إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [31]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان الطلاق في الجاهلية لا حد له فكانت النساء تتضرر من ذلك، فجاء الإسلام وجعل للطلاق حداً فقال: (الطلاق مرتان) وهذا طلاق رجعي (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) والتسريح بإحسان هي الطلقة الثالثة، ولا يجوز للزوج أن يأخذ من مهرها عند الطلاق، وقد تنازع العلماء في إيقاع الطلاق أكثر من مرة دفعة واحدة.

    1.   

    قوله تعالى: (الطلاق مرتان ...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    تكلمنا في المجلس السابق على قول الله جل وعلا: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ [البقرة:228]، وتكلمنا بشيء من الإجمال في مسألة الطلاق، والله سبحانه وتعالى قد بيَّن شيئاً من أحكام الطلاق في هذه السورة، وكذلك في سورة النساء وفي سورة الطلاق.

    الجمع بين قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن ...) وقوله تعالى: (الطلاق مرتان ...)

    والله سبحانه وتعالى ذكر تربص المطلقة في الآية على سبيل الإطلاق من غير ذكر عدد فقال جل وعلا: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، أطلق الله جل وعلا التربص وأطلق الطلاق، ثم قيد جل وعلا في الآية التي تليها الطلاق ليكون على عدد محدود، وهذا العدد هو مرتان، فقال سبحانه وتعالى: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229].

    وهذه الآية قد نص غير واحد من العلماء على أنها ناسخة للآية السابقة.

    فقالوا: ذلك أنه سبحانه وتعالى أنزل حكم الطلاق ابتداءً من غير بيان عدد، ثم أخذ الرجال يطلقون، ثم يمهلون النساء حتى نهاية العدة ثم يرجعونهن، ثم يطلقون يريدون بذلك الإضرار، وهكذا كان الجاهليون، لا حد للطلاق عندهم، فإن الجاهلي إذا أراد أن يطلق المرأة طلقها، ثم بعد ذلك تبقى في عدتها، ثم يرجعها ويدير أمر الرجعة والطلاق من غير عدد، أي: قبل أن تخرج من عدتها.

    والعرب تعرف الطلاق وتعرف العدة، لكن ليس للطلاق عندهم عدد، والله سبحانه وتعالى أول ما ضبط من أمر الطلاق ضبط أمر العدة، وهي على ثلاثة قروء على ما تقدم الكلام عليه.

    ثم بين الله سبحانه وتعالى عدد الطلقات التي تكون بيد الرجل، فقال: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، وهذه الآية مخصصة لما سبق وليست ناسخة له، وبعض العلماء يرى النسخ؛ لأن الله جل وعلا عمم الطلاق وعمم الرجعة, وذلك في قوله جل وعلا: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة:228]، أي: للبعل -وهو الزوج- أن يرجع زوجته متى شاء، هذا على سبيل الإطلاق، ثم قيده الله جل وعلا بأن يكون على طلقتين، وبعد ذلك ليس للبعل أن يعيد زوجته.

    ونقول: هذا ليس بنسخ بل هو تخصيص أو تقييد، وأما القول: إن التخصيص والتقييد يدخل في دائرة النسخ، فهذا قول لبعض الفقهاء والأصوليين، ولكن نقول: إن النسخ بحاجة إلى بيان النسخ، وبيان النسخ لا بد أن يكون بين الآية الأولى والآية الثانية فارق من جهة النزول. فإذا قلنا: إن الآية الأولى التي في بيان الطلاق ورجعة الأزواج لأزواجهم كانت ابتداء، ثم كان بعد زمن إنزال هذه الآية وهي الطلاق مرتان. نقول حينئذ بالنسخ؛ لقوله جل وعلا: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228] .

    ولهذا نقول: ربما جاءت الآية الأولى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ [البقرة:228]، ثم جاء بعد ذلك قول الله جل وعلا: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، أي: نزلت هذه الآية تبعاً للآية السابقة، فهي مفسرة لها ومبينة لما أجمل منها، ولا يكون ذلك من جملة النسخ، فإن النسخ لا بد فيه من بيان.

    والله سبحانه وتعالى أنزل هذه الآية رحمة بالعباد، وإحكاماً لحقهم فيما بينهم، لا من جهة حق الزوج ولا حق الزوجة، وهذا يظهر في قول الله سبحانه وتعالى: فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229]، يعني: أن ثمة مظالم تكون بين العباد فيما بينهم إذا زاد الرجل فيما جعله الله عز وجل له على زوجته، أو فرطت الزوجة فيما يجب عليها من حكم الله عز وجل لزوجها عليها، فيكون ثمة مظالم، ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل هذه الحدود وهي أحكامه سبحانه وتعالى في أمر الطلاق.

    الطلاق الرجعي والبائن

    جعل الله عز وجل الطلاق الرجعي طلقتين, فقال: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، ويتفق العلماء على أن الطلاق الرجعي طلقتان وأن الثالثة لا رجعة فيها، وأن المرأة إنما تعتد لتستبرئ ولا يحق للزوج أن يطأها في مثل هذه الفترة، وتستقبل بعد ذلك زوجاً غيره، يعني: بعد الطلقة الثالثة.

    وهذا تقييد على ما تقدم في قول الله جل وعلا: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا [البقرة:228]، أي: إن تلك الرجعة مقيدة بطلقتين يرجعها في الأولى ثم يرجعها في الثانية, أما الثالثة فلا رجعة فيها، وهذا محل إجماع عند الفقهاء، ولا خلاف عندهم في ذلك لا من السلف ولا من الخلف، وإنما الخلاف عندهم في بعض صور ولوازم هذه المسائل مما يتعلق بالخلع، هل الخلع يعد طلقة أم لا؟

    إذا طلق الرجل امرأته طلقتين ثم خلعها في الثالثة، هل الثالثة في ذلك تعد طلقة أم لا تعد؟

    فهذا من مواضع الخلاف, ولنا كلام في مسألة الخلع بإذن الله تعالى.

    ثم بيَّن الله سبحانه وتعالى أن بعد هاتين الطلقتين إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، يجمع السلف والخلف على أن المراد بالتسريح بعد الطلقتين هي الطلقة الثالثة، أي: للإنسان في الطلقة الأولى والطلقة الثانية الإمساك بالمعروف, أو التسريح بإحسان وهو إنزال الطلقة الثالثة بعد الطلقتين، وهذا موضع اتفاق عند العلماء.

    ولكن يختلفون في بعض المسائل التابعة لهذه المسألة، من هذه المسائل التي اختلفوا فيها في مسألة طلاق العبد، هل هذه الآية شاملة لطلاقه كذلك أم هي للحر فحسب؟

    والله جل وعلا قد أطلق ذلك في كتابه، وكذلك الأدلة الصحيحة مطلقة من جهة الطلاق، ولا تميز في ذلك بين حر وعبد، وإن تضافرت النصوص عن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وكذلك عن التابعين في التفريق بين هذا وهذا.

    عدد الطلاق للعبد

    اختلف العلماء عليهم رحمة الله في عدد الطلقات بالنسبة للعبد: هل هي كالحر أم لا؟ اختلفوا في هذه المسألة على قولين:

    ذهب جمهور العلماء وهو قول عامة الصحابة، وذهب إلى هذا عامة التابعين، إلى أن طلاق العبد أنه على طلقتين، وأنه لا يشابه الحر في ذلك، وهذا الذي ذهب إليه جمهور العلماء.

    القول الثاني: قول أهل الظاهر قالوا: بأن طلاق العبد كطلاق الحر سواء، وذلك لعموم النصوص في كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن طلاق العبد يوصف بالطلاق، وإذا وصف بالطلاق فإنه لا بد من دخوله في عموم اللفظ من كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وجمهور العلماء الذين يقولون بعدم التساوي بين الحر والعبد، اختلفوا فيما بينهم، في المعتبر في الطلاق هل يعتبر الزوج أم تعتبر الزوجة؟ إذا كان العبد تزوج حرة، أو الحرة أو الحر تزوج أمة، هل المعتبر في ذلك هو الزوج، أم المعتبر بذلك الزوجة؟ اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

    ذهب جمهور العلماء إلى أن الاعتبار في ذلك إنما هو للزوج، وذهب إلى هذا جمهور الفقهاء, وهو قول عثمان بن عفان و زيد بن ثابت وعبد الله بن عباس عليهم رضوان الله تعالى، أن الاعتبار بذلك إنما يكون للزوج، قالوا: لأن الله جل وعلا قد جعل الطلاق بيد الزوج، والعدة إنما تكون للزوجة، والله سبحانه وتعالى جعل الأمر إلى الزوج، والحكم إذا كان الزوج عبداً فإن طلاقه يكون على طلقتين، وإذا كان الزوج حراً فإن طلاقه يكون حينئذٍ ثلاثاً، والمترجح في هذا هو هذا القول.

    القول الثاني في هذه المسألة: يقولون: بأن الطلاق إنما يكون بالزوجة لا بالزوج، فإذا كانت الزوجة حرة فإن الطلاق يكون ثلاثاً، وإذا كانت أمة فإن الطلاق يكون على طلقتين, ولو كان الزوج حينئذ حراً أو عبداً فلا ينظر إليه، هذا القول ذهب إليه جماعة من الفقهاء من أهل الرأي، وهو قول أبي حنيفة ، ويروى هذا القول عن عبد الله بن مسعود، ويروى منسوباً لـعلي بن أبي طالب عليه رضوان الله.

    وثمة قول ثالث وهو أضعف هذه الأقوال، يقولون: بأن العبرة في ذلك في الرق أينما وجد، سواء وجد، في الزوج أو وجد في الزوجة، قالوا لأن العلة في ملك الطلاق تاماً تضعف عند وجود أحد الزوجين في دائرة الرق، وهذا القول ذهب إليه ندرة من السلف، ومروي عن عثمان البتي وينسب لـعبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى وفي نسبته له نظر؛ لأن اللفظ عنه عام.

    ونقول: إن هذا القول ضعيف، الذين يعتبرون أن العبرة في الطلاق هو وجود الرق في أي الموضعين، سواء كان في موضع الزوج أو في موضع الزوجة، قالوا: حينئذ يكون الطلاق على طلقتين.

    وكذلك ينبغي أن نرجع إلى مسألة العلة في مسألة كون الطلاق على طلقتين بالنسبة للعبد، وأما بالنسبة للحر فإنه يكون ثلاثاً.

    نقول: إن الشريعة تتشوف إلى بقاء العصمة بين الزوجين، وهي في الأحرار أظهر ممن دونهم، وكذلك إنما ألحقت بالزوج دون الزوجة؛ لأن عصمة النكاح تكون بيد الزوج لا بيد الزوجة، وكذلك فإن القول بأن الطلاق يكون بالنظر إلى الزوجة قياساً إلى أمر العدة، نقول: العدة متعلقة بالزوجة, وأما بالنسبة للطلاق فإنه متعلق بأمر الزوج، وهذا أمر ظاهر.

    وأما من يقيس هذه المسألة من جهة إنقاصها على مسألة الحدود، قال: وذلك أن الله جل وعلا قد جعل الحد على العبد على النصف من الحد على الحر، فهذا فيه نظر، لأن الله جل وعلا إنما جعل الحد على العبد على النصف من الحد على الحر؛ تخفيفاً على العبد، وهذه المسألة في مسألة الطلاق ليست من أمر التخفيف، وإنما هو تفويت لبعض الحق في الظاهر، ولهذا نقول: إن التعليل بمثل هذا تعليل ضعيف.

    ولهذا نقول: إن العلة في ذلك فيما يظهر أن الشريعة تتشوف إلى إبقاء الزوجية في دائرة الحرية أكثر من إبقاء الزوجية في دائرة الرق.

    كذلك فإن الطلاق أحد وجوه القوامة، فإن الرجل إذا كان يملك الطلاق فهذه قوامة، يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان، وكذلك إنزاله للطلاق فيما يرى هو في مناسبته فرع من فروع القوامة، والقوامة في الحر أظهر من القوامة في العبد، وذلك أن العبد لم تكتمل قوامته على نفسه فكيف تكتمل على غيره؟

    ولهذا نقول: بأن الطلاق إنما يكون بيد العبد وهو على النصف من الحر، ولا نقول باعتبار الزوجة في ذلك، وثمة مسائل في مسألة الطلاق, منها ما يتعلق في مسألة العدد، ومنها ما يتعلق في تبعات الطلاق في مسألة النفقة، وكذلك في الخلع وزيادة المرأة في مخالعة زوجها بأكثر مما أعطاها، نتكلم على ذلك بإذن الله عز وجل.

    في قوله سبحانه وتعالى: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، الله سبحانه وتعالى جعل الطلاق الرجعي مرتين وغير الرجعي وهي الثالثة، وما عدا ذلك فهو طلاق فيما لا يملك الإنسان.

    إيقاع الطلاق بأكثر من طلقة

    اختلف العلماء في إيقاع الطلاق بأكثر من طلقة، كأن يطلق الإنسان مرتين بلفظ واحد أو يطلق ثلاثاً، وهذه المسألة عن الفقهاء من مواضع الخلاف عند السلف والخلف.

    الله سبحانه وتعالى يقول في هذه الآية: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، أي: أن الطلاق الرجعي ينبغي أن يكون على مثل هذا العدد، وهذا محمول على وقوعه على ما أمر الله جل وعلا به كما في حديث عبد الله بن عمر كما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق عليها النساء )، وهذا يفسر ما جاء في كلام الله سبحانه وتعالى في قوله: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، أي: أنه ينبغي أن تكون لكل طلقة عدة قد جعلها الله سبحانه وتعالى.

    ولهذا نقول: إن الطلاق البدعي هو أن يطلق الإنسان زوجته بأكثر من طلقة مرة واحدة، سواء كان أنت طالق مرتين أو قال: أنت طالق ثلاثاً، أو قال بأكثر من ذلك، كالذي يقول: أنت طالق خمساً أو عشراً أو مائة أو غير ذلك، هذا طلاق بدعي، كذلك الذي يطلق زوجته وهي في عدتها من غير أن يرجعها، فإذا طلقها وهي في عدتها فهو قد أوقع عليها طلاقاً قبل أن يرجعها وهي في عدة، وهذا ضرب من ضروب الإضرار.

    العلماء عليهم رحمة الله اختلفوا في الطلاق المجموع، سواء كان طلاق الثنتين أو الثلاث، والغالب في إطلاق الناس يقولون: الثلاث, وهذا المشهور حتى في ألفاظ السلف في تطليق الرجل لزوجته ثلاثاً، الذي يقول: أنت طالق ثلاثاً، أو طالق بالثلاث، أو في قول الزوج: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، هل هذا يقع طلقة واحدة أم يقع ثلاثاً؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال:

    القول الأول في هذه المسألة: هو قول لبعض السلف وهو مروي عن طاوس بن كيسان قال: إن الطلاق يكون طلقة واحدة إذا كان بلفظ الثلاث أو بلفظ الاثنتين، سواء قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، أو أنت طالق ثلاثاً، أو قال: طلقة واحدة فالحكم في ذلك واحد، قالوا: وما زاد عن ذلك وهو على غير ما شرعة الله جل وعلا فلا يقع حينئذ.

    ويستدل لهذا القول بالنظر وبالنص، أما بظاهر النص ففي قول الله جل وعلا: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، فالله سبحانه وتعالى جعل الطلاق مرتين، وجمعه في لفظ واحد يفوت العلة من الحكمة من مشروعية الطلاق.

    إذاً: ما الحكمة من جعل الطلاق مرتين والثالثة يكون بها البينونة؟

    إذا كان الإنسان يستطيع أن يوقعها بلفظ واحد حينئذ الحكمة تغيب والمصلحة الشرعية تفوت، وما يتشوف الشارع إليه من إبقاء الطلاق بمثل هذا العدد يستطيع الناس تفويته بالأهواء أو بالغضب أو ما يريده الإنسان من المصالح أو الإضرار بالأزواج بالتعجيل بأمر المفارقة, والشريعة إنما جعلت الطلاق بمثل هذا العدد، للتشوف بالبقاء ودفعاً للندم الذي يقع من الزوج، فإذا كان بمقدور الزوج أن ينزل بينونة تامة بمثل هذا اللفظ فإن الحكمة من ضبط الطلاق بهذا العدد فإنها تُفوَّت.

    ولهذا ذهب غير واحد من العلماء إلى صحة هذا القول، ذهب إليه بعض السلف كما تقدم وهو قول طاوس بن كيسان ومحمد بن إسحاق وهو قول الحجاج بن أرطأة , وروي عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقال بها ابن تيمية عليه رحمة الله أن طلاق الثلاث يكون طلقة واحدة.

    منهم من يقول: أنت طالق ثلاثاً، ومنهم من يدخل معها أنت طالق أنت طالق أنت طالق، وبعضهم يفرق بين هاتين.

    والأظهر والله أعلم هو الاشتراك في هذا باعتبار أنها نزلت في وقت واحد وفي لحظة واحدة سواء كانت رقماً أو عداً، كأن يقول الإنسان: أنت طالق ثلاثاً، أو يقول: أنت طالق, أنت طالق، أنت طالق، فإن الحكم وتفويت التعليل واحد ومخالفة ظاهر الآية واحد، والإنسان الذي يوقع الطلاق يقول: أنت طالق ثلاثاً، أو يقول: أنت طالق, أنت طالق, أنت طالق، قادر على تجاوز هذه وإنزاله بهذه.

    كذلك فإن التعليل في الشريعة في ذكر الطلاق أنه على مرتين ليس المراد بذلك هو التلفظ، فالشيء بعدده أن يقال بتكراره لا برقمه، أن يقول الإنسان ثلاثاً، وذلك أن الشارع حث الإنسان على فعل أشياء بعدد، كالتسبيح والتهليل ورمي الجمار، فإن الإنسان لو رمى الجمار سبعاً بيده مرة واحدة ما اعتبرت، ولا بد من رمي كل واحدة على حدة، فتستقل بالرفع وتستقل بالخفض، حتى يقال: إنه حينئذ رمى، أما إذا رمى مرة واحدة بيده سبعاً لم يقع الرمي بهذا العدد فتعد واحدة.

    كذلك التسبيح: الإنسان حثه الشارع في مواضع عديدة على التسبيح بعدد، سواء كان ذلك في الصلاة أو دبر الصلاة أو في أذكار الصباح أو في أذكار المساء أو في عمل اليوم والليلة أو غير ذلك، فليس للإنسان أن يقول: سبحان الله وبحمده مائة، ويجزئه ذلك عن المائة.

    نقول: هذا لا يوافي ذلك العدد ولا يكون امتثالاً، فلا بد أن يقول: سبحان الله, سبحان الله, سبحان الله ويكررها، كذلك الإنسان الذي ينذر لله عز وجل كأن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام مائة، أو ينذر أن يسبح مائة، أو يهلل مائة، فإنه لا يجزئه عند الفقهاء أن يقول: سبحان الله مائة، حتى يقول: سبحان الله, سبحان الله, سبحان الله فيكررها.

    وهذا يدفع القول بالتطليق: أنت طالق ثلاثاً، ولكنه لا يدفع القول باللزوم في قوله: أنت طالق, أنت طالق, أنت طالق، ولكن يدفعه من وجه آخر, وذلك أن الله سبحانه وتعالى إنما حث على التسبيح بتكرار اللفظ، وحث الله جل وعلا على التسبيح بذكر الوصف، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( سبحان الله وبحمده عدد خلقه )، إلى آخر الخبر كما في حديث عبد الله بن عباس .

    فنقول: هذا تعظيم لكنه ليس بعدد، وإنما نفينا التعظيم عن الطلاق؛ لأن الطلاق لا يعظم إنما هو عدد، فطلقة واحدة هي طلقة واحدة عظمت أو لم تعظم، ومن جهة عدتها ورجعتها واحدة، والطلقة الثانية مثلها، فلا يدخل التعظيم حينئذ في الطلاق، وإلا لقلنا به أن يقول الإنسان: أنت طالق بعدد كذا، ولهذا نقول: إن الطلاق في ذاته واحد.

    القول الثاني: هو قول جماهير الفقهاء بأن الطلاق الثلاث يقع ثلاثاً، ويستدلون على ذلك بما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عباس أنه قال: ( كان الطلاق في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي خلافة أبي بكر ، وسنتين من خلافة عمر الثلاث واحدة، ثم قال عمر بن الخطاب : أراهم استعجلوا ما لهم فيه أناة، فأنزلها ثلاثاً )، وهذه في صحيح الإمام مسلم ، لكنه جاء في صحيح الإمام مسلم ما يخالف هذا من حديث أبي الصهباء ويرويه عبد الله بن طاوس بن كيسان عن أبيه عن أبي الصهباء، أن رجلاً سأل عبد الله بن عباس عليه رضوان الله: ( أكان الطلاق الثلاث في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي خلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر الثلاث واحدة؟ قال: نعم ).

    ولهذا نقول: إن الطلاق كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام الثلاث واحدة، وفي خلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر ، وهل الرجوع في ذلك عن الواحدة إلى الثلاث هو علم بالنسخ أو علم بنص جديد ثبت ولم ينقل؟

    فنقول: إن بعض الفقهاء حمل الرجوع الوارد في ذلك عن بعض السلف كما جاء في قول عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى في المشهور عنه أن طلاق الثلاث يكون ثلاثاً، قالوا: إن عبد الله بن عباس لعله وقف على خبر ناسخ رجع عنه، ولعل عمر بن الخطاب عليه رضوان الله أخذ بقوله أو أعلمه بشيء ناسخ فقال به.

    نص على هذا الإمام الشافعي عليه رحمه الله وغيره: أنه يحتمل أن يكون عبد الله بن عباس علم بنص ناسخ فقال به، وهذا الاحتمال لا يسقط الدليل الصريح في ذلك في أن طلاق الثلاث إنما هي واحدة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام.

    ولكن يقولون: إن الصحابة عليهم رضوان الله بعد فتوى عمر لا يخالفونه بذلك، وأصبح الأمر عندهم إجماعاً، قالوا: وعلى ذلك استقر القول.

    ولهذا بعض الفقهاء يصف القول بإنزال الطلاق الثلاث أنها واحدة بالشذوذ، وفي وصفه بالشذوذ نظر، لأنه جاء عن عبد الله بن عباس كما تقدم في الصحيح، كما في حديث عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي الصهباء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، وإن كان المشهور عن عبد الله بن عباس إنزال الطلاق الثلاث ثلاثاً، كما رواه عنه خاصة أصحابه من الفقهاء، يرويه عن عبد الله بن عباس سعيد بن جبير و عطاء و مجاهد بن جبر و عكرمة وغيرهم، يروونه عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، أن طلاق الثلاث يقع ثلاثاً، وهو المشهور عنه وهو آخر الأمرين عنه.

    ولكن لـعبد الله بن عباس قول تقدم الإشارة إليه، وهو فتيا أبي بكر وقول لـعمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، وذلك في سنتين من خلافته، ثم تركه عمر بن الخطاب قالوا: ومثل هذا الحكم الشرعي لا يترك إلا لعلة، ومثل هذه العلة لا بد أن تكون بينة، وقالوا: إن الاحتياط في إيقاع الطلاق أولى من الاحتياط في عدم إيقاعه.

    ولكن نقول: إن باب الاحتياط في ذلك منازع؛ لأن الاحتياط في إيقاع الطلاق ثلاثاً أنه يلزم من ذلك تحريم الزوجة على زوجها، ويلزم من ذلك إحلال الفرج لزوج آخر، وأما عدم إيقاع الطلاق الثلاث وإيقاعها واحدة فهو دفع لتحليل الفرج لزوج آخر وتحريمه عليه، وإبقاء ذلك عند زوجها، وعلى احتمال أنها أبيحت لزوجها فكان إباحة حرام، فهو إباحة من جهة واحدة ودفع الجهة الأخرى.

    وأما الأمر الثاني في إيقاع الطلاق فهو تحريم فرج وتحليله لآخر، والشبهة في دفع الأبعد أولى من الشبهة في دفع الزوج، باعتبار أنه باق بخلاف من كان خارجاً عنه، فمسألة الاحتياط متنازعة في ذلك.

    ثمة قول ثالث في هذه المسألة: يقولون: إن الطلاق الثلاث يختلف بين المدخول بها وعدم المدخول بها. قالوا: فإذا كان في امرأة مدخول بها فإنه يقع ثلاثاً، وإذا كان في امرأة لم يدخل بها فإنه يقع واحدة؛ لأن التشوف في بقاء الزوج مع زوجته قبل دخوله بها أولى، باعتبار أن الإنسان ربما لديه نفرة، أو سمع قولاً باطلاً حتى يستبين من زوجته أو نحو ذلك.

    ولكن مثل هذا التعليل فيه نظر، فإن التشوف إلى بقاء الزوجة التي معها ذرية أولى من بقاء الزوجة التي ليس معها شيء ولم يدخل بها زوجها، والنصوص في ذلك عن السلف عليهم رضوان الله تعالى في هذا كثيرة جداً في إنزال الطلاق الثلاث أنها ثلاث، ومنهم من يحكي إجماع الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في ذلك بعد فتوى عمر بن الخطاب عليه رضوان الله، ويصفون القول بإنزال الطلاق الثلاث أنها واحدة أنه قول شاذ، وهذا المشهور عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وبه يقول الفقهاء، وهو قول الأئمة الأربعة في المشهور عنهم، وهو المشهور عن الإمام أحمد عليه رحمه الله.

    جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك في عدم إيقاع الطلاق الثلاث، منها ما تقدم في حديث عبد الله بن عباس ، ومنها ما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن عبد الله بن عباس : ( أنه كان طلق امرأته ثلاثاً, فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يرجعها هي طلقة واحدة )، هذا الحديث أنكره بعض الأئمة، أنكره الإمام أحمد عليه رحمة الله، فقال: الأحاديث في هذا الباب ضعيفة، يعني: كأنه يعل الأحاديث الواردة في هذا الباب، وظاهر الكلام أنه يعل رواية عبد الله بن طاوس عن أبيه في حديث أبي الصهباء في الرجل الذي سأل عبد الله بن عباس، وهو في صحيح الإمام مسلم , يعلونه يقولون: إن المعروف عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله هو ترك هذا القول وعدم الفتيا به، قال: وهذا هو المشهور وهو الذي يرويه عامة أصحابه، ويرويه في ذلك على ما تقدم سعيد بن جبير ومجاهد بن جبر و عطاء وغيرهم يروونه عن عبد الله بن عباس، أن الطلاق الثلاث يكون ثلاثاً.

    والأظهر والله أعلم: أن ما جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله في إنزال الطلاق أنه إنما أنزل الطلاق الثلاث ثلاثاً أراد بذلك تأديباً وزجراً، وهذا يظهر من قوله: لهم فيه أناة، يعني: لهم فيه أن يتأنوا في ذلك.

    وهل في مثل هذا في مسألة الإيقاع للإنسان أن يجتهد في الطلاق تأديباً باعتبار أنه تعزير أن الإنسان يعزر في مثل هذا، ثم بعد ذلك تخرج المرأة من عدتها، ثم بعد ذلك تحل لغيره؟

    نقول في مثل هذا الأمر: المرأة إذا وقع عليها الطلاق فإنها لا تحل للزوج الذي يلي هذا الزوج إلا وقد خرجت من عدتها، فإذا كانت هذه طلقة أو طلقتين فإن الحاكم يردها عن رجوعها إلى زوجها فتنكح بعده، فهي لم تنكح في العدة, فهي بكل حال حلال للزوج الذي يليه، ولكن إنما زيد في ذلك بالتشديد في رجوعها إلى زوجها الأول، فهي لا بد من خروجها من عدتها، سواء كان في طلقة أو في طلقتين، وإنما الزائد في ذلك أنها لا ترجع إلى زوجها الأول إلا بعد نكاح زوج آخر، وهذا ضرب من ضروب التأديب حتى لا يتلاعب الناس بالسنة.

    ولهذا نقول: قد يكون هذا من وجوه التأديب والتعزير الذي ينزله الحاكم في بعض أحواله في حال انتشار شيء أو تساهل الناس في الطلاق أو نحو ذلك، أن يوقع في مثل هذا الأمر، وفي كل حال لا بد من خروج المرأة من عدتها، فإذا خرجت من عدتها سواء كانت طلقة واحدة أو طلقتين أو ثلاثاً فإنها لا ترجع إلى زوجها بعد ذلك إلا بإذنها، وإذا تزوجت غيره فإنها حلال بالنسبة للزوج الثاني في ذلك. على هذا نحمل مثل هذا الأمر لجملة من العلل، منها:

    أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الطلاق في ذلك واحدة، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه، وإنما ثبت عن عمر الخلاف، ثبت عن عمر القول بسنتين ثم جاء بعد ذلك الخلاف، وجاء عن أبي بكر قول واحد ولم يثبت عنه الخلاف، وبقاء قول في مثل هذه المسألة مثل هذه المدة مع عدم علم بالناسخ لو وجد وثبت مع عدم وجوده نصاً عن النبي عليه الصلاة والسلام فهذا دليل على أن النسخ في ذلك ضعيف أو غاية في الظنية، أي: ليس بقطعي.

    الأمر الثاني في هذا: أن هذا قد جاء عن بعض الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وهو مروي عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، وإن كان يضعفه بعض العلماء ويقول به بعض الفقهاء من السلف كـطاوس بن كيسان وهو من الفقهاء العارفين بقول عبد الله بن عباس , وذهب إلى هذا بعض الأئمة ورواية عن الإمام أحمد عليه رحمة الله، ويقول به ابن تيمية.

    هذه المسألة هي من المسائل التي يقع فيها إشكال عند الفقهاء وفيها نزاع طويل.

    نقول: المسألة هذه هي من المسائل الاجتهادية، وللإنسان أن يدفع الطلاق ووقوعه إذا رأى مصلحة في ذلك، وله أن ينزله في ذلك.

    وبكل حال في هذا المرأة لا بد لها من عدة، فإذا خرجت من عدتها فإذا رأى تعزيراً ألا ترجع إلى زوجها لتساهله في ذلك أو تساهل الناس في مثل هذا فهذا له سلف وأثر.

    وأما من يقول: إن هذا القول شاذ، فإنه يلزم من ذلك أن يكون الشذوذ في ذلك يلحق القول فيمن سلف من أبي بكر، وما كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا لا يناسب القول به، وإن كان عامة الأئمة عليهم رحمة الله تعالى على خلافه من المتأخرين.

    العدة بين الطلاقين

    وأما بالنسبة للعدد أو العدة التي تكون بين الطلاق في قول الله سبحانه وتعالى: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، فإذا كان بينهما عدة وأنزل الإنسان طلاقه مرة أخرى على المرأة في أثناء عدتها، فطلقها ثم بقيت لشهر أو شهرين حيضة أو حيضتين، ثم ألحق عليها طلقة أخرى هل تقع هذه الطلقة أم لا؟

    من العلماء من يلحقها بالثلاث، ومنهم من لا يلحقها بالثلاث، ونقول: إن الإنسان إذا أوقع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة ولم ننزلها في مثل هذا الموضع هل الأولى عدم إنزال مثل هذه الصورة أو الأولى الإنزال؟

    نقول: فيمن نفى وقوعها في لفظة واحدة فإنه أقرب إلى القول بعدم وقوعها إذا كانت متفرقة في مسألة العدة، وأما من يوقعها ثلاثاً في موضع واحد فإنه يوقعها من باب أولى إذا كانت متباينة من جهة العدة، فالذي يوقعها في أول العدة طلقة، ثم يوقعها في نصفها طلقة، ثم يوقعها في العدة طلقة ثالثة، فإنهم من باب أولى يوقعونها إذا أوقعوها بلفظ واحد.

    كذلك الذين يوقعونها بلفظ: أنت طالق ثلاثاً، يوقعونها من باب أولى، أنت طالق أنت طالق أنت طالق، والذين يوقعونها ثلاثاً أيضاً بقولهم: أنت طالق ثلاثاً، يوقعونها بأنت طالق ألفاً أو مليوناً أو مليونين أو عدد النجوم، فإنه من باب أولى يوقعون ذلك.

    ولهذا جاء عن عبد الله بن عباس كما رواه البيهقي من حديث سعيد بن جبير : أن رجلاً جاءه فقال: إني قلت لزوجتي: أنت طالق ثلاثاً، فقال عبد الله بن عباس : لك منها ثلاث، ودع تسعمائة وسبعة وتسعين عندك، يعني: وفرها لزوجات أخر.

    ومثل هذا دليل على أن الطلاق في أي رقم أنه يقع، سواء كان بالثلاث أو كان أكثر من ثلاث عند من يقول بإيقاع الطلاق وإنزاله، وأنها تبين منه بلفظ الثلاث.

    وأما الاستثناء في الطلاق فهو كحال اليمين، الإنسان إذا طلق قال: أنت طالق إن شاء الله، هل يقع في ذلك الاستثناء أم لا؟

    جاء في ذلك بعض الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام بعدم صحة الاستثناء، قد روى الدارقطني في كتابه السنن من حديث مكحول عن معاذ بن جبل، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قال الرجل لعبده: أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء عليه، وإذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق فهي طالق ولا استثناء لها عليه )، هذا الخبر منكر، ولا يصح في هذا الباب عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء.

    اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: ذهب جماعة من الفقهاء وهو قول طاوس بن كيسان والإمام الشافعي إلى أن الاستثناء في ذلك معتبر، فإذا قال الإنسان لزوجته: أنت طالق إن شاء الله، يكون حينئذ كاستثناء اليمين لا يقع الطلاق.

    وذهب جماعة من الفقهاء وهو قول الإمام أحمد عليه رحمة الله إلى عدم اعتبار الاستثناء في الطلاق, وأنه يقع إذا أوقعه الإنسان، وهذا هو قول جمهور الفقهاء، أن الاستثناء لا اعتبار به في مسألة الطلاق.

    إصلاح النية عند إرجاع المرأة

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، فيه إشارة إلى أن النية بإرجاع المرأة بعد الطلقة الأولى لا بد أن يكون ذلك بالمعروف, أما إذا كان ذلك بإضرار فإن الإنسان يأثم، والمراد بالمعروف هو الإحسان وقصده، وكذلك أداء ما أوجب الله عز وجل على الزوج من حق وذلك من حق النفقة، وكذلك الكسوة وتمام القوامة في ذلك.

    المراد بالتسريح في قوله: (أو تسريح بإحسان)

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، اتفق العلماء على أن المراد بالتسريح هنا هي الطلقة الثالثة، كما حكاه ابن عبد البر في كتابه الاستذكار، لأن الله ذكر الطلاق مرتين، ثم ذكر بعد ذلك التسريح بإحسان، وهي الطلقة الثالثة التي تكون بين الزوجين، أي: لا يطلقها يريد بذلك إضراراً بها، ولا بد أن يكون ذلك بإحسان، والله سبحانه وتعالى جعل ذلك حداً فاصلاً بين الزوجين.

    تحريم أخذ شيء من المهر عند الطلاق

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا [البقرة:229]، المراد من ذلك هو المهر، أن الإنسان لا يحل له مع طلاقه لزوجته إذا أراد طلاقها أن يأخذ من مهرها شيئاً باعتبار أنه هو الذي يريد أن يطلق، وإذا كانت المرأة تريد الطلاق فلا حاجة لعدد الطلاق، يقول: طلقة أو طلقتين أو ثلاث، وإنما بحاجة إلى مخالعة، أو ربما تريد طلقة واحدة حتى تبين من زوجها ولا تريد الرجعة إليه.

    ولهذا نقول: إن المراد بقول الله سبحانه وتعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا [البقرة:229]، المراد بذلك هو المهر، أنه لا يحل له في باب الطلاق أن يأخذ من زوجته شيئاً، يقول: لا أطلقك إلا بألف أو ألفين أو نحو ذلك، بينما هو الذي يريد الطلاق، فيكون ذلك من المال المأخوذ غصباً، ولا يحل للزوج أن يأخذ من ذلك شيئاً.

    واستثنى الله سبحانه وتعالى من ذلك شيئاً قال: إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:229]، ما المراد بذلك (إلا أن يخافا)؟ أي: يخاف الزوجان ألا يقيما حدود الله سبحانه وتعالى فيما بينهما، يعني: رأى عدم صلاح بقاء الزوجين مع بعضهما وأنهما إن بقيا على الزوجية مع بقاء العصمة أن أمرهما إلى فساد، ولا يصلح الزوجين في ذلك إلا الطلاق.

    فمن العلماء من قال في مثل هذا: إذا كان من الزوجين أنه يجوز للزوج أن يأخذ منها، وأما ما يتفق عليه العلماء في مسألة أخذ شيء أو أخذ مال الزوجة في مثل هذا، قالوا: إذا كانت الرغبة من الزوجة.

    أحوال مهر الزوجة عند المفارقة

    ولهذا نستطيع أن نقول في مسألة مهر الزوجة عند المفارقة أو عند الانفصال بين الزوجين أنه على ثلاثة أحوال:

    الحالة الأولى: أن يكون الطلاق برغبة الزوج وحده، وهذا يحرم عليه أن يأخذ مما آتاها شيئاً؛ لأنها تريد البقاء، وأنت لا تريد البقاء، فليس لك أن تأخذ من ذلك شيئاً، وإنما أعطيتها ذلك المهر بأمر الله سبحانه وتعالى وما استحللته منها، فلا يجوز لك أن تأخذ من ذلك شيئاً؛ لأنك أنت الذي لم ترد ذلك.

    الحالة الثانية: أن يكون ذلك برغبة من الزوجين سواء، وذلك لقناعتهما أن بقاءهما ليس فيه مصلحة، من العلماء من قال: إنه يجوز للزوج أن يأخذ من ذلك شيئاً، ومنهم من يقول: إنه يجوز له، ولكن يكون دون أمر الخلع، يعني: لا يأخذ من ذلك ماله كله، وإنما يأخذ من ذلك شيئاً، ومنهم من يقول في ذلك: يجعل مسألة النصف، ويقول: إن النصف في هذا، وهذه من مسائل الاجتهاد ولا نص فيها في مثل هذا، وظاهر النص أنه يجوز له إذا رأى رغبة فيها تساوي رغبته هو في عدم البقاء، أن يتصالحا على شيء من المال.

    والحالة الثالثة: أن تكون الرغبة من الزوجة فقط، ورغبة الزوج في ذلك البقاء، فإنه لا حرج عليه أن يأخذ منها المهر كله، ووقع خلاف فيما زاد عن المهر.

    الحالة التي يتدخل فيها القاضي للمفارقة بين الزوجين

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:229]، ذكر الله عز وجل هنا الخوف في موضعين (إلا أن يخافا) ثم (خفتم) ذكر (إلا إن يخافا) يعني: الزوجين، ثم ذكر (خفتم) هنا ما المراد بخفتم؟ المراد بذلك هو الحاكم والوالي وهو القاضي, يعني ثمة خوف يكون من الزوجين، وثمة نظرة أخرى تكون من الحاكم لأمر الزوجين، أنهما لا يصلحان لبعض, حينئذٍ له أن يقضي بينهما.

    وفي هذه الآية دليل على أن الحاكم يفصل بين الزوجين ولو بغير رضاهما، فيطلق الزوجة من زوجها إذا رأى المصلحة في ذلك، وقد نص على هذا غير واحد من الأئمة؛ أن هذه الآية دليل في حكم قضاء القاضي في الطلاق وكذلك في الخلع.

    ولكن هذا ينبغي ألا يكون إلا في أضيق السبل بعد امتناع الزوج من المفارقة، إذا امتنع من ذلك ورأى أن البقاء في ذلك فساد فإنه يفصل بينهما؛ لأن الله سبحانه وتعالى ساوى بين الأمرين: بين خوف الزوجين من بقاء بعضهما، وبين خوف الحاكم من بقائهما مع بعضهما؛ ولهذا قال الله جل وعلا: فَإِنْ خِفْتُمْ [البقرة:229]، يعني: الذين تقومون على أمر العقود، والنكاح: أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229].

    مشروعية الخلع

    في قول الله سبحانه وتعالى: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]، قالوا: هذا هو الخلع، وأجمع العلماء على مشروعية الخلع بين الزوجين، ولكن وقع في ذلك خلاف في مسائل الخلع منها ما يتعلق بالخلع، هل الخلع يعد طلقة أو لا يعد طلقة؟ وهل المال من الزوجة هل يأخذ المهر أو يأخذ ما زاد عنه؟ وإذا طلق الرجل زوجته طلقة ثم طلقتين ثم خالعها، وبعد مخالعته لها أراد أن يرجعها، هل الخلع بعد ذلك ترجع إليه بناء على الطلقتين أم يكون ذلك بناء على الثلاث؟

    وكذلك في حال رجعتها إليه هل ترجع إليه بعدم وجود طلقات أم وجود اعتبار تلك الطلقات؟ هذا من مواضع الخلاف عند العلماء.

    ظاهر هذه الآية أنه يجوز للزوجة أو للزوج أن يأخذ من زوجته أكثر مما دفع إليها، وهذا ظاهر في قول الله عز وجل: فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]، وهذا إطلاق. وما قال: فيما آتيتموهن, يعني: المقدار الذي أعطيت هذه الزوجة، وذلك لجملة من العلل:

    منها: أنه ربما أن الزوج أعطى زوجته شيئاً من المال وبقي معها عقد أو عقدان، فالقيم تختلف، وتزيد وتنقص، وربما يكون في ذلك شيء من الخصومات، وإغلاق هذا الباب على الأزواج في أمر المصالحة هذا مما لا تتشوف إليه الشريعة, والشريعة تتشوف إلى باب الإصلاح، ولهذا شددت في أمر البقاء في مسألة الطلاق مرتان إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ثم في مسألة بقائهما فيما بينهما في وجود اشتراك الخوف، ثم تحويل هذا الأمر إلى القاضي وغير ذلك؛ إشارة إلى أهمية البقاء والتشديد في هذا لا يتناسب مع سياق الآية.

    ولهذا نقول: إن مسألة أخذ الزوج أكثر مما أعطى الزوجة، هذه مسألة خلافية اختلف فيها الفقهاء على قولين: جمهور الفقهاء يرون أنه يجوز للزوج أن يأخذ أكثر مما أعطى زوجته، وهذا قول الإمام مالك رحمه الله و الشافعي وهو قول أبي حنيفة.

    الإمام مالك رحمه الله يقول: يجوز ذلك، ولا أعلم من أنكره إلا أنه ليس من المروءة، أن يأخذ الزوج أكثر مما أعطى زوجته إلا إذا تغيرت الأسعار، وارتفع قيمة الذهب أو نزل قيمة الذهب أو شيء من هذا، فهذا أمر آخر يكون ذلك بالعدل.

    ولهذا ربما الزوج يبقى مع زوجته خمسين أو ستين سنة، ويكون الدينار والدرهم يختلف عن قيمته في السابق، فيأخذ بذلك بالعدل، ولهذا نقول: إن الشريعة لا تحجر في ذلك واسعاً، جاء عن الإمام أحمد عليه رحمة الله أن الزوج لا يأخذ من زوجته إلا بمثل ما أعطاها، وثمة قول يوافق فيه الجمهور عليهم رحمة الله في هذه المسألة.

    والمترجح في ظاهر الآية هو أنه يجوز أن يأخذ بما شاء منها بالتراضي، وأما من يستدلون بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( طلقها تطليقة واقبل الحديقة )، باعتبار أنه أعطاها نقول: هذه حادثة عين جاءت لا تنفي ما عداها.

    المراد بحدود الله في قوله: (تلك حدود الله فلا تعتدوها)

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229]، هذه الحدود ما يتعلق بأمر الطلاق، وما يتعلق بأمر الإمساك والتسريح، وكذلك بمسألة المهر لعدم أخذه إلا بحقه، وفي مسألة الصلح فيما بينهم وعدم الإضرار، وكذلك حكم القاضي في التفريق بين الزوجين، ومسألة الخلع بين الزوجين وأخذ الزوج أكثر أو مشابه لما أخذ من زوجته.

    أنواع الظلم

    حدود الله سبحانه وتعالى بينها لعباده وحذر من مجاوزتها, وذلك أن تجاوز حدود الله سبحانه وتعالى هو من الظلم العظيم باعتبار تعلقه بحقوق الآدميين.

    الظلم هنا يراد به النوعين: ظلم الإنسان لنفسه، وظلم الإنسان لغيره، ظلم الإنسان لنفسه متعلق بأحكام الله عز وجل بينه وبين ربه لمخالفته لأمر الله سبحانه وتعالى، وهو يشمل بعض الصور ولا يشمل بعضها، ومنها ما يشمل بعض الصور في مسألة إنزال الزوج الطلاق الثلاث بلفظة واحدة أو نحو ذلك، هي ضرب من الظلم في مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى.

    ومنه ما يقع على الزوجة كإضرار الزوج أن يأخذ منها أكثر من مهرها مما يتعسر عليها أن تعيده، فيشق عليها وربما أفقرها وآذاها في ذلك، فيكون ذلك من جملة الأذية المحرمة، فيكون ذلك ضرباً من ضرب الظلم وأعظم الظلم الذي يكون بين العباد بعد الظلم هو الشرك باعتبار جلالة أمره وباعتبار أنه يحبط عمل الإنسان بالكلية، ثم يليه بعد ذلك ظلم الإنسان لغيره، باعتبار أن الله لا يكفره إلا بإعادة الحقوق إلى أهلها، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين وغيرهما أنه قال: ( من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها من قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم )، يعني: أن الإنسان عليه أن يستبرئ من صاحبه الذي له عليه حق، وما قال: فليتب أو يستغفر أو ليتصدق دليل على أن هذه لا تدخل في الأمور المكفرات، بل لا بد من إعادتها إلى أصحابها.

    من يتوجه إليهم الخطاب في قوله: (فلا تعتدوها)

    وقوله جل وعلا: فَلا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229]، الخطاب هنا يتوجه إلى ثلاثة: يتوجه إلى الزوج، ويتوجه إلى الزوجة، ويتوجه إلى الحاكم باعتبار أنهم خوطبوا في هذه الآية جميعاً: فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229]، وحدود الله سبحانه وتعالى على ما تقدم هي التي شرعها في قضائه جل وعلا، وهي شاملة لتربص الزوجة بالعدد على ما تقدم الكلام عليه أن يتربص ثلاثة قروء.

    كذلك ما يتعلق بإعادة الزوجة من غير إضرار، وكذلك في عدد الطلقات.

    ونكتفي بهذا القدر، وأسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة, إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد.