إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [27]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يجوز إتيان الحائض، ومن فعل ذلك وجب عليه التوبة والإقلاع والعزم على عدم العودة إلى مثل هذا الفعل، واختلفوا في الكفارة فقال بعضهم: يتصدق بدينار أو نصفه، ومما حرمه الله إتيان المرأة في دبرها؛ لأن ذلك ليس موضع الحرث والبذر والإنجاب، ولا يجوز لأحد الزوجين أن يشترط عدم الإنجاب شرطاً دائماً، لما في ذلك من تعطيل لمقصد من مقاصد التشريع وهو النسل.

    1.   

    تابع قوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    نكمل ونبدأ بقول الله جل وعلا: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة:223]، تقدم الكلام في سؤال الصحابة عليهم رضوان الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحيض، وبيان جملة من الأحكام في ذلك مما يتعلق بالمحيض، وما يتعلق بإتيان النساء، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى حكم إتيان النساء في المحيض، وتقدم الكلام على ذلك، وذلك لثبوته بظاهر الدليل من الكتاب والسنة، وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى فيمن أتى امرأته وهي حائض ماذا عليه؟

    مما لا يختلف فيه أن الرجل إذا أتى امرأته وهي حائض أنه آثم في ذلك، ولا يختلفون في هذا إلا على ما تقدم مما يتفرع عن هذه المسألة في مسألة إيجاب الغسل بعد انقطاع الدم، هل إذا انقطع الدم يجب على المرأة أن تغتسل حتى تستحل إتيان زوجها لها أم مجرد انقطاع الدم؟

    ذكرنا في ذلك الخلاف، وذكرنا قول جمهور العلماء في ذلك أنه يجب على الزوجة أن تغتسل حتى يأتيها زوجها.

    ما يلزم من جامع في المحيض

    والمسألة في إتيان المرأة في حال حيضها على من قال بالمنع في حال نزول الدم أو حال توقفه وعدم انقطاع الحيض، فإنهم يرون الإثم متحققاً في ذلك.

    اختلف العلماء في كفارة ذلك مع اتفاقهم على وجوب الاستغفار والتوبة باعتبار أنه ذنب من الذنوب الظاهرة، لمخالفته لكلام الله سبحانه وتعالى.

    من العلماء من قال: إنه يجب عليه أن يتصدق بدينار أو نصف دينار، ذهب إلى هذا الإمام أحمد رحمه الله، و إسحاق بن راهويه ، وجاء هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عباس مرفوعاً وموقوفاً، جاء من حديث مقسم عن عبد الله بن عباس في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بدينار أو بنصف دينار، وهذا قال به عبد الله بن عباس عليه رضوان الله من الصحابة، والحديث قد تكلم فيه بعض العلماء وصححه وقواه بعضهم.

    فقد قواه الإمام أحمد رحمه الله كما في مسائل أبي داود ، لما سأله عن ذلك جود إسناده، وجمهور العلماء على أن التصدق لمن أتى امرأته في حيضها أنه لا يجب عليه وهذا قول جماهير العلماء، وهو قول الإمام مالك و أبي حنيفة ، وقول الإمام الشافعي عليهم رحمة الله، ونقول: إن الأصل في المحرمات أنها تكفر بجملة من المكفرات، وذلك بعد التوبة والاستغفار، أن من هذه المكفرات: الأعمال الصالحة التي تأتي على السيئات، والأعمال الصالحة متنوعة، منها ما هي من الفرائض، ومنها ما كان من أمور التروك للمحرمات إذا قصد الإنسان تركها، كذلك من الطاعات، ومنها الصدقة، فهي من كفارات الذنوب.

    إذاً: من هذا المعنى إذا قلنا: إن إتيان المرأة في حيضها محل اتفاق من جهة التحريم لظاهر النص في الكتاب والسنة، وعلى هذا نقول: إن كفارة الذنوب داخلة في هذا الباب من جهة العموم، وإنما القول هنا بتحديده بدينار أو نصف دينار، نقول في هذا: إنه لا حد لذلك.

    من العلماء من يقول: إن الدينار إذا أتاها في حال إتيانها في نزول دمها، والنصف دينار يكون بعد توقف الدم وقبل الاغتسال، وهذا جاء عن الإمام أحمد رحمه الله في رواية، ونقول: إن التصدق في ذلك من الأمور المستحبة في دبر كل دم يفعله الإنسان، سواءً كان ذلك من الكذب أو الغيبة أو النميمة أو إتيان المرأة في حيضها، أو غير ذلك من المحرمات، وما دام أنه قد جاء في هذا بعض الموقوفات عن عبد الله بن عباس ، وقال بعض الحفاظ بصحة رفعه كما جاء عن الإمام أحمد رحمه الله كما في حديث عبد الله بن عباس فإنه حينئذٍ يتأكد في هذه المسألة أكثر من غيرها.

