إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الصلاة [6]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وردت عدة أحاديث تنهى عن السدل في الصلاة ولا تصح جميعها، ولهذا قال ابن المنذر: لا يثبت في النهي عن السدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث. وأصح ما ورد أثر عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه، كما ورد النهي عن تغطية الفم في الصلاة لكنه لم يثبت وكان العلماء يكرهون ذلك لأنه ينافي الأدب.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وهو مسبل إزاره فأمره رسول الله أن يتوضأ وأن يعيد الصلاة)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنتكلم على جملة من الأحاديث المتعلقة بالصلاة، وهي معلولة عند العلماء وموضع خلاف في الاعتبار بها.

    أول هذه الأحاديث: حديث أبي هريرة عليه رضوان الله: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وهو مسبل إزاره، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ وأن يعيد الصلاة, ثم صلى، ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ وأن يعيد الصلاة، وفي الثالثة قال له رجل: يا رسول الله! لم نهيته عن الصلاة وأمرته أن يتوضأ وأن يعيد الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه صلى وهو مسبل, ولا صلاة لمسبل إزاره ) .

    هذا الحديث أخرجه أبو داود في كتابه السنن، وهو من مفاريد أبي داود في السنن، من حديث أبان بن يزيد العطار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر المدني عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    علة حديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسبل إزاره بإعادة الوضوء والصلاة

    وهذا الحديث معلول بعدة علل، منها: علل إسنادية، ومنها: علل متنية، أما العلل الإسنادية فإن هذا الحديث تفرد به أبو جعفر المدني عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, و أبو جعفر المدني لا تعرف حاله، ومثل هذا المتن جليل القدر الذي تضمن حكماً عظيماً ينبغي ألا يتفرد به مثله، وهذه علة أخرى.

    إذاً: العلة الأولى: هي جهالة أبي جعفر المدني.

    العلة الثانية: هي تفرده بمثل هذا الخبر، وذلك أن الجهالة في ذاتها ليست علة يرد بها الحديث على الدوام، وإنما هي علة غالبة، ولكن قد يصحح أو يحسن الحديث وفيه راوٍ مقل أو مستور، وربما كان مجهولاً من جهة حاله؛ لاحتفاف جملة من القرائن بمرويه تدل على قبول الخبر، ولكن مثل هذا المعنى جليل القدر، فينبغي ألا يتفرد به مثله.

    و أبو جعفر المدني لا يعرف، وبعضهم قد جعله محمد بن علي بن الحسين الباقر وفي هذا نظر، ذكر ذلك بعض المحدثين، و أبو جعفر المدني يروي عن عطاء ، وأما بالنسبة للباقر فله رواية عن أبي هريرة عليه رضوان الله.

    وهذا الحديث معلول بعلة أخرى إسنادية وهي العلة الثالثة: أنه وقع في إسناده اضطراب، فتارة يجعل من مسند أبي هريرة ، وتارة يقال عن رجل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رواه أبان بن يزيد العطار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر المدني عن عطاء عن أبي هريرة، فجعله من مسند أبي هريرة ، خولف في ذلك رواه هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر عن عطاء عن رجل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث قد أخرجه الإمام أحمد و النسائي من حديث هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير به، فجعله من مسند رجل صحب النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا إعلال.

    ووجه الإعلال فيه مع أن الصحابي ثقة وعدل وإن كان مجهولاً: أن الأئمة يجعلون التردد في معرفة الراوي علامة على عدم ضبط الخبر، خاصة إذا كان فيه راو هو مظنة الإعلال، كحال أبي جعفر المدني، وأما إذا كان الراوي ثقة وبين الضبط في ذلك ووقع في اسم الراوي عنده شيء من الشك، فإن هذا مما يحمله العلماء عنه خاصة إذا كان ذلك نادراً، وأما إذا كان ثمة علة كحال أبي جعفر وحاله خفية فينبغي أن تجمع القرائن لمثله، ويرد بذلك الخبر.

    ومن القرائن التي تؤيد أن هذا الحديث وقع فيه اضطراب من جهة إسناده بين مسند أبي هريرة ومسند رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: أن أبان بن يزيد العطار قد اختلف عليه فيه أيضاً, فرواه موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي يرويه عن أبان بن يزيد العطار به، وجعله من مسند أبي هريرة ، ورواه غيره وهو يونس بن محمد عن أبان بن يزيد العطار وجعله من مسند رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام, وهذا اختلاف مما يدل على أن أبان بن يزيد العطار لم يرو الحديث على وجه واحد، وإنما رواه على الوجهين.

