إسلام ويب

اعتقاد سفيان الثوري [5]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا قضى الله عز وجل على الإنسان أمراً إن كان خيراً أن يستمر عليه, وإن كان شراً فعليه أن ينصرف عنه، وإن كان من جملة المصائب فعليه أن يسترجع ويصبر ويرضى، وحينئذٍ يعلم الإنسان سعة قدرة الله عز وجل وعلمه، وتنغرس القناعة والرضا بقضاء الله وقدره، ويرزق راحة البال, وعدم الخوف مما يأتي من الأمور المستقبلية.

    1.   

    الاعتقاد الصحيح في باب المشيئة

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    فقد تقدم معنا الكلام على القدر, وموقف الطوائف منه, وذكرنا الطائفتين: طائفة القدرية، وطائفة الجبرية اللتان خالفتا القرآن والسنة ومنهج المسلمين, ومقتضى العقل, وذكرنا ما كان عليه أهل العلم والمعرفة من سائر القرون, وذكرنا منهج القدرية -وهم المعتزلة- بنوعيها الغلاة والنفاة, وذكرنا منهج الجبرية -غلاةً وجفاةً- في هذا الباب, وذكرنا من ينتسب إلى هذا المذهب من الأشاعرة وبعض الرافضة وغيرهم.

    قال المصنف رحمه الله: [ وقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]].

    المصنف رحمه الله يورد هنا جملة من الآيات معارضة لما كان عليه اعتقاد أهل الباطل بإثبات مشيئة الله جل وعلا وبيان منهج أهل الحق, الذي هو وسط بين هذه الطوائف, فهم الذين يثبتون لله عز وجل علماً وكتابةً ومشيئةً, وأن الله جل وعلا خلق الخلق وخلق أعمالهم, وخلق أفعالهم, والله جل وعلا خلق العلم والمعلوم والعمل, وتشهد لهذا الأصول العامة, وهو من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة.

    وإيراده هنا لقول الله عز وجل: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30], مراده بذلك أن يثبت منهج أهل الحق, وهو منهج أهل السنة والجماعة في ذلك، فهم يثبتون لله جل وعلا مشيئتين, وأما أولئك فيثبتون لله عز وجل مشيئة واحدة, وقد ذكر في الآية مشيئتين وهما: مشيئة للعبد, ومشيئة لله عز وجل، ومشيئة العبد هي مشيئة بعد مشيئة الله, وهي مشيئة الله عز وجل وإرادته, ومشيئة الله هي المشيئة المتصرف، والمشيئة لله عز وجل هي مشيئة كونية, ولا توجد مشيئة غيرها.

    1.   

    الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية

    والإرادة على نوعين: الإرادة الكونية وهي رديفة للمشيئة، والإرادة الشرعية والمراد بها: أحكام الله عز وجل وتشريعاته, فإرادة الله عز وجل كوناً لا بد من وقوعها, وهذا قضاء الله عز وجل وقدره, وهو أصل القدر في حاله وقوعه، وهي أيضاً مشيئة الله سبحانه وتعالى التي لا بد أن تكون صائرة.

    والفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية هو: أن الإرادة الكونية متعلقة بفعل الله عز وجل, أي: أنها من أعمال وأفعال الله سبحانه وتعالى, وأما الإرادة الشرعية فهي متعلقة بعمل العبد, فإن كان خيراً فخير، وإن شراً فشر.

    والإرادة الكونية يقضي الله عز وجل فيها بما يريد, ولا يقضي سبحانه وتعالى فيها بما يحب, والمراد بذلك هو تصريف الكون وتدبيره.

    وأما بالنسبة للإرادة الشرعية فإن الله سبحانه وتعالى يأمر عباده بفعل الخير، وينهاهم عن الشر, ولكن منهم من يفعل الخير، ومنهم من يفعل الشر, ويقضي الله عز وجل على عباده شراً وخيراً, فالإرادة الشرعية يلزم منها شيء من الإرادة الكونية.

    وكذلك فإن الإرادة الكونية لا بد أن تندرج تحتها الإرادة الشرعية, فقد قال الله عز وجل: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185], وقضاء الله عز وجل وقدره تيسير للعباد على أي نحو كان, والإرادة الشرعية هي متعلقة بفعل العبد, ويقع من فعل العبد ما يحبه الله عز وجل وما يكرهه سبحانه وتعالى, فالإنسان قد يفعل شيئاً يكرهه الله عز وجل وينقده، وهو الذي يكون عليه العقاب.

    1.   

    عمل العبد في باب المشيئة

    وأما بالنسبة لعمل العبد في باب المشيئة فمعلوم أن الإنسان يجب عليه أن يمتثل لأمر الله سبحانه وتعالى, وأما مشيئة الله عز وجل فيما يقدره على العبد ويقضي به فإنه لا بد أن يكون. وأما بالنسبة لامتثال الإنسان للأوامر التكليفية واجتنابه للنواهي فهذا هو مقتضى القضاء الشرعي, ولهذا نقول: إن الإرادة الكونية هي القضاء, وهي القدر, وهي المشيئة, وأما بالنسبة للقضاء فإن أحد وجوهه الإرادة الشرعية.

    وبعضهم يجعل المشيئة مشيئةً شرعيةً ومشيئةً قدريةً, وهذا من الخطأ, بل يقال: إن المشيئة لا تكون إلا كونية وقدرية, وهي التي يقضي الله عز وجل بها، ولا بد أن تكون صائبة, ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30], أي: أن العبد يشاء الخير والشر, وأما الله جل وعلا فيشاء للعبد الشيء ولا بد أن يفعله, سواء كان خيراً أو شراً.

    إذاً عمل الإنسان في أبواب المشيئة فنقول: إن المشيئة محلها العمل والفعل, وأما بالنسبة للإرادة الكونية فهي متعلقة بفعل الله, وأما بالنسبة للإرادة الشرعية فهي متعلقة بعمل العبد.

    وأما موقف الإنسان من المشيئة فنقول: قد تقدم معنا ما يتعلق بمسألة الاحتجاج بالقدر على المعاصي والذنوب التي وقعت من الإنسان، وذكرنا أنه لا يجوز للإنسان أن يحتج على معصية فعلها بالقدر ويبقى عليها، وإنما يجب عليه أن يبادر بتركها والتوبة منها, فإن بادر وتاب احتج بعد ذلك بالقدر على ما مضى, وأن الله عز وجل قضاه عليه وقدره, وهذا يظهر في اختصام آدم وموسى حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فحاج آدم موسى ), أي: غلبه في أبواب المناظرة في ذلك, فيجوز للإنسان أن يحتج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها, وأما في حال الوقوع على المعصية فهذه طريقة الجاهليين وسيدهم في ذلك إبليس؛ لأنه احتج على ربه بأنه كتب عليه اللعنة وطرده, فأراد المضي في هذا الطريق, وهذه طريقة المشركين الذين قالوا: لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف:20], بمعنى: بما أن الله عز وجل قضى علينا عبادة الأصنام والأوثان من دونه فلا يمكن أن ننصرف عن ذلك, وقد تبعهم على ذلك من قالوا: إن الله عز وجل جبر العباد على عمل من الأعمال فلا بد أن يصيروا إليه.

