إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [10]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في كتاب الطهارة حديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى الغائط لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)، فهذا الحديث من حيث الإسناد لا يصح، وأما من جهة المعنى فإن الأدلة العامة قد دلت عليه. وكذلك حديث: (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة بغائط ولا بول ولا يستقبل الريح)، فهو حديث منكر بهذا الوجه؛ وذلك لتفرد عبد الله بن لهيعة به، ومنها حديث: (حولوا مقعدتي إلى القبلة) عله المحدثون بسبب سماع خالد بن أبي الصلت من عراك، وحصول الاضطراب في سنده، وأيضاً حديث: (نهى عن استقبال القبلتين بغائط أو بول) لمخالفته ما جاء في الصحيحين وكذا تفرد أبي زيد به وهو مجهول لا يعرف.

    1.   

    حديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى الغائط لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد :

    فأول أحاديث اليوم حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى الغائط لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ).

    هذا الحديث رواه أبو داود في كتابه السنن والترمذي من حديث وكيع عن الأعمش عن رجل عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء أيضاً من وجه آخر من حديث وكيع و أبي يحيى الحماني عن الأعمش قال: قال عبد الله بن عمر وأسقط الواسطة، وجاء من وجه آخر أيضاً من حديث وكيع بن الجراح عن الأعمش عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذه ثلاثة وجوه يرويها الأعمش ، الوجه الأول: هو بذكر واسطة مجهولة.

    الوجه الثاني: بإسقاط الواسطة.

    الوجه الثالث: بإبدالها بـالقاسم بن محمد عن عبد الله بن عمر .

    وجاءت وجوه أخرى في هذا، فقد رواه عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس بن مالك ، فجعله من حديث أنس بن مالك بدلاً من حديث عبد الله بن عمر ، وقد ذكر هذا أبو داود في كتابه السنن ورواه الترمذي وأعله، وجاء من حديث محمد بن ربيعة عن الأعمش عن أنس بن مالك كما رواه البزار ، ورواه العقيلي من حديث سعيد بن مسلمة عن الأعمش عن أنس بن مالك.

    فعندنا هنا حديثان: الحديث الأول: حديث عبد الله بن عمر ، والثاني: حديث أنس بن مالك ، وحديث عبد الله بن عمر و أنس بن مالك كلها مرسلة؛ وذلك أن الأعمش لم يسمع من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نص على هذا غير واحد من الحفاظ، فيقول الحاكم عليه رحمة الله: لم يسمع من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى أنساً يصلي فذكر الحكاية، يعني: صلاة أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى، وقد سأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث، فقال: أيهما أصح، يعني: حديث عبد الله بن عمر أم حديث أنس بن مالك ؟ فقال: كلاهما مرسل، ولم يقدم أحدهما على الآخر.

    الترجيح عند تساوي علة حديثين

    وهنا مسألة من مسائل العلل في هذا: وهي أن الناقد إذا استوت وجوه التضعيف عنده فأنه ينبغي ألا يرجح بينهما إن اشتركا في علة واحدة، فحديث عبد الله بن عمر و أنس بن مالك كلها منقطعة، وهي من جهة الإعلال سواء، فلا حاجة إلى أن نرجح أن الحديث جاء من حديث عبد الله بن عمر وهو الأرجح، أو أن الحديث جاء من حديث أنس بن مالك وهو الأرجح، وإن كان ظاهر سياقات الحفاظ أنهم يرجحون ما جاء من حديث عبد الله بن عمر على ما جاء من حديث أنس بن مالك ، وأن الأصح في ذلك هو حديث عبد الله بن عمر ، ولكن البخاري لما سئل عن هذا؟ قال: كلاهما مرسل، يعني: أنهما قد اشتركا في علة واحدة فتصحيح أحدهما لا يعني تقويةً وذلك للاشتراك في العلة.

