إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [32]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين الله عز وجل العلاقة بين الأزواج أيما تبيين فجعل للرجل أن يطلق زوجته ثلاثاً، وذلك أن الغالب على من يطلق الثالثة عدم رغبته في هذه الزوجة، ثم لو كان له رغبة بعد ذلك وهذا نادر شرع له أن يعود إلى زوجته شريطة أن تنكح زوجاً غيره (فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا) وهل تعود على ما بقي له من طلاق، أم يكون له طلاق جديد ولا يبني على ما سبق؟ فيه خلاف بين العلماء. والصحيح أن المراد بالنكاح في قوله: (حتى تنكح زوجاً غيره) هو الجماع لا مجرد العقد.

    1.   

    قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنكمل استنباط أحكام آيات الطلاق من سورة البقرة، عند قول الله جل وعلا: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ [البقرة:230] .

    تقدم معنا أن هذه الأحكام فيما يتعلق بمسائل الطلاق هي أولها نزولاً، وذلك أن الجاهلية كان لديها تبديل في هذه الأبواب، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يبين وأن يفصل الحق ويزيل الظلم والتعدي، والله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر عدد الطلاق، وذكر الله جل وعلا كذلك أيضاً ما يكون بين الزوجين من خلع، وتقدم معنا الإشارة إلى صفة الخلع والافتداء الذي يكون بين الزوجين وأحواله، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الطلاق مرة أخرى، وهي الطلقة الثالثة التي تكون بين الزوجين.

    اتفاق العلماء على عدم رجوع المرأة إلى زوجها بعد الطلقة الثالثة

    فقوله سبحانه وتعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا [البقرة:230]، يعني: الطلقة الثالثة، فإن طلق الرجل زوجته الطلقة الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وهذا المعنى لا خلاف فيه عند العلماء، فإنه يتفق العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاث طلقات لا ترجع إليه ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.

    وهذه من مسائل الإجماع التي لا يختلف فيها العلماء، وإنما يختلفون في بعض لوازمها، وكذلك في بعض الصور والأحوال المتعلقة بالرجعة بعد نكاحها لزوج آخر.

    من نظر وتأمل السياق الوارد في الآيات فيما يتعلق بالطلاق؛ يجد أن الله جل وعلا ذكر الطلاق مرتين، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك الإمساك بمعروف يعني: في الطلقتين أو تسريح بإحسان وهي الثالثة على ما تقدم, ثم ذكر الله عز وجل الخلع, ثم ذكر بعد ذلك عوداً إلى مسألة الطلاق، وهي الطلقة الثالثة.

    وهذا الترتيب في القرآن له حكمة، منهم من أخذه على ظاهره، ومنهم من أخذ منه بعض المسائل التي تخالف ما سبق، وذلك أن الله جل وعلا حينما ذكر الطلاق مرتين ذكر بعد ذلك التسريح.

    وتقدم أن العلماء مجمعون على أن المراد بالتسريح الطلقة الثالثة، وبعض الفقهاء من الحنفية يقولون: إن الله جل وعلا ما ذكر الطلاق الثلاث في الآية السابقة وإنما ذكرها في الآية التي تليها, وهي في قول الله جل وعلا: فَإِنْ طَلَّقَهَا [البقرة:230]، يعني: الطلقة الثالثة.

    هنا أخذ بعض الفقهاء من الحنفية مسألة، وهي: أن الرجل يجوز له أن يوقع طلاقاً على امرأته وهي مختلعة، وذلك أن الله عز وجل ذكر الطلاق مرتين، ثم ذكر الخلع، ثم ذكر الطلقة الثالثة، قالوا: والفاء في قول الله جل وعلا: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ [البقرة:230]، يعني: أنه إن طلقها بعد الاختلاع بين الطلقتين وبين الطلقة الثالثة فالطلاق واقع.

    وثمة مسألتان في هذا: المسألة الأولى في وقوع الطلاق للمختلعة في عدتها.

    المسألة الثانية: وقوع الاختلاع من مطلقة في عدتها، وهي عكس المسألة الأولى.

