إسلام ويب

أبواب الطلاقللشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله عز وجل علاقة الزواج التي تربط بين الرجل والمرأة علاقة متينة لا تنفصم لأدنى أزمة وأوهى سبب، ولكن بعض الزيجات تعتريها المنغصات، فلا تستقيم العشرة بين الزوجين، وحينها لا بد من الفراق الذي يكون في المقام الأول بالطلاق، والذي هو بيد الرجل، ومع ذلك فقد ألزمت الشريعة الرجل والمرأة بضوابط وأحكام متعلقة بالفرقة، سواء كان ذلك برغبة الرجل أو رغبة المرأة أو رغبتهما على السواء.

    1.   

    باب الطلاق

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    قال المصنف رحمه الله: [ أبواب الطلاق.

    باب

    حدثنا سويد بن سعيد وعبد الله بن عامر بن زرارة ومسروق بن المرزبان، قالوا: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن صالح بن صالح بن حي عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها ).

    حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما بال أقوام يلعبون بحدود الله، يقول: قد طلقتك، قد راجعتك، قد طلقتك ) ].

    وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الطلاق وعدد الطلاق والخلع والرجعة فيما بينها والبينونة، قال: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [البقرة:230]، يعني: أنه ليس لأحد أن يعتدي في مثل هذا باللعب والعبث، أو أن يأتي بشيء لم يأت به الله سبحانه وتعالى.

    ولهذا للحاكم أن يعزر من يعبث بالطلاق؛ لأن الطلاق وإن جعل الله عز وجل عصمته وأمره بيد الزوج إلا أن الله عز وجل جعل ذلك بما شرع الله لا بما يريد الإنسان، فيضعه الإنسان بما أمره الله عز وجل أن يضعه فيه.

    قال: [ حدثنا كثير بن عبيد الحمصي قال: حدثنا محمد بن خالد عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أبغض الحلال إلى الله الطلاق ) ].

    1.   

    باب طلاق السنة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب طلاق السنة.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن إدريس عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، قال: ( طلقت امرأتي وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها قبل أن يجامعها، وإن شاء أمسكها، فإنها العدة التي أمر الله ) ].

    وبهذا نعلم أن ثمة طلاقاً سنياً وطلاقاً بدعياً، بظاهر النص عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الخلاف في وقوع الطلاق البدعي، والطلاق البدعي على صور:

    الصورة الأولى: طلاق المرأة ثلاثاً بلفظ واحد.

    الصورة الثانية: طلاق المرأة في عدة طلقتها.

    الصورة الثالثة: طلاق المرأة وهي حائض.

    وكذلك مما يدخل في الطلاق البدعي طلاق المرأة بثنتين أو أكثر من ثلاث، وكذلك مسألة الإضرار أو طلاق الرجل المرأة في طهر جامعها فيه، هو داخل كذلك الطلاق البدعي.

    ويختلف العلماء في نزول الطلاق البدعي، والسنة في الطلاق أن ينزل الرجل طلاق زوجته في طهر لم يجامعها فيه؛ لأنه يرجع الإنسان إلى عقله ورشده بعيداً عن عاطفته، فتحيض المرأة ثم تطهر، ثم لا يجامعها، ثم بعد ذلك يطلقها، ثم بعد ذلك يطلقها، يعني: أن النفس بينهما قد طابت من الصلة والبقاء، ولهذا نقول: إن العلماء اختلفوا في وقوع الطلاق البدعي على ثلاثة أقوال، ونقول: الطلاق البدعي على درجات، أغلظه هو الطلاق الثلاث والطلاق في الحيض، والأظهر أنه في الطلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة، والطلاق كذلك في الحيض لا يقع على الأرجح، وهو قول طاوس، ومروي عن عبد الله بن عباس، وقضى به غير واحد كما رواه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عباس.

    قال: [ حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله، قال: طلاق السنة أن يطلقها طاهراً من غير جماع ].

    لا خلاف بين العلماء أن هذا هو الطلاق السني، طلاق السنة: أن يطلقها طاهراً من غير جماع.

    قال: [ حدثنا علي بن ميمون الرقي قال: حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله، قال في طلاق السنة: يطلقها عند كل طهر تطليقة، فإذا طهرت الثالثة طلقها، وعليها بعد ذلك حيضة.

    حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا هشام عن محمد عن يونس بن جبير أبي غلاب، قال: ( سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته وهي حائض، فقال: تعرف عبد الله بن عمر، طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يراجعها. قلت: أيعتد بتلك؟ قال: أرأيت إن عجز واستحمق؟! ) ].

    1.   

    باب الحامل كيف تطلق

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الحامل كيف تطلق.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع عن سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن سالم عن ابن عمر: ( أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: مره فليراجعها ثم يطلقها وهي طاهر أو حامل ) ].

    كذلك طلاق المرأة في النفاس هو من الطلاق البدعي.