    فلهذا ينبغي لطالب العلم إذا نظر في مجموع الأحاديث المتقاربة من جهة الضعف ألا يقدم أحدها على الآخر إن استوت من جهة الضعف أو تقاربت من جهة الترجيح، بخلاف الوجهين غير المتقابلين، وذلك كأن يكون الحديث من وجه قوي ومن وجه فيه ضعف، فإن الأئمة حينئذ يجسرون على الترجيح، ولو على سبيل الاحتياط كأن يميلوا مثلاً إلى الضعف.

    على سبيل المثال كـالأعمش مثلاً لو قلنا: إنه صح سماع الأعمش من أنس بن مالك ولم يصح من عبد الله بن عمر ، فمثل هذا هل يقال: بالتكافؤ في الطريقين؟

    الجواب لا نقول بالتكافؤ باعتبار أن طريق أنس بن مالك طريق متصلة وصحيحة، وطريق عبد الله بن عمر طريق ضعيفة، فحينئذ نميل إلى الترجيح، ولكن إذا استوت الطرق من جهة العلة فلا نرجح، وهذا هو الأغلب في صنيع العلماء، ومن نظر في كلام أبي حاتم و أبي زرعة وأحمد و الدارقطني وغيرهم في أمثال هذه المسائل، وجد أنهم لا يرجحون إن كانت العلة متقاربة ولا مرجح ظاهر إلا قرائن دقيقة، أو كان الترجيح ضعيفاً أو دقيقاً، وربما لو كان الترجيح ظاهراً لا يرجح الأئمة إذا كانت الطرق كلها معلولة، كما في هذا الحديث.

    وهذا الحديث قد جاء من طرق واهية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصح منها شيء، كما رواه البيهقي وغيره من حديث الحسين بن عبيد الله عن شريك بن عبد الله النخعي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب إلى الخلاء لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ) ، هذا الحديث منكر؛ وذلك أنه قد تفرد به من هذا الوجه الحسين بن عبيد الله وهو متهم بالوضع، وقد حكم ببطلان الخبر غير واحد من الأئمة كـابن عدي عليه رحمة الله تعالى في كتابه الكامل، وهذا الحديث من مفاريد الحسين بن عبيد الله.

    الحث على ستر العورة

    وقد جاء من وجوه أخرى أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصح منها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى ولا يصح أيضاً، ولكن من جهة المعنى يقال: إن الأدلة العامة قد دلت على ذلك، وهو أن الإنسان يستحب له أن يستر العورة، لكن أن يقال: إن الإنسان يأخذ ذلك على الإطلاق حتى في الأبنية ونحو هذا، بحيث يفعل هذا تعبداً، فنقول: هذا لا دليل عليه، أو يكون الإنسان بفلاة لا يراه أحد على الإطلاق ففي مثل هذا لا يقال: إنه يتعبد بألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، ولهذا نقول: إن الإنسان إذا غلب على ظنه أو ورد شك أن يراه أحد فإنه يحتاط في هذا، ولهذا قد جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في أبواب الاحتياط في مسائل العورات:

    منها: أنه كان إذا أراد الغائط أبعد المذهب، ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستتر إذا ذهب إلى الخلاء، وغير ذلك مما يدل على أهمية الاحتياط لمسألة العورة، بل جاء في الشريعة ما هو أشد من ذلك، وهو الاحتياط في مسألة العورات عن أعين الجن، وذلك بذكر الله سبحانه وتعالى، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من هذا مما هو معلول، وأشرنا إلى شيء من هذا أيضاً مما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حديث: (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة بغائط ولا بول ولا يستقبل الريح)

    الحديث الثاني: هو حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة بغائط ولا بول، ولا يستقبل الريح ) ، هذا الحديث رواه الطحاوي وغيره من حديث عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه النهي عن استقبال الريح زيادةً عن النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها.

    وهذا الحديث منكر بهذا الوجه؛ وذلك لتفرد عبد الله بن لهيعة به، وقد جاء هذا الحديث عن أبي هريرة من جملة من الطرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث لـأبي هريرة نفسه:

    فقد جاء هذا الحديث في صحيح مسلم وليس فيه ذكر الريح، فذكر الريح فيه منكر، وجاء أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجه آخر كما رواه البيهقي من حديث محمد بن يزيد بن سنان عن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن خلاد عن أبيه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن استقبال الهواء ) ، وهذا الحديث لا يصح؛ وذلك أنه قد تفرد به محمد بن يزيد بن سنان من هذا الوجه، وهو ممن لا يحتج به وهو مطروح الحديث.