    طلاق المختلعة في العدة

    ذهب بعض الفقهاء من الحنفية إلى أن الطلاق للمختلعة في عدتها جائز, قالوا: لظاهر الآية؛ فالله سبحانه وتعالى ذكر الطلقتين ثم ذكر الخلع ثم ذكر الطلقة الثالثة، والثالثة تكون بعد خلع أو بلا خلع، فإذا كانت بلا خلع فهي ثلاث بانتظام، وإذا كانت بخلع فإنها تكون طلقة ثالثة، وما ذكر الله جل وعلا ذلك إلا وقد قصد به الترتيب. وهذا الاستدلال فيه نظر من وجوه:

    أول هذه الوجوه: أن الله سبحانه وتعالى ذكر الطلاق الثلاث في الآية السابقة على ما تقدم الكلام عليه، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، فذكر الله عز وجل الطلقتين وذكر الثالثة، ثم أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين مسألة البينونة الكبرى وأحكامها المتعلقة بها, وذلك على سبيل التفصيل، فالله عز وجل ذكر الطلقات على سبيل الإجمال ثلاثاً، ثم أراد أن يبين ما تبين به المرأة من زوجها، وذلك أن الله سبحانه وتعالى ذكر الخلع بعد ثلاث لا بعد طلقتين, ولا يسلم أن الله عز وجل إنما ذكر الخلع بعد الطلقة الثانية.

    ولهذا نقول: إن هذه المسألة هي التي عليها جماهير العلماء، أن وقوع الطلاق على المختلعة في عدتها لا يعتبر، وهذا الذي عليه الجمهور.

    كذلك الاختلاع من امرأة في عدة طلاقها، ذهب بعض الفقهاء من الحنفية إلى هذا على مذهبهم السابق، ويرون هذا من باب أولى، إلا أن سياق الآية لا يخدم ذلك.

    المراد بالنكاح في قوله تعالى: (حتى تنكح زوجاً غيره)

    في قوله سبحانه وتعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]، هذا محل اتفاق عند العلماء على ما تقدم، فلا خلاف في أن المرأة إذا بانت من زوجها بثلاث طلقات لا ترجع إليه حتى تنكح زوجاً غيره، والمراد بالنكاح في هذه الآية الجماع على قول عامة المفسرين، وذهب سعيد بن المسيب عليه رحمة الله إلى أن المراد بالنكاح هنا العقد، والأصل في النكاح إذا أطلق في كلام الله سبحانه وتعالى فإنه يراد به العقد، إلا ما يتعلق بهذه الآية فإنه يراد به الجماع، وهذا الذي عليه فتيا عامة السلف من الصحابة والتابعين.

    ومسألة نكاح المرأة لزوج آخر وما يقع فيه من قصد التحليل أو عدمه، أي: أن الرجل إذا تزوج المرأة، أو تزوجت المرأة بعد زوجها الأول زوجاً آخر، ثم بدالها أن ترجع إلى الأول ولم يكن ثمة قصد سابق، فلا خلاف عند العلماء في صحة ذلك وإباحته، وإنما النظر في ذلك عندهم هل الأولى أن ترجع أو لا ترجع من جهة استقامة حياتها مع زوجها الأول؟

    ولأن الله عز وجل قد جعل للزوج ثلاث طلقات، والغالب أنه إذا حصل هذا الطلاق بين الزوجين فلا يستقيم أمرهما بعده إلا في حالات ضيقة.

    كذلك فإن الله سبحانه وتعالى إنما أوجب على الرجل الثاني الذي يتزوج المرأة بعد تطليقها ثلاثاً أن يجامعها؛ تزهيداً لنفس الزوج الأول منها، وقطعاً لما يسمى بنكاح التحليل، وهذا فيه تشديد وتضييق لإمكانية عودتها، حتى لا يكون إلا في أضيق الحدود، وهذا ظاهر.

    بل إن الله جل وعلا ما جعل المرأة تعود بعد زوجها الثاني إلى زوجها الأول إلا إذا ظنا أن يقيما حدود الله، فلا بد من هذا القيد؛ لأنهما في الغالب لن يقيما حدود الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله جل وعلا قد جعل بين الزوجين عدداً من الطلاق، الطلقة الأولى ثم الثانية ثم كانت الثالثة، ثم وقع بعد هذه الثالثة الزواج بزوج آخر ثم بعد ذلك الرجوع، فما استقامت حالهما من قبل وبالتالي لا يستقيمان في الغالب من بعد.

    وإن كان العلماء يتفقون على جواز رجوعها إلا أن تضييق الشارع في هذا الباب أمارة على ندرة إقامة الأمر بينهما.

