إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الصلاة [3]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وردت أحاديث في الجمع بين الصلاتين منها أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء عندما خرج إلى تبوك حتى رجع، وهو حديث منكر، كما ورد حديث: (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة فصلى به النبي صلى الله عليه وسلم الفجر بغلس.. إلخ الحديث، وفيه عدة علل، وكذلك ما روي أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى صلاة الفجر ودعا: (اللهم اجعل في قلبي نورا..)، وهو حديث منكر.

    1.   

    حديث: (جمع النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة في غزوة تبوك إلى أن رجع)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنتكلم على عدة أحاديث من الأحاديث المعلة في أبواب الصلاة.

    أولها: حديث معاذ بن جبل عليه رضوان الله تعالى أنه قال: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر، والمغرب والعشاء حتى رجعنا ) ، هذا الحديث منكر. رواه الطبراني في كتابه الأوسط، ورواه في كتابه الكبير من حديث بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    علة حديث: (جمع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك حتى رجع)

    وهذا الحديث معلول بعدة علل:

    أول هذه العلل: تفرد بكر بن مضر في روايته عن عمرو بن الحارث، فإنه لم يروه عنه إلا بكر بن مضر ومع ثقته فقد أعله بالتفرد الطبراني رحمه الله في كتابه المعجم.

    العلة الثانية: تفرد عمرو بن الحارث في روايته عن أبي الزبير ، و أبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس وهو من أئمة المكيين، ووجه التفرد في ذلك: أن عمرو بن الحارث مع ثقته وتوثيق الأئمة عليهم رحمة الله تعالى له إلا أن تفرده بهذه الرواية عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي مما يستنكر، ووجه النكارة أن محمد بن مسلم مكي ، و عمرو بن الحارث مصري، و أبو الزبير له أصحاب كثر بمكة من الحفاظ، وتفرده بهذا الحديث مما لا يحتمل معه تفرد مما يعل ويستنكر به الحديث.

    ووجه النكارة المتنية التي معها يفهم النكارة في أبواب الإسناد: أن معاذ بن جبل هنا جاء في روايته أنه قال: ( غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى رجعنا )، وقوله: (حتى رجعنا) هو موضع النكارة، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أقام في تبوك برهة والجمع في ذلك يعني: أنه جمع حتى في حال النزول، وذلك أن الإنسان إذا أراد أن يذهب إلى مكة أو يذهب إلى المدينة، أو يذهب إلى سفر، فإنه إذا كان نازلاً في بلد هل يجمع أم لا يجمع؟ في الطريق لا خلاف في ذلك، لكن قوله: (حتى رجعنا) يعني: في كل الأحوال، في حال الذهاب والإقامة، هذا هو موضع النكارة، وهذا مما يخالف فيه بكر بن مضر في روايته عن عمرو بن الحارث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن العلل أيضاً: أن هذا الحديث قد رواه جماعة عن أبي الزبير، ولم يذكروا فيه لفظة: (حتى رجعنا)، وذلك أنه رواه سفيان الثوري ، ورواه مالك بن أنس ، و زيد بن أبي أنيسة ، و قرة بن خالد ، و أبو خيثمة ، وهؤلاء كلهم يروونه عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل، ولا يذكرون فيه: (حتى رجعنا)، وإنما يقولون: (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء)، ولم يقولوا: حتى رجعنا، يعني: أن المعنى في ذلك عام.

    وبهذا نعلم معه أنه لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جمع في حال الإقامة، يعني: في حال إقامته المستديمة في دخول الوقتين، فيكون النبي عليه الصلاة والسلام جامعاً للصلاة، وإنما يقال: إن الجمع يكون إذا جد به السير، أو كان ينزل من موضع إلى موضع كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله في مكة حال حجه، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام ليس له موضع محدد في ذلك، فينزل عليه الصلاة والسلام في منى ثم يذهب إلى عرفة، ثم يذهب إلى مزدلفة ثم يرجع إلى منى، يعني: ليس له مقام في هذا.