    1.   

    باب من طلق ثلاثاً في مجلس واحد

    قال المصنف رحمه الله: [ باب من طلق ثلاثاً في مجلس واحد.

    حدثنا محمد بن رمح قال: أخبرنا الليث بن سعد عن إسحاق بن أبي فروة عن أبي الزناد عن عامر الشعبي، قال: ( قلت لـفاطمة بنت قيس: حدثيني عن طلاقك، قالت: طلقني زوجي ثلاثاً وهو خارج إلى اليمن، فأجاز ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ].

    1.   

    باب الرجعة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الرجعة.

    حدثنا بشر بن هلال الصواف قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن يزيد الرشك عن مطرف بن عبد الله بن الشخير: أن عمران بن الحصين سئل عن رجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال عمران: طلقت بغير سنة، وراجعت بغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ].

    ويزيد الرشك هو من الثقات، سمي (رشك) قيل: لعظم لحيته، وقد ذكر بعض المترجمين أنه كان في لحيته عقرب ولم يعلم بها.

    1.   

    باب المطلقة الحامل إذا وضعت ذا بطنها بانت

    قال المصنف رحمه الله: [ باب المطلقة الحامل إذا وضعت ذا بطنها بانت.

    حدثنا محمد بن عمر بن هياج قال: حدثنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن ميمون عن أبيه عن الزبير بن العوام: ( أنه كانت عنده أم كلثوم بنت عقبة، فقالت له وهي حامل: طيب نفسي بتطليقة، فطلقها تطليقة، ثم خرج إلى الصلاة فرجع وقد وضعت، فقال: ما لها خدعتني خدعها الله! ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: سبق الكتاب أجله، اخطبها إلى نفسها ) ].

    1.   

    باب الحامل المتوفى عنها زوجها إذا وضعت حلت للأزواج

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الحامل المتوفى عنها زوجها إذا وضعت حلت للأزواج.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن أبي السنابل، قال: ( وضعت سبيعة الأسلمية بنت الحارث حملها بعد وفاة زوجها ببضع وعشرين ليلة، فلما تعلت من نفاسها تشوفت، فعيب ذلك عليها، وذكر أمرها للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن تفعل فقد مضى أجلها ).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق وعمرو بن عتبة: ( أنهما كتبا إلى سبيعة بنت الحارث يسألانها عن أمرها، فكتبت إليهما: إنها وضعت بعد وفاة زوجها بخمسة وعشرين، فتهيأت تطلب الخير، فمر بها أبو السنابل بن بعكك فقال: قد أسرعت، اعتدي آخر الأجلين أربعة أشهر وعشراً، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! استغفر لي. قال: وفيم ذاك؟ فأخبرته، فقال: إن وجدت زوجاً صالحاً، فتزوجي ).

    حدثنا نصر بن علي ومحمد بن بشار قالا: حدثنا عبد الله بن داود قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سبيعة أن تنكح إذا تعلت من نفاسها ).

    حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله بن مسعود، قال: والله لمن شاء لاعنّاه، لأنزلت سورة النساء القصرى بعد أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234] ].

    1.   

    باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها

    قال المصنف رحمه الله: [ باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن زينب بنت كعب بن عجرة- وكانت تحت أبي سعيد الخدري- أن أخته الفريعة بنت مالك، قالت: ( خرج زوجي في طلب أعلاج له، فأدركهم بطرف القدوم، فقتلوه، فجاء نعي زوجي وأنا في دار من دور الأنصار، شاسعة عن دار أهلي، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! إنه جاء نعي زوجي وأنا في دار شاسعة عن دار أهلي ودار إخوتي، ولم يدع مالاً ينفق علي، ولا مالاً ورثته، ولا داراً يملكها، فإن رأيت أن تأذن لي فألحق بدار أهلي ودار إخوتي، فإنه أحب إلي، وأجمع لي في بعض أمري. قال: فافعلي إن شئت، قالت: فخرجت قريرة عيني لما قضى الله لي على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنت في المسجد، أو في بعض الحجرة دعاني فقال: كيف زعمت؟ قالت: فقصصت عليه، فقال: امكثي في بيتك الذي جاء فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً ) ].

    واختلف العلماء في بقاء المرأة إذا توفي عنها زوجها في بيتها الذي توفي عنها وهي فيه، هل بقاؤها في ذلك من الأمور الواجبة أو المستحبة، وهل خروجها في ذلك جائز؟

    نقول: تخرج للحاجة ولا بأس بهذا، واختلف العلماء في مقدار الحاجة، واتفقوا على أن الحاجة التي لا تقضى إلا بها فهذا يجوز للمرأة أن تفعله، وذلك كخروج المرأة مثلاً لطبيب، أو تشتري قميصاً لا يعرف مقاسه إلا هي، أو نحو ذلك، فإن هذا من الأمور المباحة.

