إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [24]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في كتاب الطهارة حديث: (أن رسول الله سئل عن ألبان الإبل، فقال: توضئوا منها ...)؛ فجعله من حديث أسيد بن حضير منكر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع منه، وأمور أخرى في سنده ومتنه. ومنها حديث نقض الوضوء بالضحك؛ فهو من الأحاديث المنكرة وفيه الحسن بن دينار وهو متروك الحديث ومحمد بن إسحاق وفيه ضعف، ولمخالفته أفعال الصحابة وأقوالهم وفتيا الفقهاء في مكة والمدينة. ومنها حديث: (إذا التقى الختان بالختان وتوارت الحشفة وجب الغسل)؛ لوجود ضعفاء في سنده، وحديث: (من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ)؛ حيث لم يقل به أحد من الصحابة مع وجود الوهم والاختلاف في سنده.

    1.   

    حديث أسيد: (أن رسول الله سئل عن ألبان الإبل، فقال: توضئوا منها...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فأول حديث في هذا اليوم هو حديث أسيد عليه رضوان الله تعالى: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ألبان الإبل، فقال: توضئوا منها وسئل عن ألبان الغنم، فقال: لا توضئوا منها )، هذا الحديث رواه الإمام أحمد وغيره من حديث عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث معلول بعدة علل بمتنه، وكذلك بإسناده.

    علل حديث أسيد في الوضوء من ألبان الإبل من جهة الإسناد

    أولاً: من جهة الإسناد، فهذا الحديث قد وقع فيه اختلاف، فيرويه الحجاج بن أرطاة عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من أسيد بن حضير، وذلك لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى إنما ولد قبل وفاة أسيد بنحو أربع سنين، ولا يمكن أن يكون قد سمع منه، وكذلك هذا الحديث جعله من مسند أسيد بن حضير منكر، والصواب أنه من حديث البراء عليه رضوان الله تعالى، وقد وقع في هذا الحديث جملة من الخلاف، والخلاف الذي قد وقع في هذا الحديث تارة يجعل من حديث ذي الغرة، ويرويه عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى، ويرويه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عبد الله بن عبد الله وهو مولى بني هاشم، ويرويه عن عبد الله بن عبد الله عبيدة بن معتب الضبي، أي: يرويه عبيدة بن معتب الضبي عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فجعله من مسند ذي الغرة، وقد أخرجه الطبراني في كتاب المعجم، وسمى ذا الغرة بالـجهني، وهذا الحديث أيضاً مضطرب وفيه وهم، وقد جاء أيضاً من مسند سليك الغطفاني كما رواه الطبراني في كتابه المعجم، فقد أخرجه من حديث عيسى بن أبي ليلى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سليك الغطفاني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وهم وغلط، وجاء من حديث عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، وهذا هو الصواب أنه من حديث البراء يرويه الأعمش بهذا الإسناد عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، ووقع في حديث البراء اختلاف عن حديث أسيد، وذلك أن حديث البراء جاء فيه ذكر اللحوم ولم يأت فيه ذكر اللبن، وخالف حديث أسيد من وجهين:

    الوجه الأول: ما تقدم الإشارة إليه أنه ذكر اللحوم ولم يذكر اللبن.

    الأمر الثاني: أنه جعله من مسند البراء، وذاك من مسند أسيد، والصواب في ذلك هو حديث الأعمش، أي: أنه من حديث البراء كما مال إلى هذا جماعة من الحفاظ، كـأبي حاتم عليه رحمة الله، كما نقله عنه ابنه ابن أبي حاتم في كتابه العلل.

    وعلى هذا نقول: إن حديث أسيد منكر.

