إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [8]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في كتاب الطهارة حديث: إن هذه الحشوش محتضرة، وحديث لبس الحذاء وتغطية الرأس عند دخول الخلاء، فأما ما ورد مرفوعاً فلا يعلم محفوظاً، ولكنه حفظ موقوفاً على أبي بكر وأبي موسى وعثمان رضي الله عنهم، وأما تغطية الرأس فلا دليل عليه ولا يثبت فيه شيء، وأما لبس الحذاء فورد الأمر به عموماً فيكون عند دخول الخلاء من باب أولى.

    1.   

    حديث زيد بن أرقم: (إن هذه الحشوش محتضرة..)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:

    تكلمنا في المجلس الماضي على جملة من الأحاديث التي أعلها النقاد في أبواب الطهارة، وسنتكلم اليوم عن جملة أخرى منها:

    الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم عليه رضوان الله تعالى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث ).

    هذا الحديث جاء من طريق قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم ، ورواه عن قتادة جماعة: فرواه شعبة بن الحجاج و سعيد بن أبي عروبة و هشام الدستوائي و معمر بن راشد الأزدي ، واختلفت روايتهم في هذا، فروى الخبر الإمام أحمد و أبو داود في كتابه السنن وغيرهم من حديث شعبة بن الحجاج عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني الكوفي عن زيد بن أرقم ، فأسقط من الرواية النضر وجعل بدله القاسم بن عوف الشيباني ، واختلفت الرواية عن سعيد بن أبي عروبة ، فرواه عنه هكذا جماعة، رواه عنه أسباط و عبد الوهاب الخفاف عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    ورواه إسماعيل بن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم ، فوافقت رواية إسماعيل بن علية ما رواه شعبة بن الحجاج ، وقد رواه هشام الدستوائي عن قتادة عن زيد بن أرقم مباشرة، وأسقط فيه الواسطتين: الأولى: النضر والثانية: القاسم بن عوف ، ورواه سعيد بن بشير عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رواه عبد الرزاق عن معمر بن راشد الأزدي عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله من مسند أنس بن مالك .

    وقد حكم عليه بالوهم الإمام أحمد بن حنبل وكذلك مال إلى توهيمه البيهقي عليه رحمة الله كما في كتابه السنن؛ وذلك أن معمر بن راشد في روايته عن قتادة قد جرى فيه على الجادة الغالبة من رواية قتادة ، فإن قتادة لم يسمع أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى، وما عدا ذلك فإن روايته مراسيل، فلم يسمع من زيد بن أرقم ولا من غيره كما نص على ذلك غير واحد كالإمام أحمد عليه رحمة الله و أبي حاتم وغيرهم .

    وعلى هذا فنقول: لما كانت الرواية الغالبة المتصلة في رواية قتادة لهذا الحديث، فإنه جعله من مسند أنس بن مالك فوهم وغلط فيه، والصواب في ذلك رواية شعبة بن الحجاج عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم ، وسبب الترجيح في هذا: أن أقوى أصحاب قتادة بن دعامة السدوسي هو شعبة بن الحجاج و شعبة بن الحجاج كان يسمع أحاديث قتادة بن دعامة السدوسي ويوقفه عند كل حديث، بل قال شعبة : كفيتكم تدليس ثلاثة: تدليس الأعمش وأبي إسحاق وقتادة ، قال البرديجي عليه رحمة الله: كان شعبة يسمع الحديث من قتادة ويوقفه على الحديث، قال شعبة بن الحجاج عليه رحمة الله: كان يحدثنا قتادة فكنت أنظر إلى فمه، فإذا قال: حدثني أو حدثنا وسمعت كتبته وإلا تركته، يعني: أنه يحتاط في روايته للحديث .

    وبهذا نعلم أن قتادة وإن وصف بالتدليس، إلا أن رواية شعبة عن قتادة وكذلك عن أبي إسحاق وعن سليمان الأعمش مقبولة ولا ينظر إلى تدليسه، وكذلك أيضاً إنما قلنا: بعدم ترجيح رواية معمر لأنه جرى على الجادة، والجادة في أبواب العلل: أن الراوي المكثر الذي يحفظ ولا يدون، أنه يسلك الجادة والطريق الغالب بخلاف الطريق النادر وهذا معلوم.