    وأما خروجها للعمرة والحج ونحو ذلك، فقد جاء عن عائشة رضي الله عنها ترخيصها في ذلك، كما جاء عند ابن أبي شيبة وغيره، وكذلك رواه البيهقي، وقال به الحسن وعطاء وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم، والأئمة الأربعة على منعها من الخروج.

    1.   

    باب هل تخرج المرأة في عدتها

    قال المصنف رحمه الله: [ باب هل تخرج المرأة في عدتها.

    حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثنا ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ( دخلت على مروان فقلت له: امرأة من أهلك طلقت، فمررت عليها وهي تنتقل، فقالت: أمرتنا فاطمة بنت قيس، وأخبرتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تنتقل. فقال مروان: هي أمرتهم بذلك. قال عروة: فقلت: أما والله لقد عابت ذلك عائشة، وقالت: إن فاطمة كانت في مسكن وحش، فخيف عليها، فلذلك أرخص لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ( قالت فاطمة بنت قيس: يا رسول الله! إني أخاف أن يقتحم علي. فأمرها أن تتحول ).

    حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا روح (ح)

    وحدثنا أحمد بن منصور قال: حدثنا حجاج بن محمد جميعاً عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله، قال: ( طلقت خالتي، فأرادت أن تجدّ نخلها، فزجرها رجل أن تخرج إليه، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بلى، فجدّي نخلك، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفاً ) ].

    1.   

    باب المطلقة ثلاثاً هل لها سكنى ونفقة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب المطلقة ثلاثاً هل لها سكنى ونفقة.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن أبي بكر بن أبي الجهم بن صخير العدوي قال: ( سمعت فاطمة بنت قيس تقول: إن زوجها طلقها ثلاثاً، فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة ) ].

    والمراد بالطلاق الثلاث الطلاق بعد فترات، يعني بانت منه، وليس المراد بذلك أنه طلقها ثلاثاً بقوله: أنت طالق ثلاثاً، أو طالق، طالق، طالق، أو طالق ألف أو نحو ذلك، وإنما المراد بذلك أنه طلقها على السنة ثم بانت منه.

    وطلاق بلفظ واحد ثلاثاً حكى بعض العلماء تحريمه، ونص ابن تيمية رحمه الله أنه محرم، ولا يختلف الصحابة في هذا، وبعضهم نص على كراهته.

    قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي، قال: قالت فاطمة بنت قيس: ( طلقني زوجي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا سكنى لك ولا نفقة ) ].

    1.   

    باب متعة الطلاق

    قال المصنف رحمه الله: [ باب متعة الطلاق.

    حدثنا أحمد بن المقدام أبو الأشعث العجلي قال: حدثنا عبيد بن القاسم قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: ( أن عمرة بنت الجون تعوذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أدخلت عليه، فقال: لقد عذت بمعاذ، فطلقها، وأمر أسامة أو أنساً، فمتعها بثلاثة أثواب رازقية ) ].

    1.   

    باب الرجل يجحد الطلاق

    1.   

    باب من طلق أو نكح أو راجع لاعباً

    قال المصنف رحمه الله: [ باب من طلق أو نكح أو راجع لاعباً.

    حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل قال: حدثنا عبد الرحمن بن حبيب بن أردك قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة ) ].

    وعلى ما تقدم فإن هذا الحديث جاء من طرق متعددة، ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والعبرة بالطلاق بالظاهر، وعلى ما يعلم أن الطلاق على نوعين: طلاق صريح، وطلاق كناية.

    والصريح في ذلك أن يقول الرجل لزوجته: أنت طالق، وبعضهم يلحق في ذلك قوله: أنت خلية، وبرية، وغير ذلك مما يشتهر ويستفيض استعمالاً في بعض البلدان دون غيرها.

    وأما بالنسبة للكناية الذي يرجع فيه إلى النية هو قول الإنسان لزوجته: اذهبي إلى أهلك، أو اذهبي إلى الناس، أو خذي متاعك، ونحو ذلك، هذه من العبارات التي يرجع فيها إلى نية الإنسان.

    أما الصريح فإنه لا يرجع للنية ويؤخذ بالظاهر، ويحرم اللعب بالطلاق باعتبار أنه حد من حدود الله عز وجل ليس للإنسان أن يتجاوزه، وهو حد ينزله الإنسان على المرأة وليس له أن يلعب بذلك بما ملكه الله جل وعلا من أمره، كالذين يأخذون أرقاماً فيقول: أنت طالق مائة، أو مائتين، أو ألفاً، أو ألفين، أو نحو ذلك، وهذا من الأمور المنهي عنها، باعتبار أنه عبث، والله جل وعلا قد حد حداً للطلاق الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، فهذا هو الطلاق الثلاث وليس للإنسان أن يزيد على ذلك.