    1.   

    قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم...)

    الأصل في إتيان المرأة الحل

    هذه الآية تدليل للآية السابقة، وهي دالة على معناه، وهي إشارة إلى التأكيد السابق في الآية السابقة، الله سبحانه وتعالى بيَّن حكم إتيان المرأة حال حيضها وأنه محرم، فأمر الله عز وجل باعتزال المرأة حال حيضها، ثم بين مذيلاً لذلك التحريم أن الأصل في إتيان النساء الحل، وأن ذلك استثناء، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، إشارة إلى أن إتيان النساء الحل هو الأصل في ذلك، وأن التحريم إنما جاء النص به لأنه جاء جواباً على سؤال، لما كان جواباً على سؤال جاء بمثل هذا النص من غير إطلاق أو بيان للأصل، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يبين الأصل، حتى لا يظن الناس أن في ذلك حرجاً عليهم، وتضييقاً لحالهم، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يبين أن الأصل في إتيان النساء الحل، وهذا من السياسة الشرعية، أن الإنسان إذا سئل عن مسألة من مسائل الشريعة، والنص في ذلك على التحريم أن يستدرك في ذلك، وأن يبين أن الأصل في ذلك الإباحة إذا جاء هذا على ذلك القيد، أو ذلك الوصف حتى لا يغلب على الظن، أو ربما ظنت بعض النفوس أو كان دافعاً لبعض أهل الأهواء أن يجعل الشريعة ضيقةً، وذلك باستحضار جملة من المحرمات في ذهن الإنسان، وهذا مما يحرص عليه الشيطان، ويحرص عليه أهل الأهواء، وهذا ظاهر مع علم الصحابة عليهم رضوان الله في هذه المسألة؛ لأن الأصل في ذلك الحل إلا أن الله عز وجل أراد أن يقرر ذلك، وأن يكون حاضراً، أن الله عز وجل لا ينزل تحريماً مجرداً، وإنما ينزل تفصيلاً في بيان أمر إتيان النساء أو غيرها من الأمور المباحة.

    اجتناب إتيان الحائض حرة كانت أو أمة

    يقول الله جل وعلا في هذه الآية: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، ذكر هنا النساء ليشمل في ذلك الزوجات وما كان من الإماء مما يتسرى بهن الرجل، باعتبار أن الحكم في ذلك عام، وهو عام للزوجة ولغيرها، فإنه يحرم عليه أن يأتيها في حال حيضها، والأصل في ذلك أن الله عز وجل أحل له أن يأتيها، وهذا هو الأصل، ولهذا قال: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة:223]، وما قال: أزواجكم، باعتبار أن ما يتسرى به الإنسان من الإماء لا يدخل أصالة في لفظ الزواج.

    مفاد قوله: (حرث لكم)

    قال: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، وهذا فيه إشارة إلى ملك الرجل لبضع امرأته في قوله: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة:223]، يعني: ملككم الله عز وجل إياهن، وهذا من الكناية عن الأرض، لأن الإنسان الأصل فيه أن يأتي أرضه من حيث ما يأمره الله جل وعلا بذلك، نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223].

    تحريم إتيان المرأة في دبرها

    في هذا دلالة على تحريم إتيان المرأة في دبرها، لأنه ليس الموضع الذي يضع فيه الإنسان حرثه، فإن الله عز وجل حينما وضع هذه العبارة في قوله: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة:223]، أراد أن يبين أنه كحال الإنسان في زرعه فإنه يضع زرعه في الموضع الذي ينبت فيه، بخلاف إذا وضعه في غيره، فإنه ليس بزارع وإنما هو عابث، ولهذا قال الله جل وعلا: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، وهذا فيه إشارة في توجيه الخطاب للرجال، باعتبار أن الأمر منهم لغلبة الحياء على النساء، وذلك أن الأصل في ذلك أنه يكون من الرجال لا من النساء.

    قال: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223].

    وفي هذا مسألة الحياطة، وفيه دلالة وإن كانت النصوص في ذلك مستفيضة ودلت عليه الفطرة قرينة على تحريم الزنا في هذا، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما يدل على مثل هذا المعنى أن يسقي الإنسان ماءه حرث غيره؛ إشارة إلى مسألة الزنا، ولهذا قال: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، يعني: أنه مما هو خاص بالإنسان لا يعتدي عليه غيره، وهذا مما دلت عليه سائر الفطر ودلت عليه سائر الشرائع.

