إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [30]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأصل في المطلقة أن تتربص بنفسها ثلاثة قروء، وقولها في عدتها مقبول، وللزوج أن يراجعها بالقول أو الفعل، ولا يحل لها أن تكتم ما خلق الله في رحمها، وقد تنازع العلماء في معنى القرء فقيل: إن معناه الطهر، وقيل الحيض، وقيل الفترة التي بينهما، والخلاف قوي، وتنازع العلماء في عدة الأمة، والتي انقطع حيضها لعارض.

    1.   

    قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    بيان الشارع طرق المفارقة بين الزوجين

    تقدم معنا في المجلس السابق الكلام على مسائل الإيلاء والتفصيل في ذلك، وذكر كلام المفسرين، فبعد أن ذكر الله جل وعلا مسائل الإيلاء، ومعلوم أن الإيلاء هو نوع مفارقة بين الرجل وزوجته، ولكنه فراق ليس بدائم، ولا يرجى منه الفراق على سبيل الدوام، بعد أن ذكر الله عز وجل ذلك أورد الله سبحانه وتعالى ما يتعلق بمسألة المفارقة بين الزوجين على سبيل الدوام وهو الطلاق، فذكر الله جل وعلا الطلاق تبييناً لمسائله ودفعاً لما يتسلل إليه من أحكام وآراء وأهواء الشر التي تكتنف الناس، وقد كان أهل الجاهلية على تخبط في مسائل الطلاق، لا في ألفاظه فكل يُطلق لفظاً يُطَّلق بها زوجه.

    وكان أهل الجاهلية من جهة طلاقهم على أحوال وعلى ألفاظ، فربما يطلق الرجل زوجه، وربما تطلق الزوجة زوجها، وربما كان ذلك بألفاظ متنوعة، ومن هذه الألفاظ التي يطلقها أهل الجاهلية: أن يقول الرجل لزوجته: حبلك على غاربك، وخليت سبيلك، وغير ذلك من الألفاظ التي يطلقونها ويريدون بها المفارقة.

    وكذلك المرأة إذا فقدت زوجها أو سافر وانتظرته غيرت باب بيتها ووجهته من جهة إلى جهة أخرى، وبهذا يطلق منها زوجها شاء أم أبى، ويجعلون ذلك من وسائل تطليق الزوجة لزوجها، فجعل الله عز وجل من ذلك ضابطاً لا من جهة الألفاظ ولا من جهة الزمن، أما من جهة العصمة فهي بيد الزوج، ولهذا جعل الله جل وعلا التربص على الزوجات، وما جعلها على الأزواج، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، والتربص في ذلك هو الانتظار، فقد جاء بصيغة الخبر والمراد بذلك الأمر؛ كما في قول الله جل وعلا: يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233]، أي: المشروع لهن أن يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة.

    فالله سبحانه وتعالى ذكر الطلاق وسماه طلاقاً؛ باعتبار أن الأصل في الصلة بين الزوجين أنها عقد لا يحل إلا بمسوغ شرعي، فكأنه انفصال بعد إبرار، وحل بعد عقد، وفك بعد قيد، فسمى الله جل وعلا ذلك طلاقاً، أي: تنفصل المرأة به عن زوجها، فذكر الله سبحانه وتعالى ذلك على ما تقدم بعدما ذكر الإيلاء بياناً لمسائل المفارقة ومراتبها.

    ثم يظهر في ذلك أن الله جل وعلا بعدما ذكر الطلاق على سبيل العموم ذكر عدد الطلاق حتى لا يؤخذ على أمره بلا نهاية، فقال الله جل وعلا: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، يعني: أن الطلقات التي يطلقها الرجل على زوجه أن لها حداً، وكان في ابتداء الأمر في تشريع الإسلام شرع الله جل وعلا الطلاق ولم يجعل له أمداً، فيعمد بعض الناس إلى تطليق الزوجة، فإذا كانت في آخر عدتها أرجعها ثم طلقها مرة أخرى حتى تبقى هكذا، فلا هو الذي أبقاها عنده، ولا هو الذي تركها تنظر زوجاً آخر.

    ثم أنزل الله عز وجل في ذلك دفعاً لمثل هذا، فجعل الطلاق مرتين، فقال: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، أي: لا يزداد على ذلك، وهذا من جهة الطلاق الرجعي، وأما بالنسبة للبائن فإذا طلقها ثلاثاً فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، ويأتي بيان ذلك بإذن الله تعالى.

    أحوال المرأة المطلقة

    الله جل وعلا ذكر المطلقات هنا بصيغة الجمع، فقال: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ [البقرة:228] باعتبار أن الأصل في المطلقات التي يتوجه لهن الخطاب وهن أكثر النساء في حال الطلاق هي المطلقة التي تحيض, أما المرأة الآيس أو التي لا تحيض فهذه هي أقل أحوال النساء.

    ومعلوم أن المرأة من جهة حيضها وعدمه على أحوال:

    الحالة الأولى: أن تكون المرأة حائضاً.

    الحالة الثانية: أن تكون غير حائض، وذلك إما لصغرها، أو لانقطاع الدم عنها من غير سبب.

    الحالة الثالثة: الإياس, يعني: تيأس من ورود الحيض عليها بعد الكبر.

    الحالة الرابعة: أن تكون المرأة حاملاً، فهي حائض ولكن نزل عليها الطلاق وهي في حال حملها، هذه لكل واحد منهن عدة تختلف عن الأخرى، ولكن الله جل وعلا ذكر أول ما ذكر هنا الطلاق، قال: وَالْمُطَلَّقَاتُ [البقرة:228]، توجه الخطاب إلى الحيض باعتبار أنه هو الغالب في حال النساء أنهن يحضن، فوجه الله جل وعلا الخطاب لهن في أول أحكام الطلاق؛ لأن الأحكام تعلق بالأغلب، والغالب من حال النساء الحيض، فذكر الله جل وعلا أحوالهن ثم أمر بتربصهن سبحانه وتعالى ثلاثة قروء.

    قبول قول المرأة فيما هو من خصائصها كالعدة ونحوها

    قال الله جل وعلا: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] .

    الله جل وعلا جعل التربص لهن والأمر إليهن، ولهذا قال: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ [البقرة:228]، إشارة إلى معنى وهو أن الأمر إلى الزوجة تصدق في قولها، في إخبارها عن ابتداء حيضها وانتهائه؛ لأن الأمر موكول إليها ولا يطلع على هذا الأمر إلا بعلمها، فتصدق في ذلك ما جرت على العادة.

    وأما إذا جرت على غير العادة المعروفة من النساء، ومعلوم أن الغالب في أحوال النساء أنهن يحضن في الشهر مرة، هذا هو الغالب، ولكن قد تحيض المرأة في الشهر مرتين، والنادر جداً تحيض في الشهر ثلاثة، فإذا خرج ذلك عن النادر فينظر إلى أمانتها ودينها، فإذا كانت من أهل الأمانة والديانة فيؤخذ بقولها.

    وإذا جاءت إلى النادر وضعفت من جانب الدين ووقعت عليها الريبة، فإنه يؤخذ بشيء من القرائن في هذا، ومن هذه القرائن: أن ينظر إلى حال نسائها، وحال نسائها في ذلك: أن تسأل أمها وأختها عن عدتهن، فالغالب أن النساء يتشابهن من جهة قرب المدد: هل في نساء البيت أو في نساء العائلة من تحيض في الشهر مرتين أو ثلاثاً؟ فإذا كان كذلك أخذ بقولها.

    وقد جاء ذلك عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى أنه قيل في امرأة حاضت في الشهر ثلاثاً، فأمر بأن تُسأل النساء ممن حولها، فسئلن فقيل: إنهن يحضن كذلك، فجعل كلامها صحيحاً، وروي في ذلك عن القاضي شريح عليه رحمة الله.

    وعلى هذا نقول: إن الأصل في ذلك أن المرأة موكولة إلى نفسها من جهة إخبارها، ولهذا الله جل وعلا جعل التربص بنفسها إليها، فلا يشهد عليها أحد في ذلك لمشقة ذلك وصعوبته، ولهذا الله سبحانه وتعالى لما كان الأمر إليها وكان الأمر غليظاً من جهة حق الزوج في إرجاعها وكذلك الأمد، فإن الأمد حق للزوجة وحق للزوج، حق للزوجة من جهة رجوعها إلى زوجها، من جهة حقهما في الإنظار أن ينتظرا أمداً وذلك أن يتراجعا. حق الزوج كذلك من جهة حملها أن تستبرئ المرأة منه، فلا يكون في بطنها حمل ربما ينسب بعد ذلك لغير أبيه.

    وكذلك حقها من هذا الباب، وحقها في النفقة عليها، وحقها في كسوتها، وحقها في السكن في هذا الأجل.

    ولهذا نقول: إنما هي حقوق مشتركة، منها ما يتفق ومنها ما ينفرد، ولهذا نقول: إن الأمر في ذلك إنما هو مرجوع إلى الديانة، ولكن يغلظ في ذلك إذا عظم الأثر، ولهذا الله جل وعلا لما ذكر ما يقع في أرحامهن وهو حيض وحمل؛ حذر الله عز وجل من أن يكتمن ما خلق الله عز وجل في أرحامهن؛ لأن المرأة ربما تكون حاملاً من زوجها فلا تخبره: إما غيظاً، وإما لا تريد الرجعة، تخشى أنها إذا أخبرته أرجعها لحبه للولد، فيجب عليها أن تخبره ولو لم يرسل إليها مستخبراً عن حاله، أن تخبره باعتبار أن هذا من الحقوق المشتركة بين الزوجين، فإذا علمته الزوجة وجب عليها أن تخبر زوجها بذلك، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:228]، وأشار إلى هذا القيد أن هذا الأمر يترتب عليه شيء عظيم، ومن هذا انتفاء الولد، إذا كان الزوج لم يعلم بولده إلا متأخراً، أو ربما قالت: إنها خرجت من عدتها ثم تزوجت وفي رحمها ولد، وقع في ذلك شك وربما تسبب في ذلك بنفي الولد، وفي هذا ضرر على الزوجين وضرر على الولد، وربما يتعدى ذلك إلى زوجها الثاني، فكانت تحتمل في ذلك أمانة عظيمة.

    أحوال المطلقة الحائض

    في قوله سبحانه وتعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، المطلقات على ما تقدم أن المرأة على أحوال من جهة حيضها, وكذلك المطلقة الحائض هي على حالين:

    الحالة الأولى: مطلقة حائض مدخول به، يعني: دخل بها زوجها.

    الحالة الثانية: مطلقة حائض لم يدخل بها، والتي لم يدخل بها ليس عليها عدة، ويأتي الكلام في هذه المسألة بإذن الله عز وجل في غير هذا الموضع.

    والله جل وعلا قد بيَّن حال المرأة إذا كانت مدخولاً بها، والقرينة على هذا أن الله جل وعلا قال: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ [البقرة:228]، والمرأة التي يخلق الله عز وجل في رحمها هي التي قد دخل بها، وما يخلق الله جل وعلا في رحمها يخلق حملاً وحيضاً.

    فالأمر الأول وهو الحمل لا يكون إلا بعد دخول.

    إذاً: هذه الآية متوجهة إلى المطلقة الحائض المدخول بها، فلا بد من توفر ذلك في المرأة التي تطلق، وأما بالنسبة للمرأة التي لم يدخل بها فليس عليها عدة, ويأتي بيان ذلك.

    حكم تربص المطلقة بنفسها ثلاثة قروء

    وقول الله جل وعلا: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ [البقرة:228]، قيل: إن المراد بذلك هو المشروع، أي: ما شرعه الله جل وعلا من حكم.

    وقيل: إن المراد بذلك هو الأمر, وجاء بصيغة الخبر، ولكن نقول: إن الخبر تارة يأتي ويراد به الأمر، وتارة يأتي ويراد به المشروع، كما في قول الله جل وعلا: يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233]، وليس المراد بذلك أنها مأمورة أن ترضع أولادها حولين كاملين، ولكن هذا يقيد بحسب المصلحة في ذلك، وكذلك ثمة حد أعلى للرضاع، وحد أدنى على قول بعض الفقهاء إلى أنه لا يجب على الزوجة تمام الحولين.

    ونقول: إن المراد بذلك على قول بعض المفسرين: هو الأمر، أنه يجب على الزوجة أن تتربص بنفسها ثلاثة قروء.

    وتربص المرأة بعد طلاق زوجها في الطلاق الرجعي، أن تبقى في بيت زوجها ولا حرج عليها في ذلك، وله أن يرجعها، ورجعتها في ذلك إما بلفظ أو بفعل، أن يقول: راجعتك أو أن يقبلها أو يجامعها من غير لفظ إرجاع، فهذا كاف في إرجاعها.

    وهذا من الحكم في إبقاء الزوجة في بيت زوجها في عدتها التي يطلقها به زوجها، وذلك أن يكون أدعى للرجوع بخلاف المفارقة التي تكون من أول طلاق.

    ولهذا من الجهل أن المرأة إذا طلقت أن تخرج من بيتها أو أن يخرجها زوجها من بيتها التي هي فيه، وذلك حق لها أن تبقى ما دامت في عصمة زوجها حتى تبين منه، فإن بانت منه وخرجت من هذه الأقراء الثلاثة فإنها تخرج لأنها ليست محرماً له وهي أجنبية، ويجب عليها أن لا ترجع إليه إلا بعقد جديد، وهي كحال سائر النساء عنه، وأما قبل ذلك فهي إلى زوجها.

    وإنما حيل أمر التربص إلى النساء باعتبار أن الأمر يتعلق بهن ولا يتعلق بالزوج، إلا في حالة واحدة يشترك الرجل مع المرأة في العدة، وهي: إذا كان الرجل قد طلق زوجته الرابعة، فلا يأخذ الخامسة حتى تخرج الرابعة من العدة، فتكون العدة مشتركة بين الرجل وبين المرأة؛ لأنه لو أخذ خامسة من أول تطليقة أصبحت خمس عنده لاحتمال أن يرجع الرابعة وتبقى فهي في ذمته، ثم إنه يجوز له أن يباشرها وأن يجامعها مادامت في عدتها، فهي زوجة له لم تخرج من عدتها.

    المراد بالقرء

    وقول الله جل وعلا: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، اختلف العلماء في المراد بالقروء هنا، والقروء جمع قرء، وقيل: جمع قرء، ويتفق أهل اللغة على أن المراد بالقَرء والقُرء أن المراد به الزمن التي تحيض به المرأة، يقال: قرأت المرأة إذا دنا حيضها، وقرأت المرأة إذا دنا طهرها، فهو اسم يطلق على فترة زمن الحيض أو الطهر فهو الفترة القبلية للحيض أو الفترة البعدية له، فيطلق على هذين، وهذا هو سبب الخلاف.

    وأهل اللغة يتفقون على أن المراد بالقرء الزمن من جهة اللغة، ولكن ما هو موضع الشارع لهذين الزمنين: زمن الطهر أو زمن الحيض؟ هذا موضع خلاف عند الفقهاء.

    اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال وخلاصتها: ما ذهب إليه جمهور السلف وهو قول عائشة عليها رضوان الله تعالى، و زيد بن ثابت و عبد الله بن مسعود وقول الفقهاء من أهل المدينة كـسليمان بن يسار و خارجة بن زيد و أبو بكر بن الحارث ، وجماعة من الفقهاء من أهل المدينة. بل قيل: إنه لم يقل أحد من أهل المدينة بخلاف ذلك إلا ابن المسيب كما قال ذلك ابن شهاب الزهري .

    ويقول أبو بكر بن الحارث ما أدركنا من مضى إلا وهو يقول بقول عائشة ، أي: أن القرء هو الطهر، ويستدلون بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى: ( لما طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلقها, فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء ).

    وهذا في الصحيحين وغيرهما.

    وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ربط ذلك بالطهر، وأمر أن يكون الطلاق في طهر لم يمسها فيه، فكان الطهر في ذلك معتبراً.

    القول الثاني: وهو قول أهل الرأي، وذهب إليه جماعة من السلف كما هو مروي عن علي بن أبي طالب وغيره من فقهاء الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، ويروى في هذا عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى أن المراد بالقرء هنا هو الحيض.

    قالوا: لأن المرأة إنما تطهر بحيضها، أي: يستبرأ الرحم مما فيه بالحيض، فالحيض هو الذي يقذف وتستبرئ المرأة، ومن ذلك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر أن تنتظر الإماء في سبايا أوطاس وغيرها بأن تستبرأ بحيضة، وهذا إذا كان من أمر الإستبراء، فإن الإستبراء يكون في عدة المرأة المطلقة يعد بالحيض.

    ولكن نقول: إن المقاصد الشرعية في مسألة العدد لا يراد منها الاستبراء فقط، فإذا كان استبراء الأرحام مقصوداً في كلا الأمور، فإن حمل المرأة الحرة على الأمة الأمر في ذلك سواء، فإن طبائع النساء سواء كانت امرأة حرة أو عبدة أمرها في ذلك سواء، والتبعات متقاربة من جهة نسبة الولد وغيره.

    ولكن المراد هو أوسع من هذا، وذلك أن المرأة إذا تزوجت ثم طلقها زوجها فإن الصلة التي تكون بين الحرة وزوجها أعظم من الصلة التي تكون بين الحرة والأمة، وذلك أنه يأخذها سرية جارية وليس بينه وبينها صلة، والغالب أن صلة الأحرار مع الموالي أنهم لا يريدون منهن حملاً ويبيعوهن، بخلاف المرأة الحرة فإنه يريد منها حملاً، فالصلة بينهم أعظم من ذلك، فهي مسألة الإنظار، وكذلك فإن العلاقة بين الحرة والحر الغالب فيها علاقة ميثاق أعظم من هذا، وكذلك يكون بينهم من صلة الذرية والقرابات هو أعظم مما يتعلق بين الرجل وموليته، ولهذا جاء الأمر على زيادة فيما يتعلق بالحرة بخلاف الأمة.

    إذاً: المراد بذلك ما هو أوسع من استبراء الرحم وهو أنه لعل الرجل يرجع إلى زوجته، والزوجة تراجع نفسها في هذا، فإن تشوف الشارع إلى بقاء الزوجين الأحرار أظهر من بقاء الرجل مع موليته، وهذا أمر ظاهر.

    وثمة قول في هذه المسألة ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله وذكره أبو حامد الغزالي عن بعض الفقهاء من الشافعية: على أن المراد بالقرء هو الفترة الزمنية بين الحيض والطهر، وهو الطهر ثم الحيض، قال: فترة انتهاء الطهر وإتيان الحيض، ولا يجعلون ذلك الطهر الذي يأتي بعده, قال الشافعي رحمه الله وجاء هذا عن بعض فقهاء الشافعية: أنه الطهر ثم الحيض، فالفترة الزمنية التي يكون بينها بين هذين بخلاف الحيض ثم الطهر.

    ولهذا نقول: إنه نهاية الطهر وبداية الحيض، لا نهاية الحيض وبداية الطهر، قالوا: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى قال: ( حتى تطهر ثم يطلقها فتلك العدة )، والعلماء عليهم رحمة الله تعالى يقولون: إن الرجل إذا طلق زوجته وهي حائض فهذا طلاق بدعي، ولكن الاعتداد بهذه الحيضة على من قال بأن المرأة تطلق لا اعتداد بهذه الحيضة التي طلقت فيها الزوجة باتفاق الفقهاء على أنه لا يعتد بهذه الحيضة، بخلاف الطهر الذي يطلق الرجل فيه زوجته فإنه يعتد به كطهر واحد على من قال بأن الأقراء هي الأطهار.

    وعلى هذا يقول الفقهاء عليهم رحمة الله: لما كان الأئمة من السلف يجمعون على عدم الاعتداد بالحيضة التي يطلق الرجل فيها زوجه وهي حائض، سواء كان الطلاق في ذلك معتبراً أو ليس بمعتبر قالوا: دليل على أنه لا اعتبار بالحيض، وإنما العبرة بالطهر.

    وهذا قول له حظ من النظر، ولكن لو قال به أحد من السلف في المراد بالقرء أنه هو الحد الفاصل الذي يسبقه طهر فيكون طهر ثم حيض فهذا واحدة، ثم إذا كان حيض ثم طهر لا يعتد، ثم إذا جاء طهر وانتهى بحيض فهذه الثانية، ثم يكون بعد ذلك حيض ثم طهر لا يعتد به، ثم يكون بعد ذلك طهر ثم حيض فيعتد به حينئذ، تكون هذه ثلاثة أقراء قال وهي المقصودة.

    وقول الإمام الشافعي رحمه الله لا أعلم من سبقه إليه وقول له، وله قول يوافق فيه الجمهور في قول عائشة عليها رضوان الله تعالى، وذهب إلى هذا القول الإمام مالك رحمه الله والإمام الشافعي والإمام أحمد ، وذهب إلى هذا جماعة من الفقهاء وهو قول جماهيرهم، أن المراد بالقرء هنا هو الطهر ولم يخالف هذا القول من الفقهاء من أهل المدينة إلا سعيد بن المسيب فيما قاله ابن شهاب الزهري .

    والمروي عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى في ذلك محتمل، وظواهر النقول عنه أنه يريد بالقرء هو الحيض، وقد روى ذلك ابن أبي شيبة عنه، و سعيد بن منصور في كتابه السنن.

    سبب قوة الخلاف في معنى القرء

    ومن المسائل فيما يتعلق بالقرء وتعليلات الفقهاء في هذا أن المراد بذلك هو الطهر أو المراد بذلك الحيض، نقول: إن هذا الخلاف هو من الخلاف القوي لموافقته للغة، وكذلك لقوة المخالفين في هذه المسألة، ولقدم الخلاف فإنه قديم في الصدر الأول، ولوجود ما يعضده من الأدلة، المرفوعة أو الموقوفة أو كان ذلك من القرائن أو من اللغة، إلا أن النفس تميل إلى ما قال به أهل المدينة لقوة هذا القول، وكذلك اعتضاده بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر ، وكذلك تقول به عائشة قولاً واحداً صحيحاً عنها، وهي من أعلم الناس بأمثال هذه المسائل.

    والغالب أن أمهات المؤمنين هن أعلم الناس فيما يتعلق بقضايا النساء، فإنهن يسألن وربما بعض النساء يستحين من أن يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسألن أمهات المؤمنين، فهن أقرب إلى العلم بأمثال هذه المسائل، وكذلك فإن قول أهل المدينة في مثل هذا من اجتماع الفقهاء من أهل المدينة على هذا القول أمارة وقرينة على ترجيحه على غيره، وكذلك هو قول جمهور الفقهاء.

    وثمة أدلة لمن قال بأن المراد بالأقراء هي الحيض، وأدلة في ذلك منها لغوية، كما تقدم الإشارة إليه، ومنها بعض الإطلاقات المروية عن السلف، وهذا فيه شيء من الاستدراك، منها ما يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما جعل عدة الأمة أن تستبرأ بحيضة، ما قال: تُستبرأ بطهر، قال: تستبرأ بحيضة، قال: فدل على أن المراد بالأقراء هي الحيض.

    ولكن يقال: إن العدد ليس المراد بها هو الاستبراء فقط، بل ما أوسع من ذلك، لو كان الاستبراء فقط فإن الذي يبرئ الأمة هو الذي يبرئ الحرة، ولكان في ذلك حيضة، ولكن المراد بذلك أوسع من هذا، ولهذا نقول: إن هذا الخلاف هو من الخلاف القوي في هذه المسألة، والأمر في ذلك محتمل، إلا أن النفس تميل إلى أن المراد بالقرء هنا هو الطهر.

    عدة الأمة المطلقة

    وفي هذه المسألة جملة من اللوازم منها ما يتعلق بمسألة عدة الأمة إذا طلقها زوجها على ماذا تعتد: هل تعتد بثلاثة قروء أم يكون عدتها في ذلك على النصف؟ ولما كان الحيض لا يقسم، والطهر لا يقسم فإنه تكون بحيضتين على من قال بالحيض أو بطهرين على من قال بالطهر؟

    هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء على قولين: ذهب جمهور الفقهاء وهو قول الأئمة الأربعة إلى أن المرأة الحائض إذا كانت أمة فإنها تحيض على النصف، ولما كان النصف في ذلك يرجع إلى الحيض، والحيض في ذلك لا ينصف، أو الطهر لا ينصف، فإنه يكون على طهرين أو على حيضتين، وهذا قول الجماهير.

    وثمة قول لبعض الفقهاء وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله وقال به أهل الظاهر، قالوا: إن الأمة تحيض كما تحيض الحرة على حد سواء، وذهب إلى هذا ابن سيرين رحمه الله من السلف، ولا أعلم قائلاً بهذا القول من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، بل إن هذا يكاد يكون إجماعاً في قول الصحابة عليهم رضوان الله تعالى.

    وقد روى ابن أبي شيبة و سعيد بن منصور عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى قال: لو استطعت أن أجعل عدة الأمة حيضةً ونصفاً لفعلت، يعني: أنها لا تنصف، ويكون على حيضتين أو على قُرأين فيدخل في ذلك الطهر.

    عدة المطلقة إذا توقف حيضها لعارض

    والمرأة إذا كانت حائضاً ولكن توقف حيضها، وهذا من المسائل المهمة، إذا حاضت المرأة وطلقت وهي على حالها، ولكن قد توقف حيضها لعارض، فنقول: هذا العارض لا يخلو من حالين:

    الحالة الأولى: أن يكون عارضاً معلوم الأجل، كالمرأة التي يطلقها زوجها وهي ترضع وتوقف حيضها لأجل الرضاع، ونقول: إن المرأة في مثل هذه الحال عدتها عدة الحائض وهي ثلاثة قروء، وتبقى على مثل هذا الأمر، سواء توقفت عن الرضاع أو لم تتوقف، ويبقى أجلها في ذلك حتى يأتيها الحيض.

    ومثل هذا: المرأة التي يأتيها مرض يسير منع من نزول الحيض، فيكون حينئذ تتربص إذا كان الأجل في ذلك معلوماً، وأما إذا كان المانع من ذلك ليس بمعلوم ولكنه طارئ، يعني: انقطع عنها الحيض ولكنها لا تدري في ذلك الأجل أقريب أم بعيد؟ وليست هي بآيس, كأن يتوقف عنها الدم وهي في العشرين أو في الثلاثين أو في أوائل الأربعين أو نحو ذلك.

    فهنا اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

    ذهب جمهور الفقهاء إلى أنها تمكث في ذلك تسعة أشهر وهو زمن الحمل، ثم بعد ذلك تلبث بعد ذلك ثلاثة أشهر, وإذا حاضت ثلاثة قروء، وإذا لم تحض فإنها تعتد كحال الآيسة، وهذا القول هو قول عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى وذهب إليه جمهور الفقهاء، قد رواه الإمام مالك في كتابه الموطأ، و ابن أبي شيبة في كتابه المصنف، ورواه أيضاً عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى أنه قال: المرأة إذا حاضت حيضة ثم حاضت أخرى ثم ارتفعت حيضتها تمكث تسعة أشهر ثم إن حاضت فتحيض ثلاثاً أو إذا لم تحض فتبقى ثلاثة أشهر، وهذا هو القول الصحيح.

    والقول الثاني: هم الذين يقولون: إنها تنتظر حتى الإياس؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل المرأة على أحوال: إما حائض وإما غير حائض، كأن تكون المرأة صغيرة، وإما آيس وإما حامل، فلا يوجد بين هذه, فإما أن تنتظر إلى إياس، فتأخذ حكم الآيس، وإما أن تكون حائضاً فتأخذ حكم الحائض، وإما أن تكون حاملاً فتأخذ حكم الحامل، أو تكون ليست بذات حيض فتأخذ حكمها، قالوا: فتنتظر الإياس بذلك وهي أقرب إليه, وهذا أمر فيه ضرر، خاصة أنه لا مستند له من الشريعة, وقد ذهب إلى هذا بعض الفقهاء كما هو قول أبي حنيفة وقول الإمام الشافعي عليهما رحمة الله إلا أن الأدلة والأصول الشرعية على خلافه, ويكفي في ذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى وهو أعلى ما جاء في هذه المسألة، وقوله أولى بالإتباع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في المسند والسنن من حديث العرباض قال: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ) , وهذا من سنتهم وقضائهم، وهو أقرب إلى القول من قول غيرهم ممن جاء بعدهم، سواء كان ذلك من الصحابة أو التابعين، خاصة أنه يوافق الأصول الواردة في عدم الضرر باعتبار أن الانتظار لحد الإياس لا حد له ولا ضابطـ، فكم تنتظر عاماً أو عامين أو ثلاثة أو نحو ذلك، فهذا فيه شيء من الإضرار عليها؟

    المراد بما خلقه الله في أرحام المطلقات ونهيهن عن كتمانه

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ [البقرة:228]، ما خلق الله جل وعلا في أرحامهن على نوعين:

    النوع الأول: الحيض والطهر، وكلها مخلوقة.

    النوع الثاني: الحمل.

    وبكل هذين القولين قال المفسرون فقد فسره بالأول جماعة من المفسرين كـعكرمة و النخعي وغيرهم، وفسره بالثاني جماعة من المفسرين من السلف، كـعمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، وكذلك جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله.

    ونقول: إن تفسير السلف في هذا هو من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، فيدخل في ذلك الحمل، ويدخل في ذلك الحيض، ويدخل في ذلك الطهر، فلا يحل للمرأة إذا علمت أنها حائض أن تكتم حيضها فتقول: إني طاهر, أو إذا كانت طاهراً فتقول: إني حائض وهي طاهر.

    وكذلك: إذا كانت حاملاً لا تقول: إني لست بحامل، أو كانت ليست بحامل تقول: إني حامل، فيجب عليها أن تبين ما في بطنها، وكتمانها في ذلك حرام، ولهذا يقول الله جل وعلا: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ [البقرة:228]، أي: يحرم عليهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن.

    والله سبحانه وتعالى إنما نسب الأمر إليه في قوله جل وعلا: مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ [البقرة:228]، يعني: أنه أمر إلى الله سبحانه وتعالى ليس للإنسان، فلا يملك الإنسان منه شيئاً، فيجب عليه أن يبين حاله لمن له حق في ذلك، فهذا حق لله جل وعلا غالب، ولو كان للإنسان في ذلك منه نصيب جعله الله جل وعلا له إلا أنه حق للزوجين.

    ولهذا قال غير واحد من السلف: يجب على الزوجة أن تبلغ زوجها برسول ولو لم يسألها عن حالها، عن ابتداء حيضها وانتهائه، وعن حملها أو عدم حملها مما يستبين من أمرها, ولهذا يقول الله جل وعلا: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:228]، وهذا التغليظ باعتبار أن مثل هذا الأمر لا يوصل إليه إلا عن طريق المرأة ذاتها، وهذا أمر تؤتمن عليه ولهذا غُلظ فيه، وذكرت بالإيمان بالله جل وعلا، وأن مثل هذا الأمر دليل إذا خالفت أمر الله جل وعلا فيه، فإن هذا قرينة على ضعف الإيمان بالله واليوم الآخر.

    وذلك لعظم اللوازم المتعدية في هذا، فإنه فيه انتفاء نسب ابن، وكذلك فيه إضرار بزوج من جهة أنه قد يريد المراجعة إذا كانت حاملاً فكتمت أمرها وتركها وتزوج غيرها، ولو علم أنها حامل لأرجعها، ولكنها لا تريد إرجاعه, أو تكذب لا تكون حاملاً، فتقول: إني حامل تريد أن ترجع أو نحو ذلك.

    وهذه من الأمور المحرمة باعتبار أن الحق في ذلك للزوج والزوجة، فوجب في ذلك أن تكون المرأة على صدق وأمانة، ولهذا يقول الله جل وعلا: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:228].

    أحوال رد الزوج زوجته

    وقول الله سبحانه وتعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا [البقرة:228]، رد الزوج لزوجته على حالين:

    الحالة الأولى: أن يريدا إصلاحاً، فإرادة الإصلاح يستحب معها الإرجاع، والاستحباب يكون في ذلك للزوج وللزوجة, للزوجة أن لا تمتنع من إرجاع زوجها، وللزوج أن يُقدم على إرجاع زوجته إذا كان هذا مقصده، فهذا يتأكد في حقه الإرجاع، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا [البقرة:228]، يعني: إذا غلب على ظنهم أن يتصالحوا في ذلك وأن تسير أمورهم إلى خير.

    وأما الحالة الثانية: إذا أراد الإضرار بالزوجة، أن يمسكها فيسيء إليها في المعاشرة، ويضر بها في النفقة، ويضر بها من جهة الأمد، فيرجعها يريد أن لا تتزوج بعده، ويحبسها ويهجرها أو يبقيها ثم يطلقها لتستأنف عدة بعد ذلك، فيريد الإضرار بها، وهذا نهى الله جل وعلا عنه ذلك في قوله سبحانه وتعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا [البقرة:231] .

    وذلك لتعتدوا عليهن ببعض حقهن الذي جعله الله جل وعلا لهن أو ربما المرأة تريد الإصلاح والزوج لا يريد الإصلاح، فيقال: إن الأمر يتجه في هذا إلى الزوج بذاته؛ لأنه هو الذي يملك العصمة، وإذا شك الزوج في رجحان رأيها على رأيه، أو رأيه على رأيها، فإنه يجعل في ذلك حكماً يفصل في مصلحة الرجوع، ولو قضى في ذلك فيما يرى ديانة لله جل وعلا فالأمر إليه؛ لأن الصلاح إذا كان من جهة واحدة فإنه لا يتم حتى يكون من جهتين، ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا [البقرة:228]، من جهة الرجوع، وصلحن هن بهذا الرجوع، فإن ذلك من الأمور المتأكدة.

    معنى قوله: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)

    وفي قول الله جل وعلا: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228] اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في المراد بالذي لهن، الله سبحانه وتعالى قبل ذكر ما للزوجة ذكر: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة:228]، جعل للأزواج حقاً، وذلك بإرجاع الزوجة من غير إذنها، يعني: ما دامت في العدة، ولهذا يقول الله جل وعلا: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228]، يعني: إذا كانت المرأة في عدتها فله أن يرجعها من غير إذنها.

    ولما جعل الله عز وجل هذا الحق للزوج كذلك للزوجة حق تقابل ذلك الحق، والحق الذي جعله الله عز وجل للزوجة هو ثمة أمور قد اتفق عليها، وثمة أمور هي موضع خلاف.

    مما اتفق عليه من حق الزوجة في حال إرجاع زوجها لها: النفقة، والكسوة، والمعاشرة بالمعروف، فهذا محل اتفاق عند الفقهاء، ولا خلاف عند السلف والخلف فيه.

    وفسر غير واحد من السلف هذا المعنى بذلك، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:5] . قال غير واحد من المفسرين من السلف وجاء عن عبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر و عكرمة أن المراد بالسفهاء هو الصبي الصغير والمرأة، قالوا: ويجب على الزوج أن ينفق عليهم وأن يكسوهم وأن يقول لهم قولاً معروفاً، وهو حسن العشرة، ونهى الله عز وجل عن سوئها وهذا محل اتفاق ولا خلاف في ذلك.

    وأما ما كان من أمور الخلاف فهذا أمور كثيرة، ومنها ما يتعلق بمسألة ما بين الزوجين من جهة الخدمة، هل يجب عليه أن يجعل لها خادمة تعينها على شأنها؟ وهل يجب على الزوجة أن تخدم زوجها بشيء من الطبخ أو الكنس أو الغسل أم لا؟

    هذا موضع خلاف، جمهور العلماء على أنه لا يجب عليها، ويجب عليه أن يأتي بمن تعينها، وهذا قول الجماهير وهو الأرجح، لأن الأصل في العقد هو الاستمتاع، وليس المراد بذلك هو الغسل والكنس.

    ذهب الإمام مالك رحمه الله وهو قول جماهير الفقهاء من المالكية إلى وجوب خدمة الزوج.

    وفي قول الله جل وعلا: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228]، المراد بذلك هي القوامة، ويأتي معنا الكلام على مسألة قوامة الرجل، والكلام على حدها وضابطها في ذلك، وكذلك فضل الله عز وجل على الرجال بالنسبة للنساء، وشيء من أمثال هذه المسائل.

    الأصل في الحقوق بين الزوجين من حيث المساواة

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228]، يعني: الأصل في ذلك هو التساوي وإن اختلفت أجناس الحقوق، فالله جل وعلا قد جعل ما للمرأة للزوج، كل واحد له شيء وعليه شيء على حد المماثلة من جهة الحقوق وإن تباينت الأجناس، فهو الذي ينفق، ولها حق عليه.

    وكذلك الله جل وعلا قد جعل للرجال درجة، وهذه الدرجة هي تفسيرها بالقوامة، والقوامة لها آية أخرى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، يأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى.

    ختم آية أحكام الطلاق بقوله: (والله عزيز حكيم)

    وفي قول الله جل وعلا: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:228]، أي: أن الله سبحانه وتعالى عز ففصَّل لعباده أمرهم وشأنهم، وحكيم في أمثال قضائه سبحانه وتعالى لعباده، ربما يظهر للعباد من الحكمة والعلة في بيان شرعة الله جل وعلا، وربما لا يتضح لهم ذلك فوجب عليهم أن يسمعوا ويطيعوا.

    ولهذا نجد أن الله سبحانه وتعالى إذا ذكر أحكاماً شرعية تتعلق بالأمم أو تتعلق بالناس أو تتعلق في أمور المشاحة أن يعقبها بشيء يشير إلى حكمته سبحانه وتعالى، يعني: أن الإنسان لا يدرك ذلك ربما لوجود المشاحة لخط نفسه، والله سبحانه وتعالى يعلم أن ذلك من صالح العباد ولو لم يدركوه ويروه بأعينهم، إلا أن أمر مآل الناس والأزواج، والأمة في مثل هذا إلى خير، فالله سبحانه وتعالى حكيم.

    والمراد بالحكمة هو وضع الشيء في موضعه، أي: أن الله جل وعلا قد وضع هذه الأشياء في مواضعها لصالح العباد.

    أسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق والهداية والسداد, إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.