إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [34]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نهى الله سبحانه وتعالى الولي أن يعضل موليته أن ترجع إلى زوجها، والعضل هو حبس المرأة أن تعود إلى زوجها من الشدة عليها والألم. ورجوعها إلى زوجها الأول أولى من اختيار زوج جديد؛ لمعرفتها بالأول واطلاعها على طباعه. ونهي الولي عن العضل دليل على اشتراط الولي في النكاح وأنه: (لا نكاح إلا بولي). ثم ذكر الله أن من يوعظ بآيات الله ويخالف هوى نفسه أن ذلك هو المؤمن. ثم ذكر الله أنه عالم بعلل تلك الأحكام بخلاف الإنسان فإنه لا يدرك كل ذلك فقال تعالى: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون).

    1.   

    قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد :

    المقارنة بين معاني قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن)وقوله: (وإذا طلقتم النساء....فلا تعضلوهن)

    فتقدم معنا الكلام على مسألة الإضرار بالزوجة من قبل زوجها، وذلك بطلاقه لها قبل انتهائها من عدتها، وذلك ظاهر في قول الله جل وعلا: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [البقرة:232] ، نهى الله عز وجل عن عضل المرأة من وليها، ونهى الزوج عن الإضرار بالزوجة: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا [البقرة:231] ، يعني: ليس للزوج أن يبقي زوجته عنده إذا كان لا يريدها، فيكون إمساكه لها إضراراً بها.

    والخطاب في الآية السابقة توجه إلى الأزواج، وفي هذه الآية الخطاب توجه إلى الأولياء، وهذا باتفاق العلماء: أن الخطاب في قوله جل وعلا: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [البقرة:232] ، المراد بذلك الأزواج، وفي الآية الثانية في قوله جل وعلا: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [البقرة:231] ، فالمراد بذلك الأزواج، وفي الآية الأولى: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [البقرة:232] ، المراد بذلك الأزواج، وفي الآية الثانية في قول الله عز وجل: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [البقرة:231] ، أن المراد بذلك للأزواج، وأما الآية الثانية في قول الله جل وعلا: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [البقرة:232] ، يتوجه إلى الأولياء.

    وهذا لا خلاف عند العلماء فيه؛ وذلك أن الأجل في الآية السابقة المراد به المقاربة من انقضاء الأجل، وأما الأجل في الآية الثانية فالمراد به هو انقضاء الأجل وانصرام عدة المرأة من طلاق زوجها، وذلك في الطلاق الرجعي باتفاق العلماء، أن المراد بقوله جل وعلا: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [البقرة:232] ، هو الطلاق الرجعي وليس الطلاق البائن؛ وذلك أن الطلاق البائن ليس فيه رجعة إلى الزوج: حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] ، وتقدم معنا الكلام على هذه المسألة باستفاضة في دروس سابقة.

    وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر أمر الزوجة مع زوجها من جهة تطليقها ثم إرجاعها، وذلك قبل انصرام العدة وانقضائها، بقي الأحكام ما بعد انقضاء عدتها، وهي على ما تقدم ثلاثة قروء، إما أن يكون أطهاراً، وإما أن يكون حيضاً، وهذا بعد انقضاء العدة، فالحكم حينئذٍ ينتقل من الزوج إلى الولي، فالأمر لما كان بيد الولي توجه الخطاب إليه، وذلك أن توجيه الخطاب إلى الزوج لا يأتي هنا؛ لأن انقضاء الأجل به انتهاء العصمة والقوامة التي تكون بين الزوج وزوجته.

    وأما في هذه الآية فالله سبحانه وتعالى أراد بذلك إنصاف المرأة من وليها؛ حتى لا يضر بعودتها إلى زوجها، وهذه الآية قد نزلت في معقل بن يسار كما روى البخاري في كتابه الصحيح من حديث الحسن ، قال: قال لي معقل بن يسار : نزلت هذه الآية في، يعني: أنه كانت له أخت زوجها رجلاً فطلقها، فلما خرجت من عدتها أراد أن يعيدها فخطبها إليه، فلم يعدها معقل بن يسار إليه، فأنزل الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام قوله: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [البقرة:232] ، أي: يجب على ولي الزوجة ألا يضر بها ألا ترجع إلى زوجها، وإنما ذكر الله سبحانه وتعالى عضل الزوجة ألا تعود إلى زوجها على سبيل الخصوص، وما ذكر عضل الزوجات على الإطلاق ألا تنكح زوجاً آخر؛ لأن عضل الزوجة ألا ترجع إلى زوجها أشهر؛ لأن الولي يأبى أن يعيد ابنته أو أخته أو أياً كانت إلى زوجها الأول إذا طلقها، فغالب الرجال يأنفون من إعادتها؛ وذلك أنه أكرمه بتزويجه المرأة، ثم طلقها حتى خرجت عدتها ولم يعدها ثم أراد أن يعيدها بعد ذلك.

