إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [23]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في كتاب الطهارة حديث عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة)؛ فهو معلول من جهة السند ومن جهة المتن؛ ومثله حديث أم سلمة في الباب نفسه. ومنها حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار)؛ حيث يفهم أن في الحديث ناسخاً ومنسوخاً مع أنها قصة وقعت في مجلس واحد واختصرت اختصاراً أخل بدلالتها. وكذلك حديث الوضوء من ألبان الإبل، وما ثبت فيه لا يتناسب مع كثرة الحاجة إليه، وقد وردت نصوص أقوى مما وردت فيه في نواقض أخرى يحتاجها الناس بشكل أقل في حياتهم.

    1.   

    حديث: (قبل رسول الله بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أول أحاديث هذا اليوم حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى أنها قالت: ( قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ )، هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث وكيع عن الأعمش عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث قد تفرد به من هذا الوجه حبيب عن عروة عن عائشة .

    اختلاف العلماء في عروة الراوي عن عائشة

    واختلف في عروة هذا بين عروة بن الزبير وبين عروة المزني، فنص الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى عند إخراجه لهذا الحديث فذكر عروة منسوباً، فقال: عروة بن الزبير عن عائشة، وكذلك ذكره ابن ماجه في كتابه السنن، وفي بقية المصنفات لم ينسب عروة، وقد جاء في بعض الأسانيد أنه عروة المزني، وقد مال إلى هذا أبو داود عليه رحمة الله في كتابه السنن، ومال إلى هذا أيضاً المزي عليه رحمة الله في كتابه التحفة، فإنه ذكر عروة في عروة المزني ولم يذكر ذلك في مسند ابن الزبير عن عائشة، وهذا الحديث كما هو ظاهر قد اختلف فيه في تمييز عروة على القولين السابقين.

    وعروة بن الزبير من أئمة الفقه والرواية من التابعين، وأجلة السلف، ويروي عن عائشة عليها رضوان الله تعالى وهي خالته، فهذا الحديث تردد بين هذين، وعروة المزني مجهول، ذهب بعض الأئمة إلى أنه عروة بن الزبير كما تقدم الكلام عليه، وعلى كل فهو إن قيل أنه عروة بن الزبير أو عروة المزني، فالحديث معلول بعلل يأتي الكلام عليها.

    والذي يظهر والله أعلم أن عروة هذا هو عروة بن الزبير، كما تقدم الإشارة إليه، وحبيب لم يسمع من عروة بن الزبير شيئاً، والذين ذكروا أنه لم يسمع منه شيئاً وهم أكثر الحفاظ كـسفيان الثوري، وكذلك يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين والبخاري، وكذلك أبو حاتم نص على هذا أيضاً، وتعقب أولئك ابن عبد البر عليه رحمة الله في كتاب الاستذكار، وقال: إن حبيب قد روى عن من هو أولى وأقدم طبقة من عروة، فسماعه منه محتمل، وهذا فيه نظر، فالأئمة عليهم رحمة الله أولى بقبول قولهم من ذلك، وذلك أن ابن عبد البر مع جلالته وإمامته وحفظه وتقدمه في هذا الفن، إلا أنه بعيد عن معاقل الرواية، وهو من أئمة المغرب، وهو متأخر عن أولئك الأئمة، فأولئك الأئمة كـسفيان الثوري، وكذلك يحيى بن سعيد وابن معين وأحمد والبخاري وأبي حاتم وغيرهم، هؤلاء متقدمون بالنسبة لـابن عبد البر .

    كذلك أيضاً: فالقاعدة لدينا كما تقدم الإشارة إليه أنه عند اختلاف العلماء ينظر إلى من هو أقرب إلى ذلك الإمام زمناً وبلداً، أقرب هؤلاء الأئمة إلى ذلك الراوي وهو حبيب هو سفيان الثوري، وحبيب بن أبي ثابت كوفي، وسفيان الثوري كوفي كذلك أيضاً، فأعلم الناس به سفيان الثوري، ولهذا قد نص البيهقي عليه رحمة الله في كتابه السنن على هذا، فقال: أعلم الناس بهذا سفيان الثوري، يعني: أعلم الناس بهذا الحديث، وكذلك بحال حديث ابن أبي ثابت، لهذا ينبغي لطالب العلم والناقل إذا أراد أن ينظر في اختلاف العلماء أن ينظر في محل الاختلاف، وقرب هؤلاء العلماء منه زمناً، وكذلك منه زمناً وبلدة، وهذا من القرائن التي ترجح قول إمام على غيره، فـابن عبد البر يتكلم على قواعد عامة وهو بعيد عن بلاد المشرق، أما حبيب بن أبي ثابت، فهو بلدي لـسفيان الثوري، وأيضاً زمني وهو زمني له، وإن كان سفيان متأخراً عن حبيب قليلاً، إلا أن اشتراكه في البلدة، وكذلك اشتراكه معه في قرب الزمن مقارنة بغيره، فإنه يقدم على غيره، كذلك أيضاً من أئمة العراق كـالإمام أحمد ومن كان فيها أو حولها كـيحيى بن معين وغيرهم من أئمة النقد الذين يميلون إلى أن حبيب لم يسمع من عروة بن الزبير .