    وقد جاء هذا المعنى أيضاً من وجه آخر، فقد رواه البيهقي وابن عدي في كتابه الكامل من حديث يوسف بن السبر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنه نهى عن استقبال الهواء ) ، وهذا الخبر منكر، فإنه قد تفرد به يوسف بن السبر ، وهو ممن لا يحتج به أيضاً وهو مطروح الحديث.

    وقد جاء هذا الحديث أيضاً من حديث الأوزاعي على وجه آخر وهو الأمثل، فقد رواه ابن عدي والبيهقي من حديث الأوزاعي عن حسان بن عطية من قوله: أنه كان يكره استقبال الهواء عند قضاء الحاجة، وقد جاء في ذلك طرق أخرى واهية لا يعول عليها، فقد روى الدارقطني في كتابه السنن من حديث بقية عن مبشر بن عبيد عن الحجاج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث لا يصح أيضاً؛ وذلك أنه قد تفرد به مبشر بن عبيد وهو متروك.

    وهذا النهي الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنع من استقبال الريح لا يصح فيه خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما قد يقال بالتعليل، وإنما أوردنا هذا الحديث في هذا الدرس، وقد يظن أنه ليس على شرطنا؛ وذلك أننا ذكرنا أن الأحاديث المعلة التي نوردها هي ما يحتج بها عند الفقهاء ولا يوجد أصل يعضدها، أو حديث صحيح بمعناها، وهذا الحديث لا يوجد حديث صحيح بمعناه، وإنما يقال: إن ما تطاير أو تسبب بوصول البول إلى الإنسان فإن الإنسان ينهى عنه على الإطلاق.

    وأما استقبال الريح فإن الإنسان إذا قلنا: بالإطلاق يمنع من استقبالها ولو لم تصل إليه، كأن يرى الإنسان إعصاراً أو يرى مثلاً الهواء قد جاء من جهة الشمال وهو في البنيان، فإن هذا نقول: بأنه يشترك على قول من قال بالإطلاق في مسألة النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في الفضاء والبينان، وأنه يلزم من هذا أن يقول بالإطلاق، لأن النص في ذلك لا تعليل فيه، وإنما جاء النهي على الإطلاق، وإن كانت العلة في هذا ظاهرة: وهي أن المنع يؤخذ بقيد إيصال رشاش البول، ولكن يقال: إن المنع في ذلك لا يثبت فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يقال: باطراد هذه الصورة، أن الإنسان لا يستقبل الريح ولو كان في البنيان، أو لا يستقبل الريح ولو كانت يسيرة، أو لا يستقبل الريح إذا كانت لا تؤذيه أو كانت بعيدةً عنه.

    وعلى هذا فنقول: إنه لا يثبت في ذلك شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما وردت الأحاديث في هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام ربما كان فعلاً من السلف فجعل من المرفوعات، أو كان نهياً يقرره العلماء، فحمله الضعفاء ومن كان متهماً في دينه على أنه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وما أكثر ما يحمل الوضاعون الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقيمة المعنى فينسبونها للشريعة باعتبار أنها تجري على الأصول فقط، فينسبونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسب الأسانيد التي تجري على ألسنتهم.

    وإن قلنا: بكراهة استقبال الريح إذا كانت تؤذي الإنسان وتجعل البول يرتد إليه، فنقول حينئذ بالكراهة، ولكن هذا مقيد ليس بالريح فقط، بل يقال: إنه بكل ما تسبب بإيصال البول إلى الإنسان، سواءً كأن يبول الإنسان إلى شيء صلب كحجارة ونحو ذلك، أو كان الإنسان يبول قائماً ولا يحتاط لنفسه بحيث يرجع إليه، فيقال: إن هذا كله مما ينهى عنه.

    1.   