    مفاد الأمر بعد الحظر

    قال: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، الأمر هنا في قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223] الأصل أن الأمر إذا جاء بعد الحظر أنه يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر، وهذا من القواعد التي اختلف فيها العلماء، في الأمر إذا كان بعد الحظر على ماذا يدل؟

    منهم من قال: إنه يدل على الوجوب، ومنهم من قال: إنه يرجع إلى ما كان عليه، ومنهم من قال: إنه يكون على الإباحة، والأظهر في ذلك أن الأمر يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر، فيكون حكم إتيان النساء هو حكم إتيانهن قبل ورود الحيض عليهن لا فرق في ذلك، وهذا كأمر الله عز وجل بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، فالله عز وجل أمر به، والأمر في ذلك كحكمه قبل ذلك، وقبل ذلك نقول: إن الإنسان إذا أراد أن يؤدي الصلاة سواءً كانت فريضة أو نافلة، فإنه يجب عليه ألا يؤديها إلا على طهارة، ولكن تقييد ذلك بالقيام أن هذا لمن كان على غير طهارة، فحكمه قبل القيام هو أن من كان على غير طهارة يجب عليه أن يتطهر، ومن كان طاهراً فإنه لا يجب عليه بل يستحب له، ولهذا ذهب بعض العلماء ممن يقول: إن الأصل في ذلك الوجوب؛ أوجب التطهر لكل صلاة، وهذا مروي عن سعيد بن المسيب ، رواه أبو داود الطيالسي في كتابه المسند عن سعيد بن المسيب ، ولا أعلم من وافقه عليه.

    حمل معنى: (أنى شئتم) على معنى (حيث) أو (أين) والأقرب من ذلك

    قال الله جل وعلا: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، قوله: أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، منهم من حمل ذلك على معنى: أين شئتم، وهذا إلى حال الموضع الذي يأتي به الإنسان امرأته، والهيئة التي يأتي بها الإنسان امرأته، ومنهم من حمله على الزمن: أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، ومنهم من حمله على المعنيين، وهذا هو الأظهر.

    والذي ينظر في كلام المفسرين من السلف في هذه المعاني، منه من يحمله على الزمان، ومنه من يحمله على الصفة والهيئة؛ يعلم أن التنوع في ذلك أنه تنوع واختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، ولهذا جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وجاء عن غيره المعنيان.

    ولهذا نقول: إن ذلك يراد به الزمان، أنه يجوز للإنسان أن يأتي زوجه في كل زمن، وعلى أي هيئة شرعها الله سبحانه وتعالى ما لم تكن مما حرمه الله سبحانه وتعالى، وذلك بإتيان الرجل المرأة في دبرها.

    سبب نزول قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم)

    واختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في سبب نزول هذه الآية، جاء في ذلك جملة من الأسباب، وقد أورد ذلك البخاري رحمه الله، وأورد في ذلك سببين، جاء عند البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح من حديث أيوب عن نافع عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله، أن نافعاً كان يقرأ على عبد الله بن عمر القرآن حتى بلغ قول الله جل وعلا: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، فقال: أنزلها الله عز وجل في إتيان النساء في أدبارهن، وكذلك أيضاً قد أخرج من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن ذلك نزل في قول اليهود أن الرجل إذا أتى المرأة في دبرها من قبلها وقدر ولد كان الولد في ذلك أحول، فأنزل الله عز وجل قوله: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، وجاء هذا أيضاً عن جماعة من المفسرين كما رواه ابن جرير الطبري من حديث ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع ، وقال به جماعة من المفسرين.

    وقد يكون للآية أكثر من سبب وذلك أنها جاءت في نزولها على معان، أو استفهامات متعددة، أو لأسباب اقترنت، أو لأسئلة وردت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تتضمن حكماً واحداً في نهايتها، أن ينزل فيها حكم من الله جل وعلا، ولهذا أنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك مبيناً جملة من المعاني، منها: تحريم إتيان النساء في حال الحيض، تحريم إتيان النساء في دبرهن، الأصل في ذلك الحل من جهة إتيان الرجل لزوجته من جهة الزمان، والهيئة.

    هذا فيه دلالة على ما تقدم أنه يجوز للرجل أن يأتي امرأته على أي هيئة كانت خلافاً لليهود الذين يمنعون من إتيان النساء من أدبارهن في قبلهن، فجاء الإذن من الله سبحانه وتعالى على ذلك في قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ [البقرة:223]، (أنى شئتم) إشارة إلى أي صفة كانت ما لم يكن ذلك إتيان المرأة في دبرها.

    وتقدم معنا الكلام في مسألة إتيان المرأة في دبرها، وذكرنا في ذلك جملة من النصوص عن جماعة من السلف، وذكرنا أنه جاء عن عبد الله بن عباس كما جاء من حديث عبد الله بن طاوس عن أبيه عن عبد الله بن عباس أنه كان ينهى عن ذلك، ويقول: هو كفر، وجاء ذلك عن أبي الدرداء كما رواه النسائي و ابن جرير الطبري من حديث قتادة عن أبي الدرداء أنه قال: هي كفر، وجاء عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله أنه قال: أو يفعل ذلك مسلم؟

    روى ابن جرير الطبري من حديث عبد الملك بن مسلمة ، وقد تفرد به من هذا الوجه عبد الملك بن مسلمة ، وفيه ضعف، يرويه عن الدراوردي عن زيد بن أسلم عن محمد بن المنكدر أنه يقول بجواز إتيان المرأة في دبرها، وهذا تفرد به عبد الملك وهو ضعيف؛ قد لينه جماعة من الحفاظ كـأبي حاتم و أبي زرعة وغيرهم.