    مثال هذا: الإنسان إذا كانت له طريق من داره يخرج منها كل يوم إلى المسجد خمس مرات، فإنه إذا خرج من بيته ساهياً قطعاً سيذهب إلى المسجد، إذاً: هذه الجادة، الجادة في رواية قتادة في سماعه من الصحابة هي عن أنس وكذلك النضر عن أنس بن مالك عن أبيه، فأنس بن مالك هو والد النضر و قتادة يروي عنه هذا الخبر فيرويه: قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    فالجادة المطروقة: هي التي تسبق على لسان الساهي وقليل الضبط، وإذا جرى الراوي قليل الضبط وقليل الحفظ على غير الجادة، فإن هذا من علامات ضبطه، لأنك إذا رأيت إنساناً في موضع أو في طريق لم يكن ممن يعهد أن يأتي إلى هذا الطريق، فلا يمكن أن تقول: إنه كان ساهياً، لأنه ما جاء إلى هذا الطريق إلا وهو قاصد، بخلاف الطريق الذي كان يسلكه الإنسان فهو الذي يطرأ عليه، وهكذا الإنسان إذا كان له عمل أو كان له مكان دراسة يذهب إليه فإذا كان ساهياً فسينصرف إليه ثم يتذكر أنه يريد وجهة أخرى، ولهذا نقول: إن الساهي هو الذي يطرأ عليه على الجادة، أما المتذكر إذا خالف الجادة فهو يريد هذا الطريق عمداً؛ لأن السهو لا يأتي على خلاف الجادة .

    وهذا قد اجتمع مع إمام حافظ وهو شعبة بن الحجاج وهو من أئمة النقد، فاجتمع حفظه عليه رحمة الله ومخالفة الجادة في هذا .

    وهذه الرواية في هذا الحديث فيها زيادة: ( إن هذه الحشوش محتضرة ) ، وإلا فالحديث في الصحيح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث ) ، والحشوش هي البساتين، فكانوا يتخلون بأطراف البساتين يستترون بالشجر؛ وذلك أنه لا يوجد حمامات ولا كنف في أزمنتهم مخصصة لقضاء الحاجات .

    وفي هذا إشارة إلى ما يذكره بعض الفقهاء من أن الإنسان إذا كان يدخل هذه البساتين ونحو ذلك، فإنه يستعيذ بالله، قالوا: ولو لم يكن دخلاً الخلاء، ولكن لما كان يكثر دخول الإنسان الخلاء والحشوش فإنه يستعيذ بالله من الخبث والخبائث.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء لبس حذاءه وغطى رأسه)

    الحديث الثاني: حديث حبيب بن صالح : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء لبس حذاءه وغطى رأسه ) ، وفي هذا الحديث ما يذكره بعض الفقهاء من التدليل على استحباب لبس الحذاء عن دخول الخلاء، أو الذهاب إلى الغائط ولو في الفلاة، وكذلك تغطية الرأس، والتعليل في ذلك: هو الحياء .

    هذا الحديث رواه البيهقي في كتابه السنن وابن سعد في كتابه الطبقات من حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن حبيب بن صالح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الخبر خبر لا يصح وهو معلول؛ وذلك أنه تفرد بروايته من هذا الوجه أبو بكر بن أبي مريم عن حبيب بن صالح ، و أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم يهم ويغلط، ولكثرة غلطه قد ضعفه غير واحد كالإمام أحمد ، وكذلك أشار إلى غلطه ابن حبان عليه رحمة الله، و حبيب بن صالح لم يدرك زمن النبوة ولا زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخلفاء الراشدين، وبينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام على الأقل اثنان أو ثلاثة، وعلى هذا فيقال: إنه معضل.

    فهذا الحديث لا يصح، ولكنه قد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير هذا الوجه، فقد رواه أبو نعيم في كتابه الحلية و ابن سعد و ابن عدي في كتابه الكامل من حديث محمد بن يونس عن خالد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء غطى رأسه ) .