    وللحاكم أن يعزر من تلاعب به على ما تقدم بشيء من الألفاظ أو ربما الزيادة أو نحو ذلك، والطلاق هو ثلاث والزيادة في ذلك تعتبر من اللغو، وقد جاء من حديث سعيد بن جبير أن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى جاءه رجل فقال لزوجته: أنت طالق ألف، فقال عبد الله بن عباس: لك منها ثلاث، وتسعمائة وسبعة وتسعون لغيرك، يعني: أن هذه الثلاث هي التي شرع الله سبحانه وتعالى.

    وقد ذكر أبو الليث الحنفي في النوازل أن رجلاً طلق امرأته بعدد شعر إبليس، فقال: وكم شعر إبليس؟ هذا أمر مجهول لا يعرف إبليس هل هو أشعر أم أمرد، وعلى ماذا يكون الطلاق، حينئذ في أمور المجهولة تكون طلقة واحدة. وهذا لا ينبغي حتى في قول من يرى إيقاع الطلاق المجموع إذا أطلقه مرة واحدة.

    1.   

    باب من طلق في نفسه ولم يتكلم به

    قال المصنف رحمه الله: [ باب من طلق في نفسه ولم يتكلم به.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا علي بن مسهر و عبدة بن سليمان (ح)

    وحدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا خالد بن الحارث جميعاً عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به، أو تكلم به ) ].

    1.   

    باب طلاق المعتوه والصغير والنائم

    قال المصنف رحمه الله: [ باب طلاق المعتوه والصغير والنائم ].

    ومن نظر في النصوص التي جاءت عن السلف في مسألة إيقاع الطلاق أنهم يوقعونه ما أمكن إيقاعه، لأنه حكم إذا خرج وجب أن ينزل، ولا يدفع في ذلك إلا لأمر قوي، ولهذا يحكى عن السلف عليهم رحمة الله جملة من إيقاعات الطلاق حتى فيما يعذر الإنسان فيه في ذاته.

    ولهذا ذكر البيهقي رحمه الله في كتابه السنن، أن الصحابة يتفقون على إيقاع طلاق الغضبان، أي: أن المطلق إذا طلق وهو غضبان فإن طلاقه يقع، وأما الذي يستغلق ويجن فهذا حكمه حكم الجنون لا حكم الغضبان.

    ولهذا نقول: إن طلاق الإنسان إذا طلق زوجته وهو غضوب أو حاد أو نحو ذلك فيقع الطلاق، وبعضهم يسأل يقول: إن زوجتي أنا طلقتها وأنا غاضب هل يقع الطلاق؟ يعني: هل يريد أن يطلق وهو يضحك! الطلاق أصلاً يكون من غضب ويندر أن يكون من رضا.

    قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا يزيد بن هارون (ح)

    وحدثنا محمد بن خالد بن خداش ومحمد بن يحيى قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل، أو يفيق ).

    قال أبو بكر في حديثه: ( وعن المبتلى حتى يبرأ ).

    حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا ابن جريج قال: أخبرني القاسم بن يزيد عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( رفع القلم عن الصغير وعن المجنون وعن النائم ) ].

    وأما بالنسبة للسكران الذي تعمد سكره ولم يسكر بغير إرادته، فيتفق السلف على وقوع التكليف عليه، أنه مكلف، سواء أتلف مالاً أو أوقع طلاقاً، نقل هذا الإجماع الماوردي عليه رحمة الله في كتابه الحاوي.

    1.   

    باب طلاق المكره والناسي

    قال المصنف رحمه الله: [ باب طلاق المكره والناسي.

    حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي قال: حدثنا أيوب بن سويد قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله قد تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) ].

    ولا خلاف عند العلماء من الصحابة أن طلاق المكره لا يقع، كالذي يكرهه أحد أو يقتل، أو يكرهه أحد أو يحبس، أو نحو ذلك من غير الحاكم، فطلاقه حينئذ لا يقع، وقد حكى اتفاق السلف في هذا ابن بطال رحمه الله.

    قال: [ حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تجاوز لأمتي عما توسوس به صدورها، ما لم تعمل به أو تتكلم به، وما استكرهوا عليه ).

    حدثنا محمد بن المصفى الحمصي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) ].

    الوسواس لا يؤاخذ به الإنسان ولو كان كفراً، ولكن يؤاخذ بالاسترسال فيه، لأن الاسترسال في ذلك دليل على القناعة والرضا به، ولكن الواجب عليه أن يستعيذ بالله وينصرف.

    قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن نمير عن محمد بن إسحاق عن ثور عن عبيد بن أبي صالح عن صفية بنت شيبة قالت: حدثتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ) ].

    1.   

    باب لا طلاق قبل النكاح

    قال المصنف رحمه الله: [ باب لا طلاق قبل النكاح.

    حدثنا أبو كريب قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا عامر الأحول (ح)

    وحدثنا أبو كريب قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن الحارث جميعاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا طلاق فيما لا يملك ).

    حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي قال: حدثنا علي بن الحسين بن واقد قال: حدثنا هشام بن سعد عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك ).

    حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا طلاق قبل النكاح ) ].

    1.   

    باب ما يقع به الطلاق

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما يقع به الطلاق.

    حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي، قال: ( سألت الزهري: أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم استعاذت منه؟ فقال: قال: أخبرني عروة عن عائشة: أن ابنة الجون لما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدنا منها قالت: أعوذ بالله منك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عذت بعظيم، الحقي بأهلك ) ].

    وبهذا أخذ غير واحد من العلماء أن كلمة الحقي بأهلك، أو اذهبي إلى أهلك، أنها طلاق.

    1.   

    باب طلاق البتة

    1.   

    باب الرجل يخير امرأته

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الرجل يخير امرأته.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة، قالت: ( خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم يره شيئاً ).

    حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: ( لما نزلت: وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:29] دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عائشة! إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك ألا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك، قالت: قد علم والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: فقرأ علي: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [الأحزاب:28] الآيات، فقلت: في هذا أستأمر أبوي! قد اخترت الله ورسوله ) ].

    وهذا أصل في مسألة تخيير الزوجة وتمليكها العصمة، أن يخير الرجل زوجته فيقول: لك الأمر إن شئت الطلاق أو شئت البقاء، لكن لو اختارت الطلاق هل تبين بنفسها؟ لا، لا تبين بنفسها وإنما يقع طلقة واحدة، وهذا بالاتفاق، وليس للرجل أن يجعل الطلاق كله بيد زوجه، وقد حكى الإجماع على هذا ابن قدامة رحمه الله، إلى أن توكيل الزوجة بأمرها أو تفويضها بنفسها أو تخييرها أنه يكون طلقة واحدة، إذا اختارت نفسها.

    وفي هذا أن المرأة لها أن تستشير، وكذلك أنه ليس من ضعف كرامة الرجل ومنزلته أن يكل أمر المرأة إلى والديها من جهة المشاورة والنظر ونحو ذلك، حتى في الأمور العظيمة، ولو كانت امرأة له، ليس في هذا ضعف للقوامة، كيف وقد فعله أشرف الخلق وسيدهم.

    1.   

    باب كراهية الخلع للمرأة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب كراهية الخلع للمرأة.

    حدثنا بكر بن خلف أبو بشر قال: حدثنا أبو عاصم عن جعفر بن يحيى بن ثوبان عن عمه عمارة بن ثوبان عن عطاء عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً ).

    حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا محمد بن الفضل عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة ) ].

    وسؤالها الطلاق لا يسقط الطلاق في حال وقوعه، فلو سألت الطلاق ثم أنزل عليها الطلاق فلا يبطل ذلك تحرم سؤاله، لأن السؤال إنما حرم عليها، وأما بالنسبة للإيقاع فهو جائز للرجل.

    ولا يختلف العلماء على أن الخلع ماض، وهو سائر بين الزوجين ولم ينكره من ذلك أحد، وهذا محل اتفاق حتى عند السلف من الصحابة وغيرهم، وقد نص على أن هذا عليه عمل السلف الزيلعي عليه رحمة الله من أئمة الحنفية.

    1.   

    باب المختلعة يأخذ ما أعطاها

    قال المصنف رحمه الله: [ باب المختلعة يأخذ ما أعطاها.

    حدثنا أزهر بن مروان قال: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس: ( أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: والله ما أعتب على ثابت في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضاً. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد ).

    حدثنا أبو كريب قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: ( كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان رجلاً دميماً، فقالت: يا رسول الله! والله لولا مخافة الله إذا دخل علي لبصقت في وجهه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال: فردت عليه حديقته، قال: ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ].

    1.   

    باب عدة المختلعة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب عدة المختلعة.

    حدثنا علي بن سلمة النيسابوري قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال: أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قال: قلت لها: حدثيني حديثك، قالت: ( اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان، فسألت: ماذا علي من العدة؟ فقال: لا عدة عليك، إلا أن يكون حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضين حيضة، قالت: وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه ) ].

    وعدة المختلعة تختلف عن عدة المطلقة، فالمختلعة تستبرئ بحيضة وهذا بالاتفاق، وقد نص غير واحد من العلماء على أنه اتفاق الصحابة كـابن تيمية رحمه الله أنها تعتد بحيضة تستبرئ بها إذا خالعها زوجها، وأن عدتها تختلف عن عدة المطلقة.

    كذلك مما تختلف فيه: أنها إذا اختلعت من زوجها وبقيت في عدة حيضة، لو أوقع عليها طلاقاً وهي في الحيضة لا يعتد بهذه الطلقة، وهذا أيضاً بالاتفاق، قد نص على اتفاق السلف في ذلك جماعة كـابن مفلح رحمه الله.

    1.   

    باب الإيلاء

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الإيلاء.

    حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال عن أبيه عن عمرة عن عائشة، قالت: ( أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يدخل على نسائه شهراً، فمكث تسعة وعشرين يوماً، حتى إذا كان مساء ثلاثين، دخل علي فقلت: إنك أقسمت ألا تدخل علينا شهراً، فقال: الشهر كذا، يرسل أصابعه فيه ثلاث مرات والشهر كذا، وأرسل أصابعه كلها وأمسك إصبعاً واحداً في الثالثة ).

    حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن حارثة بن محمد عن عمرة عن عائشة: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما آلى لأن زينب ردت عليه هديته، فقالت عائشة: لقد أقمأتك. فغضب صلى الله عليه وسلم، فآلى منهن ).

    حدثنا أحمد بن يوسف السلمي قال: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي عن عكرمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى من بعض نسائه شهراً، فلما كان تسعة وعشرين راح أو غدا، فقيل: يا رسول الله! إنما مضى تسع وعشرون. فقال: الشهر تسع وعشرون ) ].

    الشيخ: وقول الله جل وعلا: فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:226]. الفيء لا يكون إلا بالجماع، وجاء حكاية الاتفاق على هذا عن غير واحد من العلماء، ومن نظر في كلام المفسرين من السلف وجد هذا ظاهراً، ولكن إذا لم يستطع الإنسان الجماع فيكفي في هذا القول، كالإنسان البعيد أو السجين أو نحو ذلك إذا آلى من امرأته ثم أراد أن يعيدها فيكفي من ذلك أن يقول: أعدتك.

    1.   

    باب الظهار

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الظهار.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي، قال: ( كنت امرأً أستكثر من النساء، لا أرى رجلاً كان يصيب من ذلك ما أصيب، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فبينما هي تحدثني ذات ليلة انكشف لي منها شيء، فوثبت عليها فواقعتها، فلما أصبحت غدوت على قومي، فأخبرتهم خبري، وقلت لهم: سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا: ما نفعل، إذاً ينزل الله فينا كتاباً، أو يكون فينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قول فيبقى علينا عاره، ولكن سوف نسلمك بجريرتك، اذهب أنت فاذكر شأنك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فخرجت حتى جئته فأخبرته الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك، وها أنا يا رسول الله صابر لحكم الله علي. قال: فأعتق رقبة، قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك إلا رقبتي هذه. قال: فصم شهرين متتابعين، قال: قلت: يا رسول الله! وهل دخل علي ما دخل من البلاء إلا بالصوم؟ قال: فتصدق أو أطعم ستين مسكيناً، قال: قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه ما لنا عشاء. قال: فاذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له فليدفعها إليك، وأطعم ستين مسكيناً، وانتفع ببقيتها ).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن أبي عبيدة قال: حدثنا أبي عن الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة بن الزبير قال: قالت عائشة: ( تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تقول: يا رسول الله! أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة:1] ) ].

    الظهار حكمه واحد ولو تعددت الأزواج، إذا ظاهر من امرأة أو ظاهر من أكثر فأمره في ذلك واحد من جهة الحكم المترتب على الزوج، وقد حكى الاتفاق على هذا غير واحد من العلماء كـابن قدامة عليه رحمة الله، بل حكى أنه لا خلاف عند الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في أن الذي يظاهر من أربع أو كالذي يظاهر من ثلاث أو اثنتين أو واحدة.

    1.   

    باب المظاهر يجامع قبل أن يكفر

    1.   

    باب اللعان

    قال المصنف رحمه الله: [ باب اللعان.

    حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي، قال: ( جاء عويمر إلى عاصم بن عدي، فقال: سل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتله، أيقتل به؟ أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل، ثم لقيه عويمر فسأله، فقال: ما صنعت؟ فقال: صنعت أنك لم تأتني بخير. سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب المسائل، فقال عويمر: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأسألنه. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده قد أنزل عليه فيهما، فلاعن بينهما، فقال عويمر: والله لئن انطلقت بها يا رسول الله لقد كذبت عليها. قال: ففارقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصارت سنة في المتلاعنين. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: انظروها، فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين، فلا أراه إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذباً. قال: فجاءت به على النعت المكروه ).

    حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي قال: أنبأنا هشام بن حسان قال: حدثنا عكرمة عن ابن عباس: ( أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بـشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البينة أو حد في ظهرك، فقال هلال بن أمية: والذي بعثك بالحق، إني لصادق، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري. قال: فنزلت: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ [النور:6] حتى بلغ: وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور:9]، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل من تائب؟ ثم قامت فشهدت، فلما كان عند الخامسة: أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور:9]، قالوا لها: إنها لموجبة. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت، حتى ظننا أنها سترجع، فقالت: والله لا أفضح قومي سائر اليوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لـشريك بن سحماء. فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ) ].