    ولما كان هذا فيه شيء من حظ نفس الرجل؛ نهى الله عز وجل الأولياء أن يقدموا حظوظهم على حظ الزوجة؛ ولهذا ذكر الله عز وجل أمر إعادة الزوجة إلى زوجها الأول؛ لأن النفوس من الرجال تتشوف إلى تزويج الرجال عموماً، وأما إعادة الزوجة إلى زوجها بعد طلاق بائن، فغالب الأولياء لا يتوجهون إلى هذا، فجاء النص على هذا الأمر لوقوع غالب الإضرار والعضل فيه، وذلك ألا يقدم الرجل حظ نفسه على حظ بنته أو أخته أن تعود إلى زوجها.

    المفاضلة بين عودة المرأة إلى زوجها الأول بعد طلاقها من الثاني وبين اختيار زوج جديد

    وفي هذه الآية إشارة: أن المرأة إذا طلقها زوجها حتى خرجت من عدتها ثم خطبها الناس وخطبها الزوج، فإن عودتها إلى زوجها الأول أولى من زواجها من زوج جديد، والعلة في ذلك: أن زواج المرأة من زوج جديد تستقبل أمراً وحالاً جديدة هي أغلب إلى الجهالة بالنسبة لها، وأما بالنسبة لعودتها إلى زوجها الأول، فإن ذلك أقرب إلى إصلاح النفس وإصلاح الزلل، فالخلل في ذلك معروف، فإذا تعاهدا على إصلاح الخلل، فرجوع الزوجة إلى زوجها الأول أولى من نكاحها زوجاً جديداً، وهذا هو الأظهر ما استقام في دينه وخلقه؛ ولهذا قيد الله عز وجل ذلك بالمعروف، يعني: إذا تعارفا وتراضيا وعزما على إصلاح ما كان بينهما، فإن الشريعة تتشوف إلى إعادة الزوجة إلى زوجها الأول.

    وفي هذا إشارة إلى أن أحكام الشريعة يجب ألا تضبطها نفوس الناس، ونفوس الناس من جهة حظها واستئثارها وكرامتها وأنفتها، ينبغي ألا تقدم على حكم الله عز وجل وقضائه؛ ولهذا في هذه الآية كسر لنفوس الأولياء ألا يستأثروا بحق أنفسهم وحظها وكرامتها على حظ الزوجة أن تعود إلى زوجها، فنهى الله عز وجل عن العضل.

    معنى العضل

    والعضل من عضل يعضل، والمراد به: الشدة والألم، ولهذا يقال: داء عضال، أي: شديد مستفحل بالمرأة، أي: أن حبس المرأة عن أن تعود إلى زوجها فيه من الشدة عليها والألم، فنهى الله عز وجل عن ذلك.

    النكاح بولي

    وفي نهي الله سبحانه وتعالى الأولياء أن يعضلوا نسائهم أن يعدن إلى أزواجهن، دليل على مسألة تقدمت الإشارة إليها، وهذه المسألة: وهي مسألة النكاح بولي، وأنه لا نكاح إلا بولي، فالخطاب توجه هنا إلى الأولياء، وفي الآية السابقة الخطاب توجه إلى الأزواج، في قول الله جل وعلا: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [البقرة:231]؛ لأن الزوجة في عصمة زوجها في حال عدتها، فإذا بلغت أجلها وخرجت من العدة، فإنها تنتقل ولايتها من عصمة زوجها إلى وليها الذي زوجها، فتوجه الخطاب إليه، يعني: أن المرأة لا تخرج من ولاية رجل، سواءً كان ذلك زوجاً أو أباً، أو كان من في حكمه ممن ينوب عن الأب، كالأخ أو العم أو الخال أو غير ذلك ممن يقوم مقام الأب في أمر الولاية والتزويج.

    هذه الآية فيها دليل ظاهر على مسألة النكاح بولي، وأنه لا نكاح إلا بولي، ولهذا ترجم البخاري رحمه الله على حديث معقل بن يسار الذي هو في سبب نزول هذه الآية، ترجم عليه: باب لا نكاح إلا بولي، و الشافعي رحمه الله في كتابه الأم يقول: هذه الآية أبين آية في القرآن في أنه لا نكاح إلا بولي، ونص على هذا ابن جرير الطبري رحمه الله في كتابه التفسير، قال: وفي هذه الآية دلالة واضحة على ألا نكاح إلا بولي؛ وذلك ظاهر: أن الله عز وجل وجه الخطاب على الولي ألا يعضلها -يعني: ألا يمنعها- يعني: أن له ولاية، ولكن الله عز وجل ضبطها ألا ينزل بها أذية، ولو لم يكن له ولاية لنهاه الله عز وجل عن التدخل بأمر الزوجة كلها، سواءً كان في أمر زوجها الأول أو في غيرها من أمور النكاح، ولكن الله عز وجل أثبت أمر الولاية لأبيها ونهاه عن يعضلها أن تعود إلى زوجها الأول.