    وهذا من مفاريد محمد بن يونس وهو منكر الحديث، و محمد بن يونس الكديمي يرويه عن خالد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، وقد جاء من وجه آخر من حديث علي بن حيان عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى ولا يصح .

    ولكنه قد جاء موقوفاً على أبي بكر وعلى أبي موسى ، ويروى أيضاً عن عثمان بن عفان .

    أما ما جاء عن أبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى من أنه كان يغطي رأسه عند دخول الخلاء، فذكره عنه البيهقي وصحح إسناده موقوفاً، وأما ما جاء عن أبي موسى الأشعري فرواه ابن سعد في كتابه الطبقات من حديث سعيد عن قتادة عن أبي موسى الأشعري : أنه كان إذا دخل الخلاء قصد بيتاً مظلماً، وجمع نفسه حياءً من الله، وجاء أيضاً من وجه آخر من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن أبي مجلز لاحق بن حميد عن أبي موسى أنه قال: إني لأدخل الخلاء وأغطي رأسي وأحني ظهري حياءً من الله.

    وأما ما جاء عن أبي بكر الصديق فإنه قال: إني لأدخل الخلاء وأقنع رأسي حياءً من الله، ألا تستحون! وصحح البيهقي ما جاء عن أبي بكر ، وما جاء عن أبي موسى إسناده ظاهره الاستقامة، وما جاء عن عثمان بن عفان فذكره بعض الحفاظ ولا أعلم له إسناداً .

    وأما رفع هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أعلمه محفوظاً.

    وأما بالنسبة للبس النعال فإنه قد جاء الحث على لبس النعال على سبيل الاستدامة، فجاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جابر أنه قال: ( استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكباً ما انتعل )، ففي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن ينتعل ولو كان في مواضع الطهر، ويكون من باب أولى مواضع النجاسة كالخلاء ونحو ذلك، فيكون مسألة الانتعال من الأمور المحمودة في الذهاب إلى الخلاء .

    وأما بالنسبة لتغطية الرأس، فهذا لا دليل عليه، ولا يثبت فيه شيء، وإنما هي آثار موقوفة، فإن فعله الإنسان فهو على أثر من فعل السلف، وإن لم يفعله الإنسان فهو على أصل من البراءة في هذا .

    1.   

    حديث: (كان يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعامه وطهوره وكانت شماله لما كان من أذى)

    الحديث الثالث: هو حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى أنها قالت: ( كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعامه وطهوره، وكانت شماله لما كان من أذى ).

    هذا الحديث يرويه سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم النخعي عن عائشة عليها رضوان الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رواه عن سعيد بن أبي عروبة عيسى بن يونس ، ورواه عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم النخعي عن عائشة عليها رضوان الله تعالى .

    وهذا الحديث قد وقع فيه اختلاف: فيرويه عبدة بن سليمان و محمد بن جعفر و عيسى بن يونس كلهم يروونه عن سعيد بن أبي عروبة من غير ذكر واسطة بين إبراهيم النخعي وعائشة، وقد اختلف فيه على عيسى بن يونس، فروي عنه على وجهين:

    الوجه الأول: ما رواه أبو توبة الربيع بن نافع عن عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم النخعي عن عائشة عليها رضوان الله تعالى .

    الوجه الثاني: ما رواه نصر بن علي عن عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد عن عائشة عليها رضوان الله تعالى .

    وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر من حديث محمد بن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة عن رجل عن أبي معشر عن إبراهيم النخعي عن عائشة عليها رضوان الله تعالى وهذا أصح، وقد صوب ذلك الدارقطني والإمام أحمد ، وإنما كان هذا هو الصواب لأن ابن أبي عدي سماعه من سعيد بن أبي عروبة كان قبل اختلاطه، و سعيد بن أبي عروبة كما لا يخفى قد اختلط، فمن روى عنه قبل الاختلاط فحديثه مستقيم، ومن روى عنه بعد الاختلاط فحديثه ليس بمستقيم .

    والصواب في هذا عدم ذكر الواسطة بين إبراهيم و عائشة ، و إبراهيم النخعي بعض العلماء يقول: إنه رأى عائشة ، ولكن العلماء يتفقون على أنه لم يسمع منها حتى من قال: إنه رآها، وقد نص على هذا غير واحد كالإمام أحمد و يحيى بن معين و علي بن المديني و أبو حاتم نص على أنه لم يسمع من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، وقد رأى عائشة ودخل عليها وهو صغير، فهو من باب الرؤية من التابعين وأما في باب الرواية فهو من أتباع التابعين .

    وعلى هذا فنقول: إن هذا الحديث منقطع ولا يصح، وذكر خصيصة الشمال فيه غير محفوظة، وإنما قلنا: الشمال لثبوت خصيصة اليمين، فالصحيح من حديث مسروق عن عائشة أنها قالت: ( كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره ) ، وجاء في بعض الروايات: ( ولباسه، وفي شأنه كله ) ، وأما ذكر خصيصة الشمال فهي مسكوت عنها .

    وهذا الحديث يستدل به بعض الفقهاء على استحباب دخول الخلاء بالرجل الشمال، وهذا لا أعلم فيه حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما جاءت فيه أحاديث عامة، وجاء فيه حديث يفيد القياس، الأحاديث العامة حديث عائشة هذا، الحديث الثاني الذي يفيد القياس، وهو ما جاء في دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد برجله اليمنى، وهذا يأتي الكلام عليه، قالوا: فإذا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين في المسجد، فإنه يخرج بالشمال، فإذا دخل باليمين وخرج بالشمال فالخلاء عكس ذلك .

    1.   

    حديث: (من السنة إذا دخل أحدكم المسجد أن يدخل بيمينه..)

    الحديث الرابع: هو حديث دخول المسجد، هو حديث أنس بن مالك أنه قال: ( من السنة إذا دخل أحدكم المسجد أن يدخل بيمينه، وإذا خرج أن يخرج بيساره ) ، وهذا الحديث قد رواه الحاكم في كتابه المستدرك والبيهقي في كتابه السنن من حديث أبي الوليد الطيالسي عن شداد بن سعيد أبي طلحة الراسبي عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك ، وقال فيه: (من السنة)، وروي من وجه آخر ولم يقل فيه: (من السنة) .

    وهذا الحديث قد أعله بعض العلماء، فأعله البيهقي في كتابه السنن حيث قال: تفرد به شداد بن سعيد وليس بالقوي، وقول البيهقي : تفرد به شداد بن سعيد يريد من هذا الوجه، وإلا فقد روي من وجه آخر وهو ما رواه الدارقطني في كتابه العلل من حديث سعير التميمي عن الحسن بن علي عن أمه فاطمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنه كان إذا دخل المسجد يدخل بيمينه، وإذا خرج يخرج بيساره ) ، وهذا الحديث لا يصح .

    فذكر صفة الدخول فيه باليمين والخروج بالشمال غير محفوظ، والصواب فيه عدم ذكر ذلك، وإنما هو بذكر الدعاء فقط، وقد رواه الدراوردي بهذا الوجه ورواه غيره من وجه آخر أيضاً وذكر هذا، والصواب فيه عدم الذكر، ولكنه قد جاء عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى علقه البخاري في كتابه الصحيح مجزوماً به، فقال: باب التيمن بدخول المسجد بالرجل اليمنى، قال: وعن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد ابتدأ برجله اليمنى، وإذا خرج خرج باليسرى .

    وهذا الحديث علقه البخاري في كتابه الصحيح مجزوماً به ولم أقف على إسناده، وإنما جزم البخاري به، وظاهر جزمه الصحة، وعلى هذا فيقال: إن المتعبد بدخول المسجد باليمين على أثر، وكذلك الخارج بالشمال على أثر.

    وأما بالنسبة للخلاء فالذي يظهر لي والله أعلم أن ما جاء في هذا الباب من كلام الفقهاء إنما هو على القياس، ولم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الخلاء شيء؛ لأنه لم يكن ثمة حمامات أو ما نسميه في زمننا: بدورات المياه، ولها أبواب حتى بضبط القدم دخولاً وخروجاً، بخلاف المساجد، وإنما كانوا يخرجون إلى البساتين وإلى الأودية وخلف الكثبان والخلاء وغير ذلك، وهذا لا ينضبط فيه الابتداء باليمين والخروج بالشمال، ولهذا لم يرد في ذلك نص .