    وهذا فيه إشارة إلى أنه إذا عدمت البينة فإنه حينئذ يلجأ إلى الملاعنة، وأن الملاعنة هي الفيصل، والنبي صلى الله عليه وسلم ما أخذ بالشبه وما أخذ بالقافة، وإنما وكل إلى قضاء الله سبحانه وتعالى في ذلك حين قال: ( لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن )، يعني: أن الله سبحانه وتعالى لما قضى فإنه لا يلتفت إلى قضاء آخر بعده.

    ويتفق العلماء في مثل هذا على أنه يفرق بين المتلاعنين بعد التلاعن، وهذه الفرقة التي تكون بينهما هي بينونة كاملة، والولد يلحق بأمه ولا خلاف في هذا، قد حكى اتفاق الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ابن قدامة عليه رحمة الله.

    قال: [حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي و إسحاق بن إبراهيم بن حبيب قالا: حدثنا عبدة بن سليمان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، قال: ( كنا في المسجد ليلة الجمعة، فقال رجل: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله آيات اللعان، ثم جاء الرجل بعد ذلك يقذف امرأته، فلاعن النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، وقال: عسى أن تجيء به أسود، فجاءت به أسود جعداً ) ].

    ويتفق العلماء أيضاً على أن الزوج لا تقبل شهادته على زوجته، فإذا جاء بثلاثة شهود وهو الرابع يجلد الثلاثة ويؤمر هو بالملاعنة، ولا عبرة به، وهذا لا خلاف فيه عند السلف من الصحابة وغيرهم، وقد نص على أن على هذا عمل السلف من الصحابة الماوردي عليه رحمة الله.

    قال: [ حدثنا أحمد بن سنان قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر: ( أن رجلاً لاعن امرأته وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وألحق الولد بالمرأة ).

    حدثنا علي بن سلمة النيسابوري قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثنا أبي عن ابن إسحاق، قال: ذكر طلحة بن نافع عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ( تزوج رجل من الأنصار امرأة من بلعجلان، فدخل بها، فبات عندها، فلما أصبح قال: ما وجدتها عذراء، فرفع شأنهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا الجارية فسألها، فقالت: بلى، قد كنت عذراء. فأمر بهما فتلاعنا وأعطاها المهر ).

    حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي عن ضمرة بن ربيعة عن ابن عطاء عن أبيه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أربع من النساء لا ملاعنة بينهن: النصرانية تحت المسلم، واليهودية تحت المسلم، والحرة تحت المملوك، والمملوكة تحت الحر ) ].

    1.   

    باب الحرام

    1.   

    باب خيار الأمة إذا أعتقت

    قال المصنف رحمه الله: [ باب خيار الأمة إذا أعتقت.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: ( أنها أعتقت بريرة، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لها زوج حر ).

    حدثنا محمد بن المثنى و محمد بن خلاد الباهلي قالا: حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس، قال: ( كان زوج بريرة عبداً يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها ويبكي ودموعه تسيل على خده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: يا عباس! ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثاً؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعتيه، فإنه أبو ولدك، قالت: يا رسول الله! تأمرني؟ قال: إنما أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه ) ].

    وفي هذا أنه لا حرج على الإنسان أن يرد شفاعة العظيم، ومهما بلغ الإنسان فلا أعظم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ردت عليها رضوان الله تعالى شفاعته صلى الله عليه وسلم، لما ترى من الضرر عليها.

    وينبغي أيضاً للشافع ألا يجد في نفسه، وألا يجعل شفاعته في مقام الأمر، بل هو الأمر إليها، والأمر على الاختيار، سواء كان في أمور النكاح أو العتاق أو غيرها.

    قال: [ حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع عن أسامة بن زيد عن القاسم بن محمد عن عائشة، قالت: ( مضى في بريرة ثلاث سنن: خيرت حين أعتقت، وكان زوجها مملوكاً، وكانوا يتصدقون عليها فتهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: هو عليها صدقة، وهو لنا هدية، وقال: الولاء لمن أعتق ).

    حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، قالت: أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض ].

    ولكن الأمة إذا أعتقت وزوجها عبد فهي بالخيار أم أن تبقى معه أو لا، ما لم يمسها، فإذا مسها أو قبلها انتهى ولا خيار لها.

    قال: [ حدثنا إسماعيل بن توبة قال: حدثنا عباد بن العوام عن يحيى بن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن أذينة عن أبي هريرة: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير بريرة ) ].

    1.   

    باب في طلاق الأمة وعدتها

    قال المصنف رحمه الله: [ باب في طلاق الأمة وعدتها.

    حدثنا محمد بن طريف وإبراهيم بن سعيد الجوهري قالا: حدثنا عمر بن شبيب المسلي عن عبد الله بن عيسى عن عطية عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( طلاق الأمة اثنتان، وعدتها حيضتان ) ].