    وأما ما يستدل به بعض الفقهاء، فقد جاء في حديث عبد الله بن عباس في صحيح الإمام مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن، وإن صمتت فإذنها صماتها ) ، هذا الحديث في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس ، وجاء في لفظ آخر من حديث عبد الله بن عباس في السنن، وجاء في حديث أبي موسى الأشعري وغيره.

    قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الأيم أحق بنفسها من وليها ) ، وجاء في لفظ في السنن: ( الأيم أولى بنفسها من وليها ) ، يستدل بعض أهل الرأي بهذا الحديث على أنه ليس للولي أثر في تزويج الثيب، فإذا أرادت أن تتزوج فإن لها ذلك إذا كانت ثيباً، وهذا القول خطأ ومعارض للأدلة، والسبب في ذلك: استفاضة الأدلة الظاهرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وتقدم الإشارة معنا في قول الله جل وعلا: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ [البقرة:221] ، وجه الخطاب في ذلك للرجال، وإذا أرادوا أن يتزوجوا قال: وَلا تَنكِحُوا [البقرة:221] ، يعني: أنتم، وبالنسبة للزوجة ما وجه الخطاب إلى النساء وإنما وجه الخطاب إلى أوليائهم في قوله جل وعلا: وَلا تُنكِحُوا [البقرة:221] ، كذلك في قول الله جل وعلا: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى [النور:32] ، توجه الخطاب إلى الرجال، فدلت الأدلة المستفيضة في ذلك أن أمر التزويج إنما يكون للأولياء ولا يكون للثيب بنفسها.

    ثم أيضاً أن حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله هذا فيه دليل على الولاية، فالنبي عليه الصلاة والسلام أثبته؛ ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الأيم أحق بنفسها من وليها ) ، فهو أثبت الولي وأثبت الحق، ولكن ثمة حق فاضل وثمة حق مفضول، والحق الفاضل للثيب، والحق المفضول لوليها، ما هو الحق الفاضل في ذلك والحق المفضول؟

    الحق الفاضل في القبول أو الرفض، فلا يجوز للولي أن يزوج الثيب إلا بإذنها، وصماتها ليس إذناً منها، بل يجب أن تقبل أو ترفض النكاح، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( الأيم - أو الثيب - أحق بنفسها من وليها ) ، يعني: في هذا الباب، وأما الولي فهو الذي يمضي النكاح أو يبقيه بحسب ما تريده البنت الثيب.

    وأما بالنسبة للبكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( والبكر تُستأذن، وإذنها صماتها ) .

    إذاً: الحديث إنما ورد في أمر الإذن، فالثيب والبكر يتفقان في أمر الولي ويختلفان في صفة الإذن، فجاء الحديث لا في أمر الولاية وإنما جاء في أمر الإذن، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين الفرق بين مسألة ولاية الولي على الثيب، وولاية الولي على البكر في أمر الاستئذان.

    وكذلك فإن من القرائن في هذا: أنه لم يثبت عن أحدٍ من الصدر الأول من النساء، أن امرأةً ثيباً أو بكراً زوجت نفسها، ولا يعرف هذا إلا في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50] ، فجعلها الله عز وجل خالصةً له؛ ولهذا قال غير واحد من المفسرين كـقتادة كما روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير في آية الأحزاب، من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ، قال: هي خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من دون الناس، فلا تزوج المرأة نفسها، وإنما أذن الله عز وجل لنبيه ورخص له ذلك من دون المؤمنين، لأن أصل الولاية التي تكون لدى الولي في إنكاح الزوجة أن ذلك لمقاصد ولعلل، ومن هذه المقاصد: المصلحة ورعاية أمر الزوجة، ورعاية أمر الزوجة أن المرأة في غالب أمرها لا تعرف أحوال الرجال من جهة صدقهم وكذبهم ومروءتهم، وكذلك أحوالهم من جهة الخلق، وكذلك المال، وكلام الرجال عنهم والناس ونحو ذلك، فهو أعلم في هذا الباب وأرعى، فالمراد بذلك هو مصلحة الزوجة.

    ومن المصالح الشرعية في أمر الولاية: دفع الشبهة والتهمة عن أمر السفاح والنكاح، فإذا كانت المرأة تزوج نفسها، فالفرق بين تزويج المرأة لنفسها برضاها عن الزواج الذي يكون بعقد بين المتراضيين، والزنا الذي يكون بين رضا الطرفين يكون في ذلك تواطؤ، فأرادت الشريعة أن تحفظ هذا الأمر من دخل النفس ودواخلها، وشهوة النفس وتوطين الشيطان لأمثال هذا بشيء من ظواهر رخص الشريعة في ذلك، فأرادت الشريعة إدخال الولي في هذا الباب دفعاً للتهمة، وللشر الذي يكون بينهما.