    بل نقول: إنه لو جاء نص في ذلك لاحتمل أن نقول بالنكارة، لأنه لو قال بالدخول باليمين والخروج بالشمال فمن أي باب يدخل ولا يوجد دور لقضاء الحاجات؟! وإنما يقال: إن الإنسان يستعيذ، وهذا عند مقاربته لموضع الخلاء الذي يأتي إليه، وذلك كأن يكون مثلاً في واد أو في خلاء أو في حشوش أو نحو ذلك فيقال: بأنه يذكر ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر الاستعاذة ولا يزيد على ذلك .

    1.   

    حديث: (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قضاء الحاجة أن ننصب اليمني...)

    الحديث الخامس: ما رواه سراقة أنه قال: ( علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قضاء الحاجة أن ننصب اليمنى وأن نعتمد على اليسرى في الخلاء ).

    هذا الحديث رواه زمعة بن صالح عن محمد بن عبد الرحمن عن رجل من بني مدلج عن أبيه عن سراقة .

    سبب تضعيف حديث: (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قضاء الحاجة أن ننصب اليمنى)

    وهذا الخبر منكر بل هو باطل، وذلك من وجوه:

    الوجه الأول: أنه تفرد به زمعة بن صالح وقد ضعفه غير واحد من العلماء، فضعفه الإمام أحمد و يحيى بن معين ، وقد جاء عند البيهقي هذا الحديث بهذا الاسم مصحف، فقال: ربيعة بن صالح وهو غلط، وجاء في بعض الكتب: معاوية بن صالح وهو غلط أيضاً، والصواب أنه زمعة بن صالح عن محمد بن عبد الرحمن .

    الوجه الثاني: أنه فيه جهالة في أكثر من موضع، وهذا كاف في رد الحديث .

    الوجه الثالث: أن هذا الحديث غريب متناً، ولم يرد بمعناه مثله، ولهذا قد أنكره غير واحد من الحفاظ كـأبي بكر الحازمي وغيره، وقال: هذا حديث منكر وليس في الباب غيره، يعني: في هيئة الجلوس عند قضاء الحاجة، وبهذا نعلم أن ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحث أو من الفعل ولم يرو إلا من وجه، وكان هذا الفعل مستديماً كاف من نكارة.

    الوجه الرابع: أنه قال في هذا الحديث: علمنا، يعني: أن فيه إشاعة لهذا الحكم والمسألة مما لم يدل على أن الراوي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضاً من غير قصد، أو سمعه يقول، ولم يقل: علمني إشارة إلى الخصوصية وإنما قال: علمنا، وهذا يلزم منه الاستفاضة، وهذا لا يمكن قبوله، فهذا المتن ينكر بعضه بعضاً .

    الوجه الخامس: أن هذا لم يرد عملاً عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الجلوس لقضاء الحاجة، ولما كان كذلك مع كثرة الصحابة وتأخر كثير منهم زمناً، وتأخر المقربين أيضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خدامه كـأنس بن مالك والمقربين منه نسباً كـعبد الله بن عباس وأمثالهم، ومع ذلك لم يرووا عنه في هذا شيئاً، وأيضاً لم يثبت أنهم فعلوه .

    الوجه السادس: أنه لم يثبت عملاً عند أحد من فقهاء الحجاز، وهذه من المسائل التي ينبغي أن تظهر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين ما هو أدق منها من الإيتار بالحجر، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهة مس الذكر باليمين، وجواز مسه بالشمال وغير ذلك، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء عارضة في الخلاء كالاستنجاء بالروث والعظام وغير ذلك، أو الاستنجاء بأقل من ثلاث، وهذه من الأمور التي تحصل للإنسان نادراً، خاصة الاستنجاء بالروث والعظم ومع ذلك بينها، وأما الهيئة الملازمة على سبيل الدوام فلم يأت فيها نص، وهذا دليل على إعلال هذه الرواية ونكارتها، وبهذا أعلها أبو بكر الحازمي عليه رحمة الله، فقال: هذا حديث منكر وليس في الباب غيره .