    إذا توفي الرجل وقد أعتق عبداً له، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الولاء لمن أعتق )، وعليه فإذا توفي المعتق فالولاء يكون لذريته الذكور لا للإناث، وهذا من المسائل التي يطبق عليها السلف، وقد حكى إطباقهم على ذلك القرطبي عليه رحمة الله.

    قال: [ حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عاصم قال: أخبرنا ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان ).

    قال أبو عاصم: فذكرته لـمظاهر، فقلت: قال: حدِّثني كما حدثت ابن جريج، فأخبرني عن القاسم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان ) ].

    وهذا كما أنه في عدة الطلاق هو أيضاً في عدة الوفاة، أنها على النصف، ولما كان الحيض لا ينصف كانت على حيضتين أو على قرأين، وأما بالنسبة للمتوفى عنها زوجها فإنها على النصف من ذلك، وهذا أيضاً من المسائل التي تم عليه الإطباق، قد حكى إطباق السلف على ذلك ابن قدامة رحمه الله.

    1.   

    باب طلاق العبد

    1.   

    باب من طلق أمة تطليقتين ثم اشتراها

    قال المصنف رحمه الله: [ باب من طلق أمة تطليقتين ثم اشتراها.

    حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه أبو بكر قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عمر بن معتب عن أبي الحسن مولى بني نوفل قال: ( سئل ابن عباس عن عبد طلق امرأته تطليقتين ثم أعتقا أيتزوجها؟ قال: نعم. فقيل له: عمن؟ قال: قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

    قال عبد الرزاق: قال عبد الله بن المبارك: لقد تحمل أبو الحسن هذا صخرة عظيمة على عنقه ].

    1.   

    باب عدة أم الولد

    1.   

    باب كراهية الزينة للمتوفى عنها زوجها

    قال المصنف رحمه الله: [ باب كراهية الزينة للمتوفى عنها زوجها.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيى بن سعيد عن حميد بن نافع أنه سمع زينب ابنة أم سلمة تحدث أنها سمعت أم سلمة وأم حبيبة تذكران: ( أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنة لها توفي عنها زوجها، فاشتكت عينها فهي تريد أن تكحلها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة عند رأس الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشراً ) ].

    والمراد بالزينة: كل ما كان في يدها أو في وجهها، ويجوز لها أن تتطيب لإزالة الريح الموجود في الإنسان، وذلك للنتن، أو لو وقع على ثيابها شيء، فهذا يجوز لها أن تزيله، ويجوز كذلك للمرأة إذا كانت في عدتها أن تكلم من تحتاج أن تتكلم معه، سواء كان ذلك بالهاتف أو غيره لتقضي حاجتها.

    ولها أن تصل رحمها كذلك وأن يصلها أرحامها، وهذا مما لا حرج فيه، ولا يجب عليها أن تلبس لباساً معنياً، بل تلبس لباس بيتها، مما لا يظهر فيه زينة.

    1.   

    باب هل تحد المرأة على غير زوجها

    1.   

    باب الرجل يأمره أبوه بطلاق امرأته

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الرجل يأمره أبوه بطلاق امرأته.

    حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان وعثمان بن عمر قالا: حدثنا ابن أبي ذئب عن خاله الحارث بن عبد الرحمن عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر، قال: ( كانت تحتي امرأة، وكنت أحبها، وكان أبي يبغضها، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمرني أن أطلقها، فطلقتها ).

    حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن: ( أن رجلاً أمره أبوه أو أمه- شك شعبة- أن يطلق امرأته، فجعل عليه مائة محرر، فأتى أبا الدرداء فإذا هو يصلي الضحى ويطيلها، وصلى ما بين الظهر والعصر، فسأله، فقال أبو الدرداء: أوف بنذرك، وبر والديك.

    وقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة، فحافظ على والديك، أو اترك ) ].

    وهنا لا يعني أن الأب يملك عصمة الطلاق، وإنما المراد بذلك الطاعة، وليست هي لكل أب، وإنما هي لمن حاله كـعمر، ممن يحث أو يحض ابنه على طلاق امرأة ابنه من غير كره لحظ نفسه، وذلك لوجود العلم والديانة والصلاح، فـعمر بن الخطاب ملهم ومحدث، ولهذا الإمام أحمد كما ذكر القاضي ابن أبي يعلى في الطبقات: أنه جاءه رجل فقال: إن أبي أمرني أن أطلق زوجتي، قال له: لا تطلق. قال: إن ابن عمر أمره أبوه أن يطلق زوجته فطلقها، فقال: حتى يكون أبوك كـعمر.

    وذلك لحظوظ النفس التي تكون في بعض الآباء أو الأمهات، تقول: طلق الزوجة وإني لا أريدها، أو نحو ذلك أو فارقي زوجي أو خالعيه أو نحو ذلك، ليس هذا مما يحمل على مثل هذا الموضع، وهذا من المواضع التي تحمل على القرائن المحتفة بها لا على إطلاقها.

    نقف على هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.