    علل حديث أسيد في الوضوء من ألبان الإبل من جهة المتن

    أما بالنسبة للعلة المتنية فما تقدم الإشارة إليه أن الحديث فيه ذكر اللبن، وتقدم معنا الإشارة إلى أنه جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة من النواقض أولى منها أن يكون اللبن لعموم البلوى به، فالناس يحتاجون إلى ألبان الإبل أكثر من حاجتهم إلى غيرها من الألبان كألبان الغنم والبقر ونحو ذلك، وذلك أن الإبل تكون عند الناس في حلهم وسفرهم، فإنهم يرتحلون عليها بخلاف البقر والغنم، وكما تقدم الإشارة إليه، فإن الأدلة قد جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحم الإبل، ولم تثبت عنه عليه الصلاة والسلام في ألبانها، وينبغي أن يثبت الدليل في ذلك أكثر وأظهر، ولو ثبت في هذا لوجب أن يأتي بأسانيد صحيحة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت أنه أمر الغزاة وكذلك الرعاة والمسافرين أن يتوضأ من شيء من ذلك مع أن الدليل يقتضيه.

    ومن العلل أيضاً في هذا المتن: أن فيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ثقة فقيه إمام، ولكنه كوفي، وهذا الحديث فيه التوضؤ من ألبان الإبل، فإذا قلنا: إن في الإسناد كوفياً وفقيهاً يلزم من هذا أن يكون القول بالوضوء من ألبان الإبل موجوداً في أهل الكوفة، وأهل الكوفة لا يقولون بذلك، لهذا نقول: إن هذا من علامات النكارة في هذا الحديث.

    أهمية معرفة الرواة ومدارسهم لتمييز المتون المنكرة

    وتقدم معنا مراراً إلى أن معرفة الرواة ومدارسهم من الأمور المهمة التي يميز بها الناقد نكارة المتون، وعلى هذا فإنا إذا تأملنا في الرواة نستطيع أن نستخرج من تأملنا في ذلك نقداً للمتن، والأصل في هذا أن الحديث إذا علمنا أنه قد دخل بلداً من البلدان أن يعمل أثره فيهم، وأن يكون له أثر فيهم خاصة في الفقهاء منهم، والأثر في الحديث إذا علمنا أنه دخل فيهم هو القول به على الأقل، ولو يكون القول في ذلك مرجوحاً، وقد تقدم معنا أن الرواة على نوعين راو دار، يعني: صاحب دراية، وراو لا يدري، راو ناقل حافظ، وتمييز الأول عن الثاني مهم جداً في أبواب النقد؛ لهذا إذا وقع لديك إسناد فيه مثلاً مدني، أو فيه بصري أو كوفي، وكان هذا الراوي فقيهاً، فيلزم من هذا أن تنظر في المدرسة التي ينتمي إليها ذلك الراوي الفقيه، ونستفيد من هذا أيضاً في أبواب الرواة الذين ليس لهم دراية أن هذا الحديث وجد في ميادينهم، فالقول به متحتم في حال صحته، وطالب العلم إذا كان عارفاً بالرواة ليس بعارف بالمدارس الفقيهة يقول: لديه النظر في أبواب النقد، ومن نظر في الأئمة الكبار الأوائل وجد أنهم يعلون الأحاديث كثيراً بسبب عدم العمل بها في بلدان الرواة، ولو لم ينصوا على ذلك، لكن الإشارات في ذلك ليست بالقليلة، ولهذا نقول: إن الراوي إذا كان فقيهاً فإننا نلتمس العلة في مواضع:

    الموضع الأول في ذات الراوي: إذا وجدنا له قولاً في هذه المسألة يؤيد هذا الحديث الذي رواه فإن هذا من قرائن الاحتجاج والتقوية، إذا وجدنا له قولاً لا يؤيد هذا الحديث فإن هذا من قرائن الإعلال، وقد تقدم معنا الإشارة إلى هذا، وكذلك أيضاً في الفقهاء الذين في هذه البلدة في الطبقة ذاتها، طبقة عبد الرحمن بن أبي ليلى طبقة متقدمة، وهو من طبقة علقمة وأيضاً الأسود وأمثالهم، فيلزم أن يكون هذا القول في هذه الطبقة وجوداً، لا أن يكون قد حدث بعد ذلك.

    وأشد مواضع العلل ظهوراً أن يوجد الحديث فيهم في سائر الطبقات ثم لا يقول به أحد منهم، ويليها بعد ذلك أن يوجد الحديث فيهم في طبقة من الطبقات مشهورة، ثم لا يوجد القول به في جميع الطبقات أيضاً، وهذا من علامات الإعلال، وأظهرها إذا كان الراوي فقيهاً ثم قال بخلاف قوله، وقد تقدم معنا الإشارة إلى أنه ينبغي لطالب العلم أن يميز هؤلاء الرواة بعضهم عن بعض، فيميز الراوي الذي له دراية، والراوي الذي ليس له دراية، حتى يكون من أهل الحذق والمعرفة في هذا.