    حديث: (حولوا مقعدتي إلى القبلة)

    الحديث الثالث: هو حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى أنها قالت: ( قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قوماً يكرهون أن يستقبلوا القبلة عند قضاء الحاجة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوفعلوها؟ حولوا مقعدتي إلى القبلة ).

    هذا الحديث رواه أبو داود في كتابه السنن، والإمام أحمد في مسنده من حديث خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عائشة عليها رضوان الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    علة حديث: (حولوا مقعدتي إلى القبلة)

    وهذا الحديث معلول بعدة علل:

    العلة الأولى: أن في سماع خالد بن أبي الصلت من عراك نظراً، كما نص على ذلك البخاري في كتابه التاريخ.

    العلة الثانية: أن في سماع عراك من عائشة عليها رضوان الله تعالى نظراً أيضاً، كما نص على هذا وجزم به الإمام أحمد عليه رحمة الله، فقال: أنى لـعراك أن يسمع من عائشة ! إنما أخذه من عروة عن عائشة عليها رضوان الله تعالى.

    العلة الثالثة: أن هذا الحديث قد وقع فيه اضطراب في إسناده، فروي عن عراك على وجوه: منها ما رواه خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عائشة ، ومنها ما رواه خالد الحذاء عن عراك عن عائشة ، ومنها ما رواه خالد عن رجل عن عراك عن عائشة ، وهذه كلها مرفوعة، وقد جاء موقوفاً على عائشة عليها رضوان الله تعالى كما رواه الدارقطني في كتابه السنن من حديث جعفر بن ربيعة عن عراك عن عائشة عليها رضوان الله تعالى من قولها، وهذا هو الصواب، وذلك أنه موقوف على عائشة مع كونه معلولاً أيضاً.

    وهذا الحديث صوب الوقف فيه البخاري عليه رحمة الله وأبو حاتم وهو ظاهر صنيع الإمام أحمد عليه رحمة الله.

    وفيه علة رابعة: وهي أن خالد بن أبي الصلت ليس بمعروف، قال فيه الإمام أحمد عليه رحمة الله: ليس معروفاً، وقال ابن حبان كلاماً في ظاهره يخالف ما قاله الإمام أحمد عليه رحمة الله، قال: هو من متقني أهل المدينة، يعني: أنه معروف، ونفى الجهالة عنه ابن عبد البر عليه رحمة الله، وقال: إنه قد روى عنه خالد الحذاء و مبارك بن فضالة و واصل وغيرهم.

    المراد بالجهالة في قول الإمام أحمد في خالد بن أبي الصلت: ليس معروفاً

    و خالد بن أبي الصلت في قول الإمام أحمد : ليس معروفاً، هل يقصد بذلك الجهالة الاصطلاحية أم لا؟

    أولاً: الذي يظهر لي والله أعلم أن الإمام أحمد لا يقصد الجهالة الاصطلاحية، وأن قول ابن حبان وابن عبد البر في مقابل كلام الإمام أحمد عليه رحمة الله لا يظهر رجحانه؛ وذلك أن الإمام أحمد عليه رحمة الله في قوله: ليس معروفاً، يريد بذلك أن هذا الرجل مدني، وأهل المدينة أهل رواية وأهل دراية، وهم أوسع أهل البلدان جمعاً بين الرواية والدراية، ووجود هذا الراوي الذي لا يروي عنه إلا اثنان وثلاثة في مسائل مهمة، يعني أنه ليس بمعروف في بيئة كهذه.

    وأما قول ابن حبان : من متقني أهل المدينة، فهذا بعيد أنه من متقني أهل المدينة؛ وذلك أن الإمام أحمد عليه رحمة الله حينما قال: ليس معروفاً يريد بذلك أنه جاء بمتون لا يحملها راو قليل الحديث كـخالد بن أبي الصلت ، ومثل هذا ينبغي أن يكون الراوي في ذلك مكثراً، مكثراً من جهة التلاميذ، ومكثراً من جهة الشيوخ، ومكثراً من جهة رواية الأحاديث؛ وذلك أن المدينة ليست كغيرها.

    وإن كنا نغتفر في بعض الوجوه الجهالة في المدينة في بعض المسائل ونشدد في بعضها، فهذا الحديث من الأصول المهمة التي تعارض النصوص الصريحة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف لا والنبي صلى الله عليه وسلم أمر ظاهراً بأن توجه مقعدة النبي صلى الله عليه وسلم جهة القبلة، وهذا فيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن استقبال القبلة ولا استدبارها، وأن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى فعلوا ذلك على سبيل التوهم والظن أو على سبيل الاجتهاد، وهذا لا يمكن أن يكون.

    مع أن الأئمة عليهم رحمة الله كـالبخاري و مسلم ، وأصحاب السنن الأربع ومسند الإمام أحمد اعتمدوا في هذا الباب إخراجاً وأوردوا وفرةً أحاديث النهي، ولم يعولوا أيضاً حتى من جهة الفتيا ومن جهة التراجم والتبويب على أمثال هذه الأحاديث، فلهذا ينبغي لطالب العلم في مسألة الجهالة ألا يطرد في كلام الحفاظ في علوم الحديث في قولهم: إن الجهالة على نوعين: جهالة حال وجهالة عين، وأن جهالة الحال إذا روى عن الراوي اثنان فصاعداً ما لم يعرف، أن نقول: هذا ليس على إطلاقه، مثل المدينة في قضايا كبيرة وأحاديث لا نحتمل أن يروي عنه اثنان وثلاثة وأربعة وخمسة، بل يحتاج إلى ما هو أشهر من ذلك حتى يكون معروفاً، أما البلدان الآفاقية التي الرواية فيها قليلة والدراية كذلك، فيحمل من حديث المجهول ما قل أخذ الحفاظ له، فنتعامل بالجهالة البعيدة من هذا الوجه وليس على الإطلاق بل على نحو يخالف التعامل بالجهالة في مسألة ما كان في معاقل العلم كالمدينة ومكة.

    ولهذا في قول ابن حبان عليه رحمة الله: من متقني أهل المدينة، يعني: من المعروفين بالإتقان والشهرة، وهذا فيه ما فيه، وذلك أن من كان يعرف بالإتقان هو من كان لدينا أحاديث تروى عنه كثيرة نستطيع أن نضبطها ونعرف أنه ضبط الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا أو غلط فيه.

    قرائن ينبغي اعتبارها في مسألة الجهالة

    ولهذا قد أشرنا سابقاً في مجالس إلى مسألة الجهالة، وأن ثمة قرائن لا بد من اعتبارها في مسألة الجهالة، من هذه القرائن: مسألة البلد وهي متعلقة بكلامنا هنا، فهذه القرينة تفيد المجهول من جهة القبول وترده أيضاً إذا كان من أهل المدينة مثلاً ومتقدم وجاء بمتن مستقيم لا يخالف الأصول ولم يرد في الباب شيء يعارضه، فإن هذا مما يقبل ويغتفر فيه الجهالة.

    القرينة الثانية: إذا كان متقدماً، وكذلك إذا كان من النساء، وإذا كان أيضاً من بيت علم وديانة كأن يكون مثلاً من أبناء الصحابة ونحو ذلك، أو اختص بالرواية عنه من كان مقرباً منه، فإن هذا من الأمور المغتفرة في الأغلب، وكذلك أيضاً أن يروي عنه ثقة.

    ومن القرائن: أن يكون لديه أحاديث متعددة، ومعلوم أن رواية التلاميذ عن الشيخ لا يعني إشهاراً له أو تعديلاً له، لأنه قد يروي عنه اثنان من المتوسطين، وقد يروي عنه واحد عن عشرة، كأن يروي شعبة و مالك وأمثالهم، لهذا نقول: إن التعلق بالعدد في رفع الجهالة وتحديدها على الإطلاق فيه نظر، بل نقول: إن مرد ذلك إلى نوع الرواة والشيوخ.