    والمعروف في أقوال السلف عليهم رحمة الله من الصحابة والتابعين القول بالمنع والتشديد في ذلك، وقد جاء عن عبد الله بن عمر على ما تقدم الكلام عليه قولان، والأصح في ذلك عنه المنع، جاء ذلك عنه من وجوه متعددة، يرويه عنه سالم بن عبد الله بن عمر ، وروي عن نافع عن عبد الله بن عمر ذلك، وروي عن نافع عن عبد الله بن عمر خلاف ذلك، وقد أخرجه البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح، وجاء هذا عن الإمام مالك رحمه الله في قول مشهور عنه، واستقر الأمر في ذلك في مذهب الإمام مالك رحمه الله، والمالكية على المنع، وأصبح القول بهذا هو من الأقوال المهجورة عند الفقهاء، وقد حكى بعض الأئمة الإجماع على ذلك، كما حكاه النووي ، و القرطبي وغيرهم من الأئمة.

    المراد بالتقديم للنفس عند الجماع

    وقول الله جل وعلا: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ [البقرة:223]، قوله: وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ [البقرة:223]، حمله بعض المفسرين من السلف كـعبد الله بن عباس إلى أنه الذكر عند الجماع، وحمله بعض المفسرين إلى أنه قصد الولد، جاء عن عبد الله بن عباس فيما رواه ابن جرير الطبري في قول الله جل وعلا: وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ [البقرة:223]، قال: هو قول: بسم الله عند الجماع، وما جاء في حديث عبد الله بن عباس وغيره في الذكر عند الجماع، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إنه إذا قدر بينهما ولد لم يضره الشيطان ) ، وهذا نقول: هو ذكر عام وإن قيد في بعض معانيه بدفع الشيطان، إلا أن الإنسان يذكر الله عز وجل سواءً غلب على ظنه تقدير ولد، أو غلب على ظنه عدم تقديره، كإتيان الرجل لامرأته وهي حامل، فإتيانه لها وهي حامل لا يمنع من ذلك ذكر الله جل وعلا في قوله: وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ [البقرة:223]، يعني: على سبيل العموم؛ لأنه جاء ذلك بعد قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ [البقرة:223]، فسواءً كان يقطع بأنه يغلب على ظنه بتقدير ولد، أو كان ذلك بغلبة الظن ألا يقدر باعتبار أنها حامل من جهة أصلها، فقدر الله عز وجل فيما مضى، ولكن الله عز وجل ذكر ذلك هنا في كل مرة في قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ [البقرة:223]، يعني: متى شئتم ذلك بإتيان النساء قدموا لأنفسكم، ومن العلماء من قال: إن في هذا إشارة أنه ينبغي للرجل أن يأتي زوجته بقصد التكثر من الذرية، وقد جاء في ذلك جملة من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك كما جاء في السنن وغيره، قال: ( تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم )، وقد حسنه غير واحد من الأئمة، والمكاثرة في ذلك فيه إشارة إلى أنه هو الأصل، وهو من الأصول والمقاصد الشرعية في الزواج، وكذلك فيه إشارة إلى أنه حق للزوج والزوجة على هذا المعنى في قول الله جل وعلا: وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:223].

    هنا ذكر: وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ [البقرة:223]، يعني: للزوج وللزوجة، فالإتيان فيما سبق، قال: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، وقال سبحانه وتعالى: وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ [البقرة:223]، يعني: لكم جميعاً، وهذا إشارة إلى أن الولد حق للزوج وحق للزوجة.

    اشتراط أحد الزوجين عدم الإنجاب

    واختلف العلماء في اشتراط الزوج أو اشتراط الزوجة عدم الإنجاب هذا من المسائل التي يتكلم عليها الفقهاء، منهم من يقول: إنه شرط باطل، وهذا على القول بعدم الإنجاب على سبيل العموم من غير تقييد، وأما إذا كان تقييداً، كأن يقول: لا أريد إنجاباً في شهر أو شهرين أو نحو ذلك، فهذا يدخل في مسألة العزل، أن الرجل يعزل عن امرأته، وهذا في حكم العزل: هل يستأذن الزوجة أو لا يستأذنها هذه المسألة يأتي الكلام عليها.