    كذلك فيه صيانة للعرض وصيانة للذرية والولد وغير ذلك، وهذا أمر ظاهر.

    وهذه المقاصد منتفية في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ألا مصلحة ترجى لامرأة أعظم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تهمة ولا مفسدة في ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أكرم الخلق وأكملهم عليه الصلاة والسلام خلقاً ومروءةً وأدباً، وهو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، وأعلى الخلق في ذلك، فإذا أراد الولي أن ينظر في أحد، فلن يجد في مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم مبتغىً لموليته، ولهذا كان ذلك خاصاً في رسول الله صلى الله عليه وسلم من دون المؤمنين، وهذا استثناء له عليه الصلاة والسلام.

    في آية الأحزاب دليل على إثبات الولاية في أمر النكاح وألا نكاح إلا بولي.

    استئذان الصغيرة البكر عند تزويجها

    ويستثنى في أمر البكر من جهة تزويجها باستئذانها: إذا كانت صغيرة، فله أن يزوجها ما قامت المصلحة في ذلك من غير أن يستأذنها، كما زوج جماعة من السلف من الصحابة من غير أن يستأذنوهم، وأما بالنسبة للبكر، فثمة نوع من الأبكار يلحقن بالثيب بالأمر من جهة الاستئذان، وهي البكر اليتيمة، فالبكر اليتيمة تلحق بالثيب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فإن أبت فلا يجوز له ذلك ) ، يعني: أن يزوجها أحد بخلاف البنت التي تكون منه، فإنه له أن يزوجها ما قامت المصلحة في ذلك، وعلى خلاف عند العلماء في هذه المسألة، فالصغيرة الذي عليه عامة العلماء والسلف أن الرجل يزوجها من غير أن يستأذنها، وأما بالنسبة للبكر إذا أراد أن يزوجها وأبت فهل له أن يزوجها إذا قامت المصلحة فيما يراه لها في ذلك؟ هذا من مواضع الخلاف.

    استئذان البكر اليتيمة عند تزويجها

    وأما بالنسبة للبكر اليتيمة فإنها تلحق بالثيب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تزويج ابنة عثمان بن مظعون لما توفي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنها يتيمة لا تزوج إلا بإذنها ) ، فذكر الخصيصة التي فيها، وهي صفة اليتم، فلا تزوج إلا بإذنها، ويكون إذنها كحال إذن الثيب، ويتمحص الإنسان في ذلك تحرياً وتشديداً.

    وإنما اختلفت البكر اليتيمة عن البكر من غير يتم، أن هذا أطيب لنفسها وأحفظ لحقها، أطيب لنفسها: أن الإنسان إذا كان يرعى بكراً يتيمة، فإن رعايته لها تختلف عن رعايته لابنته من صلبه، فإذا أراد أن يزوجها فإنها ربما وقع في نفسها أنه يريد الخلاص منها، أو يريد الانتفاع من مهرها، بخلاف حظ الرجل من ابنته، فإنه يرعى ابنته أشد من رعايته للبنت اليتيمة التي تكون عنده، فشدد الشارع في ذلك.

    كذلك من وجوه التشديد في أمر اليتيمة: أن ولاية الرجل على اليتيمة ولاية عارضة، وأما ولاية الأب على ابنته فهي ولاية أصلية دائمة لا تنفك إلا لعلة شرعية، وذلك أن الرجل إذا زوج ابنته البكر ثم طلقها من تزوجها، فإنها تعود إليه بلا نظر، فإما أن تكون تحت ولاية وقوامة زوجها، وإما أن تكون راجعةً إلى أبيها، بخلاف اليتيمة إذا زوجها وليها فإنها بعد طلاقها ربما ترجع إليه وربما ترجع إلى ولاية غيره؛ فلهذا كان التشديد في ذلك لأن اليتيمة إذا زوجت ربما تعلم أنها انفكت من ولايته، فتصبر على شيء من الأذى والجور والظلم والضر الذي ينزله الزوج بها خشية أن ترجع إلى ولي آخر أو لا تجد لها ولياً.

    فشدد في أمر إنكاحها ابتداءً، فلحقت اليتيمة البكر بالثيب من جهة التشديد في أمر النكاح.

    وكذلك فإن الأدلة المتضافرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا نكاح إلا بولي في ذلك مستفيض، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا نكاح إلا بولي ) ، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل ) ، تقدمت معنا هذه المسألة في آيات سابقة، ويأتي الإشارة إليها في سورة الأحزاب وغيرها.