    أما الإنسان الذي يقيم في بلدة معينة، فالسنة في حقه أن يقصر الصلاة ولا يجمع، ولو جمع هل يقال بالبطلان؟ لا نقول بالبطلان باعتبار أنه قد جاء عن جماعة من السلف، وأمثال هذه الأحاديث ظاهر إسنادها الصحة، ولكن النكارة ظاهرة، وقد أعل هذا الحديث الطبراني رحمه الله بالغرابة، وأعله كذلك الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتابه الفتح.

    ومن وجوه العلل: أن حديث معاذ بن جبل رواه الإمام مسلم في كتابه الصحيح من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل وما ذكر فيه (حتى رجعنا)، ولدينا قرينة أن صاحبي الصحيح: البخاري و مسلم إذا أخرجا حديثاً ثم تفرد غيرهما بلفظة في هذا الحديث من طريقهما أن هذا بغلبة الظن قد وقفا على أمثال هذه الرواية، وهذا من أمارات النكارة والإعلال للحديث، وأنهما إنما تنكبا عن إيراد مثل هذا الحديث لنكارة متنه.

    وهذا أشد من أن يكون الحديث في ذاته إسناده صحيح ثم تنكب الأصل، وهذا قد مثلنا عليه بجملة من الأمثلة, وذلك أن الإنسان إذا روى حديثاً ثم رواه غيره فقد وقف عليه من هذا الطريق وتنكب اللفظة التي عند غيره.

    إذاً: لا احتمال أن نقول: إن هذا لم يقف على الحديث أصلاً ولم يسمع به، وإنما نقول: قد وقف عليه ومن هذا الطريق، ولكن الزيادة قد تنكبها وتركها؛ لأنها قد جاءت من رواية أخرى.

    كذلك تواطأ هؤلاء الثقات ممن يروي هذا الحديث عن أبي الزبير، كـسفيان ، و مالك بن أنس ، و زيد ، و قرة ، و أبي خيثمة وغيرهم من الثقات الذين يروون عن أبي الزبير ، وهؤلاء الواحد منهم من الحجازيين إذا انفرد أولى من رواية عمرو بن الحارث؛ لأنهم أقرب إلى معرفة عمل الناس وعادتهم، فإن أقرب الأعمال إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عمل المدينة وعمل مكة.

    1.   

    حديث: (أن رجلاً سأل النبي عن وقت الصلاة فصلى به رسول الله صلاة الفجر بغلس ...)

    الحديث الثاني في هذا: هو حديث أبي مجلز , وهو لاحق بن حميد ، قال: ( أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة؟ قال: فصلى به رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر بغلس، ثم صلى صلاة العصر بنهار، فلما كان من الغد صلى صلاة الفجر حينما قال الناس: ما يحبسه؟ يعني: تأخر، وصلى صلاة العصر حينما قال الناس: ما يحبسه، يعني: تأخر، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل: إن الوقت ما بين هذين ).

    هذا الحديث يرويه الحارث بن أبي أسامة في كتابه المسند من حديث السكن بن نافع عن عمران بن حدير عن أبي مجلز لاحق بن حميد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث معلول بعدة علل:

    أولها وأشدها: الإرسال, وذلك أن أبا مجلز لاحق بن حميد لم يدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الحديث ضعف آخر، وهو تفرد السكن في روايته عن عمران بن حدير عن أبي مجلز ، و السكن قليل الرواية، ومثله مما لا يحتمل تفرده بمثل هذا الحديث, وذلك أن هذا الحديث في إثبات أن النبي عليه الصلاة والسلام أخر صلاة الفجر حتى قرب ظهور النهار, وذلك أن الناس قالوا: ما يحبسه؟ يعني: أنهم لم يعتادوا ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام المعروف من عمله أنه يصلي الفجر بغلس، وأما بالنسبة لانصرافه فإنه ينصرف مع الإسفار؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يطيل في قراءته لصلاة الفجر.

    وهذا ما نحمل عليه بعض الأدلة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي صلاة الفجر إذا أسفر، يعني: إذا انتهى النبي عليه الصلاة والسلام منها على ذلك، ويحمل عليه أن الناس كانوا ينصرفون وإن أحدنا ليبصر مواقعنا به)، يعني: إذا رمى بسهم يرسل السهم حال نزوله، يعني: أن الجو قد اتضح للرائي، ولهذا نقول: إن هذا في حال الخروج لا في حال الابتداء.

    أما في حال الابتداء فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بغلس، وكذلك في صلاة العصر فإنه يبكر عليه الصلاة والسلام بها في أول وقتها.

    1.   

    حديث أنس: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا صلاة الفجر بغلس ثم صلى ...)

    الحديث الثالث: حديث أنس بن مالك أنه قال: ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا صلاة الفجر بغلس, ثم صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر بعدما أسفر، وقال: إن الوقت ما بين هذين ).

    هذا الحديث رواه الحارث بن أبي أسامة من حديث داود بن المحبر عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث معلول بـداود ، وهو ضعيف الحديث، قال فيه الإمام أحمد رحمه الله: والشبه لا شيء، وكلام البخاري رحمه الله فيه كذلك.

    وأيضاً هذا الحديث فيه علة أخرى وهي تفرد داود، ومع كونه ضعيفاً فقد تفرد برواية هذا الحديث وهو في طبقة متأخرة، وذلك أن مثل هذا الحديث بمثل هذا المتن ينبغي أن لا ينفرد به داود في روايته عن حماد, وذلك أن حماداً من المشهورين الذين يروي عنهم الثقات، وله أصحاب كثر.

    وهذه السلسلة في رواية حماد عن حميد عن أنس بن مالك سلسلة معروفة مشهورة، فتفرد داود فيها من أمارات الإعلال.

    1.   

    حديث: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر وإن الذاهب ليذهب ..)

    الحديث الرابع في هذا: حديث المغيرة بن شعبة أنه قال: ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر وإن الذاهب ليذهب منا إلى بني عمرو والشمس مرتفعة وهي على ميلين من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

    هذا الحديث رواه الحارث بن أبي أسامة في كتابه المسند من حديث داود بن المحبر، ويرويه أيضاً عن هشام بن عروة عن أبيه عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث فيه نكارة إسنادية ونكارة متنية، فالنكارة الإسنادية ما تقدمت الإشارة إليها، وهي تفرد داود بهذا الحديث فإنه قد تفرد به، وكذلك مع ضعفه كما تقدم في كلام الإمام أحمد ، والبخاري فيه.

    وأما النكارة المتنية، فإن الارتفاع في أمر الشمس يعني: أنها بيضاء نقية، والميلين كثيرة، وهي أزيد من الثلاثة كيلو, وهذا يدل على أن المتن في ذلك منكر، وأنه ينافي الارتفاع، وأن هذا يكون في صلاة الظهر غالباً، فإذا أراد الإنسان أن يمشي مثل هذه المسافة مما يذكره، قال: إلى ميلين لا تكون الشمس مرتفعة.

    1.   

    حديث ابن عباس في قصة بياته عند خالته قال: (فخرج صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الفجر فسمعته يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً ..)

    الحديث الخامس: حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله أنه قال: ( بت عند خالتي ميمونة قال: فذكر الحديث بطوله، وفيه قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الفجر ).

    وبهذا الحديث نبتدئ في مسألة الأحاديث المعلولة في أعمال الصلاة, ونتكلم في أمر المواقيت وقد انتهينا من هذا، لأننا نبدأ بالمباشرة في أمر الصلاة، قال: ( فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الفجر، قال: وسمعته يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً )، الحديث المعروف.

    هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في كتابه الصحيح من حديث حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث بهذا اللفظ منكر، وموضع النكارة فيه أنه قد جعل الدعاء في ذلك هو في ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد, وهذا ما اشتهر عند الناس أن هذا من أدعية الذهاب إلى المسجد، وهذا قد تفرد به محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، وقد خالف فيه الثقات من أصحاب كريب مولى عبد الله بن عباس ، و كريب هو أبو رشدين، وهو مولى عبد الله بن عباس ومن أوثق أصحابه، وقد أخرج له البخاري و مسلم .

    إذاً: ما هو الوجه الصحيح؟

    الوجه الصحيح في ذلك: ما أخرجه البخاري و مسلم من حديث سلمة بن كهيل عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن عبد الله بن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى شن معلق ليتوضأ قال: فسمعته يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً )، الحديث، يعني: هذا في حال القيام إلى صلاة الليل.

    وجاء في بعض الطرق أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما قال ذلك في سجود صلاة الليل, وهذا الذي أخرجه البخاري.

    وعلى كل فإننا نقول: إن تفرد محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بهذا الحديث ومخالفته لـكريب علامة على النكارة، وذلك لمخالفته لـكريب .

    الأمر الثاني: أن الإمام أحمد رحمه الله قد أخرج هذا الحديث في كتابه المسند من حديث أبي هاشم عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس , وذكر أن هذا الدعاء في حال قيام الليل، وما جعله في حال الذهاب إلى المسجد، مما يدل على أن محمد بن علي قد تفرد بهذا وخالف الثقات.

    ويظهر لي والله أعلم أن موضع الوهم في هذا أنه جاء في بعض الطرق في حديث عبد الله بن عباس، قال عبد الله بن عباس : (فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة) يعني: صلاة الليل، فظن فيها محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أنها صلاة الفجر، فقال: فخرج إلى صلاة الفجر فتوهم أن ذلك هو في حال خروجه إلى صلاة الفجر لا إلى قيامه إلى صلاة الليل، فقلب اللفظ وقدمه عن موضعه.

    وممن أعل هذا الحديث البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح، والإمام مسلم.

    أما وجه إعلال البخاري رحمه الله لهذا الحديث فإنه قد أخرج هذا الحديث في كتابه الصحيح، وترجم عليه بقوله: باب الدعاء إذا انتبه من الليل، فجعل الدعاء للانتباه من الليل لا للخروج إلى الصلاة، يعني: إذا قام الإنسان ليصلي صلاة الليل فعليه أن يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، ولا يقوله إذا أراد أن يذهب إلى المسجد.

    منهج مسلم في أبواب الإعلال

    وأما إعلال الإمام مسلم رحمه الله تعالى له فإنه أخرج هذا الحديث أولاً من حديث سلمة بن كهيل عن كريب عن عبد الله بن عباس ، ثم بعد إيراد الطرق لهذا الحديث أورد متأخراً رواية محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، والإمام مسلم له عادة غالبة أنه يورد في كتابه الصحيح في أول الباب أقوى ما لديه من الطرق والألفاظ، وغالب ما يستنكر على مسلم من الألفاظ نجد أنها ليست مصدرة في الأبواب، ومن نظر فيما أخذ على الإمام مسلم رحمه الله من ألفاظ يجد أنها كذلك.

    منهج البخاري في أبواب الإعلال

    ومنهج البخاري رحمه الله في أبواب الإعلال أنه يعل الحديث من غير نص في كتابه الصحيح بأمور، وأظهر هذه الأمور: الترجمة، فإنه إذا ترجم على حديث ثم ما يخالف هذه الترجمة حديث خارج الصحيح فإنه يعل هذا الخبر، وهذا مثاله هذا الحديث، ومثال آخر في قوله عليه رحمة الله: باب السترة بمكة وغيرها، ويقصد بهذا حديث المطلب بن أبي وداعة أنه قال: ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المطاف والرجال والنساء يمرون من بين يديه لا يسترهم منه شيء )، وهو أراد بذلك أن يعل ذلك الحديث, مع أن البخاري رحمه الله حينما أورد السترة بمكة وغيرها أورد حديثاً ليس في المطاف, ولكن لأنه أراد إعلال ذلك الحديث جاء بلفظ عام.

    ولهذا نقول: إن أبواب البخاري هي مواضع للإعلال، فإذا أراد طالب العلم أن ينظر في حديث من الأحاديث فلينظر ما ترجم البخاري خلافه في أبوابه، والفقهاء يقولون: إن فقه البخاري في تراجمه، وينبغي للمحدثين أن يقولوا: إن علل البخاري في أبوابه أيضاً، وهذا ما يقل استعماله عند النقاد, وذلك أن البخاري إذا ترجم على مسألة ولم يخرج في خلافها شيء فإن الحديث في الباب لديه غالباً أنها معلولة أو منسوخة، فليتمس الإنسان الإعلال لها.

    الأمر الثاني من وجوه الإعلال عند البخاري رحمه الله: أنه لا يترجم ترجمة صريحة تخالف متن حديث أخرجه غيره في مصنفه، ولكنه يورد حديثاً يخالفه ولا يورد ما يوافق ذلك الحديث، أي: يورد حديثاً في الباب ما يخالف ذلك الحديث الذي هو خارج الصحيح، فيكون حينئذ أراد بإيراده لهذا الحديث إعلالاً له.

    وأما إذا لم يورد البخاري في الباب شيئاً في ذلك فهذه قرينة يسيرة، خاصة إذا لم يكن الحديث على شرط البخاري من جهة الأبواب, فإن البخاري أراد أن يلتزم ما يتعلق بأمور الأصول، وما يتعلق بأبواب الفروع الظاهرة، وأعلام المسائل.

    أما ما يتعلق بالأجزاء اليسيرة فإن البخاري لا يعتمد إخراجها، كذلك فإن البخاري ربما يخرج لأحد الرواة حديثاً في موضع من غير روايته عن شيخ، ثم يخرج غيره حديثاً لم يخرجه البخاري من وجه آخر، فهذا من وجوه الإعلال أيضاً, أن البخاري إذا أخرج لشيخ من الشيوخ عن تلميذ عن شيخ من الشيوخ بسلسلة معينة, ثم كان الحديث خارج الصحيح على خلاف هذه السلسلة بوجود ذلك الراوي الذي هو علة له؛ فإن هذا من علامات الإعلال، وهذا ينطبق على حديثنا هذا.

    وذلك أن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس يروي عن أبيه عن عبد الله بن عباس ولم يخرج البخاري لـمحمد بن علي حديثاً، ولهذا نقول: إن هذا من وجوه الإعلال؛ لأن البخاري أخرج الحديث أصلاً وتنكب تلك الرواية ولم يخرج لذلك الراوي أيضاً.

    وممن أعل هذا الحديث: الإمام النسائي رحمه الله في كتابه السنن، فإنه أخرج هذا الحديث من حديث سلمة بن كهيل عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن عبد الله بن عباس ، ولكنه ذكره في سجود قيام الليل، وترجم عليه بقوله: باب الدعاء في السجود، وإنما أخذنا من هذا الإعلال أنه لم ير أصلاً أن الحديث يكون في حال ذهاب الإنسان إلى المسجد، بل يرى أنه في قيام الليل.

    منهجية النسائي في الإعلال

    والإمام النسائي وإن كان كتابه السنن الكبرى أو السنن الكبير هو كتاب علل وأراد أن يجمع فيه الأحكام إلا أنه مما يغفل عنه المحدثون والنقاد، أنه يترجم تراجم على طريقة البخاري في الإعلال، فما لم يوجد في كتابه السنن من اللفظ الصريح فإنه يلتمس ذلك في الأبواب.

    وأذكر أنني جمعت كلام الإمام النسائي رحمه الله في كتابه السنن الكبرى على عجل في أبواب العلل من نحو عشر سنوات، ووقع لي جزء يسير في ذلك لو يبسط على سبيل التفصيل لخرج كتاباً في العلل للإمام النسائي رحمه الله خاصة إذا أراد الإنسان أن يقرنه بمنهجه في التسلسل للأحاديث، فإن كتاب النسائي رحمه الله في سننه الكبير أراد به إعلال الأحاديث وبيان الطرق، والسنن الكبير لـلنسائي هو شبيه من جهة الوضع بعلل الدارقطني , فإنه يورد الأحاديث ثم يورد المخالفات فيها.

    ولكن يقال: إن كتاب العلل للإمام الدارقطني رحمه الله أبين وأوضح في المقصود، وأما الإمام النسائي رحمه الله فإن مقاصده في ذلك أقل ظهوراً ولا يدركها إلا من أدام النظر الطويل في ذلك.

    ولهذا نقول: إن التراجم في كتاب الإمام النسائي رحمه الله ينبغي لطالب العلم أن يجمعها مع تراتيب الأحاديث في كتابه السنن.

    كذلك أن يجمعها مع ألفاظه عقب الأحاديث، فإنه تارة يطلق على سبيل الاختصار، هذا حديث غير محفوظ أو حديث منكر ونحو ذلك ويقرنها مع التراجم ثم يستفيد في ذلك منهجاً.

    كذلك في كلام النسائي رحمه الله على الرواة، فينظر في الرواة الذين ضعفهم وأخرج لهم في كتابه السنن وسياق الإخراج، فيبين موضع العلة له في كتابه السنن، وهذا مما يعرف في مقاصد المصنف رحمه الله، وهذا كما أنه للإمام النسائي رحمه الله كذلك للإمام البخاري في كتابه الصحيح أن تجمع مقاصد البخاري رحمه الله في إيراده أو تركه للزيادات أو إيراده لبعض المعلقات أو لبعض الأحاديث المخالفة التي فيها بعض الألفاظ مع كلامه في كتابه التاريخ، فكتاب التاريخ للبخاري هو كتاب علل وإن سمي تاريخاً؛ ولهذا كتاب الجرح والتعديل لـابن أبي حاتم إنما هو مستخرج على كتاب البخاري في كتابه التاريخ، فأرد في ذلك أن يبين الأحاديث المستنكرة على الراوي.

    ولهذا نقول: إن الأصل في الأحاديث التي يوردها البخاري في كتابه التاريخ أنها معلولة، فينظر الإنسان فيها ويتأمل؛ لأن البخاري في ذلك لا يخرج الحديث في كتابه التاريخ إلا وأراد إخراج ما استنكر على رواية الراوي.

    ومما ينبغي الانتباه له: أن البخاري في كتابه التاريخ أحياناً وفي الأدب وغير البخاري ربما يخرج حديث على شرط البخاري في كتابه الصحيح، وهذا أظهر في النكارة.

    وبعض الظاهريين ينظرون إلى الإسناد، فإذا وجدوا أنه على شرط البخاري ولم يخرجه البخاري قاموا به، وقالوا: على شرط البخاري ، نقول: إن هذا العكس، إن الإسناد إذا كان على شرط البخاري ومعناه يندرج تحت مقاصد البخاري في الإخراج إن هذا إعلال للحديث لماذا تركه، يعني: أن إسناده مركب.

    والعجيب! أنك إذا وقفت على أحاديث سلاسل أخرجها البخاري وأردت أن تنظر فيها في كتب السنة ومعانيها وينتبه إلى هذا الشرط ومعانيها تحت مقصد البخاري تجد أن الأئمة ينكرونه، إما أن يكون الإسناد مركباً، أو ينفرد به راو وانفراده فيه مستنكر عند الأئمة فتركه البخاري .

    ولهذا كلما قامت البينة على أن البخاري وقف على حديث بعينه واكتملت فيه سلسلة الإسناد ومعناه على شرطه ولم يخرجه، فإن هذا شبه مؤكد على أنه ينكره، وهذا يخالف في الطريقة السائدة من قولهم: على شرط البخاري ولهذا تجد التقسيم يقولون: إن أصح الأحاديث ما رواه البخاري و مسلم ، ثم ما رواه البخاري ، ثم ما رواه مسلم ، ثم ما كان على شرط البخاري و مسلم .

    نقول: ما كان على شرط البخاري و مسلم ولم يخرجه وهو على شرطه فهذا منكر، إذا أردنا أن نقيده نقول: ما كان على شرط البخاري و مسلم ومعناه ليس على شرطيهما، وأما إذا كان المعنى على شرطيهما ولم يخرجاه فإن هذه نكارة.

    ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أرد أن يحكم على شرط البخاري و مسلم أو وجد من يحكم هذا على شرط البخاري و مسلم أن ينظر إلى المتن مباشرة، هل هو من المعاني الجليلة من أحكام الطهارة الظاهرة من أمور الصلاة التي أخرج البخاري دونها و مسلم دونها، أو أمور الطهارة التي أخرج مسلم دونها، وكذلك أمور الصيام، والزكاة، والحج، ونحو ذلك أخرج دونها في مثل هذا الإسناد ولم يخرج هذا، فإن هذا من علامات النكارة.

    ولو أراد المتأمل أن يتأمل بمنهج الشيخين في أبواب الإعلال لاستنبط أشياء كثيرة جداً، ولكن أقول: إنه ينبغي أن يجمع بين مصنفات الأئمة البخاري في كتابه التاريخ وفي كتابه الأدب وفي كتابه الضعفاء، كذلك في كتابه الكنى، وفي كتابه الصحيح يجمع المواضع المتشابهة وأن يسبر فإنه سيوفق إلى المقصد.

    كذلك الإمام مسلم في كتابه الصحيح ومنهجه في المقدمة، وكتابه التمييز، وكتابه الكنى، وكذلك ما ينقل عن الإمام مسلم رحمه الله في مصنفات الأئمة، يجمع بين هذا فيعرف منهجه وطريقته في ذلك.

    مثال على ما قيل فيه: على شرط البخاري ومسلم وليس كذلك

    وهذا حديث يقال: إنه على شرط البخاري وليس كذلك، وهو ما رواه الإمام الدارقطني رحمه الله في غرائب مالك من حديث ابن أبي رومان عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )، هذا الإسناد على شرط البخاري ، وقد جاء في الصحيح من فضل الإحسان وأنواعه وأجزائه في أبواب الإيمان ما يندرج تحت شرط البخاري، وأورد أسانيده أنزل منه رتبة، وهذا قد جعله الدارقطني رحمه الله من منكرات ابن أبي رومان .

    1.   

    حديث: (إذا خرج أحدكم إلى الصلاة فأحسن الوضوء فلا يشبكن بين أصابعه)

    الحديث السادس: حديث كعب بن عجرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا خرج أحدكم إلى الصلاة فأحسن الوضوء فلا يشبكن بين أصابعه، فإنه في صلاة )، هذا الحديث رواه أبو داود و الترمذي من حديث أبي ثمامة الحناط عن كعب بن عجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهو خبر منكر، أبو ثمامة الحناط مجهول لا يعرف, وقد تفرد بهذا الحديث عن كعب بن عجرة ، والحديث هذا منكر سنداً ومتناً، أما نكارته الإسنادية فهو تفرد الحناط عن كعب بن عجرة، وتفرده في ذلك مما لا يحتمل لجهالته.

    ومثل هذا الحديث ينبغي أن يحمله من هو أوثق منه وأثقل؛ لأن هذا الأمر مما يحتاج إليه ويشتهي، ولهذا نقول: إن العلة المتنية في ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام شبه تشبيك الأصابع في الخروج إلى الصلاة بتشبيك الأصابع في الصلاة، وهذا نوع تشديد, ويلزم من ذلك أن الإنسان إذا كرهت له تشبيك الأصابع في الطريق إلى الصلاة يكون أعلى منها رتبة إذا كان في المسجد، وهذا أظهر في وروده على الإنسان، وهذا يفتقر إلى نص.

    ولو التمسنا الأحاديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام في كراهة بعض الأفعال في الصلاة أو في أثناء الذهاب أو من السنن التي بينها النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه إما قولاً أو فعلاً؛ لوجدنا أن ثمة جملة من الأحاديث هي أقل من هذا الحديث رتبة، ومع ذلك صح إسنادها ونقلها الثقات.

    ومثل هذا الحديث ينبغي أن يحمل بما هو أصح من هذا، وقد أنكر الأئمة هذا الحديث على أبي ثمامة الحناط في روايته عن كعب بن عجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء في ذلك واهيات وموضوعات في هذا الباب ليست على شرطنا لشدة طرحها, ولكن أشهر وأمثل ما جاء في هذا الباب هو هذا الحديث؛ ولهذا يقول الطحاوي رحمه الله في كتابه المشكل: وأحسن شيء في الباب هو حديث كعب بن عجرة ، يعني: في النهي عن تشبيك الأصابع في أثناء الذهاب إلى الصلاة.

    ولهذا نقول: إن هذا الحديث مع كونه أحسن شيء في الباب إلا أنه منكر بوجه في الإسناد والمتن، وقد يعل هذا الحديث بسنن ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام أو مكروهات بما هو أقل من ذلك.

    وفي صحيح الإمام البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر أن المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً ثم شبك بين أصابعه وكان ذلك في المسجد شبك بين أصابعه، قال: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه ) وكذلك حديث ذي اليدين لما قام النبي عليه الصلاة والسلام فاعتمد على سارية وشبك بين أصابعه وكان ذلك في المسجد.

    1.   

    الأسئلة

    تشبيك اليدين عند انتظار الصلاة وغيرها

    السؤال: ألا يفرق في التشبيك بين انتظار الصلاة وغير انتظار الصلاة؟

    الجواب: الحديث جاء عاماً في ذهاب الإنسان إلى الصلاة، ذهب مبكراً أو ذهب متأخراً، قال: ( فإنه في صلاة ما انتظر الصلاة )، لو جاء الإنسان إلى صلاة الجمعة بعد صلاة الفجر فهو في صلاة ينتظر وذلك الرباط، ولهذا نقول: إن مثل هذا يدخل فيه النهي، من يعل بحديث آخر خارج الباب، أعني: خارج باب التشبيك بسنن جاءت.

    السؤال: ألا يمكن الاستدلال بأنه ورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى مخالفة الطريق ولم يؤثر عن شيء من هذا؟

    الجواب: هذا في صلاة عيد يكون في السنة مرتين، وهذا في الصلوات الخمس يذهب خمس مرات ويرجع مثلها، ومع ذلك ما جاء فيه، وقد حكوا طريق النبي عليه الصلاة والسلام في ذهابه ومجيئه وما بينوا حكماً مثل هذا يحتاج إليه خاصة في حال الانتظار في حال الذهاب، يقال: إنه يقل حاجة الإنسان إلى ذلك، ولكن في حال جلوسه يحتاج الإنسان أو يسهو ومثل هذا يحتاج إلى بيانه.

    العلة من قوة الأحاديث الواردة في دعاء دخول المسجد والخروج منه بخلاف النهي عن تشبيك الأصابع

    السؤال: هل المنهيات آكد أن تبين؟

    الجواب: المنهيات آكد أن تبين، السواك وما يتعلق بأمور الوضوء لكل صلاة، هذا من الفضائل الزائدة، ومع ذلك جاءت بها نصوص قوية جداً، ومثل هذا الذي ينهى وتعم به البلوى في حال الجلوس، ومع ذلك جاء بمثل هذا الإسناد، ألا يليق أن نقول: إنه منكر؟

    نقول: إنه منكر، ولكن لو جاء حكاية ممكن أن نقبله، أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يشبك بين أصابعه حكاية فعل يمكن، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( ولا يشبكن بين أصابعه، فإنه في صلاة )، وهذا نهي، وقد يحمله البعض على الأصل في النهي وهو التحريم.

    ولهذا نقول: إن مثل هذا المتن منكر، وإذا أراد الإنسان أن ينظر في أبواب الأدلة المخالفة له إسناداً ومتناً من جهة الإعلال يجد ذلك كثيراً، ولهذا أنا أعيد وأكرر مثل هذه الطريقة حتى ترسخ في ذهن طالب العلم، أنه إذا أراد الإعلال أن يستحضر مسائل الباب، وكلما استحضر مسائل الباب وما هو أبعد عن ذلك فمثلاً: يأتي نحو الصلوات الخمس يستحضر مسائل العيدين، مسائل صلاة الاستسقاء، صلاة الكسوف، بعيدة متعلقة فيها في سننها ونحو ذلك، وجاءت أسانيد قوية تتعلق بالصلوات الخمس، كل ما جاء في شيء بعيد ثم ثبت وأقوى منه وهذا أحوج, والسلف أحرص في هذا ثم لم ينقل دل على عدم ثبوته ونكارة المتن.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.