    نكاح التحليل

    وأما ما يتعلق بنكاح المحلل، فالمراد به: أن الرجل يتعمد الزواج بامرأة ليحللها لزوجها الأول، ونكاح التحليل كبيرة من كبائر الذنوب، ذلك أنه قد جاء لعنه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لعن الله المحلل والمحلل له )، يعني: لعن الله عز وجل من تواطأ على ذلك, وهم ثلاثة: المحلل، ومن حلل له وهما الزوجان.

    والأصل أن اللعن إذا جاء في كلام الله أو في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يقع على كبيرة في أقل الأحوال، ولكن بالنسبة لنكاح المحلل إذا قلنا: إن رجلاً تزوج امرأة بقصد إعادتها إلى زوجها الأول، قلنا بتحريمه فهل ترجع إليه بذلك؟

    نقول: هذا يتفرع عن مسألة قبل ذلك وهي: هل العقد صحيح إذا تزوج الرجل امرأة بقصد تحليلها لزوجها؟ هذه المسألة من مواضع الخلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إن النكاح في ذلك باطل، وذهب إلى هذا الإمام مالك رحمه الله وهو قول لـأبي حنيفة، وهذا النكاح باطل بمعنى أن وجوده كعدمه، ولا بد حتى لو أراد الزوج أن يبقى عند هذه الزوجة ولو بيت النية أن يعيدها إلى زوجها فرأى الزوجان أن يبقيا هل يبدأ بعقد جديد؟

    نقول: هو عقد باطل على الأرجح، ويجب عليه أن يعيد العقد بشروطه.

    والقول الثاني: قالوا: بصحة العقد مع تحريمه، وهذا قول آخر لـأبي حنيفة، وقال به محمد بن الحسن و أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة عليه رحمة الله، وهما لا يخرجان عن قول العلماء بالتحريم، ولكن يريان صحة العقد.

    وجاء عن الإمام الشافعي عليه رحمة الله في ذلك التفريق بين الشرط وعدمه، بمعنى: أن الزوج إذا أراد أن يتزوج امرأة قال الشافعي عليه رحمة الله: هذه على حالين: إذا تشارطا بالنص، يعني: نص على أني أريد أن أحلك لزوجك الأول ثم ليس بيننا نكاح، هذه المسألة عن الإمام الشافعي عليه رحمه الله فيها قول واحد بالتحريم، وكذلك بفساد العقد.

    الحالة الثانية: ألا يكون بينهما شرط، ولكن فيه تبييت في نية الزوج أن يعيدها إلى زوجها الأول، وقال الإمام الشافعي رحمة الله: العقد في ذلك صحيح وترجع به إلى زوجها الأول، وإذا بيت الرجل أن يعيد امرأة غيره البائنة إلى زوجها الأول، كانت منه من غير اشتراط من الزوجين، وهذه المسألة من مواضع الخلاف.

    ذهب بعض العلماء إلى أن الرجل إذا بيَّت أن يعيدها إلى زوجها الأول من غير أن يطلب الزوج الأول هذا ومن غير أن تعلم هي، قالوا: إن هذا جائز، وجاء هذا عن بعض الفقهاء، وهو قول لـإبراهيم النخعي من السلف، وقال به يحيى بن سعيد وربيعة الرأي, والأرجح في ذلك عدم جوازه لأمور:

    منها: أن الشارع إنما ضيق عودة المرأة إلى زوجها الأول إلا بهذه الشروط، وجاء في السنة التشديد أن يكون بجماع صريح، وهذا التشديد ينافيه مثل هذا الأمر الذي يبيته الزوج أن يعيدها إلى زوجها الأول.

    ومنها: أن الزوج الثاني إذا بيت ذلك فهذا يفتح باباً إلى مسألة التعريض من الزوجين، من يعيدهما إلى بعض, وذلك بأن يتحدث الرجل أو الزوجة أنها تريد زوجها الأول ولكن لا حيلة لها في ذلك، ولو كان ثمة رجل من غير أن تعين في ذلك أمراً، وهذا ينقض الحكم الشرعي، ويفتح باباً من أبواب التحايل على الشريعة.

    ومن تأمل سياق الآية في التشديد في عودة المرأة بعد البينونة الكبرى من زوجها بطلاق ثلاث؛ يرى أن الشريعة لا تتشوف إلى العودة إلا في باب ضيق، وهذا اتساع لذلك الباب لم يرد به نص، وهذا الذي يظهر لي والله أعلم عدم جوازه. ولكن لو وقع هذا الزواج بظاهر شروطه وتمت الشروط ثم طلقها، نقول: إن الزواج يعمل على ظاهره بالصحة، وكذلك تعود به إلى زوجها الأول, وذلك أن أحوال الأزواج -يعني: الثاني في أمثال هذه الأمور وتبييت النيات- هو أمر خارج عن إرادتهما، ولكن الأمر يتعلق بالزوج الثاني لا بالزوجين السابقين.

    وبعض العلماء يشدد في هذه المسألة، ويقول: إنه إذا بيت أحد الثلاثة: الزوج الأول، والثاني، والزوجة العودة، وأصبح ذلك موجوداً في نفوسهما، فإن النكاح في ذلك باطل وهو حرام، وهذا مروي عن بعض السلف وهو قول القاسم بن محمد عليه رحمة الله، وهذا من باب أولى يدخل في أبواب المنع على ما تقدم الكلام عليه، إذا قلنا ذلك: إنه في الزوج الثاني إذا بيت، فمن باب أولى إذا بيت أحد الزوجين.

    منهم من يعلق الأمر بالزوج، ويقول: إن الشريعة إنما جاءت لأمر يتعلق بذات الزوج، وإذا كان ذلك عند الزوجة أو بيَّت الزوج الأول أو نحو ذلك مثل هذا الأمر أنه يريد إرجاعها بعد زوجها الثاني، ولا يدري عن نيتهما ونحو ذلك، يقال: إن هذا ربما يقع في النفوس ولا يؤاخذ به الإنسان.

    أقوال العلماء في المراد بالنكاح في قوله: (حتى تنكح زوجاً غيره)

    بالنسبة للنكاح الذي ذكره الله جل وعلا: حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]، النكاح على ما تقدم المراد به العقد على المرأة مع الجماع، وهل هو موضع اتفاق أم لا؟

    اختلف العلماء في النكاح المراد بهذه الآية: ذهب جمهور العلماء وهو قول الأئمة الأربعة إلى أن المراد بالنكاح هنا هو الجماع، أي: أنه لا بد أن يتزوجها بعقد صحيح وأن يجامعها جماعاً صحيحاً.

    قالوا: وتفسير الجماع الصحيح هو ما يوجب الغسل وهو التقاء الختانين، وهذا الذي يذهب إليه عامة السلف، قالوا: لقطع الشبهة في هذا، ثم النص الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، ويذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه )، هذا إشارة إلى جملة من المسائل، وفيه جملة من الفقه، وذلك أن الشارع جعل الزوجين: الزوج الثاني والزوجة لا بد أن يقصدا البقاء، فما جعل النكاح من الزوج فقط، ولهذا بعض الفقهاء يأخذ من هذا الحديث أن المرأة لا ترجع إلى زوجها الأول إذا وطئت وهي مجنونة، يعني: غير مدركة أو كانت مغمى عليها أو نائمة أو غير ذلك حتى يقع التكليف منهما جميعاً.

    وهذا ظاهر في هذا الحديث في التضييق في هذا الباب، وإنما شددت الشريعة في مثل هذا على ما تقدم الإشارة إليه، أن الغالب فيمن طلق ثلاثاً ألا تستقيم معه زوجته بعد ذلك إلا على أسوأ من حالها لو كانت منفكة عنه أو كانت مع زوج آخر، وإنما جاءت الشريعة في مسألة العودة فيما بعد ذلك حتى لا يغلق هذا الباب أو بعض الأبواب التي تكون فيها مصالح للزوجين، إما من ذرية أو نفقة أو غير ذلك، ودفعاً لأبواب الفساد العارضة على الزوجين، من تبييت بقائهما مع بعضهما ولو بالحرام، فجعل الشارع في ذلك باباً لعودتهما, والشريعة جاءت في ذلك إحكاماً وتحقيقاً للمصالح ودفعاً للمفاسد.

    القول الثاني: قالوا: إن العقد في ذلك كافٍ، ولو لم يجامع فإنها ترجع إلى زوجها الأول، قال بهذا سعيد بن المسيب ونسب هذا القول لـسعيد بن جبير، وهذا قول ضعيف لم يوافق عليه سعيد بن المسيب عليه رحمة الله ممن هو في طبقته ولا من قبله.

    ومن العلماء من يقول: إن هذا القول شاذ، ولمخالفته للنص الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جلالة هذا الإمام، إلا أن العصمة والكمال في دين الله عز وجل ليس لأحد إلا لمن جعله الله عز وجل له من أنبيائه.