    شرط الإنجاب جعله غير واحد من الأئمة من الشروط الباطلة، وقد نص على هذا غير واحد كـابن قدامة رحمه الله في المغني وهو قول جماهير العلماء، أن اشتراط عدم الإنجاب المطلق من غير تقييد هو من الشروط الباطلة التي يجب على المتعاقدين عدم الوفاء به؛ لأنه يعطل مقصداً من مقاصد الشريعة، فالله جل وعلا جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل:72]، فجعل الله سبحانه وتعالى بعد امتنانه أن جعل من الأنفس أزواجاً؛ جعل الله عز وجل من تلك الأزواج بنين وحفدة، فحث على الاستكثار في البنين وفي مسألة الحفدة.

    وهذا هنا في قوله جل وعلا: وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ [البقرة:223] المراد بذلك هو ما يشترك به الاثنان: الرجل والمرأة من جهة الحق في الولد على القول بتفسيرها وحملها على هذا المعنى.

    في قول الله جل وعلا: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [النحل:72]، يعني: أنه من جنسه، وهذا من منة الله عز وجل وفضله.

    ومن العلماء من قال في مسألة اشتراط عدم الإنجاب لزمن محدود: أن ذلك من الشروط الصحيحة، وهذا لا بأس به إذا كان لمصلحة، كأن يكون الإنسان في دار حرب، أو في بلد من البلدان يخشى أن يؤتى بذرية، وتكثر هذه الذرية وتتأثر بمن حولها باللغة والطباع ونحو ذلك، فله أن يشترط عدم الإنجاب لبضع سنين أو نحو ذلك، أما الشرط الدائم فهذا الذي يظهر لي بطلانه، وهو شرط غير جائز.

    حكم العزل

    وأما العزل وما في حكمه من استعمال حبوب منع الحمل، أو بعض الأسباب التي تتخذها بعض النساء في منع حملها، فهل يجوز للرجل أن يعزل من غير زوجته، أو يجوز للزوجة أن تتخذ سبباً لمنع الحمل من غير أن يعلم زوجها؟

    أولاً: بالنسبة للعزل، أن يتخذ الرجل سبباً لعدم حمل زوجته منه، من العلماء من قال: إن الولد حق للزوجة كما أنه حق للزوج، وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على منع الرجل من أن يعزل عن امرأته إلا بإذنها، وهذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما رواه الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث محرر بن أبي هريرة عن أبيه عن عمر بن الخطاب ، وجاء أيضاً عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها )، وهذا حسنه بعض العلماء، وجاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى موقوفاً عليه، وروي عن عكرمة وغيره من العلماء، وحكى بعضهم الاتفاق على أنه لا يجوز له، حكاه بعض الأئمة كـابن هبيرة و ابن عبد البر ، أنه يجب عليه أن يستأذن المرأة، وهذه المسألة عند التحقيق فيها خلاف.

    جمهور العلماء يقولون بالمنع إلا بإذن الزوجة، وهو قول الإمام أحمد وقول الإمام مالك ، وقول أبي حنيفة ، وهو ظاهر مذهبهم، وأما بالنسبة لقول الأئمة من الشافعية فعندهم في ذلك قولان: منهم من قال بالمنع، ومنهم من قال بجواز أن يعزل من غير أن يستأذن.

    وهذا في مسألة الحرة بخلاف الأمة، أما الأمة فله أن يعزل عنها من غير أن يستأذنها.

    وهذا كما أنه في الرجل مع المرأة، كذلك هو في المرأة مع الرجل، فليس لها أن تتخذ سبباً يكون مانعاً من عدم حملها من زوجها إلا باستئذان زوجها وعلمه.

    مفاد الأمر بالتقوى عقب ذكر إتيان النساء

    وقول الله جل وعلا: وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:223]، ذكر الله سبحانه وتعالى الأمر بتقواه، أمر بذلك بعد بيان أحكامه سبحانه وتعالى من جهة إتيان النساء، وكذلك ما يتعلق بإطلاق الإباحة في صفة إتيان النساء، وفي الزمان، بعد أن بين الله سبحانه وتعالى تحريم إتيان النساء في أدبارهن وإتيانهن في الحيض، أمر الله عز وجل بتقواه وأن الله جل وعلا رقيب على الإنسان عليم بتصرفه، وعليم بما تكنه نفسه، وذلك من عمل السوء، أو حبه ومقصده وغير ذلك.

    ولما كانت هذه الأمور من الأمور التي لا تظهر غالباً للناس، أكد الله عز وجل الأمر بتقواه، بالتذكير بلقاء الله سبحانه وتعالى، وسؤال الإنسان عما أمر الله عز وجل به الإنسان من جهة امتثاله: هل امتثل في ذلك أو لم يخالف، ولم يكتف في هذا السياق بالأمر بتقوى الله عز وجل، وإنما ذكر عباده ذكوراً وإناثاً بلقاء الله جل وعلا في الآخرة، وهذا من باب التذكير، ولكنه جاء بلفظ التعليق في قوله جل وعلا: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [البقرة:223]، يعني: تذكروا ما جهلتم، أو ربما قد يغفل عنه الإنسان أنكم معروضون بين يدي الله سبحانه وتعالى، فسائلكم عن تلك الأمور، فخشية الله عز وجل في حال سر الإنسان ينبغي أن تكون حاضرة كحاله في أمر علانيته.