    ونحن إنما قلنا: إنه لم يرد عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا، لأننا قد نصحح المرفوع الذي روي من وجه فيه ضعف بموقوف يدل على أن ثمة عملاً عليه، كما قلنا في حديث أنس بن مالك في قوله: ( من السنة إذا دخل أحدكم المسجد أن يدخل باليمين ) ، فهذا تفرد به شداد بن سعيد ، لو كان شداد بن سعيد قد تفرد به ولم يرد عن الصحابة ولا عن التابعين لقلنا: بنكارته، ولكنه قد جاء عن عبد الله بن عمر وهو من أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتداءً به وتأسياً ومعرفةً بسنته، وهذا يدل على أنه قد يقال: إن المعاني المرفوعات تقوى، ويكفي في هذا ما تعضده من المعاني العامة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا .

    الأمور التي ينظر إليها عند ضعف الحديث المرفوع

    ولهذا نقول: إنه ينبغي لطالب العلم إذا ضعف لديه المرفوع أن ينظر في عمل الصحابة، وإذا لم يجد في عمل الصحابة أن ينظر في أصحاب ذلك الصحابي الذي روى الخبر الضعيف، وإن لم يجد أن ينظر في فقهاء بلده، هل هذه المسألة مشهورة ومستفيضة ونحو ذلك؟ لأن بعض المسائل لا تتداعى الهمم على نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إما لاشتهارها، أو كون الناس يفعلونها فرادى، والمسائل التي يفعلها الإنسان منفرداً تختلف عن المسائل التي يفعلها الإنسان مع جماعة، فالجماعة تتناقل ومسائل الأفراد لا تتناقل، فالإنسان يدخل المسجد ويبدأ باليمين منفرداً، والغالب أنه لا يرافقه أحد .

    ثم أيضاً إن التدقيق في ذلك فيه من الصعوبة ما فيه، ولهذا تجد الإنسان يدخل المساجد ويخرج منها ولا ينظر في الناس هل بدئوا باليمين أو بدئوا بالشمال، بخلاف المسائل التي يتضافر عليها عمل الجماعة ونحو ذلك فإنه يكون فيها التدقيق .

    بهذا القدر نكتفي.

    1.   

    الأسئلة

    رواية فاطمة رضي الله عنها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: هل توجد أحاديث تثبت عن فاطمة ؟

    الجواب: فاطمة لها مسند يسير جمعه السيوطي، ولكن لا يكاد يصح منه، والسبب في ذلك أن فاطمة توفيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، وعادةً من ينقل عنها الخبر من لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم من التابعين ولم تمكن من لقي النساء، وهذا هو عدم شهرة الرواية عنها عليها رضوان الله تعالى .

    الحكم على حديث سراقة ومعرفة بلده

    السؤال: يقول: حديث سراقة ، هل هو مدني أو مكي أو بصري أو كوفي، من يعطينا إياه ؟

    الجواب: الصحابة لا تختلف بلدانهم، سواءً كان في أقصى الدنيا أو في أدناها هو صحابي.

    والحديث ضعيف رواه الترمذي ، وقد أخذ على الترمذي إخراجه فيه، وجاء من طريق ابن عيينة ، قال ابن عيينة: لا أراه إلا مالك بن أنس ، بعض العلماء يقويه كـالشافعي و الترمذي أيضاً يميل إلى تقويته .

    يقول: أبرز، لكنها لا تصحح، تجمع فتح الغفار والمنتقى للمجد بن تيمية، هذان أوسع الكتب التي تجمع أحاديث الأحكام على طريقة المتأخرين، لماذا قلنا: طريقة المتأخرين؟ يعني: ثمة كتب تجمع الأحكام على طريقة الأوائل، المتأخرون لا يدخلون في الأحكام العقائد، وإنما يجعلونه في الفقه في الحلال والحرام، الأوائل يدخلون مسائل الدين كلها، ولهذا كتاب الأحكام الكبرى والوسطى والصغرى للأشبيلي تجد أنه قد جعل الأحكام على طريقة الأوائل، فأورد في الإيمان ومسائل الغيب وبعض الأسماء والصفات، وأورد أيضاً في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، هذا ما لا تجده في كتب الأحكام .

    ولهذا لو درس طالب العلم كتب الأحكام على طريقة الأوائل لكان أدق، ولم يتقسم العلم لديه، والعلم له وشائج يتصل بعضها ببعض، وخاصةً في مسائل الأقيسة والاستنباط ومسائل العلل والقواعد العامة والأصول الكلية وغير ذلك .

    القياس في العبادات

    السؤال: هل يقاس في العبادات؟

    الجواب: العبادات الأصل فيها عدم القياس، والكلام في هذا يطول ولكن يقال: إن القياس إذا كان أثره بإحداث فعل فهذا بدعة، وأما إذا كان لا يحدث فعلاً وإنما يورد حكماً بصحة أو بطلان، فهذا يجوز إذا كانت العلة قريبة أو ظاهرة، إما أن تكون منصوصة أو كونها مستنبطة قوية، ولأن الأحكام من جهة الأصل تدور مع العلل وجوداً وعدماً، وهذا مثل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال له الرجل: ( إني قبلت وأنا صائم، قال: أرأيت إذا تمضمضت )، فقاس النبي عليه الصلاة والسلام القبلة على المضمضة، فنقول: إنه يجوز القياس إذا كان يحدث حكماً، فالرجل سواء قبل أو لم يقبل فهو لم يحدث عبادة، ولكن إذا قاس الإنسان مثلاً كان يقول: نحن نصلي الفريضة ثم نسبح ثلاثاً وثلاثين، ونكبر ثلاثاً وثلاثين، ونحمد لله ثلاثاً وثلاثين، يصلي الفريضة، إذاً: النافلة نقيسها عليها، هذا يلزم منه فعل، لهذا نقول: بعدم صحة القياس وفساده .

    وأما إذا كان استنبطنا منه حكماً في صحة عمل باق لم يحدثه القياس، أي: صحة الصيام حال القبلة للصائم، فالصيام موجود لكن لم نبطل الأجر فيه على القياس، وهذا له صور، والسلف يشددون في مسائل القياس تشديداً حتى لا يقع الناس في البدعة .

    والقياس في هذا هو الذي أوقع كثيراً من الناس في الشرك والوثنية والبدع، بل إنهم ما طافوا على القبور إلا بسبب القياس، والسبب في ذلك أنهم يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن تهدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من أن تستباح حرمة امرئ مسلم، قالوا: فإذا كان الإنسان يطوف بالكعبة وهي حجر والإنسان أعظم منه، فالطواف على ابن آدم الصالح من باب أولى، وهذا تسويل الشيطان، وهذا مما لا ينبغي أن يقال، إذا كان الإنسان يطوف على الحجر تعظيماً لله سبحانه وتعالى لا عبادةً لهذا الحجر، وإنما هو تعظيم لله سبحانه وتعالى وامتثال له .

    لهذا عمر بن الخطاب لما كان يقبل الحجر كما جاء في الصحيح، قال: ( إني أقبلك وإني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك )، يعني: لا يظهر في هذا علة لـعمر ، لكن يفعله امتثالاً وإيماناً، ولهذا بلغوا ما بلغوا من الديانة؛ لأنهم وقفوا على ما جاء فيه الدليل، وأنه يقول: لو لم يرد فيه دليل صريح عن النبي عليه الصلاة والسلام لم أقبل هذا، لأنه لا يظهر فيه علة .

    فلهذا نقول للإنسان: أنه ينبغي أن يحذر في مسائل الأقيسة التي يلزم منها إحداث أعمال وأفعال تجعل الإنسان يجري وينساق في المحدثات والبدع حتى يقع في الكفر والشرك، ولهذا نجد الطوائف الذين ضلوا في الأسماء والصفات إنما ضلوا بسبب الأقيسة، فالمعطلة إنما ضلوا بالأقيسة، فعطلوا أسماء الله عز وجل وصفاته بسبب القياس، ولهذا كل معطل مشبه، لأنه قدح في ذهنه تشبيه لله سبحانه وتعالى، فنفوا اليد لأنه تبادر إلى ذهنهم أيدينا، فشبهوا في أذهانهم ابتداءً قاسوا ثم عطلوا أرادوا تنزيه الله عز وجل، فوصلوا إلى ما وصلوا إليه، أعاذنا الله عز وجل وإياكم من ذلك.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.