    الحكمة من نهي الولي أن يعضل موليته

    في قول الله سبحانه وتعالى: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ [البقرة:232] نهى الله عز وجل الولي أن يعضل موليته أن ترجع إلى زوجها، وذكرنا العلة في تخصيص الأزواج لأن نفوس الرجال تأنف، ولهذا أنف معقل بن يسار عليه رضوان الله من أن يرجع أخته إلى زوجها، فقال: أكرمتك وفرشتك وزوجتك ثم تطلقها، حتى إذا خرجت من عدتها خطبتها كسائر الناس، حمل ذلك على شيء من الاستهانة بكرامته كولي، فأنزل الله عز وجل عليه ذلك، لأن نفوس الرجال فيها من الأنفة أعظم من نفوس النساء، فالنساء فيهن من اللين مع الرجال والأزواج بخلاف الرجال فيما بينهم، فربما كان حظ النفس في ذلك يقدم على حظ غيرها، فأراد الله جل وعلا أن يكسر الرجل نفسه إذا أرادت الزوجة أن تعود إلى زوجها.

    وهذه على ما تقدم: أن عودة المرأة ولو خرجت من عدتها إلى زوجها الأول أحظى وأقرب من عودتها إلى زوج جديد، وذلك أنهم أعلم بوجوه الخلاف وأعلم بوجوه الاتفاق، فهو ما عاد إليها إلا ويرغب بإصلاح ما سبق، فإن هذا أقرب إلى دوام النكاح وصلاحه، كذلك إذا كان بينهما ذرية فإنه آكد، وذلك أنه أصلح لهما فيما بينهما، وكذلك أصلح لذريتهما، وذلك أن المرأة إذا نكحت زوجاً آخر، فإنها تخرج ولايتها عن ذريتها وتنتقل بعد ذلك إلى الزوج.

    ومعلوم أن المرأة إذا طلقها زوجها، فإذا كانت ذريتها دون التمييز فإن الولاية لها ما لم تتزوج، فإذا تزوجت فإن ذلك يخرج من ولايتها إلى ولاية آخر.

    هل يكون ذلك للزوج، وهل يفرق في أمر الزوج المتزوج بعد زوجته الأولى، وهو أولى من أم الزوجة أو جدتها أو أبيها من جهة الرعاية؟ هذا محل نظر واختلاف.

    اشتراط رضا الزوجة إذا عاد إليها زوجها ثانية

    في قوله سبحانه وتعالى: إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:232] ذكر الله سبحانه وتعالى النهي عن العضل، ثم قيده بشرط التراضي بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:232] أي: لا بد أن يكون ذلك بينهما على وجه الوفاق، وفي هذا وجه يقابل الحكم السابق: أن الله عز وجل لما نهى الولي أن يعضل بنته من أن ترجع إلى زوجها، كذلك شدد عليه أن يرجعها بغير إذنها، فلا بد من إذنها لأنها ثيب، وإذن الثيب لا بد أن يكون صريحاً، بخلاف البكر فإنه يؤخذ إذنها بصماتها.

    ويدخل في أمر البكر إذا طلقها زوجها قبل أن يدخل بها باعتبار أنها ما زالت بكراً، وحكمها في ذلك حكم البكر التي لم يعقد عليها.

    في قوله سبحانه: إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:232] هل هنا في ذكر البينية التي تكون بين الزوجين، هل للرجل أن يخلي بين بنته وبين زوجها الأول حتى يتراضيا ونحو ذلك؟

    نقول: إذا طلق الرجل امرأته حتى خرجت من عدتها، فإنها من جهة الحكم كحكم سائر النساء، فإما أن يكون وسيطاً بينهما وإما أن يجمع بينهما فلا يكون ثمة خلوة، لأنه كسائر الخطاب، والتراضي يكون بينهما لا بين الولي وبين الزوج.

    مدى اعتبار شروط الولي في الزواج

    وفي هذه مسألة: أن الأصل في شروط الولي أنها تكون في أول النكاح لا في العودة؛ لأن البكر لا تعلم ولا تدبر أمرها، بخلاف المرأة الثيب إذا نكحت ثم طلقها زوجها ثم أراد أن يرجعها على الولي ألا يشترط في ذلك شرطاً يعيق عودة الزوجين إلى بعضهما، ولهذا في هذه الآية ذكر الله عز وجل أمر التراضي بين الزوجين، وما ذكر أمر التراضي بين الولي وبين الزوج، وما ذكر في ذلك قيداً، والتراضي بذلك بالمعروف أن يكون ذلك أمراً معروفاً مشهوراً لا أن يكون سراً، فكما اشتهر أمر الطلاق يشتهر أمر النكاح.

    والمراد بالمعروف هنا، قال بعض المفسرين: هو الإشهاد، أن يتم عودة النكاح بعد ذلك بالشهود، والشهود محل اتفاق عند السلف، ثمة خلاف عند بعض الفقهاء فيمن بعدهم، ولها موضع يأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى.