    وهؤلاء الذين سلكوا هذا المسلك هم الجهمية وغيرهم الذين جعلوا العبد إن عبد صنماً أو شجراً أو وثناً فإنه عبد الله سبحانه وتعالى, وتقدم التدليل في قوله جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23], فالقضاء هنا المراد به: الأمر؛ وقد جاء ذلك عن عبد الله بن عباس و عبد الله بن مسعود وغيرهم من المفسرين من الصحابة والتابعين.

    1.   

    أحوال العبد مع قضاء الله عز وجل

    بالنسبة لما يقضيه الله عز وجل لعبده فإن هذا القضاء لا يخلو من ثلاثة أحوال: أن يكون هذا القضاء قضاءً حاضراً, وحينئذٍ يجب على الإنسان إذا قضى الله عز وجل عليه أمراً؛ إن كان خيراً أن يستمر عليه, وإن كان شراً فعليه أن ينصرف عنه، وإن كان من جملة المصائب أن يسترجع الله عز وجل على تلك المصيبة وقضائه وقدره، وأن يصبر ويحتسب ويرضى، وأما بالنسبة لما يستحضره الإنسان ويعتقده من ذلك, فيعتقد أن الله عز وجل قدر عليه ذلك العمل.

    اللفظ الوارد بعد نزول قدر الله

    بالنسبة لتلفظه فإنه يجب عليه أن يقول: قدر الله وما شاء فعل, ودليل ذلك: ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف, احرص على ما ينفعك ولا تعجز, إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا, ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل, فإن لو تفتح عمل الشيطان ), أي: أنه ينبغي للإنسان إذا نزلت به مصيبة ومضت, أو قدر الله عز وجل عليه أمراً سيئاً قصرت عنه همته أن يقول: قدر الله وما شاء فعل.

    وهنا يخطئ البعض حيث يقولون عن شيء مضى ولا يمكن استدراكه: لا حول ولا قوة إلا بالله, وهذا من الخطأ, بل يقال: (لا حول ولا قوة إلا بالله) هو في الأعمال التي يريد الإنسان أن يباشرها ولم يعملها, أي: إذا أراد الإنسان أن يقوم بعمل من الأعمال؛ كأن ينشئ بناءً أو يحفر بئراً أو يدخل داراً أو يستعين على عمل فعليه أن يقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله), فهي رديفة البسملة, والبسملة تبدأ بها الخطب والمكاتبات, وشرعها الشارع في بعض المواضع؛ كدخول المنزل ونحو ذلك, فإذا أراد الإنسان أن يعمل شيئاً فليقل: (لا حول ولا قوة إلا بالله), وهذا ظاهر القرآن.

    أحوال قول: (لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا)

    وبالنسبة لقول الإنسان فيما مضى: لو أني فعلت كذا وكذا, فإن هذا لا يجوز لشيء فات لا يمكن استدراكه إلا لشيء من الأمور الشرعية, وأن يظهر الإنسان أنه سيفعل ذلك مستقبلاً, والدليل على ذلك ما جاء من حديث جابر في صحيح الإمام مسلم وغيره, في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لو أني استقبلت من الأمر ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ), أي: أني لو استقبلت ما مضى ورجع بي الوقت لما سقت الهدي وجعلت هذا الإحرام.

    ومثل ذلك في حال استدراك الإنسان وتمنيه أنه فعل الخير، فهذا لا حرج عليه أن يقول: لو أني فعلت كذا وكذا؛ والعلة في ذلك هو عدم تفويت المقصد الشرعي عن فعل أعمال البر, فإن الإنسان إذا فعل المفضول وترك الفاضل، ويخشى أن الناس إذا رأوه تركوا الفاضل إلى المفضول؛ فينبغي له أن يبين لهم أنه لو استقبل من الأمر ما استدبر فإنه كان سيفعل الفاضل ويترك المفضول، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك تمني عمل الخير, فذلك التمني يؤجر عليه الإنسان, فيقول الإنسان: ليتني أو لو أني سعيت أو حججت أو تصدقت أو فعلت أو نحو ذلك فإن هذا من أمور الخير, فهذا من وجوه التمني التي يؤجر عليها الإنسان, فإن الإنسان إذا تمنى شيئاً وهو صادق من قلبه فإن الله عز وجل يعطيه إياه, فينبغي للإنسان أن يتمنى عمل البر, وهذا له أثر في قلب الإنسان, والإنسان إذا أكثر من تمني الخير تعلق قلبه به حتى لو تمكن منه لفعله, بخلاف لو يأتيه الخير فجأة فإنه ربما صرف أو تعلق قلبه بالدنيا, وهذا فيه نوع من توطين القلب.

    وأما ما جاء في الخبر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فإن لو تفتح عمل الشيطان ), فالمراد بذلك فيما ينزل على الإنسان من مصائب, وليس ذلك في أمور الفاضل والمفضول من أمور البر.

    وما ينزل على الإنسان من مصائب وكوارث ونوازل ونحو ذلك فلا يقل الإنسان: لو أنني سلكت الطريق الآخر لما نزلت بي هذه المصيبة, أو لو أنني لم أسافر لما حل بي ما حل, فإن هذا مما لا يجوز؛ لأن الإنسان لا يعلم الخير الذي يقدره الله عز جل له, فإنه ربما أخرج الله جل وعلا له من تلك المحنة منحاً كثيرة لا يعلمها, وقوله في ذلك فيه تخطئة للخيرية التي تلحق المؤمن.

    والإنسان عند نزول المصيبة مأمور بأن يستقبل أمراً، وأن يقول قولاً، ولا ينظر فيما مضى, واستقبال الأمر هو الحياطة, (فلا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين), وكذلك أن يستقبل الإنسان ما فاته بالخير فيما يأتي، وعليه أن يقول: (قدر الله وما شاء فعل) في تلك المصائب التي نزلت به, ويقول المشروع فيما نزلت به من مصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون.

    وأما بالنسبة للخير الذي مضى عليه فهو تفويت لعمل صالح, وينبغي عليه أن يبين أنه ما تركه إلا تفريطاً ويتمنى استدراكه.

    المشروع قوله مع الأمور التي يقدرها الله على الإنسان مباشرة

    وأما ما يتعلق بالقدر الذي يقدره الله عز وجل على الإنسان وهو قريب منه ويباشر الإنسان ذلك، فإنه يشرع للإنسان أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله, أو يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله, وهذا ظاهر في قصة صاحب الجنة حيث قال الله تعالى: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الكهف:39], أي: أنه يشرع للإنسان إذا بادر بعمل كحصاد أو قطع ثمار أو جمع مال أو بناء دار أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله, ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله, وهذا من الأمور الحسنة التي يفعلها الإنسان فيما يباشره الإنسان من عمل, وفيه نوع من الاستعانة, وهي رديفة لقول: بسم الله الرحمن الرحيم، في طلب الاستعانة والعون من الله سبحانه وتعالى، وهذا فيه تبرك بهذه العبارة, فهي: ( كنز من كنوز الجنة ), كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن قيس وهو في الصحيح.

    المشروع قوله في الأمور المستقبلة التي لا يباشرها الإنسان

    وأما بالنسبة لما يأتي من الأمور المستقبلة البعيدة التي لا يباشرها الإنسان, فإن الإنسان ينبغي له إذا ورد في ذهنه ذلك العمل أن يقول: (إن شاء الله) عند ذكره, أي: حتى يحققه الله عز وجل له, وأما من لم يقل ذلك فكأنه وكل الأمر إلى جهده في ذاته, وهذا نوع من القصور في أبواب الإيمان, وقصة سليمان في ذلك حينما أنساه الله عز وجل ذلك في قصة زواجه مما هو معلوم, والحديث في الصحيح، فينبغي للإنسان في الشيء الذي لا يباشره مباشرة أن يقول: إن شاء الله, فقد قال الله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24], وينبغي للإنسان أن يقول هذه العبارة فيما يفعله غداً أو بعد غدٍ ولم يباشره, وأما عند المباشرة فإنه يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله, أو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

    وهذه هي الأمور الثلاثة في أبواب مشيئة الله سبحانه وتعالى.

    ومعلوم أن الله عز وجل شاء شيئاً ومضى, وشاء شيئاً قدره الله عز وجل سيحل على الإنسان, أو يعزم الإنسان على عمله, أو شيء لا يفعله الإنسان الآن وإنما يترقبه وهو بعيد, فهذا يعلقه بمشيئة الله سبحانه وتعالى؛ حتى يعان الإنسان ويسدد عليه.

    وأما بالنسبة للإرادة الشرعية فالإرادة الشرعية ليس كلامنا هنا في مسائل الاعتقاد من مباحثها, وإنما مباحثها يتقاسم بين مسائل العقائد ومسائل الأحكام، ومسائل الآداب والسلوك، ومسائل الأخبار مما يتعلق بإخبار الزمان وأشراط الساعة وأحوال الأمم الآتية ونحو ذلك, فهي موزعة بين هذا وهذا. وأما بالنسبة للإرادة الكونية فهي متعلقة بمسائل العقائد.

    1.   

    آثار الإيمان بقضاء الله وقدره

    والله سبحانه وتعالى أمر بالإيمان بالقدر وبقضائه سبحانه وتعالى, وهذا الإيمان له أثر على الإنسان, ومن ذلك:

    معرفة سعة قدرة الله وعلمه

    الأثر الأول: أن يعلم سعة قدرة الله عز وجل وسعة علمه سبحانه وتعالى, فإن الإنسان إذا رأى هذه الحوادث التي تحدث تباعاً أو تحدث متوازية مما لا يحصيه الإنسان عدداً فيعلم أن هذه الأمور بقدر الله عز وجل؛ فينغرس في نفس الإنسان الإيمان بعظمة الله عز وجل وقدرته وسعة علمه سبحانه وتعالى.

    والله عز وجل يفعل أفعالاً في لحظة واحدة لا يمكن للإنسان أن يحصيها فيعلمها الله عز وجل، وكلها على علم من الله عز وجل، وكتابة منه ماضية, وبقدر منه سبحانه وتعالى وقضاء, فهذا يغرس في الإنسان العلم واليقين والخوف من الله سبحانه وتعالى, وكلما كان الإنسان عالماً بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته كان لله عز وجل أخوف؛ وقد قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:28].

    حصول القناعة بقضاء الله وقدره

    الأثر الثاني: أن ذلك يغرس في الإنسان القناعة والرضا بقضاء الله عز وجل وقدره عليه, فإذا نزلت بالإنسان مصيبة فلا يربطها بالأسباب، ولا يعلقها بفعل فلان, فإذا ربطها بالأسباب ونسي مسبب الأسباب جعل ذلك في نفسه ضيقاً على غيره, أو حمل ذلك نفوس الناس, وأما إذا كان هناك إيمان بأن ثمة مشيئة متصرفة فوق هذا الكون هي القاضية على مشيئة الناس, فإن ذلك يغلب في صاحب الإيمان أن يعلق ذلك الأمر بالله سبحانه وتعالى.

    وأما إذا كان لا يؤمن بالمشيئة ولا بالقضاء أو القدر, وكان من الذين يفكرون بالماديات، ونزلت فيه مصيبة في ابنه أو زوجته ونحو ذلك؛ فربما حمله ذلك على الانتقام, أو ظن السوء في من تصرف بذلك؛ لأنه لم تكن المشيئة في ذلك مجزئة لديه, وإنما ألحق تلك المشيئة بفرد واحد، وهو السبب الذي جعله الله عز وجل فيه, فحمل في ذلك غيظاً حنقاً وضاق صدره، ووجد في ذلك حرجاً شديداً.

    استدراك ما يأتي من أمور مستقبلية

    الأثر الثالث: أن الإنسان الذي يؤمن بقضاء الله عز وجل وقدره يحثه ذلك على الاستدراك فيما فاته بما يأتي من عمل, واحتجاجاً بما تقدم الكلام عليه في قصة آدم, فإنه حينما قضى الله عز وجل عليه وقدر فيما فعله في الجنة وزوجه عليهما السلام، فإنه احتج بقضاء الله عز وجل عليه من ذلك ثم تاب واستقام، ثم احتج بقضاء الله عز وجل, فرزقه الله عز وجل من ذلك ثباتاً, وأما من نظر إلى مطلق قدرة الله عز وجل ومشيئته وجبره لعباده، ولم ينظر إلى مشيئة الله عز وجل التي جعل منها الله سبحانه وتعالى لعبده تصرفاً بعد مشيئته، فإنه يحمله ذلك على الطغيان والضلال في ذلك؛ كما حمل إبليس نفسه على الاستمرار في معارضة أمر الله سبحانه وتعالى.

    راحة البال والرضا

    الأثر الرابع: أن الإنسان الذي يؤمن بقضاء الله عز وجل وقدره يزرق راحة البال والرضا, وعدم الترقب والوجل والخوف مما يأتي من الأمور المستقبلية, وإن كان الإنسان ممن لا يؤمن بمشيئة الله عز وجل وإرادته الكونية ويعلق ذلك بالأسباب، فإن ذلك يسبب له قلقاً واضطراباً في نفسه مما يأتي، وأما الإنسان إذا كان يعلق غالب إيمانه وقلبه بمشيئة الله عز وجل وإرادته الكونية فإن ذلك يعطيه تفاؤلاً, وأما الذي ينظر إلى الأسباب فإنه ليس من أهل الراحة والاطمئنان، ولهذا يوجد قتل الناس, وأذية النفس والاكتئاب والوسوسة وفقد العقل عند أهل الماديات الذين لا يؤمنون بقضاء الله عز وجل وقدره.

    وقد قرأت عن بعض الشيوعيين أنه حينما ذكر له إيمان المسلمين بقضاء الله عز وجل وقدره قوله: إني أعجب من هذا الإيمان, وذلك أنه يغرس -إن صح بزعمه- ما يعتقدونه في نفوسهم من الطمأنينة وراحة البال مما لا يتحقق عند الإنسان لو ملك زمام الدنيا كلها, والإنسان لو أعطي ثروات الدنيا كلها فإنه يخشى من أن يأتي سبب من الأسباب فيذهبها عنه, فهو قلق إن أعطي أو قلق إن منع من ذلك, وأما بالنسبة للذي يؤمن بقضاء الله عز وجل وقدره فهو على راحة بال إن أعطي أو حرم من ذلك, قال: وهذه الراحة تصاحب الإنسان في كل حال, سواء كان معطى أو ممنوعاً, وهذا لا يكون إلا في حق الإيمان بقضاء الله عز وجل وقدره.

    1.   

    الإيمان بالملائكة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقالت الملائكة: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ[البقرة:32] ].

    خلق الملائكة

    الملائكة هم من عباد الله عز وجل، خلقهم من نور؛ كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحيح: ( إن الله عز وجل خلق الملائكة من نور, وخلق الشيطان من نار, وخلق آدم مما وصف لكم ), فالله سبحانه وتعالى خلق الملائكة من نور, وجعلهم عباداً مجبولين على طاعته, يفعلون ما يؤمرون به.

    عدد الملائكة

    وأما عددهم فلا عد لهم ولا حصر, وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان شيء من ذلك يحير الألباب، ففي مسند الإمام أحمد من حديث مورق عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أطت السماء وحق لها أن تئط, ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك ساجد أو راكع ), وقال عليه الصلاة والسلام: ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً, ولما تلذذتم بالنساء على الفرش, ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ), وفي هذا إشارة إلى سعة جند الله عز وجل الذين لا يعلمهم إلا هو سبحانه وتعالى، ومن جنده الملائكة, ومنهم من لا يحصيهم إلا الله سبحانه وتعالى, ومنهم من نعلمهم، ومنهم جند لا يعلمهم إلا الله, وهذا لسعة مخلوقاته جل وعلا.

    شرف الملائكة وتفاضلهم مع صالح المؤمنين

    والملائكة من أشرف المخلوقات, ويظهر شرفهم أن الله عز وجل جعلهم مجبولين على عبادته, فلا تقع منهم مخالفة أو معصية, وهذا من أمارات النبل, فإن النبل يعرف من فعل الفاعل, فإذا كان لا يفعل إلا خيراً فإن هذا علامة على نبله وفضله وتميزه على غيره.

    والخلاف عند العلماء من التفاضل بين صالح المؤمنين من بني آدم والملائكة معلوم, وهذه من المسائل الخلافية عند أهل السنة, وعامة العلماء يفضلون الأنبياء على الملائكة, وأما بالنسبة لصالح بني آدم فالخلاف فيه عريض.

    مراتب الملائكة ومهامهم

    وهؤلاء الملائكة على مراتب من جهة خلق الله عز وجل لهم, وكذلك ما يوكلون إليه, فمنهم من ذكره الله عز وجل في القرآن؛ كجبريل وإسرافيل وميكائيل, ومنهم من لم يذكره الله عز وجل, ومنهم من ذكر الله عز وجل مهمته في القرآن ولم يذكر اسمه, ومنهم من ذكر الله عز وجل حاله ووصفه، ومنهم ذكر الله سبحانه وتعالى عمله أو وصفه؛ كالملائكة الذين يجعل الله عز وجل لهم أجنحة مثنى وثلاث ورباع, فهذا من خلق الله سبحانه وتعالى الذي يزيد فيه, كما قال تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ [فاطر:1], فذكر الله عز وجل وصفاً، وما ذكر الله في ذلك مهمة.

    ومنهم من وكله الله عز وجل بالوحي كجبريل عليه السلام, ومنهم من وكله الله عز وجل بنفخ الصور كإسرافيل, ومنهم من وكله الله عز وجل بالجنة, ومنهم من وكله الله عز وجل بالنار, ومنهم ملائكة السحاب, ومنهم ملائكة الكتابة عن يمين الإنسان وشماله وهما رقيب وعتيد.

    ومنهم ملائكة السؤال في قبر الإنسان وهما منكر ونكير, وقد جاء في ذلك خبر معلوم, كما في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي , وقال بثبوت ذلك غير واحد من الأئمة؛ كالإمام أحمد رحمه الله كما نقله عنه القاضي ابن أبي يعلى في كتابه الطبقات, وأما خبر سؤال الملكين فالخبر في ذلك ثابت وهو في الصحيح, ومعانيه في القرآن, وأما بالنسبة لاسم الملكين منكر ونكير فإن ذلك الخبر فيه ضعف, وقد جاء من طرق متعددة قواها بعض الأئمة.

    واجب الإنسان تجاه الملائكة

    والملائكة بالنسبة للحق الواجب على الإنسان تجاههم هو أن يعلم الإنسان أن هؤلاء الملائكة عباد لله عز وجل, وأنه سبحانه وتعالى غني عن عباده كلهم, سواء كانوا من الملائكة أو من غيرهم, وأن الملائكة ليسوا بنات لله جل وعلا كما يزعم أهل الجاهلية, وأنهم عباد لله يفعلون ما يؤمرون, وأن منهم من سمى الله عز وجل في كتابه, ومنهم من وكله الله عز وجل بالوحي وهو جبريل, وهو أوجب ما يؤمن به العباد, فيجب عليهم أن يؤمنوا بأن القرآن الذي أنزله الله عز وجل على نبيه كان بواسطة جبريل, والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ الوحي من جبريل, وجبريل أخذه من الله, وهذا سماعاً, وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة.

    وذهب بعض الطوائف الذين يقولون: إن الله عز وجل لم يتكلم, تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً, وقالوا: إن جبريل أخذ كلام الله من اللوح المحفوظ, وربما يعبرون بذلك أن الله عز وجل خلق كلامه في جبريل وأوجده فيه، ثم نقله جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذه من الأقوال الخاطئة, ويقول بها بعض المتفقهة من الأشاعرة من المتأخرين, ويقولون: إن الله عز وجل أوجد ذلك علماً في نفس جبريل؛ كـالسيوطي رحمه الله.

    علم الملائكة

    وفي قوله هنا: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة:32] إشارة إلى أن الملائكة مع قربهم من ربهم سبحانه وتعالى, ومع كونهم أيضاً من عمار السماوات, وفي عدد لا يحصيه إلا الله عز وجل، إلا أنهم لا يملكون من العلم إلا ما يعلمهم الله عز وجل, فلا يحيط أحد من المخلوقات بشيء من علم الله عز وجل إلا بإذنه سبحانه وتعالى, وإذا كان هذا في أمر الملائكة فإنه لمن كان أبعد منهم منزلة من باب أولى, ممن يدعي علم الغيب من الكهنة والسحرة والعرافين والمنجمين, وغير ذلك ممن ينظرون في الأبراج من الماديين الذين يربطون علم الغيب ببعض المعادلات الكونية من مسيرة الأفلاك.

    نسبة العلم الموجود عند الناس لله

    وفيه إشارة إلى أن العلم الذي أوجده الله عز وجل في الناس هو مخلوق, وهذا العلم الذي جعله الله عز وجل كسائر المعلومات في الناس, فأمر الكون, وأمور الأسماء, وأسماء الأشياء التي علم الله عز وجل الملائكة إياها, هذه من مخلوقات الله سبحانه وتعالى.

    ومن أعظم توفيق الله عز وجل للإنسان أن يسلك مسلك الملائكة في نسبة العلم إلى خالقه.

    وأما من نسب العلم إليه فإن الله عز وجل يكله إلى نفسه, فكم من الناس آتاه الله عز وجل علماً فنسب العلم إليه ولم يعلقه بخالقه وموجده جل وعلا، فوكله الله عز وجل إليه فلم ينتفع بعلمه شيئاً, وربما ضاق بذلك صدره, وأضله الله عز وجل على علمه, ولهذا ينبغي للإنسان -إن آتاه الله عز وجل علماً- أن ينسب المعلومة إلى الله كما ينسب الإنسان المخلوقات المشاهدة إلى الله سبحانه وتعالى, وهذا مما يقصر فيه كثير من المتعلمين الذين لا يدركون أن تلك المعلومات التي في صدورهم -عدا القرآن- أنها من مخلوقات الله عز وجل، وقد أعطاها الله عز وجل إياهم كما يعطيهم الذهب والفضة والدنانير والثمار والزروع, والذرية والأبناء التي يحمد الله عز وجل, فكم من الناس من يحمد الله عز وجل على ما يعطيه من الأموال، ولا يحمد الله عز وجل على العلم الذي يؤتيه أو على مسألة يفتح الله عليه فيها، وهذا من القصور, فينبغي للإنسان كلما استجد لديه علم أن ينسبه إلى الله ويحمده عليه، وأن يقول: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا, أي: أن ذلك من هبة الله عز وجل لعباده.

    وكما لا يخفى فإن المعلومات مخلوقة, ومن يزعم إيجاد معلوم من عدم كمن يزعم أنه أوجد شيئاً من الماديات من عدم, وينبغي للإنسان أن يعلم أن الله عز وجل وفقه إلى استنباط, أو إلى معرفة حكمة أو دلالة أو نحو ذلك؛ فليعلم أن الله عز وجل وفقه إلى مخلوق, وإذا نسب هذا المخلوق إلى نفسه فإنه كمن ينسب الأمور المادية إلى نفسه، وعند ذلك يكله الله عز وجل إلى نفسه.

    مشيئة الملائكة

    وفي قوله: (لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) إشارة إلى أن للملائكة مشيئة, وهذه المشيئة جعلها الله عز وجل تناسبهم, وهذه لا تكون إلا بعد إرادة الله سبحانه وتعالى, فيكون علم الله سبحانه وتعالى الذي جعله في عباده قد جعل منه شيئاً في ملائكته, وهذا العلم الذي في الملائكة يكون تحت مشيئة الله عز وجل وإرادته.

    أدب الملائكة مع الله تعالى

    وفي هذا أيضاً نعلم أدب الملائكة مع رب العالمين، فهم من أعلم المخلوقات بالله سبحانه وتعالى, وحينما أمرهم الله عز وجل أن يعلموا غيرهم, بينوا أن ذلك المعلوم ليس منهم، وإنما هو من الله سبحانه وتعالى, وأن الله عز وجل إذا حرمهم ذلك المعلوم فإنه لا معلم لهم إلا هو, ولهذا ذكروا اسمين من أسماء الله جل وعلا وهما: العليم والحكيم, وفي ذلك إشارة إلى سعة علم الله سبحانه وتعالى, وهذا ما ينبغي للإنسان أن يفعله، فإذا أراد الإنسان أن يبين شيئاً من خصائص الله عز وجل أو بعض وجوه الافتقار إليه جل وعلا فعليه أن يذكر شيئاً من أسماء الله التي تقتضي الدعاء بسياقه, وألا يبعد في اختيار الأسماء, فهذا من العمل بالأسماء التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها: ( إن لله تسعة وتسعين اسماً, من أحصاها دخل الجنة ), ومن إحصائها أن الإنسان يعمل بمعانيها في حال الدعاء، فيقول: اللهم يا معلم إبراهيم، علمني! أو يا عليم يا حكيم، علمني! ونحو ذلك, وإذا أراد رزقاً أن يقول: يا رازق يا كريم، أعطني وهب لي! ونحو ذلك, وإذا أراد رفع بلاء ونحو ذلك فيقول: يا لطيف يا رحيم بعباده، ارفع عني البلاء! ونحو ذلك, فهذا من العمل بأسماء الله عز وجل وصفاته.

    1.   

    مشيئة الله في الإضلال والهداية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال موسى عليه السلام: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [الأعراف:155] ].

    نوع الفتنة المسببة لإضلال الناس

    في قول موسى هنا: ((إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ)) المراد بالفتنة هنا: ما يضل الإنسان به عن معرفة الحق, فكل ما أدى إلى عدم معرفة الحق بعينه فهو فتنة, وقد ذكر الله عز وجل المال وقال عنه فتنة؛ لأنه يفقد الإنسان معرفة الصواب ومعرفة مقاديره, ودليل هذا قول الله جل وعلا: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ [التوبة:48], ومعنى قوله: (( ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ )) أي: قلب الموازين, فإذا لم يعرف الإنسان قيم الأشياء كما قدرها الله فقد وقع في الفتنة, وإذا صرف الإنسان عن عمل من أعمال البر فليعلم أنه قد وقع في الفتنة, وإذا قصر في عمل من الأعمال فقد فتن فيه.

    وقد ذكر الله عز وجل لنا عن المال والبنون والأهل أن هذا من الفتنة, وفي الحديث ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان على المنبر، فجاء الحسن و الحسين يتعثران بثوبيهما، فنزل إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15] ), يعني: أن مثل هذه الأمور التي يشترك فيها عمل البر، فإن من عمل البر رحمة الأبناء والإحسان إليهم, وهذه من الأمور الدقيقة التي لا يدركها إلا من كان في مقام النبوة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك شيئاً دقيقاً من أمر الفتنة في ذلك، فربما أن من الأبناء من يصرف الإنسان عن شيء فاضل إلى شيء مفضول, وهذه من المراتب العلية والدقيقة التي لا يدركها إلا نبي أو صديق.

    وأما ما دونها من الافتتان العظيم الذي يقع في الإنسان، وهي الفتن التي تصرف الإنسان عن أعمال البر؛ كالذي يسعى في كسب مال, ويصرفه ذلك عن الصلاة أو الصيام أو ذكر الله وطلب العلم فهذا من الفتنة.

    ومن الفتنة ما يقع على الإنسان من مصائب, وهي أمور قدرية؛ كالأمراض والأسقام, والزلازل والمحن, وغير ذلك من الأمور التي تصرف الإنسان عن اتباع الحق, يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: ( لا تقوم الساعة حتى تكثر الفتن، ويكثر القتل، ويظهر الجهل ), وفيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ربط كثرة الفتن بظهور القتل، وهذه الفتن هي التي تجعل الإنسان يوجل ويضطرب ويقلق، ولا يتوجه ربما إلى عبادة الله ولا إلى ذكره عز وجل, وإنما ينشغل ذهنه وبصره بتأمل الحادثات, وتتبع الأخبار, وماذا فعل فلان, وما حدث لفلان, وما حدث في البلدة الفلانية, ومن مات, ومن قتل, ومن اغتنى, ومن افتقر, وما حدث للناس ونحو ذلك, فهذه فتنة, ومع هذه الفتن يقل عمل الإنسان وينصرف إلى تتبعها؛ فتكون حينئذٍ هذه فتنة للإنسان بأثرها الذي طرأ عليه.

    وأيضاً الفتنة في علم الإنسان, فإذا جهل قدر المعلومات التي جعل الله عز وجل ميزانها كما أراد, فالله سبحانه وتعالى جعل للخير ميزاناً, كما للأموال موازين, وإذا جهل الإنسان قيمة الصلاة من جهة وجوبها وأركانها وأهميتها فقدم غيرها عليها, أو قصر في تعليمها للناس، فهذا من الفتنة, فالإنسان الذي يتلقى شيئاً من العلوم على غير وجهها قد يقع في الفتنة؛ ولهذا يقول حذيفة بن اليمان عندما سأله سائل بقوله: (كيف أعرف إذا وقعت في الفتنة؟ قال: إذا كنت ترى شيئاً حلالاً فرأيته حراماً، أو شيئاً تراه حراماً فرأيته حلالاً فاعلم أنك قد فتنت), يعني: أن الموازين قد انقلبت عندك, فالذين يرون أمراً أنه جائز، ثم ينصرفون عنه ويرون أنه حرام, فهؤلاء في الغالب قد وقعوا في فتنة, وهذا الافتتان في الغالب هو انقلاب آراء ونحو ذلك, وهذا بخلاف المسائل الجزئية التي يرجع عنها الإنسان بدليل لاح له, والناس يتباينون في ذلك.

    من معاني الضلال

    وفي قول موسى عليه السلام في قول الله جل وعلا: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ [الأعراف:155], الضلال يأتي على معانٍ:

    منها: عدم معرفة الحقيقة, ولهذا قال الله عز وجل عن نبيه عليه الصلاة والسلام: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7], والضلال في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عدم العلم, أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي عليه لم يكن عالماً بما أراد الله عز وجل إنزاله عليه من أحكام الشريعة من العبادات ونحو ذلك, فهذا سماه الله عز وجل ضلالاً, وهو عدم العلم, والجاهل الذي لم يعلم شيئاً يعتبر ضالاً؛ كالذي يضل الطريق, وهذا قد يكون بإرادته أو بغير إرادته, والنبي صلى الله عليه وسلم ما وصفه الله عز وجل به لم يكن بإرادته وإنما بإرادة الله المحضة, ولم يكن ثمة أسباب تطرق لها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنما كان يؤخره الله عز وجل لحكمة.

    ومن وجوه الضلال: الضلال عن طريق الحق, أي: أن الإنسان يرى الحق ويدعه, وهذا يحدث كثيراً؛ كحال كفار قريش وقوم فرعون, فقد عرفوا الحق وما اتبعوه, وكحال أبي طالب الذي عرف الحق الذي أمر الله عز وجل به على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما اتبعه, وهذا من الضلال.

    والمراد بالضلال الذي قصده موسى عليه السلام في قوله: تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [الأعراف:155] هو النوع الثاني وليس الأول, وقد يدخل الأول في ذلك من جهة العموم، ولكن ظاهر السياق أن المراد بذلك هو النوع الثاني؛ لأن ذلك كان بعد سياق بيان الحجج على بني إسرائيل, وأنه قد استفرغ وسعه في بيان الحجج وذكر الدلائل، فضل من ضل في اتباع موسى عليه السلام, وقد بين الله جل وعلا حال بني إسرائيل مع موسى، وذكر أنهم عرفوا الحق بالباطن وما آمنوا به بالجوارح؛ كما قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14], وهذا هو غاية الفتنة، يعني: أنهم عرفوا الحق وما اتبعوه.

    طلب الهداية والتوفيق من الله

    وفي الآية السابقة إشارة إلى أن مشيئة الله عز وجل هي القاضية على العباد, فإذا علم الإنسان ذلك فينبغي له أن يكل العلم إلى عالمه, وعليه أن يتضرع إلى الله عز وجل, وألا يسعى سعياً مستميتاً لالتماس الحجج معرضاً عن التماس برهان الله سبحانه وتعالى لعباده, فكم من الناس من ظهرت له الحجج أظهر ما تكون لكنه تركها؛ كما ظهرت لكفار قريش!

    ونحن في زماننا آمنا على حجج هي دون ما ظهرت في كفار قريش؛ لأن القرآن نزل على لسانهم فصاحة, ونحن نتلقى القرآن الآن كما يتلقاه العجم, وإن كنا عرباً ومن سلالة العربية، ولكن دخلت العُجمة على الناس, ولم ندرك ما يدركه كفار قريش, فهم يعرفون الألفاظ والسياقات والدلالات والمعاني التي أرادها الله عز وجل حاضرة شاهدة أمامهم؛ ومع ذلك أعرضوا عن الإيمان بما أراده الله سبحانه وتعالى, فينبغي للإنسان -إن وفقه الله عز وجل إلى شيء من الإيمان- أن يكل هذا التفويض إلى الله كحال الملائكة, وإن حرمه الله عز وجل شيئاً من استبانة بعض طرق ووجوه الهداية والراجح والمرجوح في بعض المسائل فعليه أن يلتمس ذلك من الله سبحانه وتعالى.

    وقد جاء في الصحيح من حديث أبي سلمة عن عائشة عليها رضوان الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاة الليل: ( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, اللهم فاطر السماوات والأرض، أنت تقضي بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم! ), وينبغي للإنسان أن يعلم قدرة الله سبحانه وتعالى في هبته للعلم والخير, وإعطائه الشر لبعض عباده حرماناً أو إضلالاً أو إغواء, وعليه أن يستعيذ بالله عز وجل من هذا السبيل.

    أنواع الهداية

    والهداية في قول الله عز وجل: وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [الأعراف:155] على نوعين: هداية دلالة وإرشاد, وهداية توفيق، وهداية التوفيق هي: الهداية التي يقدرها الله عز وجل على عبده, وهي التي أرادها الله سبحانه وتعالى في قوله جل وعلا: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56], والهداية التي منعها الله عز وجل من أبي طالب هي ما قدره الله عز وجل عليه بأن يموت على الكفر, فلم يهده الله سبحانه وتعالى.

    وأما الهداية من بيان طريق الحق, والصراط المستقيم, وبيان طريق الخير من الشر فهو كل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي, وكل ما نطق به القرآن وجاءت به السنة، فتلك هي هداية الدلالة والإرشاد, وكل أمر وكل نهي فهذا من السبيل ووضوحه الذي أمر الله سبحانه وتعالى باتباعه.

    1.   

    إرادة نوح وشعيب عليهما السلام الخير لقومهما

    قال المصنف رحمه الله: [ وقال نوح عليه السلام: وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [هود:34], وقال شعيب عليه السلام: وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا[الأعراف:89] ].

    إرادة نوح النصيحة لقومه

    في قول نوح عليه السلام: وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ [هود:34], المراد بالنصح: خلوص الصدق في القول, ولهذا يتمحض الإنسان النصيحة إذا كانت خالصة من قلب فيحب الموافقة, ويكره المخالفة, ويحب الخير ويدفع الشر, وهذا لا يكون إلا من الكُمَّل.

    والنصيحة متعدية من الإنسان إلى غيره, وأما بالنسبة لعمل الإنسان فهو لازم له, ولا يوفق الله عز وجل إنساناً إلى النصيحة إلا وقد أراد الله عز وجل به خيراً.

    وذكر النفع فيه إشارة إلى أن الإنسان لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأن هذا لله, وأن إرادة نوح عليه السلام الخير لهم لا يعني أن ذلك يقضي بالخير لهم حتماً.

    فنقول: إن للعبد مشيئةً وإرادة, ودليل المشيئة تقدم, ودليل الإرادة هنا في قوله جل وعلا: إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ [هود:34], أي: أنه أراد لهم النصيحة، ولكن الله سبحانه وتعالى لم يردها, فمضت إرادة الله عز وجل، ولم تمض إرادة نوح عليه السلام؛ وينبغي للإنسان أن يستعين بالله سبحانه وتعالى عند تقديم النصيحة.

    خوف شعيب من ضلال قومه

    وعليه أن يبين ضعفه في حال دعوته وأداء رسالته, وهذا يظهر في قول شعيب عند ذكره قوله تعالى: وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا [الأعراف:89], أي: أنه بعد أن هدى الله عز وجل له بعض قومه فاهتدوا بهديه وأخذوا بالحق الذي جاء به، فإنه لا يمكن للإنسان أن يعود إلى الباطل إلا إذا قدره الله عز وجل عليه.

    الحذر من مكر الله

    وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان -كما أنه يدعو الله أن يوفقه إلى الخير- أن يحذر من مكر الله به بأن يرجعه إلى الباطل, وعليه أن يتضرع إلى الله عز وجل, وهذا مقتضى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما جاء في الصحيح- في سجوده: ( اللهم يا مصرف القلوب والأبصار! صرف قلبي على طاعتك ), أي: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله عز وجل أن يصرف قلبه على الطاعة، وأن يثبته على الخير.

    استفراغ الوسع في الدعوة

    وينبغي للإنسان أن يعلم أنه ما استفرغ وسعه بالدعوة إلى الله ونصح المسلمين ليس بكثرة العدد ولا بكثرة الأقوال والكتابات والغدو والرواح, فإن نوحاً عليه السلام بقي في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما آمن معه إلا قليل, وقد جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرجل, والنبي ومعه الرجلان, والنبي وليس معه أحد ), ففيه إشارة إلى أن الذي ليس معه أحد هو نبي بذاته؛ والنبي عليه السلام هو أفصح الناس بياناً في بلاغ كلام الله وبرهانه, والمخاطب قد نزل القرآن على لغته, فإذا نزل القرآن على لغته، والوسيط في ذلك هو أفصح الناس بلغته، والمقول هو كلام الله جل وعلا فقد اجتمعت أركان البيان، ومع ذلك لم يأتِ معه أحد.

    اعتماد الداعية على الله في دعوته

    ومن أعظم العبر فيما سبق: أن يستعيذ الإنسان من أن يوكل إلى نفسه إذا كان داعياً إلى الله, وقصة أصحاب القرية إذ أرسل الله عز وجل لهم اثنين، قال الله تعالى: فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ [يس:14], فعزز الله عز وجل الرجلين بثالث, ولكن أهل القرية ما آمنوا, وإنما آمن رجل واحد فقط, فقال الله تعالى: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى [يس:20], فرجل واحد آمن لثلاثة, فإذا كان هذان الرسولان من الله سبحانه وتعالى، وأرسلهما الله عز وجل إلى هذه القرية ثم عززهما بثالث، وما آمن إلا رجل واحد، فهذا أعظم بياناً من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ورأيت النبي وليس معه أحد ), يعني: الأول ليس معه أحد, والثاني ليس معه أحد, وإنما جاء بالثلاثة معتضدين فآمن بهم رجل واحد، فينبغي للإنسان -إذا كان داعياً إلى الله عز وجل- أن يعتمد على الله سبحانه وتعالى في قوله الصواب.

    سؤال الله الهداية للصواب

    وكذلك ينبغي للإنسان أن يسأل الله عز وجل أن يهديه إلى الصواب -إذا كان طالباً للحق- حتى يوفق, ومن اتكل على نفسه وكله الله عز وجل إليها, ووكله إلى بيانه وحجته وفهمه وإرادته وعبقريته وذكائه وحينئذٍ لا يؤمن له أحد, فما من أحد أفصح حجة وأقوى بياناً من أنبياء الله عز وجل هؤلاء.

    العلة في عدم إيمان بعض أقوام الأنبياء

    وأما بالنسبة لعدم إيمان قومهم فليس ضعفاً في النبي, وليس ضعفاً في الدليل فهو وحي من الله جل وعلا, وإنما هو إظهار لإرادة الله سبحانه وتعالى في عدم إجابة أولئك المدعوين لتلك الدعوة, وينبغي أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى يهب الاستجابة لمن يشاء من عباده، وليس ذلك مرتبطاً بصلاح ذلك الداعي, ولا بإمامته وفضله ونحو ذلك.

    وقد نجد أن من يؤمن على أيدي أتباع الأنبياء أكثر من الذين يؤمنون على يدي النبي بذاته, فنجد الذين دخلوا الإسلام على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل من الذين دخلوا على يد أصحابه عليه الصلاة والسلام؛ والعلة في ذلك أنه خاطب الرموز والعلية من الأمم، فهو يصلح للرموز, بخلاف العامة.

    وقد ذكر لي أحد الدعاة أنه دعا سنين طويلة، ولم يسلم على يديه أحد, وأما الذين يرافقونه من العامة فيسلم على أيديهم الكثير, ولهذا لم يفوت الله عز وجل الفضل للرموز, فإنه ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة ), وكل من دخل في الإسلام فمرده إلى محمد صلى الله عليه وسلم أجراً وثواباً.

    وإذا كان الداعي إلى الله ينشر الدعاة إلى الله فإن من يسلم على أيديهم هو امتداد له, ولو كان باقياً؛ لأن خطابه لا يصلح للعامة، وإنما يصلح للرموز, ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخاطب كسرى ويخاطب قيصر، ويخاطب ملك دومة الجندل وأمثاله، فإذا آمن هؤلاء آمن من بعدهم, وأما أصحابه فبعثهم رسلاً إلى من دونهم لتباين الخطاب, وهذا أمر معلوم, ولهذا تجد بسطاء الناس يهتدي على أيديهم, بالبساطة, وبالعمل والإحسان, وربما بشيء من الغفلة والإعجاب ببعض السلوك ونحو ذلك, وأما الرموز فإنه لا يؤمن معهم إلا الرموز.

    والرموز في الغالب معاندون؛ لأنهم أصحاب أتباع, ولهذا لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرى وقيصر لم يدخلا في الحق؛ لأنهما خشيا على الكراسي التي هم عليها, فبقيا على الباطل وما آمنا بالحق.

    ولهذا السبب نقول: إن العامة يقصرون عن فهم حجج العلية, وكذلك فإن الخطاب إلى الرموز يحملهم على تفويت حظهم عند العامة، فيمنعهم من اتباع الحق.

    وينبغي للداعي إلى الله عز وجل أن يوجد عنده أقوام يأخذون بقوله، وينتشرون في الناس, فرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ليذهب إلى المدن والقرى, فما ذهب إلى اليمن ولا إلى أطراف المدينة, وإنما بعث الصحابة؛ لأنهم أقرب إلى نفوس الناس من جهة الخطاب, فالراعي أقرب للراعي, والتاجر أقرب للتاجر ونحو ذلك, فيؤمن على أيديهم خلق كثير في هذا, وهذا من السياسة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وليس في هذا تفويتاً لحظ مقام العلية, بل إن الله جل وعلا جعل هؤلاء يأتون بالأجر إليه كما تجبى الزكاة والأموال, فيرجع إليهم الثواب الذي يأتون به بقدر من أسلم على أيديهم.

    إثبات شعيب عليه السلام لمشيئة الله ومشيئة العبد

    وفي قول شعيب إثبات مشيئة الله سبحانه وتعالى, ومنه إثبات مشيئة العبد, وإثبات مشيئة العبد في قوله هنا: (أن نعود), والعودة هنا يعني: وجود مشيئة للعبد وإرادة، ولكنها بعد مشيئة الله عز وجل وإرادته سبحانه وتعالى, وربط ذلك كله بسعة علم الله جل وعلا في قوله: وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [الأعراف:89], وهذا منه ربط الأعمال والسياقات بأسماء الله عز وجل وما يناسب منها.

    ونقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    المراد بالكنز في حديث: (كنز من كنوز الجنة)

    السؤال: ما المراد بالكنز في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كنز من كنوز الجنة

    الجواب: المراد بالكنز هو: ما كان من أغلى الأثمان، ومما يخفيه الإنسان عن أعين غيره لثمنه, سواءً كان من الذهب أو الفضة أو الألماس أو غير ذلك، فهذا من الكنوز, والكنز ما سمي كنزاً إلا لتخزينه خشية من السرق, أما في الجنة فليس فيها سرق, فيؤتى الإنسان كنزاً في الجنة من الحلي يتحلى به, ويعطى الحور والخدم, وغير ذلك, وهذا فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء.

    انتفاء المشيئة الشرعية عن العباد

    السؤال: كيف ننفي المشيئة الشرعية عن العباد؟

    الجواب: العباد لا يشرعون، وإنما يمتثلون, فإذا قلنا: (إن لهم مشيئة شرعية) فيلزم من ذلك أنهم يكونون من أهل التشريع, فيشاءون أن هذا الفعل حرام وهذا حلال, وهذا إشراك مع الله عز وجل في حكمه, والحكم والقضاء من العبادة التي لا تجوز إلا لله؛ ولهذا قال الله عز وجل: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40], فالتشريع كله لله سبحانه وتعالى, ويظهر هذا في قوله جل وعلا: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [النساء:65] الآية.