    وأما بالنسبة للراوي إذا كان من بلد معين، ولكنه ليس بصاحب فقه، ما الصنيع في ذلك؟ هل يظهر فيه الإعلال أم لا؟ نقول: يظهر الإعلال إذا كان من شيوخه أو من تلاميذه فقيه من أهل ذلك البلد، ولو لم يرو في هذا الحديث فوجد في كلام شيوخه وتلاميذه القول بخلاف الحديث الذي رواه فيكون هذا من قرائن الإعلال، وإذا وجد القول في شيوخه أو في تلاميذه يوافق الحديث ولكنه لم يرو عن هذا الراوي بذاته شيء، وذلك باعتبار أنه صاحب رواية وليس بصاحب دراية، وهذا من قرائن التقوية لهذا الحديث.

    لهذا مزيد المعرفة بطبقات الرواة من جهة البلدان، ومزيد الدراية أيضاً في معرفة فتاوى كل طبقة من الطبقات من الأمور المترجحة في هذا الأمر في مسائل التعليل، وأيضاً عند طالب العلم وكذلك الناقد يكون من أهل النظر، وأميز العلل في ذلك العلل المتنية في هذا الحديث أن عبد الرحمن بن أبي ليلى فقيه كوفي، وهو من كبار الفقهاء أيضاً من أهل الكوفة، وذلك أيضاً أنه كان له اعتبار في الكوفة أنه كان من أهل المدينة، ثم أصبح في أهل الكوفة، وأخذ عنه جماعة من أهل الكوفة، الحديث كذلك أيضاً كان له محل نظر وعناية عند الكوفيين؛ لأنه متقدم وأدرك بعض الخلفاء الراشدين، ولهذا نقول: إن هذا الحديث منكر من جهات متعددة، وما تقدم الإشارة إليه معنا أيضاً يعضد القول بهذه النكارة في مسألة ذكر الألبان في هذا الحديث.

    وهل الانقطاع بين عبد الرحمن وبين أسيد يطعن في عبد الرحمن يعني: من جهة التدليس؟ نقول: إنما أوردنا هذه العلة مع أننا رجحنا أن الحديث من حديث البراء، والانقطاع هنا يؤكد القول أنه ليس من حديث أسيد، ولو قيل إنه من حديث أسيد نقول بانقطاعه، وابن أبي ليلى ممن هو معروف في هذا ثلاثة: عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو الإمام الثقة، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف، وعيسى بن أبي ليلى وهو ضعيف، والرابع عبد الله وهو بينهم وبين عبد الرحمن وأوثق هؤلاء وأجلهم هو عبد الرحمن بن أبي ليلى ومحمد هو أيضاً من مدرسة أهل الرأي، والعلماء من الفقهاء من أصحاب الرأي من أصحاب أبي حنيفة يأخذون برأيه، وإذا قالوا ابن أبي ليلى، فالغالب أنهم يشيرون إلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى .

    1.   

    حديث: (صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر رجل أعمى...)

    الحديث الثاني: حديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه أنه قال: ( صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر رجل أعمى فسقط في حفرة فضحكنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضحك أن يعيد الوضوء كله، وأن يبتدئ الصلاة من أولها )، هذا الحديث أخرجه الدارقطني في كتابه السنن، ورواه ابن عدي في كتابه الكامل من حديث الحسن بن دينار عن الحسن بن أبي الحسن عن أبي المليح عن أبيه أسامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد اختلف في إسناده تارة يجعل من حديث الحسن بن أبي الحسن عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارة يجعل من حديث قتادة عن أبي المليح بن أسامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كلا هذين الإسنادين الحسن بن دينار، وهو متروك الحديث، وهذا الحديث جاء من حديث الحسن بن دينار ويرويه عنه محمد بن إسحاق، وهل الوهم في ذلك من محمد بن إسحاق أو من الحسن بن دينار؟ الحسن بن دينار متروك، ومحمد بن إسحاق فيه ضعف، وهو صدوق، ولكنه قد اضطرب في هذا الحديث، وإنما حملناه الاضطراب، وذلك أنه قد جاء هذا الحديث من غير طريق الحسن بن دينار، فجعل من حديث خالد الحذاء من غير طريق الحسن بن دينار، فدل على أن الوهم فيه من محمد بن إسحاق، ولو صح إلى محمد بن إسحاق، وصح إلى الحسن بن دينار لقلنا إن علته بـالحسن بن دينار فلا يصح، وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر من حديث قتادة بن دعامة السدوسي عن أنس بن مالك، وقد اختلف فيه على قتادة، تارة يجعل من حديث قتادة عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه، وتارة يجعل من حديث قتادة عن أنس بن مالك، وتارة يجعل من حديث قتادة عن أبي العالية رفيع بن مهران وهذا هو الصواب أنه من حديث قتادة عن أبي العالية رفيع بن مهران هكذا رواه الثقات من أصحاب قتادة، رواه سعيد بن أبي عروبة وسعيد بن بشير ومعمر بن راشد كلهم عن قتادة عن أبي العالية رفيع بن مهران مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وجاء أيضاً من حديث الحسن البصري عن أنس بن مالك، وجاء أيضاً من حديث حفصة عن أنس بن مالك، وجاء من حديث حفصة عن أبي العالية رفيع بن مهران، وجاء من حديث الحسن البصري عن أبي العالية رفيع بن مهران، والصواب أن مدار هذه الطرق كلها هي على أبي العالية رفيع بن مهران ورفيع بن مهران تابعي كبير، وهذا الحديث مرسل، وأما من جهة المتن فمنكر، ففي بعضها يأتي ذكر إعادة الصلاة، وفي بعضها يأتي ذكر إعادة الوضوء والصلاة، وهذا هو العمدة لدى فقهاء الرأي الذين يقولون بنقض الوضوء من الضحك، فعمموا ذلك، وقالوا: من ضحك أو قهقه ولو خارج الصلاة انتقض وضوؤه، وهذا القول منكر.

    والحديث ضعيف وإن ثبت إسناده إلى أبي العالية رفيع بن مهران فإنه مرسل، ويغتر بعض المخرجين من متأخري المحدثين بتعدد مخارج الحديث ويجعلونها شواهد لهذا الحديث، وقد تقدم معنا أنه جاء من حديث أنس بن مالك، وجاء من حديث أبي المليح عن أسامة وهو والد أبي المليح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء من مرسل الحسن، وجاء من مرسل قتادة، وجاء من مرسل حفصة، وجاء عن أبي العالية، هذه قالوا كلها مراسيل، وهذه الطرق عند جمعها يتضح أنها تنتهي إلى أبي العالية رفيع بن مهران، ورفيع بن مهران تابعي، وحديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل.

    قرائن قبول الأحاديث المرسلة

    والأحاديث المرسلة عند العلماء بعد جمعها إذا تعددت هل تعضد بعضاً أم لا؟ يقال: إن الأحاديث المرسلة إذا تنوعت وتعددت ينبغي بعد جمع طرقها أن ينظر في مخرجها، فإن اتحد المخرج فإنه لا عبرة في تعدد الطرق؛ لأن المخرج في ذلك واحد، وتكون الطرق في ذلك إما راجحة وإما مرجوحة، وإذا كان الراجح في ذلك أن المخرج واحد فلا عبرة بهذا التعدد، وإذا تنوعت المخارج فلا بد من النظر إلى شيوخ المرسلين، وهذا عليه يعتمد التصحيح بمجموع الطرق، وشيوخ المرسلين الذين يرسلون الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بد من إحصائهم وضبطهم، إذا كان أحد المرسلين كوفياً والثاني بصرياً، والثالث مدنياً، وهكذا تعددت المخارج ننظر في شيوخ المرسلين، إذا كانوا يروون عن أشخاص معينين فالتقى هؤلاء الثلاثة في مدرسة معينة، فإننا لا نقوي هذه المراسيل ببعضها لاحتمال أن يكون قد اتحدت هذه المراسيل، وإذا كانت المخارج تنوعت ويحال أن تلتقي بمخرج واحد.

    مثال هذا: إذا كان المرسل مصرياً والآخر كوفياً والثالث مكياً، ولم يلتق أحد من هؤلاء بالآخر، ولا بشيوخ الآخر، ولم يخرج آحادهم عن بلده، فهذا في غلبة الظن أن المخرج في ذلك تعدد، فإننا نقول حينئذٍ بأن هذه المراسيل يقوي بعضها بعضاً.

    كذلك أيضاً ينبغي أن ننظر إلى الطبقات وتعددها، فإذا كان الذي أرسل في طبقة متقدمة فإن هذا يعني انحسار الفجوة بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام، وانحسار عدد الرواة، وكلما تأخر المرسل زاد العدد، وأطول إسناد جاء فيه عدد من التابعين إلى النبي عليه الصلاة والسلام إسناد حديث: ( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ) جاء فيه سبعة من طبقة التابعين.

    وهذا يدل على أنه قد يتعدد المخرج ولا نشعر به، فقد يكثرون في طبقة واحدة، لهذا نقول: إنه لا بد من النظر إلى المخرج، وتقوى أو تضعف قرينة تعدد المخرج كلما ارتفع طبقة الراوي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ارتفع طبقة الراوي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ودنا منه سقط من هؤلاء الرواة الذين يزيد احتمال كونهم قد وجدوا سواءً كانوا ضعفاء أو ثقات، إذا كانوا ثقات استفدنا العلو، وإذا كانوا ضعفاء أمنّا من وجود ضعيف في هذا الإسناد، لهذا الذين يصححون الأحاديث المراسيل ببعضها على الإطلاق، هذا التصحيح فيه نظر؛ لأن الأحاديث ربما تلتقي براو ولو كان هذا الاحتمال ضئيلاً، لماذا؟ لأن الحديث إذا كان فرداً في بابه وهو مرسل لا بد أن تكون هذه المسألة من الأصول واعتنى بها الأئمة، أو تركوها وكلا الأمرين يغنينا عن الأخذ بهذا الحديث وعدم الاعتداد به، أو يكون ذلك من الفروع اليسيرة، وهذه الفروع اليسيرة، إذا كان المرسل من الكبار فإن هذا لا بد أن يأخذه عنه أصحابه.

    كذلك أيضاً من القرائن في قبول المرسل أن يكون المرسل أفتى به، أو وجد في مدرسة شيوخه أفتوا به، مثال هذا: إذا أرسل في ذلك قتادة ووجد فتيا في ذلك عن أنس، أو أرسل عكرمة، وسعيد بن جبير، ووجد في هذا فتيا في قول عبد الله بن عباس، أو وجد هذا في إرسال نافع وسليمان بن يسار وسعيد بن المسيب، ووجد هذا في فتاوى شيوخهم، فإن هذا من قرائن التقوية، وتقوية المراسيل بعضها مع بعض هذا يرجئ، وهذا له قيود يذكرها العلماء تارة بالنص، وتارة بالإشارة والإلماح.

    من قرائن إعلال المرسل

    ومن القرائن العكسية التي يعل بها الحديث المرسل إذا وجد متصلاً، الحديث المرسل إما أن يكون مرسلاً يتيماً لا يوجد غيره، ولا يوجد متصلاً، فإذا وجد متصلاً فإن هذا يعل المرسل، والمرسل يعل الموصول، فإذا كان المتصل يقوى بعدم وجود مخالف له فكذلك المرسل يعضده عدم وجود المخالف له؛ لأن الاختلاف في الحديث على وجهين يوحي بعدم الضبط، وإذا جاء الحديث على وجه واحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤت به على غيره فإن هذا من قرائن ضبط الحديث على وجه واحد.

    والقصة إنما يشك فيها إذا جاءت على أكثر من وجه، وإذا رويت على وجه واحد فحسب واعتضدت بقرائن أخرى دليل على أنها ما جاءت إلا على هذا المعنى.

    أوجه النكارة في حديث نقض الوضوء بالضحك

    ومن النكارة أيضاً في هذا الحديث ذكر القهقهة في نقض الوضوء، وهذا من المنكرات مما لا يوجد في قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة يضحكون ويبتسمون، ويدخل في الضحك التبسم، والدليل على هذا قول الله جل وعلا: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا [النمل:19] يدل على أن التبسم يطلق عليه ضحك، وعلى هذا يقال بأنه ناقض، وهذا من الأمور المنكرة.

    والذي عليه فتيا الفقهاء من أهل المدينة ومكة على عدم النقض بالتبسم والقهقهة وهذا من علامات النكارة، والحديث إذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يوجد فتيا من فقهاء مكة والمدينة تؤيده فإن هذا من قرائن النكارة، بل إن الفتيا عند متأخريهم على خلافه أيضاً، وإن لم يوجد عند متقدميهم قول في هذه المسألة، ثم إن مسألة الضحك مما تعم بها البلوى، وهي من أظهر النواقض التي لو جاءت لوجب أن يثبت بها النص.

    ففما يعل به هذا الحديث من حيث المتن بأحاديث أخرى في باب النقض أن الإنسان في اليوم يضحك أكثر من مس ذكره وأكثر من أكله لحم الإبل ومن الحجامة والنوم.

    فينظر في أحاديث الباب ويعل بها الحديث الآخر، والحاجة إلى الضحك مما تعم به البلوى كثيراً، والصحابة عليهم رضوان الله تعالى ربما ضحكوا في المسجد كما جاء في حديث جابر في الصحيح قال: ( كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، ونتحدث في أمور الجاهلية ونضحك )، وهذا في الصحيح ولو كان ناقضاً لأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على نكارة هذا الحديث من جهة المتن.

    1.   

    حديث: (إذا التقى الختان بالختان وتوارت الحشفة وجب الغسل)

    الحديث الثالث في هذا: هو حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا التقى الختان بالختان وتوارت الحشفة وجب الغسل )، هذا الحديث منكر إسناداً ومتناً، الحديث رواه الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلته من وجوه.

    أولها: أن هذا الحديث لم يروه عن عمرو إلا الضعفاء، وهم الحجاج بن أرطأة ورواه عبد الله بن وهب في مسنده من حديث محمد بن عبيد الله العرزمي، ويرويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ويرويه أبو حنيفة، كما جاء في بعض مسانيده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أما رواية الحجاج ومحمد بن عبيد الله العرزمي فضعيفة لظاهر ضعف الرواة، وأما أبو حنيفة فمع إمامته وفقهه إلا أنه لا يروي الحديث بلفظه، وإنما يغير المعنى، وهذه غالبة على مدرسة الكوفيين، أنهم يروون الحديث بالمعنى.

    العلة المتنية لفظ (توارت)، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه اللفظة، وينبغي أن يشار إلى مدرسة الكوفيين، وهي التي ينبغي أن تميز عند كلامنا على مغايرة الألفاظ وعلتها بذلك في الأحاديث، وذلك أن مدرسة الكوفيين تروي الأحاديث بالمعنى، ونلمس هذا في كتب الحنفية كثيراً، أنك تجد الحديث في كتب السنة، وتجد هذا الحديث منقولاً بألفاظ ليست في الدواوين الإسلامية في كتب الأحناف، فيغايرون بينها، ويروونها بالمعنى، فتنقلب من جيل إلى جيل، فيستدلون بمزيد الألفاظ الزائدة على ألسنة وكلام الأئمة بأحكام جديدة، وهذا ما يتفرد به أهل الرأي كثيراً، لهذا من أهم المدارس التي تؤثر على قصور طالب العلم في أمور العلل هو جهله بمدرسة أهل الرأي؛ لأنها من أكثر المدارس تغييراً للحديث، ومن أكثر المدارس مخالفة للحديث المروي عند بعض أئمتهم إذا خالف الرأي، الراوي يخالف مرويه أحياناً، هذا الأحيان يكثر عند الحنفية، وهو أظهر، تجد الراوي يخالف مرويه؛ لمخالفته القياس مثلاً، أو بعض الفقهاء المتقدمين الذين يعتد بأقوالهم، سواءً كانوا من أئمة الصحابة ونحو ذلك، كما يأتي عن علي بن أبي طالب، ويأتي مثلاً عن عبد الله بن مسعود ممن يأخذ عنهم أهل الكوفة كثيراً، فتجد من يخالف هذا القول لديهم كثيراً، لهذا الجهل بذلك يؤثر على طالب العلم في أمور النقد.

    ومن أنفع شيء لطالب العلم في هذا: أن يجمع أئمة الرأي الذين لهم رواية حتى إذا وجدهم في الأسانيد ميزهم في النقد.

    1.   

    حديث: (من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ)

    الحديث الرابع: حديث أبي هريرة عليه رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ )، هذا الحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وجاء من حديث سهيل بن أبي صالح عن إسحاق بن زائدة عن أبي هريرة، وجاء من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن إسحاق بن زائدة عن أبي هريرة، وجاء من حديث ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة، وجاء من حديث ابن أبي ذئب عن أبي صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة، وجاء من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، واختلف فيه موقوفاً ومرفوعاً.

    حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة على اختلاف طرقه، والوهم فيه من سهيل، فلم يحفظه، كما نبه على هذا الدارقطني، فتارة يجعله عن أبيه عن أبي هريرة، وتارة يجعله عن إسحاق عن أبي هريرة، وابن أبي فديك يرويه عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة، وتارة يجعله عن المقبري عن أبي هريرة والصواب في ذلك حديث المقبري كما نبه على هذا الدارقطني، وقد اضطرب أيضاً في وقفه ورفعه، والحديث عن أبي هريرة موقوف صحيح، أما حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فالصواب فيه الوقف رواه حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً وأخطأ فيه حماد، ورواه يزيد بن هارون وعبدة بن سليمان، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي وعبد الوهاب بن عطاء كلهم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة موقوفاً وهو الصواب. وهذا الحديث أعله مرفوعاً عامة الحفاظ، أعله الإمام أحمد وأبو حاتم والبخاري وعلي بن المديني ويحيى الذهلي وابن المنذر والدارقطني والبيهقي وغيرهم، بل قال الإمام أحمد عليه رحمة الله: لا يصح في هذا الباب شيء، ومن نكارة رفعه أيضاً أنه لم يثبت عن أحد من الخلفاء الراشدين ومن علية الفقهاء من الصحابة من قال بالاغتسال من غسل الميت والوضوء من حمله، وقال غير واحد من العلماء: إنه لم يقل بهذا الحديث أحد، ولم يفت به أحد من العلماء، وربما قال به أبو هريرة احتياطاً.

    ومما يؤيد هذا أن أبا هريرة له أصحاب فقهاء يروون عنه، ولم يحفظ هذا القول عنه، فله أصحاب من فقهاء التابعين، ومن أقرب الفقهاء من التابعين لـأبي هريرة سعيد بن المسيب وبينهما نسب، ولم يحفظ هذا القول عن هذه المدرسة، مما يدل على أن أبا هريرة إنما قاله على سبيل الاحتياط، ومثل هذا يحتاج إليه وينبغي أن يرد به النص أقوى.

    ومن وجوه الحاجة أن الذي يحمل الميت جماعة، فمثل هذا النقض يطرأ على جماعة مما يدل على أهمية ورود النص بشكل أظهر، ولو ثبت عندهم ذلك لتواصوا به، كذلك أيضاً المتقرر لديهم الوضوء لصلاة الجنازة، فإذا كان الوضوء لصلاة الجنازة والغسل يسبقها بقليل، وجب أن ينبه عليه أظهر من غيره؛ لأن النقض قريب، كذلك أيضاً ربما صلى بعض الفقهاء من السلف على الجنازة في المقبرة، وهذا يعني أنه بعد حملها، ولم يذكر عن واحد منهم أنه قال بنقض الوضوء أو أمر غيره بالوضوء، ومعلوم أن موضع المقابر ليست موضع ماء، ولا جلب ماء، وإنما الناس يتوضئون في دورهم وبساتينهم.

    في هذا القدر كفاية، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وبالله التوفيق.