    وإذا اشترط الولي شرطاً على الزوج، فهل يجب عليه الوفاء في ذلك أم لا؟

    هذا موضع خلاف، جاء عن الإمام أحمد عليه رحمة الله القول بوجوب الوفاء بشرط الولي، ولو أسقطته الزوجة بعد ذلك، ومن العلماء من يقول: بأنه ليس للولي شرط لازم على الدوام، فإذا أسقطته الزوجة فإنه ساقط، وجاء عن بعض السلف في ذلك عن سعد بن أبي وقاص عليه رضوان الله تعالى الإلزام، أن الأمر ملزم وهو باق، وليس للزوجة أن تنقضه.

    وعظ الولي وتخويفه من أن يعضل موليته

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:232] : ذكر الله عز وجل موعظة متوجهة إلى الأولياء تخويفاً وتذكيراً بالله عز وجل من أن ينزل الرجل أذيةً أو ضرراً في ابنته أو أخته أو موليته عموماً، وذلك بمنعها أو عضلها، وهذا التشديد في ذلك فيه ترهيب للنفوس التي ربما تقدم حظها على حظ الزوجة التي تريد العودة إلى زوجها، والله سبحانه وتعالى يعلم ما لا يعلمه الإنسان من جهة استقامة الأمر، والله عز وجل حكيم قدير جل وعلا، يقدر ويحكم ويفصل سبحانه وتعالى في حدوده وشرائعه جل وعلا فيما يصلح العباد.

    ولهذا ذكر الله عز وجل ذلك؛ لما فيه من شدة على نفوس الرجال، ولهذا جاء في حديث معقل بن يسار عليه رضوان الله أنه أقسم ألا ترجع أخته إلى زوجها، جاء عند أبي داود : قال معقل بن يسار : فلما أنزل الله عز وجل قوله جل وعلا: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [البقرة:232] ، قال: كفرت عن يميني وزوجته أختي، يعني: أنه أراد من ذلك النزول عند حكم الله عز وجل وأمره، وما أقسم في ذلك إلا لشدة يجدها الرجل أو الولي من تساهل الزوج على بنته أو أخته أو نحو ذلك، وهذا على ما تقدم أن الشريعة جاءت بتميم المصالح وتحقيقها ودفع المفاسد، فالله عز وجل يعلم من المفاسد الباطنة ما لا يدركه الولي، فأراد الله جل وعلا إصلاحها، ويعلم الله جل وعلا من المصالح الظاهرة والباطنة ما لا يدركه الولي فربما غاب عن ذلك لحظ نفسه أو أنفته وربما يغلبها مصلحةً لابنته أو أخته فيدثرها بذلك الدثار معللاً بعلل المصلحة أو خشية الطلاق بعد ذلك أو التساهل أو إلحاق الأذى ونحو ذلك، فأراد هذا.

    وكذلك يدخل في أمور العلل من عودة المرأة إلى زوجها: أن تشوف الرجال إلى المرأة المطلقة أقل من تشوفهم إلى البكر؛ ولهذا تشوف الشارع إلى إرجاع المرأة إلى زوجها ولو خرجت من عدتها، فإن في ذلك صلاحاً، وإن عودة الزوجة إلى زوجها الأول حال خطبتها متيقن، وأما بالنسبة لعودة الزوجة إلى زوج آخر لم يأت فهذا أمر مظنون فيقدم في ذلك المستيقن عند طلبه على غيره.

    امتثال أمر الله ومخالفة الهوى سبب زيادة الإيمان

    وهذا فيه تذكير بأمر الله سبحانه وتعالى، وأن الإنسان كلما عظم إيماناً بالله سبحانه وتعالى وباليوم الآخر وتذكر المعاد والثواب في ذلك والعقاب، كان أكثر امتثالاً لأمر الله عز وجل وكسراً لنفسه، ولهذا وعظ الله عز وجل الأولياء بهذه الآية، وذكرهم بلقائه.

    وفي هذا أن علامة الإيمان الفارقة التي تكون بين المؤمن القوي والمؤمن الضعيف هو مواجهة هوى النفس، فإذا واجه هوى نفسه نزولاً عند حكم الله، فهذا أمارة على قوة الإيمان، فإذا قدم هوى نفسه على حكم الله عز وجل ومراده، فهذا أمارة على ضعف الإيمان، وهذا على ما تقدم ما جاء هذا التغليف في كلام الله عز وجل إلا لشدة ذلك على نفوس الرجال، ولهذا ذكر الله عز وجل الإيمان به واليوم الآخر.