    وهذا الكلام أعني ما يتعلق بمسألة الجهالة في الشيوخ قل من يذكره ممن يتكلم في مسائل الحديث، وإنما يرجعون مسألة الراوي إلى تلاميذه، فيقولون: هو الذي يروي عنه اثنان فصاعداً ما لم يعرف، أما الشيوخ فلا ينظر إليهم، وهذا فيه نظر، بل يقال: إن المجهول الذي يحضر مجالس مالك أو يحضر مجالس الكبار كصغار الصحابة أو كبارهم أو كبار أهل الفقه من أهل المدينة كـسعيد بن المسيب و ابن شهاب الزهري و سليمان أبي يسار وأمثالهم، وروايته عنهم هذا يعطيه نوع تعديل، وهي قرينة لا تعني القبول، ولكنها قرينة تجعلنا نثق بأمثال هذا الراوي، فالذي يروي عن راو إمام في الفقه والديانة يعني هذا: أن ركونه إليه محل رضاً من الشيخ، ومحل رضاً من التلميذ لشيخه، فإن غالب الناس حينما يحضر عند أحد ونحو ذلك فإنه يثق في علمه، وهذا نوع تعديل، ولهذا نقول: إن هذه من القرائن.

    ومن القرائن أيضاً في هذا الباب: عدد الأحاديث المروية عنه، قد يوجد راو يروي عن مجهول يروي عن شيخه حديثاً واحداً، ولكن قد يوجد راو يروي أربعة أحاديث خمسة أحاديث وهو مجهول واحد ليس له إلا شيخ وتلميذ واحد، وقد يوجد راو يروي عنه من تلاميذه اثنان ولكن ليس له حديث إلا واحد، أيهما أقرب إلى التعديل وإلى ضبطه؟ الأقرب الذي له أربعة أحاديث، لأن يوجد لدينا مادة نستطيع أن نحكم عليه بالضبط من عدمه، وكل حديث من أحاديثه نقرنها بأحاديث الباب، هل هي مستقيمة أو ليست مستقيمة؟ فإن استقامت الثلاثة استطعنا أن نجزم بصحة الرابع، ونستطيع أيضاً أن نحكم عليه بالتوثيق.

    وبعض من لا عناية له من الذين يعتمدون على الأرقام في رفع الجهالة، كأن يقول: روى عنه اثنان وانتهى الأمر، أو روى عنه ثقة فهو معدل، ولا ينظرون إلى القرائن المحتفة في هذا، ربما يتهمون الذي يحكم على أمثال هذه القرائن بالاضطراب، وذلك للغفلة عن أمثال هذه القرائن، فلهذا نقول: إنه ينبغي النظر في أمثال هذه القرائن.

    ومن هذه القرائن: الطبقة وأنه كلما تقدمت طبقة الراوي كلما كان من أهل القبول والعدالة، خاصةً إذا كان من طبقة أهل الحجاز، وإذا تأخر فإنه يتحاشى حديثه، كذلك أيضاً في البلدان التي تشتهر فيها السنة والبلدان التي تشتهر فيها البدعة يتباين هذا عن هذا.

    ومن القرائن في هذا: إخراج الأئمة لبعض حديثه، فبعض الرواة مقلي الرواية الذين يخرج لهم البخاري و مسلم ولو كانوا في عداد المستورين، ولو كان في عداد المتابعة أقوى من غيره، وهذا نوع تعديل لهم.

    ومن القرائن أيضاً: إذا اتصف المجهول بصفة تدل على الديانة أو رضا الناس باستقامة حاله، كأن يكون إماماً أو يكون مؤذناً، فغالب الناس لا يجعلون أحداً يتصف بهذه الصفة ويلتزم ويؤذن للناس حتى يوصف بأنه المؤذن إلا من رضي دينه وهذا أمر معلوم، لكن كأن يؤذن على سبيل الاعتراض فهذا قد يرد، لكن أن يوصف بالمؤذن أو إمام مسجد البصرة أو مسجد الكوفة أو مسجد حمص ونحو ذلك من الأوصاف، فهذا الناس قد رضوه في دينهم خاصة في الأزمنة المتقدمة التي لا يمكن أن يجعلوا ذلك محل مسامحة؛ وذلك لقوة التدين والقرب بالعهد خاصة في القرون المفضلة.

    ومن الأوصاف أيضاً أن يوصف مثلاً بالزهد، أو يوصف بالقضاء أو بالقراءة ونحو ذلك، فهذا يعطي تعديلاً له في دينه، والتعديل في الدين يعطي إشارة إلى مسألة التحري، صحيح أن الحفظ ملكة لا علاقة لها بمسألة الديانة، ولكن نقول: يشرك هذا أمر دقيق وهو التحري، لأن من لم يضبط الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلم من نفسه هذا لا يروي إذا كان صاحب ديانة، وأما إذا لم يكن صاحب ديانة فربما يكون جسوراً، وذلك أنه يسوغ لنفسه من المسوغات التي يترخص فيها أنه يضبط مثلاً أو يريد تذكير الناس، وهو صاحب جهالة بالدين وأحكامه، فيقال: إنه ينبغي أن ينظر إلى أمثال هذه القرائن.

    وهذا الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي تفرد به خالد بن أبي الصلت إنما رددناه مع كون خالد بن أبي الصلت مدني، لكون خالد بن أبي الصلت جاء بحديث يعتبر أصلاً في بابه، وليس أصلاً في الدين وإنما أصل في مسائل الطهارة وقضاء الحاجة، وهذا من المسائل التي اعتنى بما هو دونها أئمة الرواية والدراية من أهل المدينة، فلهذا نقول: إن النظر إلى حال الراوي ولو كان مثلاً قد جاء بحديث مستقيم ونحو ذلك، خاصةً بعض الرواة الذين يعدلهم بعض الأئمة، يكون لديهم مقاصد عامة، وبعض الأئمة ينظرون إلى ما هو أبعد من ذلك، والإمام أحمد عليه رحمة الله دقيق في حكمه، ولهذا قال: ليس معروفاً.

    والإمام أحمد قد روى هذا الحديث، من حديث خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت ، وجاء أيضاً من غير حديث خالد بن أبي الصلت ولهذا أنكره الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى على خالد بن أبي الصلت وأنكر أيضاً سماع عراك من عائشة عليها رضوان الله تعالى، وكذلك قد أنكر البخاري سماع خالد بن أبي الصلت من عراك.

    ولهذا نقول: إن خلاصة الحكم على الحديث أنه خبر منكر.

    1.   

    حديث: (نهى عن استقبال القبلتين بغائط أو بول)

    الحديث الرابع: هو حديث أبي معقل : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن استقبال القبلتين بغائط أو بول ) ، هذا الحديث قد جاء من حديث عمرو أبي يحيى عن أبي زيد عن أبي معقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث تفرد به أبو زيد من هذا الوجه وهو مجهول، ولكنه قد جاء في مسند الإمام أحمد من حديث إسحاق ابن أخي أنس عن رافع بن إسحاق عن أبي أيوب أنه قال: ( نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ) ، وجاء عند الإمام أحمد أيضاً من حديث أيوب عن رجل، وفي إسناده جهالة.

    وهذا الحديث لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لأمور:

    أولها: أنه مخالف لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا، كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس )، وبيت المقدس هو القبلة الأولى، وحديث عبد الله بن عمر أصح، وهو الذي اعتمده الشيخان، فدل على نكارة ما تفرد به أبو زيد.

    الأمر الثاني: تفرد أبي زيد به وهو مجهول لا يعرف، ولكن أكثر السلف على النهي عن استقبال القبلتين، منهم من حمل النهي على الكراهة، ومنهم من حمل النهي على التحريم، فقد روى ابن أبي شيبة في كتاب المصنف من حديث ابن عون عن ابن سيرين أنه قال: كانوا يكرهون استقبال القبلتين بغائط أو بول، وإسناده صحيح عن ابن سيرين ، وقوله: كانوا يكرهون، فيه إشارة إلى عمل الناس، ويحتمل أنهم الصحابة، أو أراد كبار الفقهاء في زمنه.

    ولكن الذي يظهر والله أعلم أن كراهتهم استقبال بيت المقدس، لأنه يلزم من ذلك استدبار الكعبة، لأن من استقبل بيت المقدس في المدينة فإنه سيستدبر الكعبة فهو بالضرورة ينهى عنه، وربما السلف أرادوا بذلك ضبطاً، أما أن يكون ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك خبر صريح فلا أعلم في ذلك شيئاً عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح في الباب، اعتمده أهل الفتيا وأئمة النقد بالعمل، وإن كان بعض العلماء يحكي الإجماع عن النهي كـالخطابي على الخلاف في هذا: هل النهي للكراهة أو النهي للتحريم؟

    ويحتمل أن يكون المراد بالنهي عن استقبال بيت المقدس وذلك قبل نسخ القبلة، ولكن يظهر أن النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول كان بعدما نسخت القبلة.

    وربما حمل بعض العلماء ما جاء من النهي العام وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استقبال القبلة، وهي عامة في القبلة الأولى أو القبلة الثانية، وبيت المقدس قبلة أولى منسوخة شئنا أم أبينا، وتعظيمها باق، ولكن استقبالها باطل بالصلاة، واستقبالها ابتداءً دليل على فضلها والفضل باق، ولهذا فإن الصلاة في المسجد الأقصى معظمة، وإن كانت الأحاديث الواردة في هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان مقدار عدد معين في التضعيف في بيت المقدس معلولة، ولكن جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم تعظيم الصلاة وتشريفها وأنها بعد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها.

    نكتف بهذا القدر ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الزيادة على أصل الحديث الوارد في الصحيحين إذا كانت خارج الصحيحين

    السؤال: هل كل زيادة زادها أحد من أهل السنن وأصل الحديث في الصحيحين تكون ضعيفة؟

    الجواب: هذا ليس على إطلاقه، الزيادات المتعلقة بالباب التي قصد البخاري و مسلم إخراجه فيه فإذا كانت الزيادة متعلقة بهذه المسألة ولم تورد، فالأصل فيه الإعلال على طريقة البخاري و مسلم، فهذا هو الأصل وهو الأغلب، وإذا أخرج البخاري و مسلم حديثاً وفيه زيادة ولم يوردا هذه الزيادة وأوردا حديثاً يخالفها فأنا أرى أن هذا كالنص بالإعلال أيضاً، وهذا أقوى وجوه إعلال الزيادات.

    ولكن إذا كانت الزيادة في الحديث وأوردها البخاري في الحديث في غير بابه، أو أورده البخاري في بابه ولكن هذه الزيادة ليست متعلقة بالباب، أي: ليست مقصودة من الإيراد، فنقول: إن البخاري يختصر هو وسائر الأئمة الذين يصنفون المسانيد على الأبواب، ويوردون ما ناسب الباب من الأحاديث بخلاف طرائق المسانيد، فربما أسقطوا هذه الزيادة لعدم تعلقها بالباب، فلهذا لا نقول بإعلالها حتى ننظر إلى مناسبة السياق وتعلق المسألة والزيادة بها ونحو ذلك، وكذلك أيضاً نفرق بين ما كانت الزيادة في ثنايا الحديث فأورد أوله وآخره وتركها عمداً، وبين الزيادة التي في آخره فقصر الحديث عنها.

    وقد بينا وفصلنا مسألة الزيادات في أوائل زوائد سنن أبي داود فليرجع إليه.

    اعتبار الكثرة من قرائن الترجيح بين الوصل والإرسال

    السؤال: اعتبار الأكثر في الوصل والإرسال والوقف والرفع، هل هو قرينة؟

    الجواب: نعم هو قرينة، لأن أصل الاعتماد في الإتيان بالحديث على وجهه هو على الضبط، كما أن الراوي في ذاته يضبط، فالضبط يقسم على الناس، فإذا وجد ثلاثة قد تواطئوا على رواية معينة فهذا يعني أن رواية هؤلاء ولو كانوا متوسطين كرواية الواحد الثبت القوي، فهذا يعطينا قوة، ويستثنى من ذلك وجوه: كأن يكون هؤلاء مثلاً يقبلوا التلقين، أو خفيفي الضبط، أو أقران بحيث يحدث بعضهم بعضاً، فينظر إليهم فإذا كانوا متباينين متباعدين لم ير أحدهم الآخر فهذا من قرائن القبول، والكثرة دائماً ليست دليلاً على الضبط.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.