    وهذا يؤكد لنا أن الاضطراب ليس من أحد الرواة وإنما من أحد الرواة بعد أبي جعفر ، وإنما هو من أبي جعفر ، فيكون الاضطراب من رجل واحد؛ لأن الاختلاف جاء في سائر الرواة عن أبان بن يزيد العطار ، كذلك عن غيره، وهذه العلة هي من القرائن التي يعل بها الحديث.

    وثمة علة رابعة في هذا: وهي أن في سماع يحيى بن أبي كثير لهذا الحديث من أبي جعفر المدني نظر، وإنما قلنا: فيه نظر؛ لأن أبا جعفر مجهول، وسماع الرجل الثبت المعروف من راو مجهول إذا لم يصرح بالسماع يحتاج إلى توقف؛ خاصة إذا كان الراوي ممن يوصف بالتدليس، ومعلوم أن يحيى بن أبي كثير ممن وصف بالتدليس.

    وثمة قرينة ينبغي أن يتنبه لها في أبواب العلل: وهي أن الراوي إذا كان مدلساً وروى عن مجهول فقد أغلق الباب أمامنا بين التأكد من سماعه وإدراكه لأنه مجهول في ذاته، وهذا يجعل القرينة أقوى من جهة عدم سماعه.

    ويؤيد عدم السماع: أن الحديث جاء من وجه آخر من حديث يحيى بن أبي كثير، فذكر واسطة فيه، وذلك أن هذا الحديث جاء من حديث حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن إسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر ، فجعل في هذا الحديث واسطة بين يحيى بن أبي كثير وبين أبي جعفر المدني ، فدل على أن هذه الواسطة التي بين يحيى بن أبي كثير وبين أبي جعفر وهو إسحاق بن عبد الله .

    ويحيى بن أبي كثير ممن وصف بالتدليس، والتدليس يثبت بأمور، منها: أن ينص أحد الأئمة المعتبرين على أن هذا الراوي قد دلس في هذا الحديث ممن قارب زمنه، أو عرف حاله، أو وقف على شيء من مرويه وكتبه كالنقاد الأوائل: أحمد ، و ابن المديني ، و ابن معين ، و البخاري ، و مسلم ، و أبي داود ، و الترمذي ، وأضراب هؤلاء الأئمة، فإن هؤلاء قد وقفوا على كثير من الوجوه وهم أضبط لصيغ السماع من غيرهم.

    ومن وجوه ثبوت التدليس أيضاً: أن يأتي الحديث من وجهين: وجه فيه واسطة، ووجه ليس فيه واسطة، وإذا جاء على الوجهين والراوي ممن وصف بالتدليس، فهذا قرينة على أنه دلس فيه.

    ومن القرائن أيضاً: أن أبا جعفر المدني رجل مجهول, ويروي عنه يحيى بن أبي كثير ، ومثل هذا التنوع في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر المدني ورواية إسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر المدني وعنه يحيى ممن لا يحتمل عن أبي جعفر المدني ، وذلك أن أبا جعفر المدني لا يعرف بالرواية عنه إلا يحيى بن أبي كثير .

    وعلى هذا نقول: لو ثبت الحديث على الوجهين، نقول: إن يحيى بن أبي كثير و إسحاق يرويان عنه، وهذا يرفع شيئاً من جهالته، وجهالته في مثل هذا لو قلنا بثبوت الحديث على الوجهين لا يسعفها المتن في رفعها، إذا رفعناها فالمتن لا يساعد في ذلك، فالمتن ثقيل لا يحتمل لو كان أبو جعفر ثقة ما قبل منه التفرد بمثل هذا الحديث.

    ولهذا أعل هذا الحديث البزار رحمه الله، فإنه قال: هذا الحديث لا يعرف إلا من رواية أبي جعفر المدني عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ، بمعنى: أن هذا الحديث لا يعرف تفرداً إلا بهذه الطبقات الثلاث, وهذا نوع من الإعلال، فإن أبا هريرة له أصحاب كثر يحملون مثل حديثه.

    و عطاء بن يسار له أصحاب كثر يحملون مثل حديثه، والغرابة والتفرد إذا جاء في طبقة متأخرة لمتن جليل فهذا من أمارات النكارة والرد، وكلما تأخرت طبقة المتفرد دل هذا على عدم قبول مرويه؛ لأنه كلما تأخرت طبقة الراوي الذي تفرد بهذا الحديث زاد احتمال كثرة السماع، وأما إذا كان متقدماً فكثرة السماع احتمالها أضعف من ذلك، وإذا تأخر في طبقة متأخرة أن يكون من أتباع التابعين أو من بعدهم، يعني: أن الحديث قد شاع وانتشر، فكل عام يمر عليه يزيد احتمالاً من التحديث به، فلماذا يتفرد به في الطبقة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم يأتي بعد ذلك راو يتفرد به ويكون الراوي مجهولاً؟ وهذا من قرائن النكارة.

    ومن وجوه الإعلال في هذا الحديث متناً: الإشارة في هذا الحديث إلى نقض الوضوء من الإسبال، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( اذهب فتوضأ ) ، هو صلى مسبلاً، ونقض الوضوء من الإسبال ينبغي ألا يرد بمثل هذا الحديث ولا بأحسن منه، بالطبقات إذا تفرد لا يحتمل منه هذا.

    وذلك أننا إذا قلنا: إن الإسبال ناقض فيلزم من هذا اشتهار الحديث ككثير من النواقض؛ لأن الناقض إذا ثبت النقضان دل على أن النقض يقع ولو بالشيء اليسير، فما من أحد إلا ويقع منه إسبال ولو من غير عمد، كحال الإنسان إذا كان يلبس ثوباً ثم جلس أو تهيأ إلى الجلوس أو شيء من الانحناء أو نحو ذلك، فهذا إسبال يسير.

    والنقض يقع في الحكم في القليل والكثير، ثم إن نقض الوضوء بالإسبال لا يتعلق به الحكم في الصلاة، وهنا في ظاهره أنه أمره حينما رآه يصلي، فدل على أن النكارة هنا أظهر، فلا يوجد ناقض للوضوء وللصلاة لا يقع إلا في مثل هذه الحالة، فدل على أن التفرد بمثل هذا المتن مما لا يقبل عند المحدثين، وهو أمر منكر.

    ومن وجوه النكارة في هذا: أن الإسبال مبطل للصلاة، وهذا منكر أيضاً، وإنما قدمنا مسألة نقضان الوضوء من الإسبال على بطلان الصلاة من الإسبال: أن نقضان الوضوء في ذلك ينبغي أن يشتهر أكثر؛ لأن الصلاة قد يؤمر الإنسان بإعادتها بشيء من المكروهات، وينص العلماء على هذا، أما بالنسبة للوضوء فلا، إذا توضأ الإنسان وصح منه الوضوء فلا يقال: يستحب للإنسان أن يعيده؛ لأن أي شيء مما قصر فيه الإنسان إما من استحضار النية على سبيل الدوام أو فوات الذكر أو نحو ذلك.

    وأما بالنسبة للصلاة: فالعلماء يحثون على إعادتها في أحوال حتى لو كانت يسيرة؛ كأن يصلي الإنسان خلف الإمام ولم يعقل من صلاته شيئاً، أو الإنسان شك وهو مأموم، ففي كثير من الصور يؤمر المصلي بأن يعيد، وأما بالنسبة للمتوضئ فلا، ومما يدل على ثبوت النقض إذا ثبت ينبغي أن يكون شديداً.

    كذلك من الوجوه في هذا: أن بطلان الصلاة بالإسبال لو قلنا به ولا نقول به أيضاً: هو أقرب إلى القبول من نقضان الوضوء؟ لأن الإنسان قد ستر عورته بمحرم بخلاف الوضوء فلا شأن لوضوء المسبل بهذا باعتبار أن الإنسان مأمور بستر عورته وهو من شروط الصلاة، فإذا ستر عورته بإسبال فقد ستر عورته بأمر محرم.

    وهذا يجريه بعض العلماء على قاعدة النهي يقتضي الفساد أو يقتضي البطلان؟ ويجعلون ذلك كحال الإنسان الذي يصلي في الأرض المغصوبة أو يصلي بثوب مسروق أو مغصوب فيستر عورته بذلك، وهذه مسألة أخرى، مما يدل على أن الأمر في مسألة الوضوء هو أمر خارج، فالإسبال لا شأن له بمسألة الوضوء، فلو توضأ الإنسان وعليه ثوب مسروق أو مغصوب فلا علاقة له في ورود الحكم عليه؛ لأن الوضوء منفصل ومنفك عن أمر اللباس بخلاف أمر الصلاة، فإذا جاء نقض الوضوء بمسألة الإسبال فينبغي أن يشدد في ذلك أكثر من أمر الصلاة.

    كذلك فإن المكروهات والمنهيات في الصلاة كثيرة بخلاف الوضوء فهي قليلة، ولو جاءت لضبطت؛ وذلك لقلتها بخلاف الصلاة، فإن المنهيات في ذلك أوفر، فربما لو جاء منهي في ذلك أن ينسى مع وفرة هذه المرويات، وهذا ليس تمريراً لقبول هذا الحديث، وإنما هو بيان سبب تقديم علة الحديث بالوضوء من الإسبال لا على إبطال الصلاة من الإسبال.

    وإبطال الصلاة بالإسبال هو من منكرات الحديث، ولا يخلو إنسان من شيء من الإسبال ولو على سبيل الغفلة عرضاً، فلما لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا مثل هذا الوجه دل على نكارته وعدم ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن وجوه النكارة في هذا الحديث: أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى لم يعملوا به لا في نقض الوضوء ولا في إبطال الصلاة، وهذا من أظهر إعلال المتن، أن الحديث إذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجه من الوجوه ولم يعمل به أحد من الصحابة فهذا من علامات نكران الحديث.

    وقد تقدم معنا مراراً أن الحديث إذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلما كان أظهر تعلقاً بعبادات الأفراد وزاد فيهم ولم يعمل به أحد من الصحابة، فهذا إعلال قوي، وإذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس حكمه للعامة وإنما للخاصة أو يبتلى به الخاصة ولم يعمل به الصحابة، فإن هذا دون ذلك مرتبة.

    وعمل الصحابة عليهم رضوان الله معتبر في تقوية الحديث، وقد تقدم معنا الإشارة إلى أن عمل الصحابة يقوي الحديث ويضعفه، ولو كان الرواة أو الفقهاء من الصحابة ليسوا من رجال الحديث، وهذا له أثر في نكارة المتن، وذلك أن الصحابي إذا جاء حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام فإن أول معني بهذا الأمر هم الصحابة؛ خاصة أن الذي روى هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام صحابي معروف مشتهر بالفقه، ومشتهر بالحفظ، وكثرة الأصحاب، وهو أبو هريرة عليه رضوان الله, و أبو هريرة قد تأخرت وفاته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً من نصف قرن، مما يدل على أن مثل هذا المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يرد بمثل هذا الطريق أمارة على نكرانه.

    وكذلك من قرائن الإعلال في الإسناد: امتداد طبقة الرواة زمناً، فإذا كان أبو هريرة عليه رضوان الله امتد أجله بعد النبي عليه الصلاة والسلام وكثرة الناس حوله ولم يروه عنه إلا عطاء بن يسار ، و عطاء بن يسار امتد أجله بعد ذلك ولم يروه عنه إلا أبو جعفر المدني ، وهذا من علامات النكران، وقد تقدم معنا الإشارة إلى شيء من أمثال هذه العلل، مثل حديث أبي هريرة عليه رضوان الله في مسألة من ذرعه القيء، يرويه أبو هريرة ويرويه عن أبي هريرة محمد بن سيرين ويرويه عن محمد بن سيرين هشام بن حسان ، هذا الحديث بقي أبو هريرة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام زمناً، وبقي محمد بن سيرين بعد وفاة أبي هريرة عليه رضوان الله نحواً من نصف قرن لم يحدث به إلا هشام بن حسان.

    ومحمد بن سيرين فقيه والناس يردون إليه، ومثل هذا المتن يتعلق بركن من أركان الإسلام يكتمه نصف قرن ولا يحدث به إلا واحداً إلا أن فيه عدم رضا عن هذا الحديث، بل ينبغي لو كان له سنة أو سنتين أو ثلاثاً أن يحدث به إلى خمسة أو عشرة، ويرويه عنه ويستفيض، وهذا من العلل التي لا يكاد يشار إليها، أن مسائل الزمن بين الرواة لها أثر في الإعلال إذا كان الحديث مما يشتهر عادة، فإذا تأخرت الوفاة بين الاثنين فكلما زادت ينبغي أن يطلب المزيد من الرواة، وكلما اختصرت يعفى عن الزيادة إذا كان المتن ثقيلاً، ومثل هذا الحديث في تأخر وفاة أبي هريرة وامتداد عطاء بن يسار بعد ذلك هذا أمارة على أن الحديث أصل إما أن يكون مركباً أو وهماً في متنه فروي على غير وجهه، أو كان السياق جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام بأن ذلك الراوي رأى النبي عليه الصلاة والسلام أمر رجلاً بأن يعيد الضوء للصلاة، إما أنه رأى عضواً من أعضائه لم يغسله أو نحو ذلك، فظن الناظر أن المقصود في ذلك إسبال، فركب حالة مع حالة، أو فهمه على وجهه فنقله على غير مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولكن أن تكون بمثل هذا السياق وتثبت بمثل هذا المتن ولم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه فعل أو فتيا في ذلك، فهذا أمارة على النكران، ولهذا قد نقل بعض العلماء الإجماع على عدم نقض الوضوء من الإسبال وعدم إبطال الصلاة به.

    1.   

    حديث: (من صلى وهو مسبل إزاره فليس من الله في حلال ولا حرام)

    الحديث الثاني: حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صلى وهو مسبل إزاره فليس من الله في حلال ولا حرام )، هذا الحديث رواه أبو داود في كتابه السنن، وتفرد بروايته، وعنه رواه البيهقي من حديث أبي عوانة عن الأحول عن أبي عثمان عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً، واختلف في رفعه ووقفه، رفعه أبو عوانة ، ووقفه الجمهور من أصحاب الأحول، رواه حماد بن زيد ، و حماد بن سلمة ، و أبو الأحوص ، و أبو معاوية ، و ثابت أبو زيد كلهم خالفوا فيه أبا عوانة، فجعلوه موقوفاً وهو الصواب.

    وهذا الحديث وإن لم يدل على بطلان الصلاة إلا أنا أوردناه في هذا بسبب أن بعض الفقهاء جعلوه عاضداً لحديث أبي هريرة السابق، قالوا: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإسبال في الصلاة لمزيد خصيصة في ذلك، ولهذا قال: ( من أسبل إزاره في صلاته فليس من الله في حلال ولا حرام )، مما يدل على أن الإسبال في الصلاة له حكم مستقل يختلف عن الإسبال في غيره. قالوا: وهذا نهي خاص، والنهي يقتضي الفساد، وجعلوه شاهداً وعاضداً لحديث أبي هريرة .

    ولكن نقول: إن هذا الحديث لا يثبت مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو موقوف على عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله، وإسناده صحيح.

    والمراد بهذا: أن الإنسان مرتكب لأمر مكروه، وحمله بعض العلماء على أن الإنسان أحبط أجره، وهذا مما يأخذ به أهل الرأي من أن صلاة المسبل باطلة، ويعتمدون في ذلك على ما جاء في الحديث السابق، وعلى حديث عبد الله بن مسعود الموقوف، وكثيراً ما يعتمد أهل الرأي على الموقوفات على عبد الله بن مسعود ويفتون بها، ومثل هذا كما تقدم ينبغي أن يلتمس له ما هو أقوى من ذلك، ولا ينبغي الركون إلى شيء من الموقوفات، وهذا لو قلنا: إن ظاهر الحديث هو البطلان، مع أنا لا نسلم بهذا.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه)

    الحديث الثالث: حديث أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه )، هذا الحديث أخرجه أبو داود و البيهقي وغيرهم من طرق متعددة على اختلاف في الوجوه بين هؤلاء المخرجين عن أبي هريرة، فقد جاء من حديث سعيد بن أبي عروبة عن الأحول عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ، وهذا الحديث قد خولف فيه سعيد بن أبي عروبة، فرواه هشيم بن بشير السلمي عن عامر الأحول عن عطاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلاً، والصواب في ذلك الإرسال.

    وهذا الحديث معلول بعلة أخرى أيضاً، وهي: أن راوياً من رواة هذا الخبر عطاء بن أبي رباح وثبت عنه الإكثار من السدل في الصلاة، كما جاء في المصنف من حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج قال: ما أكثر ما رأيت عطاء يصلي سادلاً، وهنا ليس مرة أو مرتين وإنما كثير.

    وتقدم معنا أن من وجوه الإعلال: أن الراوي إذا روى الحديث وهو من أهل الفقه وثبت عنه خلاف ما يرويه مرفوعاً أن هذا من أمارات الإعلال، ولو ثبت عنده النهي مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خالفه بهذه الكثرة، وقد يروى عنه في موضع على سبيل الترخص أو لبيان عدم التحريم وإنما هو للكراهة.

    والسدل في الصلاة هو: أن يلبس الإنسان مشلحاً، أو يلبس الإنسان رداءً يرمي به على منكبيه ثم يتدلى على الأرض من غير أن يدخل يديه فيه أو يجمعه على بطنه ويشده على صدره، أو يلبس قميصاً ولا يدخل يده في كميه وهذا من السدل، سواء وضع الرداء على رأسه فأصبح مسدولاً إلى الأرض أو وضعه على منكبيه، فهذا يسمى السدل في الصلاة.

    وقد جاء فيه النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث منها الحديث التالي.

    1.   

    حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي سادلاً بإزاره ...)

    الحديث الرابع: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي سادلاً بإزاره فعطفه عليه )، يعني: جمعه عليه.

    هذا الحديث رواه الطبراني من حديث حفص بن أبي داود عن الهيثم بن حبيب عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث في إسناده حفص بن أبي داود وهو ضعيف، وقد تفرد بهذا الحديث ولا يصح.

    1.   

    حديث أبي رافع في السدل

    الحديث الخامس وهو في السدل أيضاً: جاء من حديث سفيان الثوري يرويه عن أبي رافع مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رواه البيهقي و ابن أبي شيبة في المصنف من حديث ابن جريج عن أبي بكر بن عبد الرحمن عمن حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا مرسل ولا يثبت.

    قال ابن المنذر رحمه الله: لا يثبت في النهي عن السدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث، وجاء عند ابن عدي في الكامل وعند البيهقي من حديث عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة )، و عسل بن سفيان ضعيف الحديث، ضعفه يحيى بن معين و النسائي ، وقال البخاري : له مناكير، وهذا من مفاريده وهو من هذه المناكير التي أشار إليها البخاري .

    1.   

    حديث ابن مسعود أنه كره السدل وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكرهه

    الحديث السادس: هو حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله: ( أنه كره السدل، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكرهه )، هذا الحديث أخرجه عبد الرزاق في كتابه المصنف، وعنه البيهقي في كتابه السنن، من حديث بشر بن رافع عن يحيى بن أبي كثير عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث تفرد به بشر بن رافع وهو ضعيف الحديث، وأما بالنسبة لرواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه وهو وإن كان لم يسمع من أبيه إلا أن حديثه عنه صحيح؛ لأنه يأخذ الأحاديث عن أهل بيت أبيه، وقد قبلها جماعة من الأئمة، كالإمام أحمد ، و علي بن المديني ، و النسائي ، و الترمذي رحمه الله في جملة من المواضع في كتابه السنن.

    أصح ما جاء في أحاديث السدل في الصلاة

    ومسألة السدل أصح ما جاء فيها ما رواه أبو عبيد من حديث عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه أن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله دخل على قوم وهم يسدلون وثيابهم تضرب على الأرض، فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم، وهذا الحديث عن علي بن أبي طالب صحيح الإسناد، وهو أصح شيء جاء في النهي عن السدل في الصلاة.

    جاء في ذلك جملة من الآثار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكراهة، وجاء في جملة من الآثار عن بعض التابعين أنهم كانوا يسدلون، وأمثل شيء من هذه الآثار هو ما جاء عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله، وما جاء في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح منه شيء؛ كما قال أبو بكر بن المنذر: لا يثبت في النهي عن السدل شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    كذلك لا يثبت في النهي عن تغطية الوجه في الصلاة وهو تغطية الفم أو اللثام.

    تقدم معنا في ثاني حديث في هذا الباب وهو حديث أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي فاه ) ، وهذا الحديث ضعيف، وهو الحديث الثاني الذي أوردناه في هذا الباب، وإنما كان العلماء يكرهون ذلك لأنه ينافي الأدب، وإنما كانوا ينهون عن السدل؛ لأن السدل ينافي التواضع والخشوع، وفيه نوع من الكبر بخلاف الإنسان الذي يجمع ثيابه عليه ولا يسدلها، ففي ذلك نوع من التشمير والتهيؤ، بخلاف السدل فإن الإنسان إذا سدل كأنه ليس متهيئاً لشيء، وفي راحة وعدم إقبال على عظيم، ولهذا ينهى العلماء عن ذلك.

    وأما بالنسبة لتغطية الفم فقد جاء عن جماعة من السلف القول بجوازه لحاجة، جاء هذا عن عبد الله بن عمر وغيره، فلا حرج على الإنسان أن يغطيه في غبار أو لرائحة كريهة يجدها الإنسان على الأرض أو نحو ذلك، أو به مرض أو حساسية؛ فإنه لا حرج على الإنسان أن يغطي فمه في الصلاة، أو أنفه وصلاته في ذلك صحيحة.

    نكتفي بهذا القدر ونكمل في مجلس لاحق بإذن الله، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    الحكم على زيادة: (جنبوه السواد)

    السؤال: هل لفظة: ( جنبوه السواد ) هي صحيحة أم لا؟

    الجواب: الحديث رواه الإمام مسلم في كتابه الصحيح من حديث عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر وقد توبع فيها عبد الملك، تابعه أيوب عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله وذكرها، وجاء في بعض الروايات، والذي جعل بعض العلماء يشكك فيها أن أبا الزبير وهو راويها عن جابر بن عبد الله سئل عنها فتردد، وفي موضع قال: لا، وقد جاء في ذلك عن الإمام أحمد رحمه الله القول بإدراجها، والله أعلم.

    قول الذهبي في الترمذي: متساهل

    السؤال: قال الذهبي عن الإمام الترمذي: إنه متساهل؟

    الجواب: الترمذي هو من أئمة النقد، وأئمة العلل، وأئمة الرواية والدراية، وكتابه كما لا يخفى هو كتاب سنة وكتاب علل وكتاب فقه، وأما بالنسبة لوصفه بالتساهل فلا أعلم من سبق الذهبي رحمه الله إلى هذا الوصف، ولعل الذهبي رحمه الله إنما وصف الترمذي بهذا لكثرة إطلاق لفظ الحسن على غرائب ومناكير، وهذا اصطلاح خاص به يحكمه منهجه في ذلك، ويُنظر فيه إلى طريقته ويسبر.

    إذا سبرنا منهج الترمذي رحمه الله في حكمه على الأحاديث وعرفنا منهجه في ذلك, وقرأنا نتيجته وضممناها إلى نتيجة كلام الأئمة في مناهجهم في الحكم على الأحاديث، وجدنا أنه لا يكاد يخرج عن طريقه، والسبر هو الذي يحكم والفيصل في هذا.

    فإذا كان للإنسان مصطلح في هذا يطلقه ولا يطلقه غيره والمراد في ذلك واحد عند الأئمة، فإن هذا لا ينبغي أن نجعل كلام الأئمة على معنى متغاير متضاد، بل نقول: إنه على معنى واحد، نعم الترمذي رحمه الله له أحكام على أحاديث ظاهرها التصحيح لها وهي عند العلماء معلولة.

    ولكن نقول: هذا في الشيء النادر، وإطلاق الوصف على إمام بالتشدد، أو التساهل، أو الاضطراب، أو غير ذلك، هذا يكون بالقدر الكافي من المواضع التي يستطيع معها الإنسان أن يحكم، لا على المواضع القليلة.

    و الترمذي رحمه الله أجل وأبصر بالعلل من الذهبي مع جلالة قدر الذهبي؛ إلا أن الترمذي أبصر منه وأقعد وأعرف بالرواة وأعرف بكلام الفقهاء، و للترمذي كلام في مسألة، وله منهج في مسألة أحياناً التحسين والتصحيح بعمل الفقهاء، ولهذا كثيراً يقول: وهذا قول جمهور العلماء، أو عليه العمل.

    وكثيراً ما تجد أن الأحاديث التي يصححها وهي معلولة عند جماعة من العلماء وعند جماهيرهم أنه بعدها يعضدها بالعمل, وهذا نظر دقيق في العلل عنده رحمه الله، أنه يجعل عمل العلماء كما أنا نعل في حال عدم العمل فهو يقوي مع وجود العمل, وهذا لا شك أنه وجه جليل، وإدراك بصير لمواضع العلل في الأحاديث ورفعها.