    وفي هذا إشارة إلى أن ما كان من الأمور الخفية عن الناس وعن أنظارهم ونحو ذلك أنه ينبغي للإنسان أن يربطها بالحساب والعقاب، وأن يشدد في ذلك بامتثال أمر الله سبحانه وتعالى وأداء حقه جل وعلا.

    من الأدلة التي تشير إلى أن المؤمن يرى ربه في الآخرة

    وفي قوله جل وعلا: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة:223]، في هذا إشارة ببشارة، وإن لم تكن صريحة إلى رؤية أهل الإيمان لله جل وعلا، وهذا ظاهر في قوله سبحانه وتعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة:223]، الذين امتثلوا أمر الله سبحانه وتعالى، والأصل في اللقاء أنه يكون كفاحاً، ويكون برؤية، فإذا التقى فلان بفلان، أو التقى أحد بأحد، فإنه يكون كفاحاً هذا هو الأصل، وقد اقترن ذلك بتبشير أهل الإيمان، أي: من امتثل أمر الله سبحانه وتعالى، فإن الله جل وعلا يجازيه خيراً على امتثاله.

    ختم آية إتيان النساء بالتبشير دون الإنذار

    وهنا في قوله جل وعلا: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة:223]، ما توعد الله سبحانه وتعالى من خالف أمره، وما ذكر الله عز وجل عقابه، وإنما ذكر تبشيره لأهل الإيمان الذين امتثلوا ذلك إحساناً للظن في ذلك؛ لأن هذا الأمر يتعلق بأمرٍ باطن، وما سألوا عن إتيان النساء وهن حيض، ومعلوم أن مثل هذه الأمور لا تظهر للناس، فيعاقب عليها الإنسان، كحال ما يظهر من علامات السكر، أو ما يكون من حال الإنسان في مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى في الأمور الظاهرة التي تشتهر، أو تقع في أسواق الناس من أمور الربا أو بيع الحرام أو نحو ذلك، فهذا يقع فيها لغة التشديد والتهديد في حال المخالفة، ولكن هذا فيه إحسان ظن بأهل الإيمان، أنهم يمتثلون أمر الله خاصة من سأل في ذلك تورعاً، ولهذا الصحابة عليهم رضوان الله هم الذين بادروا بسؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم ذلك، ولهذا جاء الأمر بالتذكير بلقاء الله سبحانه وتعالى وتبشير أهل الإيمان بامتثال أمره سبحانه وتعالى.

    ولهذا نقول: إنه ينبغي أن يلان مع الإنسان إذا جاء سائلاً مستفصلاً، فإنه يغلب على حاله الورع، فيقابل بالتبشير واللين، بخلاف الذي لا يأتي سائلاً، وإنما يوقع على الذنب الذي وقع فيه من غير علمه، أو ربما كان على ذنب ولم يخبر به، أو لم يبحث عنه، وبقي على ذلك طويلاً، أنه يقرع في ذلك ويشدد عليه ما لم يشدد في غيره عمن جاء سائلاً أو مستفتياً فيحسن الظن به.

    1.   

    قوله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم...)

    وفي قوله سبحانه وتعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ [البقرة:224]، الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر ما يتعلق بأحكام الحيض، وكذلك ما يتعلق بإتيان النساء، سواءً كان ذلك في أدبارهن، أو في زمن الحيض، أو إتياهن على سبيل العموم؛ ذكر الله سبحانه وتعالى هنا نهياً عن أن يجعل الإنسان ربه عرضة لأيمانه، والمراد بذلك هو تقوية لما يحلف الإنسان به على ألا يأتيه من أمور البر، ولهذا يقول الله جل وعلا: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ [البقرة:224]، المراد بذلك هي قوة للأيمان، هذا على قول جماعة من المفسرين، ومنهم من قال: المراد بذلك أن يكون الله سبحانه وتعالى معترضاً على لسان الإنسان في كل يمين، حتى يجعله حاجباً له عن أمور الخير.

    ترك البر بحجة الخوف من الحنث

    وهذه نزلت فيمن يجعل الله سبحانه وتعالى مانعاً له عن امتثال أمره، من تقوى الله سبحانه وتعالى، أو صلة أرحامه (أن تبروا)، يعني: تبروا من أمركم الله عز وجل ببره، من الوالدين والإخوة والأخوات والأعمام والأخوال والأقارب وغير ذلك أن يحلف الإنسان يميناً ألا يصل عمه، أو ألا يصل خاله، أو ألا يصل أمه أو نحو ذلك، فإذا سئل عن ذلك قال: أقسمت تعظيماً لله ألا آتي ولا أريد أن أخالف يميني، فالله عز وجل نهى عن ذلك، قال: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ [البقرة:224]، أي: تجعلوها قوة لأيمانكم تمنعكم من عمل البر، يعني: أنكم لو حلفتم في ذلك فأتوا الأمور الخيرة لأنكم خالفتم أمر الله عز وجل بجعل ذلك مانعاً من الخير؛ لأن الله أمركم بذلك قبل أن تحلفوا، فالأمر قد وجد قبل إتيان الحلف، فأنتم الذين عارضتم أمر الله، فما جاء أمر الله بعد اليمين التي صدرت منكم، ولهذا كانت اليمين التي ترد من الإنسان في عدم فعله لواجب من الواجبات باطلة، فالله سبحانه وتعالى أمر بإصلاح ذات البين، وأمر الله جل وعلا ببر الناس، سواءً كان ذلك من الأقربين ممن أوجب الله عز وجل صلتهم، أو إعانة المحتاجين والفقراء والمساكين وإغاثة الملهوفين وغير ذلك، فإذا حلف الإنسان يميناً ألا يصل رحمه، أو ألا يبر من هو بحاجة إلى بره، وحلف على ذلك فهذا خالف أمراً قد أمر الله عز وجل به، فهو قد جعل يمينه معارضة لأمر الله سبحانه وتعالى الذي أمر به، ولهذا كانوا يحلفون على شيء من الأمور التي تخالف أمر الله سبحانه وتعالى، فيجعلون تلك الأيمان عرضة لمخالفة أمره من التقوى والبر والإصلاح بين الناس.

    حكم اليمين على ترك الواجبات

    وفي هذا دليل على أن الأيمان في ترك عمل الخير أو الأمور الواجبة على سبيل التخصيص أنها أيمان باطلة ليس للإنسان أن يمتثلها، وإنما الخلاف في الكفارة فيها، فهل هي يمين باطلة لم تنعقد أصلاً؟ أم هي يمين انعقدت ثم أمر الله عز وجل بعدم الوفاء بها؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: ذهب جماعة من العلماء إلى أن الإنسان إذا حلف على حرام فيمينه منعقدة، ولكنه لا يجب عليه أن يفي بها، وهذا القول ذهب إليه جماعة من الفقهاء من أهل الرأي، وهو قول أبي حنيفة ، وذهب إليه سفيان الثوري وغيره من الأئمة، ويستدلون لهذا القول بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة ، ومن حديث عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا وفاء لنذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين )، فالله عز وجل أمر بكفارته لانعقاده مع كونه على الحرام، جاء هذا في حديث عائشة و عمران بن حصين ، ولكن قد حكم غير واحد من الأئمة بالاضطراب على هذين الحديثين، كما جاء ذلك عن جماعة من الأئمة، وذلك أن حديث عائشة عليها رضوان الله قد تفرد به سليمان بن الأرقم وهو متروك الحديث، وأما حديث عمران بن حصين ، فقد جاء من حديث زهير بن محمد عن أبيه وأبوه مجهول، وقد أعل هذين الحديثين غير واحد من الأئمة الحفاظ، وهو كذلك.

    وأما بالنسبة للنهي عن الوفاء في ذلك فهذا هو ظاهر متضمن لهذه الآية، وهذا قول جمهور العلماء أنه لا كفارة في نذر الحرام، فإذا نذر الإنسان ألا يصل أمه، أو نذر الإنسان أن يشرب خمراً، أو يفعل أمراً محرماً، فالعلماء يتفقون على عدم الوفاء بالنذر، وإنما يختلفون في الكفارة، ويختلفون في مسألة الكفارة: هل يجب أن تكون سابقة لمباشرة الإنسان لنقض تلك اليمين؟

    هذا من مواضع الخلاف عندهم، والأظهر في ذلك أن اليمين المحرمة لا تجب فيها كفارة، كمن حلف على شيء محرم، وأما بالنسبة للأمور المباحة، فإن الإنسان إذا نذر نذراً على شيء من الأمور المباحة ألا يفعلها، ثم أراد أن يفعلها فلمصلحة راجحة في ذلك، فنقول فإنه يجب عليه في ذلك الكفارة ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف عند العلماء في مسألة التزامه بالترك أو عدم التزامه، وكذلك ما ظهر لهم من الأمور الخيرة هل هي من حظوظ النفس أو من عدمها، وذلك تعظيماً لتلك اليمين، فهل النذر ملزم بذاته للإنسان؟ يجب عليه أن يفي أم هو خيار؟ إما أن يلتزم أو يكفر، هذا من مواضع النظر، الأصل في هذا الإلزام أنه ملزم له، يجب عليه ألا يخالف يمينه ونذره، وأما بالنسبة للكفارة فليست ناقضة للنذر بكل حال، ويشتد في ذلك إذا كان ثمة مصلحة شرعية على النذر في ذلك، كمن نذر أن يدع مكروهاً أو يدع محرماً، ومن نذر على ترك شيء أو فعل شيء وهو من المباحات فيجب عليه أن يفيء بنذره، وإذا لم يفيء وأراد أن يكفر هل نذره أو نقضه لنذره يأثم به لأنه خالف أمر التعظيم؟

    من العلماء من قال: إنه يجب عليه أن يفيء بنذره؛ لأنه حلف بالله وخالف تعظيم تلك اليمين أو ذلك النذر، ومن العلماء من قال: إن التعظيم يزول بالتكفير، وذلك أنه إذا كفر فإن الكفارة في ذلك هي تعظيم لمن حلف به، أو تعظيم لذلك النذر حتى لا يتخذ الإنسان اليمين أو النذر من الأمور التي تجري على لسانه من غير اكتراث أو مبالاة، ولهذا نقول: إن الإنسان الأولى أن تكون كفارته في ذلك قبل مباشرته لمن نذر عنه، وهذا من مواضع الخلاف، ولعله يأتي في بعض المواضع الكلام على ذلك عند كفارة اليمين.

    ما يلزم من حلف على صاحبه أن يأكل عنده فلم يأكل

    وأما ما كان معناه دالاً على تحققه من غير تحقق صورته، فهل يجب في ذلك عليه الكفارة كالإنسان الذي يحلف على شخص يميناً يقول: عليّ اليمين، أو والله إلا تتعشى عندي، أو تتغدى عندي، ثم خالفه في ذلك يجب عليه في ذلك الكفارة أم لا؟

    جمهور العلماء يقولون بوجوب الكفارة، ويذهب بعض العلماء وهو قول ابن تيمية رحمه الله إلى أنه لا يجب عليه الكفارة، لأنه أراد إكرامه، وهذا الكلام إكرام، فيتحقق منه ذلك؛ لأن الرجل يريد أن يكرم ضيفه فامتنع ضيفه من الإتيان إليه، أراد من ذلك إكراماً له، وتحقق له ذلك المعنى، قالوا: ولما تحقق ذلك المعنى لم تنتقض تلك اليمين، وهذا قول له حظ من النظر.

    معنى قوله تعالى: (أن تبروا)

    وقول الله جل وعلا: عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا [البقرة:224]، يعني: ألا تبروا، وإنما لم يذكر اللام هنا لظهورها في السياق، وهذا محل اتفاق على هذا التأويل، ومنهم من قال: إن هنا من معانيها النفي، قالوا: وذلك كبعض المعاني في قول الله جل وعلا: ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب:59] أي: لا يعرفن فلا يؤذين وهذا من المعاني الصحيحة في بعض السياقات، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء:176]، أي: لا تضلوا، وكذلك لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا [البقرة:224]، أي: لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس، فالإنسان إذا جعل الله عز وجل عرضة ليمينه، فتكون سبيلاً في عدم تقوى الله، وعدم البر، وصلة الأرحام، وكذلك الإصلاح بين الناس، فإنه يجب على الإنسان عدم الوفاء بها.

    أهمية الإصلاح بين الناس

    وقول الله جل وعلا: وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ [البقرة:224]، فيه إشارة إلى أهمية الإصلاح بين الناس، وأنه يقدمها الإنسان على كثير من المصالح الشرعية فضلاً عن المصالح غير الشرعية، من الأمور الدنيوية وغير ذلك، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في السنن وغيرها عن خير الأعمال، قال: ( الإصلاح بين الناس ).

    الحكمة من ختم قوله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم...) بقوله: (والله سميع عليم)

    قال: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:224] ذكر الله سبحانه وتعالى في ختام هذه الآية اسمين عظيمين جليلين له، وهو السميع والعليم، إشارة إلى أن الأيمان غالباً تكون من الإنسان بينه وبين ربه، أي: أن الله عز وجل الذي أمركم بذلك ونهاكم عن أن تجعلوا تلك الأمور عرضة لأيمانكم، يسمع أيمانكم، ويعلم سبحانه وتعالى غلظها في نفوسكم، والوجل الذي تجدونه منها عند المخالفة في ذلك، ومع ذلك أمركم الله عز وجل ألا تجعلوها عرضة لأيمانكم، فتكون مانعة لكم عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فلا ينبغي للإنسان أن يجد في نفسه حرجاً أو وجلاً عن امتثال أمر الله سبحانه وتعالى الذي أمر الله عز وجل به قبل ذلك.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم إلى هداه ورضاه وتقاه، وأسأله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن يستمع القول ويتبع أحسنه.

    وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.