن الله جل وعلا إذا أمر بأوامر ونهى عن نواهي، هذه النواهي تكون مشتركة بين أطراف أو غالبها يتعلق بأمور الخفاء والسر، أن الله يذكر بتقواه، ويأمر بالعلم وتذكر اطلاعه على عبده، وكلما كان الإنسان في هذه المرتبة أعلى، وهي ما تسمى مرتبة الإحسان، كما جاء في حديث جبريل، قال: ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )، وهذا لتتم أحكام الشريعة وتتحقق في ذلك المقاصد التامة.

    أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله عز وجل لي ولكم الإعانة والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.