    وبعض العلماء كما تقدم الإشارة إليه يميل إلى أن هذا هو عروة المزني، وعلى كل لو قلنا: إنه عروة المزني، فـعروة المزني مجهول، ولكن من المرجحات في هذا مع كلام العلماء أن عروة هو عروة بن الزبير، لأنه جاء في الخبر أن عروة قال لـعائشة حينما قالت عائشة أنه قبل بعض نسائه، قال عروة بن الزبير: ما أظنه إلا أنت فضحكت عليها رضوان الله تعالى، فلا يجرؤ عروة المزني أن يقول هذا لـعائشة وهو رجل مجهول، ولا تعرف له رواية، وقطعاً أنه بعيد وهو من مزينة.

    فلا يمكن أن يقول هذا لـعائشة فهذا بعيد فضلاً عن لفظة فيه وهي قوله: ضحكت، أن تضحك لـعروة المزني هذا بعيد أيضاً؛ لهذا مسألة القرابات من القرائن في الترجيح في أمور العلل عند العلماء في مسألة ضبط الراوي إذا كان الراوي يروي عن قريب له، وهذا تقدم الإشارة إليه، كذلك تمييز الرواة بعضهم عن بعض عند الاختلاف، وذلك بالنظر في المتن، أحياناً لفظة في المتن تميز راوياً في الإسناد، لهذا ينبغي أن ينظر إلى ذلك من جهة القرابة، وتلتمس أحواله وكذلك قرائنه في المتون والأسانيد.

    والقرائن التي تفيد في القرابات كثيرة يشير إليها العلماء على سبيل الإشارة، لكن وجود القرابة بين الراويين هذا يدل على قوة الرواية؛ لأن الراوي إذا روى عن قريب له فهو أعلم الناس بحديثه، بخلاف الرجل الذي يروي عن شخص بعيد فإنه ليس عالماً بحديثه؛ لأن الإنسان يتصنع الصدق، أو يتصنع القدرة على الرواية، أو الفقه ونحو ذلك عند الغريب الذي يراه مرة ومرتين، بخلاف الذي يسبر حاله لمدة طويلة، فإنه يعرفه على حقيقته، وهذا كحال القرابة، لهذا القرابة إذا جاءت بين راو ثقة وغيره ممن هو دونه، هذا يدل على أنه يضبط من حديثه ويختار، وهذا شبيه بكلام بعض العلماء في مسألة، وهي أن العلماء يقولون: إن الراوي إذا كان من أهل الاختصاص بشيخه فإنه يقدم على غيره.

    ومسألة الاختصاص المراد بها طول الملازمة، فإذا لازم الراوي شيخه ملازمة طويلة فإنه يقدم على غيره، هذه الملازمة الطويلة هي المحصلة في مسألة القرابة، إذا روى الراوي عن ابن عمه، أو عن عمه أو نحو ذلك، فضلاً عن روايته عن أبيه، فإن هذا أشد من جهة المخالطة ومن جهة قوة الاختصاص.

    فهذا الحديث إذا قلنا: أنه عن عروة المزني، فـعروة المزني مجهول، كذلك أيضاً في سماع حبيب منه فيه ما فيه، وإن كان بعض العلماء يجعل هذا الحديث من حديث عروة المزني، ولهذا يقول: إن حبيباً لم يحدثنا إلا عن عروة المزني كما قال هذا الثوري، ويريد بذلك أن حبيباً لا يحدث عن عروة بن الزبير شيئاً، ويحتمل أن مراده بذلك أن عروة الذي يروي عن عائشة حديث القبلة هو عروة المزني وليس عروة بن الزبير .

    ويحتمل أن المراد بقوله: أن عروة في هذا الحديث لم يسمع من حبيب، فيكون لفظه هذا في حديث عروة هو كلفظه السابق في نفي السماع من عروة بن الزبير من حبيب بن أبي ثابت، حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة كما تقدم الإشارة إليه.

    إعلال حديث: (قبل رسول الله بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) من حيث المتن

    كذلك أيضاً فإن هذا المتن قد طعن فيه بعضهم، وذلك أن هذا الحديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ )، عند الإعلال للأحاديث ينظر إلى المتشابه معها في اللفظ والمتفق من جهة الإسناد المتقارب معه في ذلك، إذا كان الراوي لأحد الوجهين راوياً ضعيف الضبط، أو إسناد فيه ضعف، وذلك أن حديث عروة بن الزبير عن عائشة في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه وهو صائم )، هذا حديث عروة بن الزبير صحيح في الصيام، وحديث حبيب عن عروة في الوضوء، إذاً: فهو مسألة أخرى في هذا، والذي يظهر والله أعلم أن كلام بعض العلماء في إعلال حديث حبيب عن عروة عن عائشة بحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الأولى أن حديث عروة بن الزبير عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل نساءه وهو صائم، وأن حديث الوضوء غلط بكامله، هذا فيه نظر.