    ولهذا نقول: إن هذا القول ضعيف، وبعض الفقهاء المتأخرين يميل إلى هذا القول، ويحملون أن الشريعة لديها باب الأسماء، وباب الأسماء يحمل على أدناها، وهل ما جاء في كلام الله سبحانه وتعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسماء هل يحمل على أعلاها أم يحمل على أدناها؟

    هذه قاعدة فقهية يتكلم عليها الفقهاء، هل ما يرد في كلام الله من الأسماء يحمل على أدنى ما يتحقق فيه الوصف أم لا؟ وهذا باب واسع، في مسائل الطلاق، في مسائل النكاح، وفي مسائل العدد، ومسائل الصلاة، ومسائل الصيام وغير ذلك يحمل على أدناها أم يحمل على أعلاها؟

    اختلف العلماء فيها على أقوال، ونقول: إننا لا حاجة لنا في هذه القاعدة مع وجود النص، والنص عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك صريح.

    القول الثالث: وهو أشد هذه الأقوال وهو مروي عن الحسن البصري أنه: لا بد من جماع مع إنزال، فاشترط في ذلك الإنزال، وجمهور العلماء لا يشترطون الإنزال، وإنما يشترطون ما يوجب الغسل ولو كان بلا إنزال.

    قالوا: والنص إنما جاء في ذلك على الغالب، ولهذا نستطيع أن نقول: إن هذه المسألة فيها قولان ووسط:

    القولان في ذلك ما جاء عن الحسن وابن سيرين، والوسط في ذلك ما جاء عن جماهير الفقهاء وهو قول الأئمة الأربعة وعامة المفسرين، أن المراد بذلك هو الجماع الذي يوجب في ذلك الغسل، ويقام على صاحبه الحد لو كان في حرام، وهو أيضاً ما يفسد به حج الرجل والمرأة في حال الإحرام ولو لم ينزل، وهذا هو القول الصحيح الذي لا مرية فيه لظهور الدليل في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ما يباح للرجل من الطلاق إذا عادت إليه زوجته بنكاح جديد بعد أن طلقها مرة أو مرتين

    وإذا طلق الرجل زوجته ثم نكحت زوجاً غيره بنكاح صحيح، ثم عادت إلى زوجها الأول، فهل ترجع إليه بطلاق جديد, يعني: بطلقات ثلاث أم ترجع إليه بطلقة واحدة؟

    نقول: ترجع إليه بطلاق جديد ونكاح جديد، وهذا محل إجماع، ولكن الخلاف عند العلماء في المرأة التي تطلق من زوجها بطلاق ليس بثلاث، بطلقة أو طلقتين، ثم خرجت من عدتها، يعني: بانت منه ثم تزوجت زوجاً غيره، ثم عادت إليه، فزوجها الثاني ليس محللاً لرجوعها وإنما تزوجته اعتراضاً، فليس شرطاً لرجوعها إلى زوجها، فهل رجوعها في مثل هذه الحال إلى زوجها الأول ترجع إليه بما بقي من طلاقها السابق، أم ترجع إليه بطلاق جديد؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: ذهب جمهور العلماء وهو قول الأئمة الأربعة أنها ترجع إلى زوجها بما بقي من طلاقها، باعتبار أن الزوج الأول لا أثر له ووجوده كعدمه، وذلك أنه لو تزوجت زوجاً ثانياً بعد زوجها الأول وثالثاً فإن هذا لا أثر ولا قيمة له، فكأنها قد بقيت بعد زوجها بلا زوج ثم رجعت إليه، فهل ترجع بما بقي من طلاقها، أم ترجع بطلاق جديد؟ ترجع بعد ذلك بما بقي من طلاقها، وهذا قول الأئمة الأربعة، وهو مروي عن عمر و علي بن أبي طالب وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    القول الثاني في هذه المسألة: قالوا: ترجع إليه بطلاق جديد كما رجعت إليه بنكاح جديد، وهذا التعليل فيه نظر؛ ولأن رجوعها إليه بنكاح جديد ترجع إليه بنكاح جديد ولو كانت بلا زوج ثان، فرجوعها بنكاح جديد لا يعني رجوعها بطلاق جديد، فلو رجعت إليه من غير زوج لما قلنا: إنها ترجع بما بقي بطلاق جديد، وإنما نقول: إنها ترجع بما بقي من طلاقها.

    ذهب إلى هذا القول أصحاب عبد الله بن مسعود كـعلقمة و الأسود و أبي الأحوص وغيرهم وهو مروي عن بعض الفقهاء من أهل الكوفة، ويستثنى من هذا عبيدة السلماني من أصحاب عبد الله بن مسعود، فإنه يقول بما يقول به الجماهير، وذلك أن المرأة ترجع إلى زوجها الأول بما بقي من طلاقها.

    قد روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث الأعمش عن إبراهيم النخعي قال: كان أصحاب عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله يقولون: الزوج الثاني أولى بهدم الاثنين من الثلاثة، وفي هذا أنهم يرون أن سبب رجوع المرأة إلى زوجها الأول في حال البينونة الكبرى بالطلاق الثلاث إذا رجعت إليه، أن سبب رجوعها بالثلاث هو الزوج الثاني، فإذا أسقط الزوج الثاني الثلاث فمن باب أولى يسقط الاثنتين ويسقط الطلقة الواحدة، وهذا تعليل في النظر لا حاجة إليه.

    وذلك أن مثل هذا لا يعلق بمجرد وجود الزوج, ولكن الله سبحانه وتعالى علق الرجعة وما علق الطلاق، ولو علق الأمر بالطلاق لقلنا برجوع هذه بطلاق جديد، وإنما الله سبحانه وتعالى قيد ذلك بالرجعة, والرجعة في ذلك ترجع إليه على حالها السابق إذا لم يكن طلاقاً بائناً، أما إذا كان في ذلك الطلاق بائناً فإنها ترجع إليه بأمر جديد، والعلة في ذلك تختلف.

    رجوع الرجل إلى زوجته الكتابية إذا نكحت كتابياً

    وقوله جل وعلا: حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]، ثمة مسائل ومن هذه المسائل: الرجل إذا تزوج كتابية، ثم طلقها بانت منه، وطلاقها في ذلك ثلاث، ثم تزوجها بعده كتابي من أهل ملتها، فهل زواج الكتابي بها يحلها لزوجها الأول أم لا؟

    نقول: يحلها؛ لأن زواجهم فيما بينهم أحله الله سبحانه وتعالى عليهم، وأحل الله جل وعلا زواج المسلم منهم، فهو زواج صحيح في الحالين، وهو من النكاح، وكل نكاح صحيح وقع بين الزوج الثاني والزوجة فيرجع في ذلك إلى الزوج الأول على ما تقدم تفصيله.

    نكاح الرجل زوجته الأمة إذا اشتراها بعد أن طلقها طلاقاً بائناً

    ومن المسائل: إذا تزوج الرجل أمة، ثم طلقها ألبتة بانت منه، ثم طلقها ثلاثاً على قول، أو طلقتين على القول الآخر فخرجت منه، فلا تحل له بعد حتى تنكح زوجاً غيره.

    لما طلقها ذهب إليها واشتراها، وشراؤه لها حولها من زوجة إلى أمة، فهل يجوز له أن يطأها أم لا؟ يطأها لكونها سرية، وهل له أن يتزوجها؟

    نقول: إنه لا يحل له أن يطأها ولو كانت سرية، ولو اختلفت في ذلك الحال؛ لأن الله جل وعلا حينما أحل النكاح بالعقد بين الزوجين وأحله بالنسبة للأمة، أحله والمقصود من ذلك واحد، فيشتركان في العلة.

    يقول الأئمة عليهم رحمة الله بالتحريم وهو قول عامتهم، وذهب إلى هذا الأئمة الأربعة إلى المنع؛ إلى أنه ليس له أن يجامعها ولو اشتراها ما دام أنها بانت منه وقد تزوجها وهي أمة ولو اشتراها بعد ذلك حتى تنكح زوجاً غيره.

    جاء عن بعض السلف الجواز في ذلك وهو مروي عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر أن ترجع الأمة إلى الزوج بصورة أمة لا بصورة زوج له، وهذا قول ضعيف، ويستدلون بعموم قول الله جل وعلا: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36]، قالوا: فهي داخلة إليه في ملك اليمين، ولم تدخل إليه في باب الزوجية، فلماذا يحرم والله جل وعلا قد أحلها؟

    ولكن نقول: إن ملك اليمين لا يحل المرأة على إطلاقه، فلو أخذنا بهذا العموم لأجزنا للرجل إذا ملك ذات محرم من محارمه أن يطأها؛ لعموم هذه الآية، مما يدل على أن ملك اليمين في ذاته لا يحل حلالاً ولا يحرم حراماً ما لم تتوفر الشروط وتنتفي في ذلك الموانع، والموانع التي اشتركت في هذا هو أنه طلقها زوجة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، كذلك فإنه من الموانع إذا كانت ذات محرم: إما بنسب أو برضاع, فلا يجوز له أن يطأها؛ لعموم قول الله جل وعلا: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36]، وهذا هو القول الصحيح في ذلك، أنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.

    رجوع الزوج الأول إلى زوجته إذا طلقها الزوج الثاني

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا [البقرة:230]، يعني: فإن طلقها زوجها الثاني وهذا الطلاق سواء كان رجعياً أو طلاقاً بائناً، فإذا خرجت من عدتها جاز لها أن ترجع إلى زوجها الأول، فلا يجب في ذلك أن تطلق من زوجها الثاني طلاقاً بائناً بالثلاث، بل لو طلقها طلقة واحدة ثم أنظرها حتى خرجت من عدتها جاز لها؛ لأن الآية عممت في ذلك، ولم تشترط البينونة التامة، وهذا من المسائل التي لا خلاف فيها عند الأئمة عليهم رحمة الله.

    ما يفيده قوله تعالى: (أن يتراجعا)

    قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا [البقرة:230]، يعني: الزوج الأول وزوجته التي تزوجت بعده, فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا [البقرة:230]، ذكر هنا الرجعة بينهما مما يدل على أنه لا بد من أن يكون ذلك بعقد جديد وألا يرجع إليها بعقدها الأول، ولا بد من الإتيان بالشروط التامة، وهذا من المسائل التي لا خلاف فيها عند العلماء.

    رجوع الرجل إلى زوجته بعد طلاقها من الثاني مشروط بإقامة حدود الله

    وفي قوله سبحانه وتعالى: إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:230]، ذكر الله سبحانه وتعالى الظن، قال: إن ظنا -يعني: الزوجين- أن يقيما حدود الله، وفي هذا باب من أبواب التشديد في العودة، أنه ليس بمجرد خروجها من ذمة زوجها الثاني أن ترجع إلى زوجها الأول، بل لا بد من ذلك أن يقع في نفسيهما جميعاً، أن رجوعهما أصلح لهما من بقائهما بلا عودة، وهذا ظاهر في هذه الآية.

    وهذا يرشد إلى ما تقدم الكلام عليه، أن الشريعة إنما جعلت للزوج هذا العدد من الطلاقات وهن الثلاث، فيه إشارة إلى أن العودة بعد ذلك قلما يستقيم فيه الأمر، ولهذا شدد بعد ذلك إن ظنا أن يقيما حدود الله، ويظهر التشديد في ذلك أن الشريعة ما جعلت مجرد العقد في عقد الزوج الثاني، على زوجة الأول كافٍ في عودتها إليه، بل أوجب في ذلك الجماع؛ تشوفاً إلى عدم العودة؛ لأنه لو كان مجرد العقد في ذلك لما كان للزواج الثاني قيمة، ولاشتراطه في كلام الله سبحانه وتعالى، ولفتح هذا باباً من أبواب التحايل، وإنما اشترط أن يكون ذلك عقداً صحيحاً وأن يكون جماعاً صحيحاً بينهما، يستوي فيه الطرفان؛ تزهيداً للزوج الأول أن يرجع إلى زوجته الثانية، وحثاً أن يبقى الزوجان بعد الزوج الأول على البقاء، وهذا تضييق لعودتها إلى زوجها الأول.

    ولهذا نقول: إن الشريعة في مثل التشديد تشوفت إلى عدم الرجعة أكثر من تشوفها إلى رجعة الزوجين إلى بعضهما، وهذا ظاهر لمن تأمل السياق.

    وهذه الآية فيها الصراحة في ذلك، أنه لا بد أن يوجد في نفس الزوجين العودة إلى إقامة حدود الله، لا أن يرجعا إلى ما كانا عليه.

    وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون طلاقهما في السابق بسبب عدم إقامة حدود الله، ولم يكن ذلك تساهلاً بهذا، فإن فرطا في السابق فسيفرطان في اللاحق.

    والظن في ذلك المراد به هو غلبة الظن وليس المراد بذلك الشك.

    المراد بحدود الله

    قال: إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:230]، والمراد بحدود الله اختلفت في ذلك أقوال المفسرين وهي من اختلاف التنوع، قيل: المراد بذلك حسن المعشر، النفقة، طيب النفس فيما بينهما، عدم إضرار أحد الزوجين بالآخر، وغير ذلك مما يكون من أمور الزوجين مما جعله الله عز وجل بينهما حقاً.

    ومن المفسرين من قال: هي حدود الله التي أمر الله عز وجل الزوجين ألا يعودا إلا بإقامتها، هي التي فرطا فيها في السابق فينظران إليها، فإذا راجعاها وظنا أن يقوما بإصلاحها فإن الرجعة حينئذٍ تكون أولى من غيرها.

    وفي قوله سبحانه وتعالى: يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:230]، على ما تقدم أن أمثال هذه المسائل هي حدود الله جل وعلا وفي مسائل الطلاق والرجعة والعدد وما يتعلق بصفة التحليل ونكاح المحلل وتحريمه، هي حدود من الله سبحانه وتعالى، وهذه الحدود منها ما جعله الله عز وجل مشتركاً بين الزوجين، ومنها ما جعله الله جل وعلا خاصاً بالزوج، ومنه ما جعله الله عز وجل خاصاً بالزوجة، وجعل الله جل وعلا في ذلك الزوجين يقومان على هذه الحدود، وهما مسئولان عنها، وإنما نسبها الله جل وعلا إليه بقوله: حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:230]، يعني: أن هذه ليست لذوق الإنسان ولا لحسه ولا لنظره ولا لهواه، وإنما هي حكم من الله سبحانه وتعالى ليس للإنسان أن يتجاوزها أو يتهاون بها، وكذلك نسبتها لله تعظيم لها وترهيب من تجاوزها، لكون ذلك من الحقوق على ما تقدم في قول الله جل وعلا: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229]، يعني: الذين يتجاوزون في أمثال هذه الأمور يظلم بعضهم بعضاً، وفي تجاوزهم في حق الله جل وعلا يظلمون أنفسهم بذلك، ومعلوم أن الظلم في لغة العرب هو وضع الشيء في غير موضعه.

    علم من يقيم حدود الله

    وقوله سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة:230]، هذه الأحكام فيها من دقائق المسائل ولطيف الحكم ما يند عن علم الجاهل وبصيرته، وربما لا يدركه الإنسان لأول وهلة، ولا يتأمل فيه إلا العالم البصير، فالله سبحانه وتعالى ما شرع أمثال هذه الشرائع إلا لما فيها من صلاح البشر، وصلاح الزوجين على سبيل الخصوص، وفي هذا أن الجاهل لا يظهر له من حكمة الله وتشريعه ما يظهر للعالم، فربما استنكر، وربما استغرب، وربما شكك، وربما أعرض إن كان فاسقاً وظالماً لنفسه عن حكم الله سبحانه وتعالى أو طعن فيه لمجرد هواه.

    ولهذا نقول: كلما كان الإنسان أبصر بحكم الله عز وجل وآياته وأكثر تأملاً، فإنه يدرك ما لا يدركه غيره من عامة الناس، والله جل وعلا ما ختم ذلك في قوله: يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة:230]، يعني: أن بيانها لأهل الجهل وقاصر العقل ضعيف لعدم إدراكهم لها.

    كذلك فإن في هذه الآية إشارة إلى أن مصالح الناس وطمع النفوس يغيب المصالح من أمر الله جل وعلا، فربما إذا كان لأحد الزوجين حظ في الآخر، ومطمع في الآخر غاب عنه حكم الله سبحانه وتعالى، والعلة من وضع هذه الحدود، وذلك أن الله جل وعلا أراد بذلك أن يقطع شح النفوس، وأن يقطع طمعها فيما بينها، فتظلم بعضها لشره في بعض، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى ذلك بيناً.

    المراد بحدود الله بين الزوجين

    وفي قوله جل وعلا: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [البقرة:230]، الحدود لا تكون إلا لفصل بين شيئين وأكثر، وهو بيان للحق الذي يكون بين الزوجين فيتنافسان، فيخشى من أن يتعدى أحد الزوجين على الآخر، فالله جل وعلا رسم ذلك وبينه ليقوم الناس بالعدل والقسط.

    بهذا نكتفي، أسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة, إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.