    مفاد أفعل التفضيل في قوله تعالى: (ذلكم أزكى لكم)

    قال الله جل وعلا بعد ذلك: ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ [البقرة:232]، والمراد بالزكاء هنا هو: الطهارة والنقاء، والبركة، أي: أن خلاف ذلك هل فيه زكاة أم لا؟ هذا من بلاغة القرآن.

    ذكر الله جل وعلا الزكاة هنا بأفعل، قال: ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ [البقرة:232]، لم ينف الله عز وجل الزكاة عن غيره إذا رأى الولي صلاحاً في غير ذلك، فربما كان ثمة صلاح في عدم إعادته، وذلك لضعف في ديانته، أو شدة سوء في خلقه، ويتحرى الإنسان ويعلم أن في ذلك ضرراً، أو ضعفاً في إدراك أمر المرأة إذا تقدم لها خاطبان، فلا تدرك اللاحق وتعرف السابق، فأرادت أن تعود إلى السابق، فأراد أن يقدم اللاحق في ذلك على السابق مصلحة لا تقديماً لحظ نفسه، ولهذا ذكر الله عز وجل الزكاء في ذلك بصيغة أفعل، قال: ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ [البقرة:232]، يعني: لا يسلب الزكاء عن أي زوج يتقدم إليه، ولا ينسب الشر إليه، ولا المنكر، فهو أمر خير، ولكن لا يقدم ذلك على أمر الزوج الأول قدر الوسع والإمكان.

    كذلك فإن الزكاء المراد به هو: عدم منع الزوجة من النكاح، سواءً كان إلى زوجها، أو إلى غير زوجها، وإنما ذكر الله جل وعلا أمر الأزواج؛ لأن الغالب أن الرجل إذا طلق امرأته طلاقاً رجعياً أنه أرغب بإعادتها من غيره، وإذا منع الله عز وجل من عضل الزوجة أن تعود لزوج سابق، فإنه لغيره من الأزواج من باب أولى من جهة التشديد في ذلك، يعني: مع شدة امتناع الولي مما يجد في نفسه من الزوج السابق منعه الشارع، فإنه في حال عدم وجوده على زوج آخر يخطب فإنه من باب أولى يكون النص في ذلك، فأرادت الشريعة أن تكسر الأمر الأعظم في النفس، قال: ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ [البقرة:232].

    المخاطب بقوله تعال: (ذلكم أزكى لكم وأطهر)

    وذكر الله سبحانه وتعالى هنا في قوله: ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ [البقرة:232]، هل الخطاب يتوجه إلى الأولياء أم يتوجه إلى الأولياء وغيرهم؟

    الخطاب يتوجه إلى الجميع، يتوجه إلى الولي، ويتوجه إلى الزوج، ويتوجه إلى الزوجة، وربما توجه إلى غيرهم، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في أمر التزويج: ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكون فتنة ) هل في البيت أو في الدار أو في الأسرة أو في الأرض؟ تكون فتنة في الأرض، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فتنة للناس، فربما كان ذلك في عدم التزويج مدخلاً للمرأة إذا كانت بلا زوج أن تفسد في دينها، أو في خلقها، أو تفسد غيرها، وأن يفسد الزوج إذا كان بلا زوجة في نفسه، وأن يفسد غيره، فإذا تعددت مثل هذه الحال؛ تعدد الفساد في الأرض وانتشر، ولهذا ما من أمر محرم يكون في الناس إلا وقد سد باب حلال أمر الله عز وجل بفتحه، فقصرت البشرية في ذلك فوقع الناس في الحرام، وهذا أمر معلوم، سواءً كان في أمور المأكولات، أو أمور المشروبات، أو أمور الملبوسات، أو المنكوحات، أو في أمور الزراعة، أو الأموال، أو البيع والشراء والعقود وغيرها، ما من أمر حرام يكون في الناس إلا ويقابله أمر حلال إما سد أو ضيق، فأمر الله عز وجل بذلك، ولهذا نقول: إن الخطاب بقوله جل وعلا: ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ [البقرة:232]، يتوجه إلى الجميع، يتوجه إلى الولي والزوج والزوجة، ومن كان حولهم، إلا أنه في الزوجين أولى وفي الولي، ثم من كان حولهم من الناس.

    علل الأحكام وتشريعها

    قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:232]، في هذا إشارة وحكمة بليغة أن العلل التي يربط الله عز وجل فيها مثل هذه الأحكام لا يدركها الإنسان ببصيرة عابرة، والله جل وعلا يعلم من حكم تشريعه، وعلل حدوده ما لا يدركه الإنسان، ولهذا نجد أن الله سبحانه وتعالى حينما يذكر أمور النساء، صلة الرجال بالنساء، وكذلك في أمور النكاح والتزويج والعودة؛ يكل الله عز وجل ذلك إلى علمه وحكمته، يعني: أن العلل لو بينها الله عز وجل لم تتسع عقول الناس لإدراكها، ربما لبعدها توقعاً في ظنهم عن الحدود، ولكن الله عز وجل أجملها.

    وفي هذا إشارة إلى مسألة مهمة وهي: أن علل الشريعة وأحكامها ينبغي ألا تكون محل غلو بالبحث، فإن ذلك يضعف جانب التسليم، وذلك أن الإنسان إذا أراد أن يبحث في كل حكمٍ علة، فإنه حينئذٍ يتوقف عند المسائل التي لا يجد فيها علة ويضعف انقياده لها، ولهذا الصحابة عليهم رضوان الله إنما بلغوا ما بلغوا من مرتبة العلو في الإيمان، وبلغ أبو بكر مرتبة الصديقية؛ لأنه لما تيقن بصدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه سلم بما يأتي به، علم العلة أو لم يعلمها، وقد توسع في هذا الباب كثير من الفقهاء والأصوليين بالبحث عن العلل والتوسع في ذلك، والتوسع في علل لم ينص عليها الشارع، وأوغلوا في ذلك، وبعد إيغالهم في هذا أوجدوا عللاً ليست منصوصة مستنبطة، ثم قاسوا على هذه العلل المستنبطة، ثم بعد ذلك أصبح القياس ضعيفاً، فإذا بهم يكتشفون ذلك بعد جيل أو جيلين، وهذا يظهر في كل علة مبحوثة ليست مستنبطة، يظهر ضعفها ولو بعد جيل، ولهذا نجد في مسألة النهي عن الأكل في آنية الذهب والفضة ولبس الرجال لها، بعض الفقهاء يعلل بعلة يقول: إن الشارع إنما نهى عن ذلك بسبب حاجة الناس إلى النقدين، فنهى الشارع عن ذلك، وهذه العلة في الشريعة ليست منصوصة بتمامها، وواجب على الناس التسليم، فإذا أخذنا هذه العلة وثبتناها كما يشير إلى هذا بعض الفقهاء من الشافعية والمالكية، فإن العلة إذا كانت لديهم مقام النص، فعليهم بعد استغناء الناس عن النقدين من الذهب والفضة كما في زماننا من جهة الورق، فتضعف تلك العلة، ويجوز للإنسان أن يأكل في آنية الذهب والفضة، وكذلك للرجال أن يلبسوا حلي الذهب والفضة، ولانتفاء العلة.

    وقد توسع في هذا، ألف الحكيم الترمذي رسالة في العلل، وليس العلل في الحديث، ولكن في علل الأحكام، وتوسع توسعاً كثيراً في أمور العبادات، فجاء في أمر العبادة حتى العلة في وضع الأصابع في الصلاة، ووضعها في الصدر ما هو العلة؟ والركوع ما هي العلة منه؟ واعتدال الظهر وغير ذلك، مبالغات طويلة وعريضة، وهذه العلل لم تكن منصوصة في الشريعة، ما نصت عليه الشريعة فيأخذ مسلم به وما لم تنص عليه يأخذه الإنسان استئناساً، ولهذا الله جل وعلا اكتفى بالإجمال هنا: ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:232]، يعني: مهما بحث الإنسان من علل فلن يدركها ولو أدركها لاستنكرها؛ لأن الله عز وجل يقلب الأحوال ويغيرها، وربما تنقلب الحال من حال إلى حال، ولا يدرك الإنسان أن هذه يمكن أن تكون بمثل هذا، فالذي جعل شجر الحنضل مع مرارته إذا تناولته البهيمة خرج لبناً صافياً لحكمة وقدرة إلهية، فالله جل وعلا يخرج من الأعمال آثاراً لا تخطر في بال الإنسان، ولهذا أمر الله عز وجل الإنسان بالتسليم، بيَّن له الحكم، وبين له الأثر الذي عليه، هو الزكاء والطهارة، أما العلة فتوقف؛ لأنك لا تدرك مثل هذه الأمور، وربما كان الإضمار للعلة فيه إفساد بين الولي وموليته، فربما من العلل من أمور الفساد ما لو ذكره الله عز وجل لأخذ الولي ابنته بالظنة، ربما تفسد أو ربما تفجر، أو نحو ذلك، فجاء الله عز وجل بهذا الإجمال الذي يشمل جميع المصالح الشرعية ويدع في ذلك المفاسد، وكفى بذلك غاية وحكمة.

    ونفي العلم هنا وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:232]، أي: أن العلة الموجودة في هذا الحكم لا تدركونها ولا يمكن أن تدركوها، ولو توسع الإنسان وأدام النظر، والتأمل فلن يصل إلى ما بينه الله سبحانه وتعالى، وما يعلمه الله جل وعلا من أحوال وتقلبات.

    أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة.

    ونرجئ الكلام على آية الرضاع لوجود مسائل كثيرة متعلقة فيها، أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والإعانة إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد...