إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الجنائز [7]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وقع الخلاف في قراءة فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة لورود الأمر بها في ذلك بأحاديث ضعيفة كحديث: أمرنا رسول الله أن نقرأ في صلاة الجنازة بفاتحة الكتاب، فقد تفرد به حماد بن جعفر العبدي وهو ضعيف جداً. وأما قراءة سورة بعد الفاتحة في صلاة الجنازة فالصحابة مجمعون على عدم ذلك وما ذكر عن ابن عباس غلط من الهيثم بن أيوب راوي الحديث.

    1.   

    حديث: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ في صلاة الجنازة بفاتحة الكتاب)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    ففي هذا المجلس في الخامس من شهر رجب من عام خمسة وثلاثين بعد الأربعمائة والألف نكمل ما تبقى من الأحاديث المعلة في أبواب الجنائز، وتكلمنا في عدة مجالس على الأحاديث المتعلقة بهذا الباب مما له أثر في مسائل الخلاف عند الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم، ونتكلم في هذا المجلس على مسألتين مهمتين، وهاتان المسألتان أولهما: عدد التكبيرات والوارد في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك في المقروء في صلاة الجنازة.

    أول هذه الأحاديث: هو حديث أم شريك الأنصارية عليها رضوان الله تعالى أنها قالت: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ في صلاة الجنازة بفاتحة الكتاب ).

    هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في كتابه السنن من حديث حماد بن جعفر العبدي عن شهر بن حوشب عن أم شريك الأنصارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث حديث منكر تفرد به حماد بن جعفر العبدي ، وكذلك في إسناده شهر بن حوشب فإنه تفرد به عن أم شريك ، و حماد بن جعفر ضعيف الحديث جداً، وتفرد ابن ماجه بإخراجه من بين أصحاب الكتب السبعة قرينة على إعلاله، و شهر بن حوشب تقدم معنا مراراً كلام العلماء عليهم رحمة الله تعالى عليه.

    وهذا الحديث يتضمن الأمر بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، وقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة أمر متفق عليه، وإنما أوردنا هذا الحديث لأن فيه الأمر بقراءة الفاتحة والأمر بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة لا يثبت عن رسول الله، وإنما جاء في ذلك عملاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء في بعض الوجوه مرفوعاً، ويأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى.

    1.   

    حديث: (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة بفاتحة الكتاب)

    الحديث الثاني: هو متعلق بهذا الباب أيضاً وهو حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله أنه قال: ( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة بفاتحة الكتاب )، وهذا الحديث فيه التصريح بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم للفاتحة في صلاة الجنازة.

    هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في كتابه المسند، و الترمذي في كتابه السنن من حديث إبراهيم بن عثمان أبي شيبة الواسطي عن الحكم عن مقسم عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث حديث منكر، وفيه التصريح برفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والجزم به وذلك أنه قال: ( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الفاتحة في صلاة الجنازة )، وهذا أيضاً لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام منسوباً إليه صراحةً بلفظه وإنما بحكمه، كما جاء في حديث عبد الله بن عباس في البخاري وسيأتي الإشارة إليه.

    وهذا الحديث تفرد برفعه إبراهيم بهذا الوجه إبراهيم بن عثمان أبو شيبة الواسطي، و إبراهيم بن عثمان ضعيف الحديث جداً، وقد كذبه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي : متروك الحديث، وقد تفرد بهذا الحديث عن الحكم عن مقسم عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصواب في هذا الحديث أنه موقوف على عبد الله بن عباس وله حكم الرفع، وأعل هذا الحديث البخاري رحمه الله فيما نقله الترمذي عنه كما في العلل، وأعله كذلك الترمذي رحمه الله في سننه، قال: والصحيح عن عبد الله بن عباس من قوله أنه قرأ الفاتحة في صلاة الجنازة، ثم قال من السنة، يعني: من سنة النبي عليه الصلاة والسلام ذلك ولم ينسبها صراحةً بلفظها، وهذا هو الصحيح، وقد أخرج الموقوف البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح، فإنه أخرج في كتاب الجنائز من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف وهو ابن أخ عبد الرحمن بن عوف الزهري عليه رضوان الله يرويه قال: صليت خلف عبد الله بن عباس صلاة الجنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، ثم قال: لتعلموا أنها سنة، يعني: جهر بذلك.

    وهنا عبد الله بن عباس عليه رضوان الله هو الذي قرأ، ثم قال: لتعلموا أنها سنة، ورواية إبراهيم بن عثمان أبي شيبة الواسطي قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواية عبد الله بن عباس يقال: لها حكم الرفع وليست مرفوعة، ولكن لها حكم الرفع؛ لأنه قال: من السنة، يعني: من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابي إذا قال: من السنة فالأصل في ذلك أنها سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وقوله: من السنة دون الجزم برفع الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، العلماء من أهل الأصول لا يتفقون على أن قول الصحابي: من السنة أنه مرفوع، بل ثمة خلاف يسير في هذه المسألة، وأما ما يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا فعل شيئاً فهذا مقطوع به باعتبار صراحة الرواية بالنقل، وإخراج البخاري رحمه الله للموقوف عن عبد الله بن عباس في قوله: من السنة دليل على إعلاله للمرفوع، وقد أعل المرفوع كذلك في حديث عبد الله بن عباس جماعة من العلماء كـالدارقطني و البيهقي وغيرهم.

    وحديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله مخرج في الصحيح من حديث شعبة بن الحجاج و سفيان الثوري عن سعد بن إبراهيم عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن عبد الله بن عباس أنه قال: من السنة، وهذا هو الصحيح، وقد قال الترمذي رحمه الله لما أخرج رواية إبراهيم بن عثمان قال: هذا ليس إسناده بذاك القوي، يعني: رواية إبراهيم بن عثمان ، وعلى هذا نعلم أنه لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صراحةً أنه قرأ الفاتحة في صلاة الجنازة من قوله وإنما ذلك إجماع وله حكم الرفع، وأصح ما جاء في ذلك هو حديث عبد الله بن عباس في قوله: من السنة، وجاء في قوله: من السنة أيضاً في حديث أبي أمامة عند الشافعي، وكذلك البيهقي أنه قال: من السنة أن يقرأ بأم الكتاب في صلاة الجنازة، وهذا الأمر محل اتفاق، وإنما أوردنا هذا الحديث مع كونه من مسائل الاتفاق وذلك لسبب أن قراءة الفاتحة محل خلاف عند العلماء في وجوبها هل هي ركن كصلاة الفريضة والنافلة في قراءة الفاتحة في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ).

    هل هي ركن أم لا؟ الفقهاء يعتمدون على مثل هذه الأحاديث فلها أثر في القول بوجوبها لا القول بشرعيتها، فإنهم يتفقون على القول بشرعية قراءة الفاتحة، فلما كان لها أثر في الوجوب أوردناها كما هو صراحة في حديث أم شريك لما قالت: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة سورة الفاتحة في صلاة الجنازة )، والأمر في ذلك يقتضي الوجوب، ولكنه حديث منكر على ما تقدم الكلام عليه.

    1.   

    حديث ابن عباس في قراءة الفاتحة وسورة في صلاة الجنازة

    الحديث الثالث: هو حديث عبد الله بن عباس الموقوف ولكن فيه رواية الفاتحة وسورة، روى طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف عبد الله بن عباس عليه رضوان الله صلاة الجنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة.

    هذا الحديث أخرجه النسائي في كتابه السنن من حديث الهيثم بن أيوب السلمي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن عبد الله بن عباس ، وذكر السورة فيه منكر وشاذ، وظاهر الإسناد السلامة، الهيثم بن أيوب وثقه النسائي ، و إبراهيم بن سعد فقيه من رجال الشيخين وأبوه كذلك يروي عن أبيه، و طلحة بن عبد الله ، وقد أخرج البخاري رحمه الله له هذا الحديث أيضاً في كتابه الصحيح، ولكنه قد تفرد الهيثم بن أيوب في هذا الحديث بذكر السورة وخالف الثقات الذين يروون هذا الحديث كـالشافعي رحمه الله، فإنه روى هذا الحديث في كتابه الأم متابعاً للهيثم بن أيوب وما ذكر هذه الزيادة، و الشافعي رحمه الله أوثق، الشافعي يرويه قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد قال: حدثني أبي عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف عبد الله بن عباس وذكر الفاتحة وما ذكر السورة، و الشافعي رحمه الله إمام حافظ جليل، ولا يقابله أمثال الهيثم بن أيوب .

    ومن وجوه العلل لهذا الحديث: أن البخاري رحمه الله أخرج هذا الحديث في كتابه الصحيح من حديث سفيان الثوري ، و شعبة بن الحجاج كلاهما يروون هذا الحديث عن سعد عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن عبد الله بن عباس، قال طلحة : صليت خلف عبد الله بن عباس فقرأ بفاتحة الكتاب، وما ذكر السورة، و شعبة و سفيان هما بمنزلة الثقة والجلالة والحفظ في الضبط في الرواية ما لا يقابلهم أمثال الهيثم بن أيوب ، ويدل على أن الغلط من الهيثم بن أيوب أن شعبة و سفيان روياه متابعين لـإبراهيم بن سعد عن أبيه وما ذكروها، ولو كانت عند أبيه لرووها، مما يدل على أنها ليست عند أبيه لمخالفة سفيان و شعبة ، وليست عند ابنه لمخالفة الشافعي في كتابه الأم، و البخاري رحمه الله أخرج الحديث في كتابه الصحيح وما ذكر هذه الزيادة وهذه قرينة على إعلالها، وظاهر سياق النسائي رحمه الله في كتابه السنن أنه يعل هذه الزيادة، وبعض المتأخرين يصححها ويقول بها.

    ومن قرائن الإعلال في هذا الحديث: أنه لا يعرف العمل عن الصحابة عليهم رضوان الله بقراءة سورة مع الفاتحة في صلاة الجنازة، وهذا قرينة على ردها، والعلماء رحمهم الله في أبواب العلل إذا أطبق الصحابة على عمل أو ترك وكان العمل والترك يخالف حديثاً مرفوعاً جعل العمل ناسخاً للحديث، فإذا عارض الحديث أخذ بالعمل؛ لأن عمل الصحابة في ذاته ليس بأقوى من الحديث ولكن مقتضى الحديث العمل به فلما تعطل العمل في ذلك دل على أن معنى الحديث ليس بمراد، أو طرأ عليه نسخ وخفي في ذلك الناسخ وجرى على ترك العمل به، كيف والصحابة عليهم رضوان الله تعالى لم يعملوا بهذا وهي قراءة سورة مع الفاتحة؛ وذلك جرياً على أحاديث واردة في هذا الباب وجاء المخالف في ذلك زيادة.

    ومن قرائن الإعلال: أن هذا الحديث وهو حديث عبد الله بن عباس تفرد بهذه الزيادة واسطي وذلك الهيثم بن أيوب السلمي آفاقي، وذكرنا مراراً أن من قرائن الإعلال تأخر طبقة الراوي إذا تفرد بزيادة، وأن الزيادة إذا جاءت من راو في طبقة متقدمة فهذا قرينة على قبولها، وإذا كان في طبقة متأخرة فإنها قرينة على ردها، وأنه إذا كان آفاقياً فذلك قرينة على عدم ضبطه، وهنا تفرد بهذه الرواية عن آفاقي أحفظ منه، وتفرد بها أيضاً من جهة الرواية عن عمل أهل الحجاز وهم أضبط لعمل النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل الصلاة على الجنازة تتكرر كثيراً، ومثل هذا العمل لو كان عن النبي عليه الصلاة والسلام لجاء عن صحابي واحد، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعلها على سبيل الاعتراض لما خفي، وهذا يدل على النكارة، ولعل تنكب الأئمة عليهم رحمة الله بعدم إخراج هذه الزيادة وهذه الرواية قرينة على عدم اعتبارهم واعتدادهم بها، وكذلك فإن إخراج النسائي رحمه الله لهذه الزيادة في كتابه السنن بعدما أخرج الوجوه التي ليس فيها هذه اللفظة قرينة على إعلالها.

    1.   

    حديث: (صلى بنا رسول الله صلاة الجنازة فقرأ بأم الكتاب ومد صوته بالتكبير)

    الحديث الرابع: هو حديث جابر بن عبد الله عليه رضوان الله قال: ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الجنازة فقرأ بأم الكتاب ومد صوته بالتكبير ).

    حديث جابر بن عبد الله أخرجه الشافعي في كتابه الأم من حديث إبراهيم بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث أيضاً حديث ضعيف جداً، تقدم معنا الكلام على شيخ الشافعي رحمه الله إبراهيم بن محمد وأنه متروك الحديث، ومن العلماء من اتهمه بالكذب، وتقدم تفصيل هذا الكلام في مسألة حاله مراراً، وتكلمنا أيضاً عليه في أبواب الجنائز على أحاديث منها: رش الماء، ووضع الحصباء، وحثوات التراب، فإنه روى حديث حثو النبي عليه الصلاة والسلام على قبر ابنه إبراهيم ، وكذلك وضع الحصباء، وتقدم الكلام عليه بما لا يحتاج إلى إعادته في مثل هذا الحديث.

    1.   

    حديث: (آخر ما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنازة أربعاً)

    الحديث الخامس: هو حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله أنه قال: ( آخر ما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنازة أربعاً فكبر عمر على أبي بكر أربعاً، وكبر عبد الله بن عمر على عمر أربعاً، وكبر الحسن بن علي على علي أربعاً، وكبر الحسين على الحسن أربعاً، وكبر الملائكة على آدم أربعاً ).

    هذا الحديث أخرجه الدارقطني ، وأخرجه الحاكم في كتابه المستدرك من حديث الفرات بن السائب عن ميمون بن مهران عن عبد الله بن عباس ، وهذا الحديث معلول بعدة علل:

    أول هذه العلل: هو تفرد الفرات بن السائب بهذا الحديث، وهو متروك الحديث، وقد تكلم عليه النسائي رحمه الله فقال: متروك، وكذلك الحاكم رحمه الله لما أخرج هذا الحديث في كتابه المستدرك تكلم عليه، وكذلك فإنه قد اضطرب في هذا الحديث فتارةً يرويه عن ميمون بن مهران عن عبد الله بن عباس ، وتارةً يرويه عن ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر ، تارةً يجعله من مسند ابن عباس ، وتارةً يجعله من مسند عبد الله بن عمر ، وهذا أيضاً علة كافية في طرح هذا الحديث، وكذلك عدم إخراج أصحاب المسانيد والصحاح المعتبرة من أهل الأصول المتقدمة لمثل هذا الحديث من القرائن على رده وإعلاله، وأيضاً فإن في ألفاظ هذا الحديث ما لا يقال من قبيل الرأي ويحتاج في ذلك إلى القطع برفعه، ولو كان مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام لجاء من وجوه أخر، ومنها: تكبير الملائكة على آدم أربعاً يعني: أن ذلك سنة قديمة، وأن صلاة الجنازة على صفتها هذه هي معروفة حتى في الشرائع السابقة، ومثل هذا أيضاً يفتقر إلى دليل.

    1.   

    حديث أنس: (كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وسبعاً وآخر ما كبر أربعاً)

    الحديث السادس: من حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى أنه قال: ( كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وسبعاً وآخر ما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعاً ).

    هذا الحديث أخرجه الدارقطني في كتابه السنن من حديث مبارك بن فضالة عن الحسن البصري عن أنس بن مالك ، وهذا الحديث فيه مبارك بن فضالة وهو ضعيف الحديث، وتفرد بهذا الحديث من هذا الوجه، واختلف أيضاً في هذا الحديث من جهة وصله وإرساله، تارةً يروى من الحسن مرسلاً، وتارةً يروى موصولاً.

    وقد أعل هذا الحديث الدارقطني رحمه الله في كتابه السنن.

    1.   

    حديث ابن عباس: (كبر رسول الله على الجنازة تسعاً وخمساً وآخر ما كبر أربعاً)

    الحديث السابع: هو حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله أنه قال: ( كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنازة تسعاً وسبعاً وخمساً وآخر ما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعاً ).

    هذا الحديث أخرجه الطبراني في كتابه المعجم من حديث بشر الكندي عن أبي يوسف القاضي عن نافع بن عمر عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث حديث شديد الضعف وذلك لعلل متعددة فيه:

    أول هذه العلل: أن هذا الحديث فيه بشر الكندي وهو ضعيف الحديث، وضعفه غير واحد من الأئمة، وكذلك فإن في إسناده يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضي وهو فقيه الرأي المعروف، وهو مع إمامته وجلالته في الرأي إلا أنه من جهة الرواية والضبط خفيف الضبط، فقد ضعفه بعض الأئمة كـابن المبارك رحمه الله، والإمامة في الرأي والفقه شيء وضبط المروي شيء، وقد تقدم معنا الإشارة إلى المدرسة الكوفية في أبواب الضبط أنهم يعتنون بالمعاني ولا يعتنون بضبط الألفاظ، ولهذا كثرت فيهم الأوهام في أبواب الألفاظ مع جلالة الرواة فيهم من جهة الفقه والرأي، وكذلك أيضاً والديانة، إلا أنهم من جهة الرواية في أبواب ضبطها يكثر فيهم الضعف، وأئمة المذهب من أهل الرأي على هذا النحو، ويندرج في هذا كثير كحال حماد بن أبي سليمان ، وحال أبي حنيفة ، وأبي يوسف وأضرابهم، ومن أوثق هؤلاء محمد بن الحسن وإن كان من أهل الرأي إلا أنه في باب الرواية من أضبطهم.

    وكذلك أيضاً في إسناد هذا الحديث نافع بن عمر، ويظهر والله أعلم أن هذا غلط ولا يعرف من اسمه نافع بن عمر في مثل هذه الطبقة، ولعله وهم وغلط من بشر الكندي ، والأظهر أنه نافع أبو هرمز يروي عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس ، وقد أخرج هذا الحديث الطبراني في كتابه المعجم من وجه آخر، وكذلك أيضاً أخرجه الحازمي في كتابه الاعتبار من طرق من حديث نافع أبي هرمز عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث مع علله المتعددة في إسناده إلا أنه تضمن معاني أصلها في الصحيح، ولكن التصريح بأن آخر ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأربع هو موضع الإشكال، النبي عليه الصلاة والسلام صلى على النجاشي أربعاً ومات في السنة التاسعة في شهر رجب، وجاء في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام عن النجاشي في الصحيحين عدة أحاديث، جاء من حديث جابر بن عبد الله ، ومن حديث أبي هريرة ، وغيرهما ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي وجمع الناس فصلى عليه فكبر أربعاً )، فثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كبر أربعاً في الصحيحين، وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً في الصحيح أنه كبر على الجنازة خمساً، وجاء الزيادة عن ذلك على أكثر من خمس، فجاء هذا عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كـعبد الله بن مسعود ، وحذيفة بن اليمان ، وقبل ذلك جاء عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله.

    القول باستقرار التكبير على الجنازة على أربع في آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم والزيادة عليها

    والزيادة على الأربع هل عليها العمل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل كان آخر الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التكبير أربع في صلاة الجنازة؟

    نقول: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر أربعاً في آخر أمره، ولكن لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك ناسخاً للخمس وما زاد عن ذلك، وهذا ما دعانا إلى إيراد هذه الأحاديث؛ لأنها تثبت النسخ لما عداها وأن آخر الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان على أربع يعني: ما قبل ذلك لم يكن عليه آخر الأمر فكان منسوخاً، وهو شبيه بأحكام الوضوء من ما مسته النار، وغير ذلك، فنقول: إن مثل هذا يفتقر إلى دليل.

    هل يبقى العمل فيما زاد عن ذلك أم لا؟ هنا وقع الخلاف، فجمهور العلماء وهو قول الأئمة الأربعة على السنية بأربع، واختلفوا فيما عداها هل هي منسوخة أو غير منسوخة؟ وسبب الخلاف عدم وجود حديث صحيح صريح بنسخ ما زاد عن أربع مع ثبوتها، وقد ثبت في صحيح الإمام مسلم: ( أن زيد بن ثابت عليه رضوان الله صلى على الجنازة خمساً، فقيل له في ذلك قال: فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم )، وهذا دليل على أنه إنما كبر الخمس بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، يعني: أن العمل ما زال باقياً، واختلف الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في ذلك، فذهب عبد الله بن مسعود إلى أنه يختار ما شاء يصلي أربعاً أو خمساً أو ستاً أو سبعاً ولا حرج عليه في ذلك، وقد جاء عند البيهقي وغيره من حديث عامر بن شراحيل الشعبي عن علقمة بن قيس أنهم جاءوا إليه فقالوا له: إن معاذ بن جبل يكبر على الجنازة خمساً، قال: فأطرق عبد الله بن مسعود ثم رفع رأسه فقال: كبر ما كبر إمامك، يعني: ما كبر الإمام سواءً أربعاً أو خمساً أو ستاً أو سبعاً أو أكثر من ذلك فلا حرج في هذا، وكأنه جعل الخيار في هذا مما لا حرج فيه.

    ما يقال في التكبيرات الزوائد على أربع

    وعلى هذا يتفرع مسألة من المسائل: ماذا يقول في التكبيرات الزوائد؟ لم يثبت في هذا شيء، إن استمر في الدعاء فهو الأمثل باعتبار أنه آخر الأمر أو انشغل بالتسبيح والتهليل أو نحو ذلك باعتبار أنه الأصل في حال عدم ورود عمل في مثل هذه الحال، فنقول أيضاً: إنه لا حرج على الإنسان أن يفعل ذلك.

    نتوقف هنا، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.