إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الجنائز [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ورد في قراءة سورة (يس) على الموتى أحاديث حكم عليها العلماء بالضعف بسبب النكارة في سندها ومتنها، وورد في مسألة تغسيل الزوج لزوجته زيادة حكم عليها العلماء بالإنكار، وكذلك ما يتعلق باتباع جنازة الكافر ، فللعلماء رحمهم الله كلام في أسانيدها ومتونها، وبيان ما خفي من عللها.

    1.   

    حديث معقل بن يسار في قراءة (يس) على الأموات

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنشرع في هذا المجلس في الكلام على كتاب الجنائز، وما في ذلك من أحكام:

    أول أحاديث الجنائز: هو حديث معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اقرءوها، يعني: (يس) على موتاكم ).

    هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في كتابه المسند وأبو داود و الدارمي وغيرهم من حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان وليس بـالنهدي عن أبيه عن معقل بن يسار عن رسول الله صلى الله وعليه وسلم.

    هذا الحديث معلول بعدة علل: وهو خبر منكر:

    أول هذه العلل: أن هذا الحديث لا يعرف إلا من طريق الجهالة هذه من حديث أبي عثمان عن أبيه عن معقل بن يسار وجاء من طرق مطروحة جداً، ولكن نقول: ما يدخل في دائرة الاعتبار عادة.

    وتقدمت الإشارة معنا: أن الأحاديث إذا جاءت بإسناد ضعيف جداً فإنه لا يحفل به ولا يجعله العلماء في أبواب المتابعات والشواهد، وإذا قال العلماء: إن هذا الحديث لا يعرف إلا من طريق فلان، فوجد من طريق شديدة الضعف وواهية، فإنه ليس لأحدٍ أن يستدرك على من أعل الحديث بالتفرد من هذا الوجه، وقد نبه على هذا جماعة من العلماء.

    فهذا الحديث يرويه سليمان التيمي عن أبي عثمان عن أبيه عن معقل بن يسار .

    وجاء أيضاً من وجه آخر عند الإمام أحمد رحمه الله من حديث معتمر بن سليمان عن أبي عثمان عن رجل عن أبيه عن معقل بن يسار عن رسول الله صلى الله وعليه وسلم.

    وهذا أيضاً يرجع فيه إلى الجهالة، فإن هذا الحديث تفرد به أبو عثمان عن أبيه عن معقل بن يسار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    فهذا الحديث على ما تقدم يرويه التيمي واختلف عليه فيه: فرواه عبد الله بن المبارك و يحيى بن سعيد القطان كلهم عن سليمان التيمي وجعلوه مرفوعاً.

    ورواه يحيى بن سعيد القطان من وجه آخر عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن أبيه عن معقل بن يسار وجعله موقوفاً عليه ولم يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    وهذا اضطراب في الإسناد مع ضعفه، ومع ورود الجهالة فيه.

    ولهذا نقول: إن هذا الحديث منكر، وعلته الوقف، والجهالة في إسناده في طبقتين: في رواية أبي عثمان ، وكذلك أيضاً عن أبيه، فهذه علل.

    إضافة إلى النكارة المتنية، والنكارة المتنية في هذا: أن في أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقراءة (يس) على الموتى بقوله: ( اقرءوها على موتاكم ) يلزم فيه أن يثبت بإسناد قوي، وهو شبيه بما جاء بتلقين الميت لا إله إلا الله، فينبغي أن تثبت بهذا الإسناد، وهي لم تقارب هذا الإسناد فضلاً أن توازيه، وهذا من وجوه النكارة، والأصل في قواعد العلل: أن الحكمين إذا توازيا أو تساويا في الأمر والمنزلة، وجب إن لم يتساويا أن يتقاربا في الإسناد.

    ولو لم يكن ثمة تلقين للميت أصلاً بلا إله إلا الله وغيرها وجاء هذا الحديث ولو كان بإسناد فيه لين، أو أمتن من هذا لاحتمل أن يقبل، وألا يعل، ولكن لما وجد حديث: لا إله إلا الله، فإنه يعله، وذلك لو كانت (يس) تقرأ على الميت لقرنت بلا إله إلا الله في حديث لا إله إلا الله، فدل على نكارة هذا الحديث وهو حديث معقل بن يسار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    ويقول الدارقطني رحمه الله: هذا حديث ضعيف، وليس في الباب شيء صحيح يعني: في تلقين الميت (يس)، والأظهر أنه لا يثبت في سورة (يس) فضلٌ ولا حكمٌ عن رسول الله صلى الله وعليه وسلم، فلا فضل لها عن غيرها من بقية السور، ولا حكمٌ يتعلق بشيء من الأحكام من أمور تلقين الميت أو قراءتها عند النوم أو غير ذلك، والأحاديث الواردة في هذا ضعيفة ولا تصلح للعمل فضلاً عن الاحتجاج، ولهذا نقول: لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في تلقين الميت إلا لا إله إلا الله، وأما بغير التلقين مما جاء من الاستغفار للميت بعد موته أو عند قبره والدعاء له، فهذا أمر آخر، وليس من أمور التلقين.

    وعلى هذا نعلم نكارة ما يروى في هذا من قراءة الفاتحة عند الميت أو بعد موته، فهذا لا أصل له عن النبي عليه الصلاة والسلام لا بإسناد صحيح ولا بإسناد ضعيف.

    1.   

    حديث: (ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ..)

    الحديث الثاني: هو حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى أنها قالت: ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البقيع فرجع وكان ذلك في وجعه عليه الصلاة والسلام في آخر حياته، قال: ثم رجع وأنا وجعةً فأقول: وا رأساه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: بل أنا وا رأساه. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام لها: ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك، فقالت عائشة عليها رضوان الله تعالى: لو كان ذلك لرجعت إلى بيتي وعرست ببعض نسائك، فضحك وتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ).

    أصل القصة في الصحيح وفيه إشارة إلى شدة غيرة المرأة، النبي صلى الله عليه وسلم يشير لـعائشة عليها رضوان الله تعالى إلى أنها لو ماتت قبله فإنها ستنال أعظم تغسيل وتكفين وذلك لكونه من يد النبي عليه الصلاة والسلام وكذا دعائه وصلاته؟ ولكنها فكرت بأمرٍ آخر، ولهذا جاء في البخاري من حديث القاسم بن محمد عن عائشة قالت: لما قال لها في هذه القصة: قالت: ( والله لا أظنك إلا تحب موتي، ولو رجعت إلى بيتي لعرست ببعض نسائك ).

    ثم مات النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك ولم يطل بقاؤه.

    هذا الحديث فيه زيادة في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما ضرك لو متِ قبلي فغسلتك وكفنتك، ثم صليت عليك ).

    في هذا الحديث زيادة لفظ: ( فغسلتك ).

    هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في سننه، وأخرجه الدارقطني والبيهقي و الطبراني وغيرهم من حديث محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة عليها رضوان الله تعالى.

    وهذا الحديث تفرد بذكر الغسل هنا محمد بن إسحاق، والحديث محفوظ من غير ذكر الغسل، وإنما جاء فيه لفظ: التهيئة: ( هيئتك واستغفرت لك ) كما جاء في رواية صالح بن كيسان ويأتي الكلام عليه.

    وجاء بالاستغفار قال: ( فاستغفرت لك ) كما في حديث القاسم بن محمد عن عائشة عليها رضوان الله تعالى.

    هذا الحديث وقع فيه اختلاف على محمد بن سلمة :

    رواه الإمام أحمد في المسند وعمرو بن هشام الحراني و أحمد بن بكار كلهم يروونه عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق بهذا الإسناد السابق، وخالفهم في ذلك محمد بن أحمد الصيدلاني فرواه عن محمد بن سلمة فذكر واسطة في ذلك بين عبيد الله و عائشة قال: عن عروة عن عائشة .

    والأرجح في ذلك هي رواية الجماعة عن محمد بن سلمة .

    فالنكارة في هذا الحديث هي بذكر الغسل قال: ( فغسلتك ) فهو يتضمن مسألة من المسائل وهي: أن الزوجة إذا ماتت وزوجها حي هل تحرم عليه أم لا من جهة كشفها ومسها لغسلها ونحو ذلك؟ هذه من مسائل الخلاف ومن أجاز ذلك استدل بإيراد هذا الحديث:

    جمهور العلماء: يرون جواز غسل الزوج لزوجته بعد موته خلافاً لـأبي حنيفة وجماعة من الفقهاء من أهل الرأي من أهل الكوفة الذين يقولون: بأن المحرمية تنتهي، لأنه لا يعلم أتكون زوجته يوم القيامة في الجنة أو ليست بزوجته، فلا يعلم ما يختم له ولهذا قالوا: فربما كانت زوجة لغيره، قالوا: فيحرم عليه حينئذٍ أن يغسلها.

    نقول: هذه الزيادة منكرة في هذا الحديث، والعلة في ذلك في ابن إسحاق، ابن إسحاق صدوق، لكن له مفاريد في الأحكام، فما يتفرد به في الأحكام فيُرد، وما يوافق فيه الثقات ويجري على الأصول فيقبل إذا صرح بالسماع وهنا قد صرح بالسماع في هذه الرواية كما عند البيهقي في الشعب، وعند أبي يعلى في كتابه المسند وغيره، فإنه قد صرح بسماعه من يعقوب بن عتبة ورواه بالوجهين:

    تارة يرويه عن يعقوب بن عتبة عن ابن شهاب الزهري .

    وتارة يقول: حدثني ابن شهاب فهو قد سمع من ابن شهاب الزهري وهو في ذاته صدوق.

    وأما مالك رحمه الله في محمد بن إسحاق : بأنه يكذب، وذلك أنه روى عن زوجة هشام بن عروة يقول محمد بن إسحاق قد حدث عن زوجة هشام بن عروة يقول: أخبرتني زوجة هشام بن عروة قال هشام بن عروة: زوجتي لم يرها رجل فكيف يحدث عنها.

    قال الإمام مالك رحمه الله في محمد بن إسحاق : يكذب، فنقل قوله: يكذب لأجل هذه القصة، وانظروا التماس الإمام أحمد رحمه الله لـمحمد بن إسحاق العذر في هذا مع أن زوجها ينفي، يقول الإمام أحمد رحمه الله: هو لا يكذب، فربما كانت في طريق فسمعها تحدث، أو سمعها تحدث غيره من النساء أو نحو ذلك، وهذا فيه غاية في إحسان الظن فيمن ثبتت عدالته، وربما كان في طريقه وهي تحدث امرأة، فعلم أن هذه زوجة فلان، أو قيل له: إن هذه زوجة فلان، أو سأل عنها، فقال: سمعتها أو كان في سوق، أو نحو ذلك، فسمع منها شيئاً فلم تكن مقصودة بالجلوس والتحديث للناس.

    ولهذا نقول هو في ذاته صدوق، وما يتفرد به فيما يخالف فيه الثقات فيُرد منه هذه الزيادة.

    ويعضد أن هذه الزيادة منكرة: أن هذا الحديث روي من غير طريق محمد بن إسحاق من غير ذكر الغسل فيها.

    فقد رواه الإمام أحمد في المسند والنسائي في السنن من حديث صالح بن كيسان عن ابن شهاب الزهري عن عروة عن عائشة عليها رضوان الله تعالى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( فهيئتك وصليت عليك ).

    وقوله: هيئتك أمر عام، قد يكون مباشرة بنفسه أو بغيره أو نحو ذلك.

    ويعضد أن فيه نكارة: أن البخاري رحمه الله أخرج هذا الحديث من حديث القاسم بن محمد عن عائشة عليها رضوان الله تعالى: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( فاستغفرت لك ) ولم يذكر الغسل فيه.

    وهذا دليل على أن البخاري رحمه الله يميل إلى إنكار ذكر الغسل في حديث عائشة عليها رضوان الله، وأن تفرد محمد بن إسحاق في ذلك هو سبب النكارة، وعادة في أهل السير أنهم يزيدون في تفاصيل المضمرات، ومن ذلك: أن أهل السير والتاريخ وأهل الحكايات يذكرون ما هي أشياء معلومة، أو غالبة في الظن، كالذي يرتحل من الشام أو العراق إلى مكة، فيأتيه خبر أنه سافر فلانٌ من الشام أو من العراق إلى مكة، ثم يزيد على هذا، ويقول: مر ببلدة كذا، ومر ببلدة كذا، و ابن إسحاق إمام في السير، فربما ذكر التفاصيل؛ لأنه اعتاد في أبواب السير على ذكرها، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( فهيئتك ) فحمل التهيئة في ذلك على الغسل، والتكفين والحمل، وغير ذلك مما هو معتاد.

    أما التنصيص لكونه يبنى عليه حكم فهذا يفتقر إلى النص الذي يحتاج فيه إلى دليل حتى تحسم هذه المسألة، فنقول حينئذٍ: إن ذكر الغسل هنا منكر وعدم ذكره وإنكاره أيضاً في هذا الحديث لا يعني القول: إن الزوج لا يغسل زوجته، فهذه مسألة أخرى.

    ويكفي فيها: أنه لم ينه عنها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، مع ورودها في ذلك من جهة العمل حيث تموت النساء ولم يذكر في ذلك نهي أن الزوج لا يدنو منها وهو أقرب الناس إليها.

    والرجل تموت زوجه ويحملها أو ربما يطببها عند احتضارها، ولم يثبت في ذلك نص أنه عند العلم بموتها ألا يمسها، وعليه أن يحجبها ونحو ذلك، فمثل هذا لو ثبت لنقل واستفاض، بل إن عدم نقل ذلك في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كافٍ في بقاء المحرمية في ذلك.

    1.   

    حديث: (أوصت فاطمة بنت رسول الله أن يغسلها زوجها علي ...)

    الحديث الثالث: حديث أسماء بنت عميس عليها رضوان الله تعالى أنها قالت: أوصت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغسلها زوجها علي بن أبي طالب قالت: وأنا، يعني: أسماء، قالت: فغسلناها.

    هذا الحديث أخرجه الدارقطني و البيهقي في سننهم من حديث عبد الله بن نافع عن محمد بن موسى عن عون بن محمد عن أمه عن أسماء بنت عميس .

    وهذا الحديث منكرٌ أيضاً، أنكره الإمام أحمد رحمه الله، وسبب إنكاره: أنه رواه عبد الله بن نافع عن موسى بن محمد، و عبد الله بن نافع ضعيف الحديث، ضعفه غير واحد من العلماء كـابن معين و النسائي وغيرهم.

    وإخراج الدارقطني رحمه الله لهذا الحديث في سننه إعلال له أيضاً.

    وكذلك حديث أسماء أيضاً لكن من وجهٍ آخر: أن فاطمة عليها رضوان الله تعالى أوصت قالت: سنغسلها وزوجها علي عليه رضوان الله قالت: فماتت فغسلناها.

    أخرجه الشافعي في كتابه الأم من حديث إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي عن عمار عن أم محمد بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب عن أسماء بنت عميس وهي جدتها جدة بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب أسماء بنت عميس .

    وهذا الحديث أيضاً حديث منكر، وذلك لتفرد إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي به وهو ضعيف الحديث جداً، وقد كذبه غير واحد من العلماء، وكذلك في إسناده جهالة، فإنه ترويه أم محمد بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب عن جدتها أسماء ، وهل يقال: بأن هذا الحديث يصلح متابعاً للحديث السابق، وذلك أنه تفرد به في الأول بوجهه السابق عبد الله بن نافع ، عن موسى بن محمد عن عون بن محمد عن أمه عن أسماء ؟

    نقول: إن ضعف الحديثين شديد، وذلك أن الأول معلول بعلل منها: عبد الله بن نافع الذي تفرد بهذا الحديث وهو أشد ضعفاً، كذلك أيضاً في إسناده جهالة.

    الثاني: تفرد به إبراهيم وهو شديد الضعف، وفي إسناده جهالة أيضاً، وهاتان العلتان إذا اجتمعتا في حديث واحد شدد في عدم قبوله.

    فيقال حينئذٍ: إن الواحد منهما لا يعتضد بغيره فضلاً أن يقوم بنفسه.

    1.   

    حديث أم ثابت بن قيس النصرانية: (اركب راحلتك أو دابتك أمامها ...)

    الحديث الرابع: هو حديث كعب بن مالك عليه رضوان الله: ( أن ثابت بن قيس توفيت أمه وكانت نصرانية، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يحضر جنازتها فقال النبي صلى الله وعليه وسلم: اركب راحلتك أو دابتك أمامها، فإنك إن كنت أمامها لم تكن معها ).

    هذا الحديث رواه أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه كعب بن مالك أن ثابت بن قيس وذكره.

    وهذا الحديث حديث منكر جداً، وذلك أنه تفرد به أبو معشر يرويه عن محمد بن كعب القرظي وهو واهي الحديث، وضعيف الحديث جداً.

    ثم إن في المتن نكارة، وهي: حضور الجنازة ولو كانت كافرة خاصة من وليها لمن يقوم عليها أدنى أحواله الجواز، وذلك أن الميت إذا كان كافراً، ثم أريد دفنه فمن يدفنه إلا من حضر جنازته، فهل يترك، واستئذانه بالحضور : هو أن يأتي مع الجنازة حتى تدفن، وذلك وإن لم يكن في مقابر المسلمين، فكان في مقابر غيرهم فإن هذا من الأمور المستفيضة من جهة العمل، ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن زيارة قبر مشرك، بل ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي ).

    وكانت قبور المشركين ممن كانوا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام من أهل الفترة، ومن كان بعد ذلك يدفنون في المدينة كل في بلده، وقبورهم معلومة، وكذلك قبور يهود كانت في المدينة بغض النظر عن كون هل للقبر حرمة أو ليس له حرمة.

    نحن نتكلم على مسألة زيارة تلك المقابر واتباع الجنازة، وذلك أن اتباع الجنائز له مقاصد منها: طلب الأجر في التشييع، وهذا يكون في المسلم لا في الكافر، فإذا تبع مسلم جنازة مشرك كيهودي أو نصراني أو وثني يرجو من ذلك الأجر فإننا نقول: هذا عمل باطل، فلا يرجى في مثل هذا الأجر، ولكن في مسألة دفنه دفعاً لأذاه يؤجر على نية دفع الأذى ولا يؤجر على مسألة الاتباع، ولا يأخذ الحكم في ذلك في مسألة الغسل، وكذلك أيضاً التكفين وغير ذلك من الأحكام فهي خاصة بالمسلمين.

    أما الأحكام الأخرى من التذكير بالآخرة وغير ذلك: فلا حرج على المسلم أن يقف على جنازة ميت ولو كان مشركاً ليعتبر، ولهذا ثبت ( أن النبي عليه الصلاة والسلام مرت به جنازة مشرك فقام، فقيل له: إنها جنازة مشرك، فقال النبي صلى الله وعليه وسلم: إن للموت لفزعاً ).

    وجاء في رواية عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( أليست نفساً ).

    وفي هذا إشارة إلى أن ما يتعلق بشهود دفن مشرك في هذا لا تشييع الجنازة وإنما الاعتبار، كذلك المرور بقبر مشرك للاعتبار هذا مما لا يقال بالنهي عنه، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة وتزهد في الدنيا ).

    وهذا في جميع القبور سواءً كانت من قبور المسلمين، أو كانت من قبور المشركين، فإذا جاء أحدٌ ومر على المقبرة، وقيل: هذه مقبرة للجاهليين أو كانوا من المشركين أو نحو ذلك فأراد أن يتعظ عند المرور عليها فيدخلها ويتعظ بها، ولكن لا يقول ما يتعلق بالمسلمين من الدعاء لهم: ( أنتم السابقون ونحن إن شاء الله بكم لاحقون ) فهذه أحكام تتعلق بقبور المسلمين.

    ولهذا نقول: إن هذا الحديث منكر من جهة إسناده بتفرد أبي معشر بروايته لهذا الحديث، وكذلك النكارة المتعلقة بمتنه، وذلك أنه يخالف ما جرى عليه في الأصول من أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استأذن ربه أن يزور قبر أمه فأذن له، ومعلوم أن زيارة القبر الذي قد مات صاحبه إن لم يكن في قصدك لذلك حاجة، وأنت تعلم أنه ميت جائز، فدل على أن حضور جنازة المشرك، أو عناية الابن بجنازة أبيه، أو أمه المشركة لدفنها أن هذا من جهة الأصل من الأمور الجائزة، ولا يقال: بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، ولكن نقول: الأحكام لا تتعلق بها، ومن ذلك المشي خلف الجنازة، وكذلك المسائل المتعلقة بالحمل والأجر في ذلك والتكفين والأجر في ذلك، والغسل والأجر في ذلك، وما يتعلق بالاحتياط في مسائل التوجيه إلى القبلة، وكذلك اللحد والشق وأيهما أفضل، هذه كلها تتعلق بقبور المسلمين.

    أما بالنسبة لغيرهم: فيقال حينئذٍ: إن التكليف في ذلك هو بدفنهم، باعتبار أن هذه سنة فطرية فطر الله عز وجل عليها الناس، وكذلك فيه دفع للأذى الذي ربما يكون من تلك الجنازة لو أبقيت على وجه الأرض.

    والله أعلم.

    ونتوقف عند هذا الحد، ونكمل في المجلس اللاحق بإذن الله عز وجل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.