    حديث الوضوء ضعيف، أما حديث الصيام فصحيح وثابت في الصحيح، يرويه هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام قبل نساءه وهو صائم، هناك بعض العلماء من يعل حديث حبيب عن عروة عن عائشة بحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، ومراده بذلك أن ثمة وهماً وغلطاً في هذا الحديث، ولا حاجة إلى إيراد الوضوء في حديث عائشة، والصواب في هذا أن في الباب حديثين: حديث عائشة في الوضوء، وحديث عائشة في الصيام، حديث عائشة في الوضوء ضعيف، وفي الصيام صحيح وهو في الصحيحين.

    لكن هناك بعض الرواة يغلط فيجمع بين الحديثين، كما رواه الدارقطني من حديث الحاجب بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ )، هنا جعل الحديث حديث هشام بن عروة، وهشام بن عروة لم يرو حديث الوضوء، فدمج إسناد هذا بمتن هذا وهذا غلط.

    بعض الرواة يرويه عن هشام بن عروة ويجعله من حديث عروة بن الزبير عن عائشة ويذكر الصيام، ويذكر الوضوء أيضاً، فيقول: ( إن النبي عليه الصلاة والسلام قبل بعض نسائه وخرج ولم يتوضأ وهو صائم )، فجعل الحديث على حديثين، فجمع الحديث الأول مع الحديث الثاني مع اختلافهما من جهة الطريق، وهذا يرد في بعض الرواة المتوسطين من جهة الحفظ، وفي بعض الثقات يخلطون بين الأحاديث فيجمعون المتون، وهذه طريقة معلومة، لهذا ينبغي للناقل إذا أراد أن يحكم على حديث من الأحاديث أن ينظر فيما يقاربه لفظاً، ويتفق معه في بعض الأسانيد.

    لدينا هذا الحديث يروى عن عروة وعروة يرويه عن عائشة في الحديث الأول والحديث الثاني، لكن اختلفا، فذاك يرويه هشام وذاك يرويه حبيب بن أبي ثابت، والمتن متن حبيب في الوضوء، ومتن هشام هو في الصيام، وهذا وإن كان من جهة الباب ينفك فذاك في الطهارة وذاك في الصيام إلا أنه من جهة العلة العلماء لديهم نفس في الإعلال أن قليل الضبط وقليل الدراية يخلطون بين المتون فيدمجون هذا وهذا، ولهذا بعض الفقهاء في دواوين الفقه يورد الحديث الذي فيه الطهارة وفيه الصيام، ويستدل به على أنه حديث واحد، وهذا فيه ما فيه.

    وجاء عند الطبراني وغيره أيضاً هذا الحديث من حديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة عليها رضوان الله تعالى: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه، وهو صائم فخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ )، هذا الحديث وهم وغلط من حديث الزهري، فسائر أصحاب الزهري يروونه عن أبي سلمة عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، ولا يذكرون الوضوء، وإنما يذكرون الصيام، ولهذا البخاري ومسلم قد أخرجا هذا الحديث من حديث أبي سلمة عن عائشة، ومن حديث عروة عن عائشة ولم يذكرا الوضوء فيه، وذلك لأن حديث الوضوء معلول، وأن حديث الصيام هو الثابت، وهو حديث عروة وأبي سلمة عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، رواه عن الزهري جماعة من أصحابه من أئمة الحفظ والرواية من أهل المدينة يروونه عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، بهذا نخلص إلى أن الحديث في الوضوء من قبلة المرأة لا يثبت بذلك شيء من جهة النقض، أي: من حيث هل ينتقض وضوء الإنسان أم لا؟ ويتفرع في هذه المسألة كلام العلماء في مس المرأة، هل ينقض الوضوء أم لا؟ يتكلم العلماء على هذه المسألة في إيرادهم لمثل هذا الحديث.

    وأما حديث عائشة الآخر وهو في الصحيحين في مسألة: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام قبل بعض نسائه وهو صائم )، أن القبلة للصائم لا تكره، وهو باب آخر ليس لنا علاقة فيه باعتبار أننا في كتاب الطهارة، وربما نعلق على حديث عائشة إن شاء الله عز وجل في كتاب الصيام إن احتيج إلى ذلك.

    وعلى هذا نعلم أن حديث عائشة في الطهارة ضعيف، بل نقول: إنه منكر، وقد أنكره يحيى بن معين، وقال يحيى بن سعيد القطان: شبه لا شيء، يعني: من جهة الرواية، أما من جهة الدراية فالعلماء عامتهم من السلف عن الصحابة والتابعين لا يرون أن مس المرأة ينقض الوضوء، فلعل هذا الحديث كان موقوفاً، أو من قول بعض التابعين فجعلوه مرفوعاً، أي: كان فتوى فجعلت حديثاً مرفوعاً، ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه شيء في هذا الباب، وهذا يعضد القول بضعف هذا الحديث.

    1.   

    حديث أم سلمة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ولم يتوضأ...)

    الحديث الثاني: وهو حديث أم سلمة: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ولم يتوضأ وكان صائماً ولم يفطر )، هذا الحديث جاء من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لدينا أسانيد تقدمت في هذا الحديث، ذكرنا هنا أن أبا سلمة يرويه عن أم سلمة، وأبو سلمة هو أبو سلمة بن عبد الرحمن.

    حديث عائشة في قبلة الصائم رواه الزهري عن أبي سلمة يحتمل أن ثمة وهماً، فالمتن واحد، وهو في قبلة الصائم، وقبلة المتوضئ.

    والصواب في هذا الحديث أنه من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى، وذلك أنه يرويه يزيد بن سنان وقد ضعفه غير واحد، ضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم ووثقه بعضهم، وثقه البخاري وأبو حاتم في رواية أيضاً، والصواب فيه أنه لا تقبل مفاريده.

    ويزيد بن سنان هو أبو فروة الرهاوي، وقد تفرد بهذا الحديث، رواه جماعة عن الأوزاعي وجعلوه من حديث عائشة لا من حديث أم سلمة، يرويه الوليد بن مسلم ومبشر بن إسماعيل وغيرهم عن الأوزاعي وجعلوه من حديث أبي سلمة عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، وهكذا جاء كما تقدم فيما رواه أصحاب الزهري عن أبي سلمة عن عائشة عليها رضوان الله أنهم يجعلونه من حديث عائشة لا من حديث أبي سلمة عن أم سلمة، وجعله من حديث أم سلمة منكر، وهذا يعضد ما تقدم الكلام عليه من أن الحديث إذا اتفق من جهة المتن، ووجد راو في الإسناد اتحد مع غيره مع اختلاف الصحابي، وكان الإسناد يحتمل التضعيف، فإنه في الأغلب يشترك مع غيره؛ لأن المخرج واحد.

    مثال هذا: حديث عائشة السابق يرويه عنها أبو سلمة، وحديث أم سلمة يرويه عنها أبو سلمة، فأبو سلمة يرويه عن الاثنتين والمتن واحد، إذاً: مخرج الحديث جاء من باب واحد، الباب الواحد هذا يفتح على بابين: باب على عائشة وباب على أم سلمة، حينما اتحد المخرج إذا كان هذا الباب فتح على بابين فينظر فيه في ذاته هل هو من الثقات؟ فنجد أنه من الثقات، إذاً: ينظر عمن فوقه، فنتتبع الإسناد نجد أن في الإسناد من يهم ويغلط، فربما جاء الحديث من حديث أبي سلمة فوهم فيه فجعله عن أم سلمة ولم يجعله من حديث عائشة إلا أن المجرة في هذا الإسناد إلى أم سلمة أو عائشة؟ فهل هي أبو سلمة عن أم سلمة أم أبو سلمة عن عائشة ؟والمجرة هي الجادة والطريقة، نجد أن الجادة في الإسناد الأغلب إلى عائشة لا إلى أم سلمة .

    والعلماء يقولون: الجادة وهي في كلام العامة الطريق الذي يمشي عليه الإنسان، فالإنسان خفيف الضبط أو صاحب النسيان يسلك الجادة، أما خرج أحد منكم من بيته وهو ساه، ثم خرج إلى الجهة التي يذهب إليها كل يوم فيتفاجأ أنه سلك طريقاً آخر؟ يحدث هذا، فهذا الطريق الذي يذهب له كل يوم هو الجادة، فإذا كان للأقدام جادة فللشفتين جادة، فالأكثر أن يلفظ فيه أبو سلمة عن عائشة، فلما كانت هذه الجادة والراوي خفيف الضبط يجري على لسانه ما اعتاد عليه، لكن هنا جاء من جهة الجادة الأدنى وهي رواية أبي سلمة عن أم سلمة، والأضبط هنا عكس الجادة.

    ولذلك إذا رأيت شخصاً في مكان لم يأته من قبل لا يمكن أن تقول: إن فلاناً يذهب فيصل إلى هذا المكان؛ لأن هذا المكان لا يأتيه إلا شخص متدبر، ويعرف عمداً أنه يأتي إلى هذا الموضع، أما الشخص الذي يسهو هو الذي يذهب إلى المكان الذي يذهب إليه كل يوم، فيأتي هنا النسيان، ولكن نقول في مسألة الجادة هي قرينة وليست دليلاً قطعياً، وهنا أصبحت قرينة ضعيفة لما هو أقوى منها؛ لأن الثقات الكبار كـالزهري وأشياخه الذين رووا عنه هذا الحديث يروونه عن أبي سلمة عن عائشة على الجادة ولو خولف، فالإنسان إذا خالف الجادة يكون أضبط، ولكن قد يخالف الجادة ويكون مخطئاً في هذا، وهذا له أحوال تقدمت الإشارة إليها.

    لهذا من المهم لطالب العلم في أبواب العلل أن يحفظ المجرة، العلماء يسمونها مجرة، ويسمونها جادة، وطريقة، وسبيلاً، وغير ذلك من الألفاظ، سميت مجرة لمجرة الأقدام، وعليها سميت المجرة الكونية؛ لأن الشمس تدور في خط واحد، والأرض تدور في خط واحد، فيقولون هذه المجرة؛ لأن مجرة الإنسان على هذا الإسناد.

    هناك طريق أغلبي يسلكه الراوي ويكثر من إسناده، ينبغي أن يضبطه الراوي، ومن لم يضبط الأسانيد التي يكثر الرواة من حكايتها يضعف في هذا الباب في أمور الترجيح، ويصعب عليه اختبار الراوي، وربما وقع في تقوية بعض الوجوه على بعض؛ لأنه نظر إلى الظاهر ما نظر إلى الكثرة؛ لهذا ينبغي أن تعرف رواية الرواة المكثرين، وعمن يكثرون، هذه مجرات وجواد، وعمن يكثرون، وعمن يروون قليلاً، هذا من المسائل المهمة في هذا.

    1.   

    حديث: (كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار)

    الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله قال: ( كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار )، هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود وجماعة من حديث شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الإسناد صحيح ولكن المتن فيه علة، والعلة في المتن أنه اختصر فأخل بمعناه، والإخلال بالمعنى يعرف بجمع الطرق، وتقدم معنا في اختصار شعبة بن الحجاج اختصر معنا كما تقدم متناً من المتون، شعيب بن أبي حمزة في روايته عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله في هذا الحديث اختصر ونعرف الاختصار بالنظر في الطرق التي تروى عن محمد بن المنكدر، هو فرق من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله، الحديث بلفظه من حديث ابن جريج وغيره عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له لحم وخبز فتوضأ ثم قام إلى صلاة الظهر، ثم قدم له لحماً، ثم أكل، ثم قام ولم يتوضأ فصلى )، في يوم واحد في لحظة واحدة، المرة الأولى أكل اللحم، ثم قام فتوضأ فصلى، بعد الصلاة أكل ذات اللحم أي: ما بقي من طعامه، ثم قام ولم يتوضأ، وهذا لا يقتضي أن آخر الأمرين ناسخ ومنسوخ، يقتضي أنه توضأ هذه المرة ولم يتوضأ المرة الأولى، وليست القضية مسألة وجوب أو ترك.

    تجد جمهور العلماء في أبواب الفقه يستدلون بهذا الحديث في مسألة ترك الوضوء مما مست النار، ويقولون: بعدم نقض الوضوء من لحوم الإبل، وهذا الحديث ليس له علاقة في الباب إذا نظرنا إليه مطولاً، والذي اختصره هو شعيب بن أبي حمزة، لأننا وجدنا أن هذا الحديث من حديث محمد بن المنكدر ومعمر بن راشد وروح بن القاسم وجماعة كلهم يروونه عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله بنحو اللفظ السابق، فلما اختصره أثر ذلك على معناه فاختل الحديث، وتبع في ذلك الاختلال من جهة الاستنباط.

    لهذا نقول: إنه ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يجمع ألفاظ الحديث أن يجمع الطرق، حينما تقف على حديث جابر بن عبد الله: ( كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار )، تجده مغايراً لألفاظ حديث ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله، ذاك لفظ وهذا لفظ، قد يظن الإنسان أن الحديث ذاك مختلف، وهو حديث واحد، لكنه رواه بمعناه، نص على هذا جماعة كـأبي حاتم أن شعيباً هو الذي اختصره، وهذا الاختصار في المتون أثر على فقه الحديث، وشكل مدارس كثيرة فقهية بسبب الخلل في المتن، لهذا الفقيه الذي لا ينقد الأحاديث إسناداً ومتناً يقع لديه الخلل في الترجيح كثيراً، الحديث إسناده صحيح، لفظه واضح من جهة الحكم، ولكنه من جهة المعنى اختصر على غير وجهه، وهذا الحديث ليس له في مسألة ترك الوضوء مما مست النار ناسخ ومنسوخ، يفهم في البداية أن المسألة ناسخ ومنسوخ وليس كذلك، إنما هو حالتان في مجلس واحد:

    الأولى: استحب الوضوء وربما لناقض سابق.

    الثانية: قام النبي عليه الصلاة والسلام وفعل ذات الفعلة ولم يتوضأ، ولم يرد ثمة نسخ، ومثل هذه الأحوال لا يقع النسخ، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام نزل عليه في ذلك وحي لنقل؛ لأن الوحي يلحظ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان جالساً، ثم أيضاً إن شعيب بن أبي حمزة لا يقارن الذين خالفوه لا من جهة العدد، ولا من جهة الدراية، بعضهم أفقه منه وأدرى بالمعاني، كـابن جريج، وهو من أئمة الدراية في مكة، وإن كان شعيب بن أبي حمزة أيضاً من أئمة الرواية والحفظ والإتقان إلا أننا نتكلم هنا على مسألة معرفة أبواب الاستدلال.

    1.   

    حديث عبد الله بن عمر: (توضئوا من لحوم الإبل...)

    الحديث الرابع: حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم، وتوضئوا من ألبان الإبل، ولا تتوضئوا من ألبان الغنم )، الحديث هذا حديث عبد الله بن عمر يرويه ابن ماجه في كتابه السنن من حديث عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعطاء بن السائب ضعفه بعضهم لاختلاطه في آخر أمره، ومن روى عنه قديماً فحديثه جيد، وهنا يروي عنه اثنان، أحدهما يرويه مرفوعاً وهو خالد بن يزيد، وليس بمعروف كحال محمد بن إسحاق، وهو الثاني يرويه محمد بن إسحاق كما روى ابن أبي حاتم في كتابه عن عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر، فجعله موقوفاً على عبد الله بن عمر لا مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصواب في ذلك الوقف، جزم بهذا أبو حاتم، كما نقله عنه ابنه في العلل، وهو الأشبه في الصواب.

    أوجه علل حديث الوضوء من ألبان الإبل

    وذلك لأمور:

    أولها: أن حليب الإبل يحتاج إليه الناس أكثر في حياتهم من لحم الإبل، فيلزم من هذا أن يثبت حديث نقض الألبان أكثر من اللحم، والواجب على نقلة الأخبار من الصحابة والتابعين لو وجد نص في نقض الحليب أن يتحملوا هذا الأمر فينقلوه أكثر، وهناك نواقض هي دون الحليب مرتبة مثل النوم وقد يكون موازياً، وربما يشربون الحليب أكثر عدداً من النوم؛ لأنهم ينامون في اليوم مرة أو مرتين.

    وكذلك مس الذكر وما جاء في بعض الأحاديث في الدم والحجامة وغير ذلك أقوى مما جاء في الألبان، والمفترض أن الألبان تكون أقوى، لهذا ينبغي إذا ورد حكم يتضمن مسألة من المسائل أن ننظر في الأحاديث المشابهة المشتركة معها ودرجة قوتها.

    اللحم يأتي في الصحيح من حديث جابر بن سمرة بإسناد قوي جداً عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم اللبن يأتي به حديث مثل هذا مع أنه يحتاج إليه أكثر هذا لا يمكن، لهذا نقول: إن هذا الحديث منكر، ولا يثبت رفعه، بل نستطيع أن نقول: إنه باطل مرفوعاً؛ لأن أمر النبي عليه الصلاة والسلام يقتضي الوجوب، ومثل هذا النبي عليه الصلاة والسلام قرن الألبان باللحوم، وإذا اشتركت معه من جهة الحكم وجب أن تفوقه بقدر الحاجة إليها، كذلك أيضاً ما جاء من أحاديث في أبواب الطهارة مما لا يحتاج إليه الإنسان من سنن الطهارة، من الأحاديث الأخرى، حتى في مسائل اللباس، آداب اللباس، أحكام الصلاة، أحكام الصيام، نحن في أبواب العلل تكلمنا على الأحكام، ذكرنا منها يومية، وذكرنا أسبوعية وشهرية، ومنها حولية.

    إذا نظرت إلى هذه المسألة يحتاجها الناس كل يوم، بل من الناس في الصدر الأول من لا طعام له إلا الحليب، صباحاً ومساءً، كرعاة الإبل وغير ذلك، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام عرينة لما اجتووا المدينة أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها، معنى هذا أنهم لا شراب لهم إلا ذلك، هذا يلزم منه بيان الحكم، وإذا قلنا: إنه لم يثبت الحكم عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا في مثل هذا الحديث، ولم يرد غير هذا الحديث دليل على نكارة هذا الحديث رفعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثانياً: من وجوه العلل أيضاً: عمل الصحابة على ترك الوضوء من ألبان الإبل، ولما تركوا مثل هذا الحكم الذي يحتاج إليه دليل على عدم اعتبار هذا الحكم أصلاً لديهم، وكثير من الفقهاء وخاصة أهل الرأي وجماعة من الفقهاء من المتأخرين من الشافعية والمالكية والحنابلة أيضاً يأخذون الأحاديث ويهملون النظر في عمل الصحابة، وهذا فيه ضعف في أبواب الإعلال، وفيه أيضاً الخروج عن الإجماع، لو كان فيه إجماع سواءً في هذه المسألة أو في غيرها من المسائل.

    التوسع في النظر إلى الأبواب المشتركة مع المتن عند الحكم عليه

    ومن المهمات أيضاً: أن طالب العلم إذا وقف على متن من المتون أن يتوسع بالنظر في أبوابه التي تشترك معه في مسائل الاشتراك، ومن ذلك حديث: ( صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة )، كل من تكلم عليه تكلم على علل إسنادية فقط، لا يوجد أحد أعل المتن، وهي مهمة أيضاً، إذا قلنا: إن الصلاة بسواك وهي لمدة ثوان يأخذ الإنسان السواك أفضل من سبعين صلاة، إذاً: ما قيمة الصلاة في المسجد الأقصى؟ إذا كان المسجد الأقصى تذهب إليه، وصلاتان بسواك أو ثلاث صلوات تكون أفضل من الصلاة المسجد الأقصى هذا لا يمكن أن يتوازن؛ ولهذا نقول بنكارة المتن، بالنظر إلى المشتركات معه في الباب، قد لا يكون مسألة الصلاة في ذاتها، وإنما في باب التضعيف، والشريعة تأتي بمراتب الأعمال بالتدرج وترتيب الأعمال لا تأتي بالخلط، فإذا كان هناك متن من المتون اجمع الأحاديث الواردة في الباب واستحضر المشتركات معه من جهة المعنى ومن جهة الدلالة، وعمل الصحابة، والنظر في الرواة، كل هذه الأسباب هي التي تعطي طالب العلم أهلية في نقد المتون.

    أكثر النظر الآن عند كثير من طلاب العلم والمخرجين يعتمدون على الظواهر، ينظر في الإسناد ثم يحكم على الإسناد فقط مجرداً، ولا يتجاوز الإسناد، وهذه الطريقة طريقة قاصرة جداً؛ لأن الشريعة محكمة، ومعنى الإحكام هو الإتيان بها شذوذ ومن غير زيادة أو نقصان، تأتي متساوية من جهة ضبطها وأبوابها كأسنان المشط لا يزيد حكم عن حكم من جهة المقدار بحسب التشابه، كذلك أيضاً من جهة تراتيب الأحكام بحسب ما يكون الحكم مهما ًيرد فيه النص وفرة وقوة، ولهذا تجد العلماء يعرفون بتشديد الشريعة في أمر أن هذا الأمر من أعظم الواجبات، تشديد العقوبة يعلمون أن هذا الأمر من أعظم المحرمات إذا وقع فيه الإنسان، ولهذا ليس لك أن تأتي بمحرم فيه لعن وكبيرة قد ورد المكروه بإسناد أقوى منه؛ لأن الكبيرة التي تتساوى تناولاً بالنسبة لوقوع الإنسان لها أولى بالتشديد بورود النص فيها أكثر من المكروه الذي يقع فيه الإنسان، يخرج من هذا عدم التساوي في التناول، ومعنى التناول أن الإنسان يباشر المكروه كل يوم، أما بالنسبة للكبيرة فالنفوس تشمئز منها، ولا ترد في بال الإنسان، ولا تخطر في بال الإنسان ونحو ذلك، ويضعف التدليل عليها؛ لأن الشريعة تتوافق مع وازع الطبع، وهذه معادلة لها أثر في أبواب العلل، ويوجد محرمات لم ينص الشارع عليها بالتحريم بعينها وليس لأحد أن يقول هذه ليس فيها دليل، سنشرب البول؛ لأنه ليس فيه تحريم، وليس فيه دليل بالنص لا يمكن لأحد أن يقول لنا ما فيه دليل؛ لأنه لا أحد من بني آدم يمكن أن يقبل الشرب، فتحتاج أنت إذا قلت بهذا أن يعدل عقلك أصلاً حتى تخاطب بالدليل وتفهم هذا النص الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لهذا الشريعة تأتي متواكبة مع الفطرة، وقد يأتي التحريم لشيء دون البول تحريماً، لهذا نقول: إن شرب البول أعظم من شرب الخمر، وجاءت النصوص كثيرة في الخمر؛ لأن النفوس تتشوف إليها، أما البول لا تتشوف إليه النفوس، فيؤثر كثرة وقلة، لهذا ينبغي أن ينظر إلى التناول والتلبس من جهة وفرة الأدلة، وينظر إلى ذات الحكم من جهة المشابهة في المقدار، كذلك أيضاً من جهة كثرة الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    نكتفي بهذا القدر.

    1.   

    الأسئلة

    اعتبار رواية الحديث مع عدم ذكر السؤال من العلل

    السؤال: يقول: رواية الحديث مع عدم ذكر السؤال هل هذا علة؟

    الجواب: نقول: هذا اختصار في الحديث يخل؛ لأن القاعدة الشرعية أن الحكم الشرعي يبادر به لا يسئل عنه، هذا هو الأصل في أحكام الشريعة، فإذا جاء حكم شرعي بسؤال مجرد ولم يأت حديث آخر يبين الحكم على سبيل الاستقلال لم يدل الأمر على الوجوب، فالسائل حتى عن الأمور المباحة لا بد أن يجاب بفعل الأمر، إذا جاءك شخص يقول: أريد أن أذهب إلى مكة والمدينة، تقول: اذهب إلى مكة واذهب إلى المدينة، هل يلزم من قولك الوجوب؟ أو يلزم من قولك السلطة عليه، أو القوة أو الفرض؟ لا يلزم. إنما هو سأل فأجبت، لهذا الأمر يعد السؤال عند الفقهاء لا يفيد الوجوب، وإنما على أقوى أحواله يفيد الاستحباب والاستحسان.

    أثر التقديم والتأخير في الرواية

    السؤال: يقول: التقديم والتأخير هل له أثر في الرواية؟

    الجواب: التقديم والتأخير قسمناه على قسمين: قسم مقصود للراوي من إيراده، يعني: له علاقة بإيراد الحديث أصلاً، وقسم ليس له علاقة بإيراد الحديث.

    مثال: حديث علي بن أبي طالب: ( كنت رجلا ًمذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني )، يعني: يريد أن يسأل عن المذي، المذي هو موضع السؤال هل فيه الوضوء أو ليس فيه الوضوء؟ جاء في الحديث لفظين: ( اغسل ذكرك وتوضأ )، هل هذه مقصودة من الراوي حال الرواية؟ أم المقصود أن النبي عليه الصلاة والسلام يبين الحكم أن هذا ناقض، أما بقية الأحكام الأخرى فليس لها صلة في هذا الباب لها أدلتها الأخرى، هذا التقديم والتأخير يشكل على بعض الفقهاء فيستدلون به، ويقولون: يجوز الاستنجاء والاستجمار بعد الوضوء، وهذا قول الشافعية ورواية في المذهب، أن الإنسان إذا ذهب إلى الخلاء فلم يستنج فتوضأ، ثم استنجى فوضوؤه الصواب أنه صحيح، لكن هل هذا الدليل لا علاقة له بالباب؛ لأنه تقديم وتأخير ليس مقصوداً من إيراد الحديث؛ لهذا تقديم ألفاظ الحديث بعضها على بعض نقول: إذا كانت مقصودة من السياق ولها أثر في ذات المعنى المسئول عنه، أو لها أثر في الحكم لو لم يكن الأمر على سؤال فيقال: إنه يشدد فيها في أمر الإعلال، ويعل بها الحديث للاضطراب، ويبين الراجح والمرجوح، وإذا لم يكن لها أثر لا يلتفت إليها، ولهذا الروايات التي في حديث علي بن أبي طالب في الصحيح ما ضرت الصحيح ولا أخذت على الصحيح أنه قدم وأخر؛ لأنها ليست معتبرة من إيراد الحديث فالاعتبار من ذلك هو الإجابة عن سؤال السائل عن المذي، فتمت الإجابة، أما ما عدا ذلك فلا يؤخذ منه.

    يكثر في كتب الفقه -وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له- الفقه استدلال الفقهاء بالحديث الواحد بروايات الأحاديث، يقولون: وفي رواية كذا الحكم كذا لرواية في الحديث كذا، ولا يميزون هذه الروايات هذا فيه ما فيه، وهذا توسع لا ينبغي أن يكون؛ لأن كثيراً من الأحاديث والوقائع إنما هي وقائع واحدة لم تتكرر، فتنوع الألفاظ يكون من الرواة ينبغي ألا يحمل على أنه من ألفاظ الوحي كألفاظ القرآن المحكم.

    حكم الوضوء من لحوم الإبل

    السؤال: يقول: هل الوضوء من لحوم الإبل مستحب أم واجب؟

    الجواب: على هذا السؤال، ذكرنا أن القاعدة عند العلماء أن الأمر إذا جاء بعد السؤال لا يكون على الإلزام، نقول: جاء في ذلك جملة من الأحاديث منها حديث جابر بن سمرة، ومنها حديث أسيد، ومنها حديث ابن عمر أيضاً وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها بسؤال، وبعضها ليس بسؤال، منها جاء الأمر: ( توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم )، أما إذا كان من جهة الأمر من الإجابة بعد السؤال مجردة فنقول: إن هذا لا يفيد الوجوب بحد ذاته.

    اشتراك ألبان الإبل مع لحمها في الوضوء منها

    السؤال: يقول: ما جاء في حديث عبد الله بن عمر في ذكر الألبان، ألا نقول: إن الألبان مستحب الوضوء منها مع اللحوم فلا تكون واجبة، فتشترك معها في الحكم؟

    الجواب: نقول بهذا لو كان الحديث واحداً، لكن جاءت أحاديث أخرى خصت اللحم، ولم تذكر الألبان، فلما خصت اللحوم في أحاديث مستقلة منفردة ولم تذكر الألبان دل على أن اللحوم لها مزية من جهة الحكم، وتلك المزية هي التي أفسدت الرفع في حديث عبد الله بن عمر من جهة المتن.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد..