إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [23]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان الصحابة رضي الله عنهم لا يكثرون من أسئلتهم للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لمعرفتهم أنه يكره كثرة السؤال وكان يعجبهم حين يجيء الأعرابي فيسأل، ولذلك لم يذكر القرآن الكريم من أسئلة الصحابة إلا نزراً يسيراً، من ذلك السؤال عن القتال في الشهر الحرام، وهو سؤال أثاره كفار قريش حين قتل الصحابة رجلاً في الأشهر الحرم، فبين الله تعالى اختلال موازين الكفار في ترتيب العلوم والحقائق حسب أولويتها، وأنهم يتركون الأهم لاشتغالهم بالمهم، فتركوا الإيمان بالله وصدوا عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه واشتغلوا بحكم قتل رجل في الشهر الحرام.

    1.   

    قوله تعالى: ( يسألونك عن الشهر الحرام ... )

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    سبب قلة أسئلة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم

    فأول آي اليوم قول الله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة:217]، هنا يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم القتال في الشهر الحرام، وأضمر الحكم، لأنه مفهوم من السياق، والأسئلة التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة، وأما ما ذكره القرآن منها فهو شيء يسير، وقد جاء عن عبد الله بن عباس كما روى الدارمي في كتابه السنن، وأبو يعلى في كتابه المسند من حديث سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس قال: ما رأيت أحداً مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسألوه إلا ثلاث عشرة مسألة، وهي في القرآن، والصحابة عليهم رضوان الله تعالى كانوا يقلون المسألة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسبب ذلك هو الاحتياط؛ لأنهم يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره السؤال؛ خشية أن ينزل تحريم عليه عليه الصلاة والسلام، وذلك رأفة بأمته ورحمة بها، فكانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم يسيراً، وربما فرحوا إذا جاء أحد من الآفاق، أو كان من الأعراب يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأل عن مسألة يريدونها، وإذا جاء أحد من الأعراب، أو أحد من الأباعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعلم من حال كراهة السؤال اجتمعوا عليه ليفقهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يجرؤ على سؤاله، وإنما ذكر الله عز وجل في كتابه من هذه المسائل، ولم يذكر جميعها، وذلك أنها أعلام، ومما تحتاج إليها الأمة، وذلك أن من المسائل ما هي مهمة في ذاتها، والعلم بها مستقر، ومن المسائل ما الحاجة إليها على سبيل الدوام أحوج من غيرها، وذلك أن الأحكام لها مراتب ومنازل، بخلاف منزلتها في ذاتها، لها منازل من جهة الديمومة والقوة، وكذلك الحكمة المستنبطة منها، مما يحتاج إليها سائر أصحاب العصر.

    ومن الأحكام ما هي ثابتة مستقرة لا يحتاج إلى ذكرها في القرآن جميع الناس، وهذا لا يعني ذكر بعض المسائل في القرآن وعدم ذكر غيرها أن المذكور أولى من غيره في ذاته، ولكنه أولى من غيره لقرائن قد احتفت بهذا الحكم، وذكر الله عز وجل جملة من مسائل الصحابة ولم يذكرها جميعاً، وذلك أن السنة مليئة بمسائل الصحابة عليهم رضوان الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد عبد الله بن عباس هذه المسائل المذكورة في القرآن إشارة إلى التقليل.

    سبب نزول قوله تعالى: ( يسألونك عن الشهر الحرام ... )

    وسبب نزول هذه الآية، وهو محل إجماع عند المفسرين: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية، وجعل عليهم عبد الله بن جحش، وجعلهم يتتبعون قوافل المشركين، فنزلوا بين مكة والطائف، وكان ثمة عير من كفار قريش قد جاءوا بتجارة، فرقبهم جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في السرية جماعة من الصحابة كـواقد وكذلك عكاشة بن محصن ، وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك في آخر ليلة من جمادى، وأول ليلة من رجب، فتحيروا هل دخل الشهر الحرام أو لم يدخل في هذه الليلة؟

    فقالوا: إننا إن تركناهم أصبحوا في حدود الحرم، فأصبح الحرم علينا مغلظاً، وإن بادرناهم الآن ربما وقع ذلك في الشهر الحرام، فاختاروا قتالهم، وذلك أن قتلهم في مثل هذا الموضع محل شك ولم يكن ثمة يقين، وكذلك أيضاً فإن القاعدة في ذلك هو بقاء شهر جمادى وعدم زواله، وأن رجب لم يدخل بعد حتى يرى الهلال، والأصل هو بقاء الزمن الماضي، فقتلوا في ذلك أحد المشركين، وهو ابن الحضرمي ، فقال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يقم للشهر الحرام وزناً، فوقع في أوساط المسلمين في المدينة وغيرها، مما أثاره كفار قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والسؤال ابتداءً إنما وقع من المشركين، من كفار قريش، ولم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم جاءوا بأسيرين، وجاءوا أيضاً بما معهم من مال، فجعلوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدراً في ذلك، وضربوا له سهماً قبل أن يضرب الله عز وجل في ذلك الخمس لنبيه عليه الصلاة والسلام، وجاءوا في ذلك فرحين، فلما رأوا حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أثير عليهم في ذلك، أنزل الله عز وجل عليه عليه الصلاة والسلام قوله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ [البقرة:217]، يعني: عن حكم القتال في الشهر الحرام.

    وهنا حمل على الأشد، يعني: أنه لو كان القتال في ذلك كان في رجب وهو من الأشهر الحرم لو كان وقطع في رجب، فإن حكم الله عز وجل في ذلك باق وبين، وخلل ذلك عند كفار قريش أنهم أقاموا الوزن للزمن، وما أقاموا الوزن لمن أداره، وذلك أنهم أشركوا بالله عز وجل وعظموا حرمة الأشهر الحرم.

    فيقول الله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة:217]، فبيّن الله سبحانه وتعالى أن القتال في الأشهر الحرم محرم، ولكن استنكر الله عز وجل على كفار قريش أنهم جهلوا مراتب الأشياء فوقعوا فيما هو أعظم من ذلك، مما أجاز للمسلمين أن يستبيحوا الحرمات.

    أنواع الجهل

    ولهذا ينبغي أن نعلم أن الجهل على نوعين:

    النوع الأول: جهل حقيقة الشيء وحكمه.

    النوع الثاني: هو جهل مراتبه بالنسبة للحقائق.

    وكفار قريش وقعوا في هذين الجهلين كثيراً، وذلك أن الإنسان إذا جهل حقيقة الشيء فإنه يجهل مرتبته، ولكنه إذا جهل مرتبته فلا يلزم من ذلك أن يجهل حقيقته، وذلك أن الشهر الحرام حرم الله عز وجل فيه القتال، ولكن علمك بحقيقته لا يعني ذلك علمك بمرتبته يعني: ما هو أغلظ من ذلك، وما هو أغلظ من ذلك هو ما قاله الله عز وجل فيه: قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة:217]، يعني: القتال في الشهر الحرام كبير عند الله، ولكن ما تجهلونه، وصد عن سبيل الله، وكفر بالله، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه، يعني: تذكروا أنكم أخرجتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام، وصددتموه عن دخول المسجد الحرام، وكفرتم بالله عز وجل، ولم تسألوا عن ذلك.

    ولهذا أعظم الأخطاء التي يقع فيها أهل الضلال والزيغ هو جهلهم بمراتب الحقائق، وأما العلم بحقيقة الشيء وحكمه فهذا يشترك فيه أكثر الناس، ولكن يجهلون المراتب، فإذا جهلوا المراتب أشبعوا نفوسهم بشيء من وأد لومها؛ لأن النفس لوامة وإن اختلفت مراتب اللوم، النفس لوامة في مخالفة أمر الله، في الوقوع في الفواحش وأكل المال الحرام، والفسوق والكذب والغيبة وغير ذلك، وهذه النفس اللوامة تلوم الإنسان على مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى، وهذا اللوم يطفئه الهوى ويطفئه الشيطان بشيء مما هو دونه كالذي يطفئ لومه بالوقوع في الإشراك بشيء من السقيا وإطعام الطعام، وبذل السلام، وبر الوالدين وغير ذلك.

    ولهذا يقول الله عز وجل لكفار قريش مبيناً حالهم في ذلك: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة:19]، يعني: أنكم أشغلتم أنفسكم، وأطفأتم اللوم الذي تجدونه من تقصير بسقاية الحاج، وكذلك سدنة المسجد الحرام وعمارته وتشييده وحمايته، ولكنكم كفرتم بالله عز وجل، ولم تجعلوا للإيمان بالله عز وجل وزناً، وجعلتم ذلك مقدماً على غيره، وهو الإيمان بالله، وكذلك الجهاد في سبيل الله.

    ولهذا نقول: إن الإيمان بالله أعظم من عمارة المساجد؛ لأن المساجد ومنها أعظم البيوت وهو المسجد الحرام لا يمكن أن تقام فيه العبادة على الحقيقة إلا بالإيمان بالله، وإلا لأصبح في ذلك الشرك، كذلك أيضاً نقول: إن الجهاد في سبيل الله أعظم من عمارة بيوت الله، وأعظم عنده من إطعام الطعام وسقاية الحاج؛ لأنه لا يمكن أن تتحقق سقاية الحاج وحماية المسجد الحرام إلا بالجهاد في سبيل الله، ولا يمكن أن تقوى شوكة المسلمين، ويكون لهم في ذلك قوة وبأس وهيبة ورهبة في قلوب أعداء الله إلا بالجهاد في سبيل الله، وإلا لقطع المشركون والضلال من أهل الكتاب على المسلمين الطريق والسبيل، ولم يكن ثمة حرمة حينئذٍ، ولم يكن ثمة بذلك نفع في عمارة المسجد الحرام، ولا في سقاية الحاج، ولهذا نقول: إن الجهل الذي تقدم وهو على نوعين، وهو جهل حقيقة الشيء وحكمه.

    الثاني: جهل مرتبته وإن علم حكمه، فهو يعلم الحكم لكن يجهل المرتبة، وهذا هو أعظم الخلط الذي يقع في البشرية، وهذا الذي لأجله أرسل الله عز وجل كثيراً من النذر إلى البشر؛ لتصحيح مثل هذا الأمر، ولهذا كفار قريش ينازعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض أعمالهم، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يناقشهم في هذا الأمر، ولكن يناقشهم في الخلل في ترتيب الحقائق التي جعلها الله عز وجل على ذلك الميزان، ولهذا نقول: إن العالم ليس الذي يعلم حقيقة الشيء وإنما العالم الحق هو الذي يعلم مرتبته بالنسبة لغيره، وهذا كما أنه في أبواب الخير، فهو كذلك في أبواب الشر، ولهذا لما سأل المشركون ومن سأل من المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال في الشهر الحرام بيّن الله عز وجل لهم أن القتال في الشهر الحرام كبير، ولكن أعظم منه هو الصد عن سبيل الله، والصد عن المسجد الحرام، وكان الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم؛ لأن الله عز وجل إنما جعل الأشهر الحرم وهي أربعة خشية أن يمنع الناس من الوصول إلى المسجد الحرام، فإذا منعتم الناس من الوصول إلى المسجد الحرام في جميع السنة فأنتم أشد إثماً وجرماً، كما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصل إلى المسجد الحرام فمنعتموه من دخوله.

    إذاً: أنتم تصدون الناس عن المسجد الحرام على مدار العام، أن يوحدوا الله ويعبدوه على الحقيقة، وحينما قاتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين في شهر من هذه الأشهر الأربعة جعلتم ذلك أعظم من ذلك الفعل الذي أجرمتموه وهو الصد عن سبيل الله، وكذلك أيضاً الكفر بالله سبحانه وتعالى.

    إعراب محل قوله تعالى: ( وصد عن سبيل الله ) وما يترتب على ذلك

    ومما اختلف فيه قوله جل وعلا: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:217]، هل هو معطوف على قول الله عز وجل: قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة:217]، فتكون حينئذٍ مرفوعة بالعطف على القتال، وهذا فيه نظر، ووجه النظر فيه أننا إذا قلنا: إن قول الله جل وعلا: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:217]، معطوفة على: قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة:217]، يلزم من ذلك أن الصد عن المسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند الله، يعني: أكبر من مسألة الكفر بالله سبحانه وتعالى، فيكون المعنى أن إخراج أهل المسجد الحرام منه، والقتال في الأشهر الحرم أعظم عند الله عز وجل من الكفر، وهذا لا يقول به مسلم، وإنما نقول: إن الله عز وجل بيّن حكمه في الشهر الحرام، وأن القتال كبيرة من الكبائر، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يبين بالاستئناف، لهذا جاء الاستئناف هنا في قوله: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة:217]، أي: أكبر من القتال؛ لأننا لو قلنا: بأن ذلك على العطف فيلزم من ذلك أن الإخراج من المسجد الحرام هو أكبر من الكفر بالله سبحانه وتعالى، وكذلك القتال في الأشهر الحرم أعظم منه، ولا يقول بذلك أحد من أهل الإسلام إلا إذا قلنا: إن الإنسان إذا استباح ذلك، فيكون حينئذٍ الكفر على مراتب.

    المراد بسبيل الله الوارد في القرآن

    وقول الله جل وعلا: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:217]، يفيد أن إطلاق سبيل الله في القرآن يرد على سائر أعمال الخير، منها ما يتعلق بالجهاد في سبيل الله، كما في آية الزكاة في قوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60]، وكذلك أيضاً هنا في قصد المسجد الحرام للحج والعمرة في قوله جل وعلا: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:217]، وكذلك يدخل في هذا سائر أعمال البر، باعتبار أن الإنسان إذا عمل الخير سار إلى ربه في ذلك الطريق، فالذي يقطع عنه ذلك الطريق هو صاد عن سبيل الله سبحانه وتعالى، ولهذا جعل من صد عن المسجد الحرام وكلما يقصد المسجد الحرام لأجله من ذكر الله والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ومناسك الحج من رمي الجمار، والوقوف بعرفة، والمبيت بمنى، وكذلك بمزدلفة، وذكر الله عز وجل والنحر، وغير ذلك مما يقصده الناس للمسجد الحرام، فهو داخل في عموم سبيل الله، وهذا من مواضع الخلاف عند العلماء في بعض الآي لا في كله، كما في آية الزكاة: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60]، ولعل التفصيل في ذلك يأتي بإذن الله عز وجل، هل هي شاملة لغير الجهاد، مع الاتفاق على أن الجهاد داخل في سبيل الله.

    استنكار أهل الباطل أشياء وهم واقعون في أكبر منها

    وقوله سبحانه وتعالى: وَكُفْرٌ بِهِ [البقرة:217]، وهذا فيه إشارة إلى ما تقدم الكلام عليه أن المشركين إنما أشبعوا لوم النفس بما يفعلونه عند المسجد الحرام، ويظنون أنهم هم سدنة وحماة البيت العتيق، وكفروا بالله عز وجل وعاندوا الحق، فقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدوه، وظنوا أنهم على خير.

    وهذه طريقة أهل الضلال أنهم يستدركون على أهل الحق ما هو دون ما يرتكبونه، ولو نظروا إلى ما ارتكبوه لعلموا أن ارتكابهم له يسوغ لأهل الحق أن يخرموا ما دونه، ولهذا أجاز الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام القتال في بعض الأشهر الحرم للمشركين؛ لأنهم يصدون عن المسجد الحرام ويقطعون السبيل، فأراد الله عز وجل من نبيه عليه الصلاة والسلام أن يعيدهم بذلك إلى الحق، حتى يوحد الله عز وجل عند بيته ومسجده الحرام.

    وقوله جل وعلا: وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة:217]، والمراد من ذلك هو إخراج النبي عليه الصلاة والسلام، فإن كنتم لا تقاتلون في حدود الحرم، ولا تقاتلون في الأشهر الحرم ولو خارج الحرم، فلماذا أخرجتم النبي صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه، وأخرجتموهم من بيوتهم إلى غير المسجد الحرام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تعبداً عند المسجد الحرام، فهم في ذلك أصحاب هوى، وبهذا نعلم أن طرائق أهل الضلال في كل زمن أنهم ينشغلون بحقائق الأدنى عن حقائق الأعلى.

    وفي هذا أنه ينبغي لداعي الحق وكذلك المصلح، والعالم ألا يلغي الحقائق عن قيمتها لأجل النكاية بالخصم، ولهذا الله سبحانه وتعالى لما أنزل حكمه على رسوله صلى الله عليه وسلم في أمر القتال بيّن حكم الأشهر الحرم والقتال فيها، فقال: قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة:217]، يعني: أن الحكم لم يتغير، وهو ثابت في ذلك، وأن اختلالكم في هذا الوزن وجهلكم لما هو أولى منه ينبغي ألا نجهل حقيقة هذه الرتبة التي جعلها الله عز وجل عليها، ولكن نستدرك أن هذه الرتبة دون ما هو أعظم منها، وهذا إنصاف للحق بذاته، لا إنصاف للخصوم؛ لأن غض الطرف عن حقائق الأشياء في مواضع النزاع، وكذلك الخصومة يفضي إلى الجهل بها، وكذلك فإن معرفة أحكام الله سبحانه وتعالى متعلقة بالله جل وعلا لأنه المشرع، وإلغاؤها إلغاء لتشريع الله سبحانه وتعالى.

    المرجع في معرفة حقائق الأمور ومراتبها

    وقول الله جل وعلا: وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة:217]، إشارة إلى أن موازين وحقائق الأشياء وعلمها ينبغي أن يرجع فيه إلى الله لا إلى النفوس، وبيّن الله سبحانه وتعالى أن الخلل في نفوسهم في قوله جل وعلا: أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة:217]، يعني: لديكم أكبر، وعند الله أكبر، والمرد في ذلك إلى حكم الله لا إلى حكم الناس، وأكثر ما تضل النفوس هي أن ترجع في معرفة الحقائق إلى رغباتها ونزواتها، وما تفهمه هي بعيداً عن مراد الله جل وعلا، ولهذا نقول: إن مراتب الأشياء وحقائق العلوم في ذاتها ينبغي أن يرجع فيها إلى حكم الله عز وجل ومراده، وأن الخلل في كفار قريش أنهم قدموا الكبير في نفوسهم على الكبير عند الله سبحانه وتعالى، وهذا ظاهر في قوله جل وعلا: وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة:217]، وحكم الله عز وجل في ذلك هو الحكم لا رغبات الناس، ولا الأهواء، وينبغي أن نعلم أيضاً أن النفس إذا جهلت مراتب العلوم، وحقائق الأشياء جاء الهوى فوضعها على ما يريد الإنسان، فينبغي للإنسان أن يسبق هواه بمعرفة وضع الله للحقائق، فإذا عرفها أغلق الباب على هواه، ولهذا تظل البشرية في ضلالها من إعجابٍ بأقوام لاستحسان بعض أفعالهم، واستحسان بعض عباداتهم، واستحسان أمر دنياهم أو غير ذلك، وجهل ما هو أعظم من ذلك، فقد تراهم من النساك المتعبدين ونحو ذلك، ولكنهم من أهل الشرك، ونقول في مثل هذا: لا يعني من ذلك شيئاً، قد ترى من يعمر المساجد ويسقي الحاج، ويكفر بالله سبحانه وتعالى، فنقول حينئذٍ: إن هذه مراتب، وترى من يكفل الأيتام، ويطعم الطعام، ويبذل السلام ويبر بوالديه وغير ذلك، ولكنه كافر بالله عز وجل، فحقائق هذه الأشياء ليست إلى النفوس بل إلى الله سبحانه وتعالى وليست لأحد، ولهذا جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله أنه مر بصومعة راهب فناداه، فلما خرج بكى، فقال: ما يبكيك؟ فقال له عمر بن الخطاب : تذكرت قول الله عز وجل: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية:3]، يعني: تعمل في الدنيا وناصبة في النار يوم القيامة.

    إذاً: العبرة ليست بعمل الإنسان في ذاته، ولكن عمله وما ترك في الأفعال والترك، لا بد من جمعها، فما الذي فوت، وميزان ما فوت بالنسبة لما عمل، وهذا فيما أرى أنه أصل ضلال البشرية، لهذا الله عز وجل خلق الناس على الفطرة، فإذا لم يتمكن الإنسان من تغيير الفطرة قام بجعلها مختلة، فتجد مثلاً نفوساً تنفر من الزنا، وتنفر من السرقة، وتنفر من الكذب، وتنفر من الغش، وتنفر من القتل وغير ذلك، وإذا لم يستطع أن يقلب هذه الأشياء قام بخلط مراتبها في ذلك حتى تنشغل النفوس بالأدنى وتفوت الأعلى، ومراتب الشيطان في إغواء بني آدم في هذا الباب متفاوتة بحسب ما يقاومون ذلك من علم، وربما تمكن الإنسان في العلم فجاء الشيطان إليه في دقائق يسيرة من مسائل الدين، ففتنه في ذلك لأنه يخفى عنه في هذا، وربما أيضاً علم حقائق الأشياء، ولكنه جهل أمرها ومقدارها في مآلها، فعظم المآل المتوهم لأنه عظمه في نفسه، وحقر الحقيقة الحالة في ذاته وهي عظيمة، وإذا اجتمع في ذلك هوى النفس والطمع فإنه يقع في ذلك الاختلال، وهو أعظم فتنة يفتن بها العالم.

    المراد بالفتنة في قوله تعالى: ( والفتنة أكبر من القتل )

    وفي قول الله جل وعلا: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217]، الفتنة المراد بها الكفر بالله عز وجل، وهذا بالاتفاق ولا خلاف عند أهل العلم في ذلك، والمراد بالافتتان هو الاضطراب، والاختلال الذي يطرأ على الإنسان، ولهذا النار تفتن الطعام وتفتن الحديد وتفتن الذهب وغير ذلك، وذلك أنها تغيره عن حاله، فكل شيء غير الإنسان عن حاله فهو في اللغة فتنة، ولهذا يسمى القتل فتنة، والزنا فتنة، والسرقة فتنة؛ لأنه في ذاته تغيير عن حقيقته، معنى حقيقته الأولى أن الإنسان لا يكون زان فزنى، ألا يكون قاتلاً فقتل، فهذا فتنة، وأعظم الفتن هو فتنة العلم، أن يختل علم الإنسان بحقائق الأشياء فيصدر بتشريع يخالف مراد الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره، قال: ( لا تقوم الساعة حتى تكثر الفتن ويظهر الجهل )؛ لأن الفتنة توجد مع وجود الجهل، فإذا جهل الإنسان حقائق الأشياء وقعت حينئذٍ الفتنة، أو جهل مراتبها وقعت حينئذٍ الفتنة، ولهذا في قول الله جل وعلا: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217]، يعني: أنكم تفاوضون وتناقشون على قتال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم في شهر حرام، وتنسون أنكم كفار بالله سبحانه وتعالى، والكفر هو الذي أباح هذا الأمر.

    إذاً: هم نظروا إلى مسألة أخرى متباين، ولهذا الذي ينظر إلى قتال المشركين ويقوم بالاستدلال بمسألة إراقة الدماء وعدم الرحمة وغير ذلك، وينسى أن موجب ذلك هو الكفر بالله عز وجل، هذا لديه من أنواع الاختلال ما وقع فيه كفار قريش.

    وهذا الموضع على ما تقدم أن المراد بالفتنة هي الكفر بالله سبحانه وتعالى، ولا خلاف عند العلماء في ذلك، وهنا سمى الله عز وجل الكفر فتنة، وسلب وصف الفتنة من القتل؛ لأن الوصف الأعلى ينبغي أن يلحق بأعظم جرم، لا يلحق ما دونه، ولهذا القتل إذا جاء منفرداً فيسمى فتنة، ولكن إذا حضر الكفر فلا يسمى فتنة، بل يقال: إن الفتنة هي الكفر حتى تفهم الأمور بميزانها؛ لأننا لو وصفنا الفتنة بالقتل لجعلنا الكفر دونها.

    وقوله جل وعلا: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217] هو على ما تقدم فيه تكرار من جهة المعنى، ويفيد في ذلك التأكيد؛ لأن الله سبحانه وتعالى بيّن أن الصد عن المسجد الحرام، الصد عن سبيل الله الكفر بالله، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، ثم قال الله عز وجل: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217]، تأكيداً لذلك المعنى الذي أراد الله سبحانه وتعالى كفار قريش أن يكونوا على بينة منه.

    ثم أراد الله عز وجل أن يبين لرسوله صلى الله عليه وسلم تسكيناً لنفوس من كان من الصحابة ممن بعثهم النبي عليه الصلاة والسلام لتتبع سرايا وقوافل كفار قريش أن يطمن نفوسهم، أن كفار قريش إنما يثيرون مثل ذلك، يريدون التربص بالإسلام، فهم لا يقيمون أصلاً للأشهر الحرم قيمة، وهم سيقاتلون أهل الإسلام، ولهذا قال الله عز وجل: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217]، يعني: مستمرون في القتال سواء كان ذلك في أشهر الحرم، أو في غيرها، وهذا الصد عن سبيل الله فيما فعلوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نادر بالنسبة لحال العرب من المشركين حتى في الجاهلية، فالأشهر الحرم كانت معظمة عند المشركين، حتى إن الإنسان إذا رأى قاتل والده لم يستطع أن يرفع يده إليه مما عظم، ولكن لما وجدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا أنه يذهب هيبتهم وسيادتهم، ويذهب أيضاً ما يرون من دينهم، ونحو ذلك، قاموا بإزالة ما في نفوسهم من تعظيم للمسجد الحرام، وكذلك أيضاً للشهر الحرام.

    وقول الله جل وعلا: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217].

    إذاً: القضية قضية دينية، ليست القضية هو تعظيم لذلك الشهر، وأعظم من ذلك هي حرب على دين الله سبحانه وتعالى، وهم مستمرون على ذلك.

    ما ينبغي فعله حال مناظرة الخصم

    ولهذا نقول: إن الإنسان في حال النزاع ينبغي أن ينظر إلى أعلى الحق، ثم ينظر مواضع الخلاف، ثم يقوم بالنزول إلى أدناه حتى يعرف مواضع الاشتراك ومواضع الخلل والاختلاف، ثم بعد ذلك يعرف قيمة النزاع والخلاف في ذلك، ثم يعرف الذي يقابله هل هو صاحب هوى أم ليس بصاحب هوى؟ هل له مآرب أخرى أو ليس له مآرب أخرى؟ يحسن الظن به أو لا يحسن الظن به؟ ولهذا جاء ذلك السياق ببيان تحليل ما عليه كفار قريش من البغي والظلم، فجمع جملة من القرائن التي تدل على بغيهم وعدوانهم.

    كذلك ينبغي للإنسان في حال المناظرة، وكذلك المحاججة والنزاع أن يستحضر ما يعضد قوله مما لم يكن حاضراً في ذات المسألة، ولهذا هذه القضية التي وقعت لبعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في قتلهم لـابن الحضرمي في أول يوم من رجب أن هذا ثمة قضايا بعيدة جداً يستوجب حضورها، حتى تكون حجة لإبطال ما يريده كفار قريش، وهو إخراج النبي عليه الصلاة والسلام مع كونه قد مضى لسنوات، وصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى المسجد الحرام، والكفر بالله سبحانه وتعالى وهم عليه، وما زالوا، واستحضار مثل هذه الأشياء تتضح في ذلك عين المسألة، وكذلك مقصد الإنسان هل أراد من ذلك حقاً أو تعظيماً لله عز وجل؟ أم أراد بذلك تربصاً بأهل الحق؟

    المقصود بالردة

    وقوله جل وعلا هنا: حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ [البقرة:217]، إشارة إلى التباين والمفارقة في أمر الدين، فأشار إلى دين أهل الحق بإضافته إليهم، أي: أن الأمر هو مفارقة بينهم وبين المشركين، والمراد بالردة هي الرجوع، ارتد الإنسان على عقبيه إذا رجع على أثره الذي كان عليه، وفي هذا إشارة إلى أن المشركين إنما نقموا على من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحولهم، وهذا يعني ضعفاً فيهم، فيريدون أن يرجعوا على أعقابهم، فأصبح ذلك علماً عن الرجوع عن الحق حتى من كان مسلماً وولد على الإسلام، وأطلق عليه تجوزاً لأنه مرتد، لا يعني أنه رجع إلى الكفر بعد إذ كان عليه؛ لأنه ولد مفطوراً ثم نشأ على الإسلام، فإذا ترك الإسلام لا يقال: إنه رجع إلى الكفر بعد إذ كان عليه، وإنما هو مصطلح نشأ على هذا، ثم غلب على كل خارج عن الإسلام بعد إذ كان عليه، وسبب ذلك أن الردة في ذلك إنما نشأت من أقوام جاءوا من جاهلية فدخلوا في الإسلام، ثم رجعوا عن الإسلام إلى الجاهلية، فأصبحت علماً على كل تاركٍ للإسلام.

    وقوله: حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ [البقرة:217]، يعني: من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أسلم، وفي هذا إشارة إلى أن ترك الشيء له أثر على أهله، فترك الإنسان في ذاته للشرك إلى الإسلام هذا إضعاف للشرك وتقوية للإسلام، وكذلك أيضاً إذا ترك الإنسان الإسلام وذهب إلى غيره من الملل فإن فيه إضعافاً للمسلمين وتقوية لغيرهم، ولهذا كان المشركون يتواصون فيما بينهم أنهم يؤمنون أول النهار ويكفرون آخره، ولسان حالهم أتينا إلى هذا وعرفناه ولم نجد فيه شيئاً، ثم رجعنا يريدون من ذلك أن يضعف أهل الإسلام، فيرجع إلى ما هم عليه، وهذا يظهر كثيراً عند أهل النفاق أنهم يحرصون على اختلاق أنواع ردة، اختلاق أنواع انتكاسه عن دين الله سبحانه وتعالى حتى يقوى أمرهم الذي هم عليه، ومعلوم أن ذهاب الإنسان من العقائد أو ذهابه من الأفكار أو انتقاله من شيء إلى شيء لا يعني في ذاته تبديلاً لحقيقة الشيء، فحقيقة الشيء تعرف بعينها، ولكنها قرائن، ولهذا عظّم الله عز وجل أمر الردة؛ لأن فيها حماية للإسلام، وكذلك قطع للمتلاعبين ... دخولاً وخروجاً يريدون من ذلك إدخال للإسلام.

    ثم قال: إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217]، إشارة إلى أن المسلم قلما يرجع عن دينه، فإن المسلم إذا عرف الحق وخالطت بشاشته القلب، فإنه لا يرجع عنه، ولهذا قال هرقل لـأبي سفيان كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس قال: ( هل يرجع أحد منهم سخطة عن دينه؟ قال: لا ) يعني: أنه عرف الحق، وبهذا نعلم أن الإنسان إذا ارتد أو انتكس عن الحق، فليعلم أن الحق ما خالطت بشاشته قلبه، ولكنه أخذه ظاهراً، أخذه بعاطفة، أخذه باندفاع، ثم نكسه الله عز وجل على عقبيه، وهذا في الأعم الأغلب.

    ثم بيّن الله عز وجل متوعداً من استجاب لمثل ذلك بقوله جل وعلا: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [البقرة:217]، فبيّن الله سبحانه وتعالى أن الردة أمرها عظيم، وينبغي للإنسان أن يعلم أن مصير الإنسان في ذلك مرتبط في دينه ودنياه، وأن إحباط العمل على حد سواء، كما يحبط في الدنيا وتنقطع الصلة بينه وبين ربه سبحانه وتعالى، فكذلك لا يجد في صحيفته ولا في ميزانه، ولا في كفة حسناته شيئاً عنده جل وعلا.

    أقوال العلماء في حبوط العمل بالردة

    ويتفق العلماء على أن الردة تحبط عمل الإنسان، ولكن يختلفون بالقيد الذي تحبط به الردة، هل يقيد ذلك بموته على الردة، كما في قول الله جل وعلا: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217]، هل هو بهذا القيد إذا مات يعتبر ما سبق من عمله محبطاً، أم المراد بذلك هو بمجرد تحقق الردة فإن الله عز وجل يحبط عنه العمل، ولو عاد في ذلك إلى الإسلام، وهذا من مواضع الخلاف عند العلماء فاختلفوا في هذه المسألة على قولين.

    القول الأول: ذهب جماعة من الفقهاء، وهو قول الإمام الشافعي ، وكذلك الليث بن سعد في رواية، والإمام أحمد رحمه الله في رواية إلى أن الردة تحبط العمل بقيد الموت على الكفر، قالوا: وهذا المراد من قوله جل وعلا: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217].

    القول الثاني: وهو قول الإمام مالك وأبي حنيفة ، ورواية عن الليث ، وكذلك عن الإمام أحمد : أن حبوط العمل بمجرد حصول الردة، فإن عمل الإنسان في ذلك يحبط، ويكون حينئذٍ كحال الإنسان الذي دخل الإسلام من جديد، فكل عملٍ كان معلقاً في ذمته فيجب عليه أن يأتي به كالحج، فإذا كان الإنسان مثلاً حج قبل ردته ثم ارتد فيجب عليه حينئذٍ أن يأتي بحجة أخرى، والأرجح في ذلك أن الردة مقيدة بهذا القيد، وإذا قلنا: بأن الردة تحبط عمل الإنسان، ولو لم يمت كافراً، فنقول حينئذٍ: إنه لا معنى لإيراد قول الله جل وعلا: فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217]، فالمراد من ذلك هو الموت على الكفر.

    وكذلك أيضاً: فإن الخلاف في هذه المسألة هو خلاف في القاعدة في مسألة حمل الخاص على العام، هل يبقى العام على عمومه، ويقيد الخاص بالحالة التي هو عليها، هذا موضع خلاف عند الفقهاء، وثمة قرائن وبعض الأدلة التي تعضد أن العمل لا يحبط حتى يموت الإنسان على الكفر، ومن هذه الأدلة ما جاء من حديث أبي سعيد الخدري عليه رضوان الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أسلم العبد وحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان زلفها )، يعني: سبقت منه قبل ذلك، يعني: مخلصاً لله عز وجل، وهذا ما يفعله الإنسان في حال كفره، فكيف ما يفعله الإنسان قبل ردته.

    وجاء أيضاً في الصحيحين من حديث عروة بن الزبير عن حكيم بن حزام ( أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أرأيت أعمالاً كنا نتحنث بها في الجاهلية من عتاقة وصلة رحم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما أسلفت من خير )، فإذا كان أسلم على ما أسلف من خير، وفعل الخير في حال الجاهلية، وهو مخلص لله عز وجل في جاهليته، فنقول حينئذٍ: ما يفعله الإنسان في حال توحيده، فإنه أقرب إلى القبول مما يفعله المشرك في حال شركه، وهذا في حال المشرك إذا فعل العبادة في حال الشرك لله؛ لأن المشركين ما كل الأعمال التي يعملونها يجعلونها شركاً، ولكنهم مشركون في ذاتهم، ولكن في بعض الأعمال يفعلون أعمالاً لله عز وجل خالصة، فيعتقون العتاقة لله عز وجل من غير استحضار أصنامهم، وكذلك ربما فعلوا شيئاً من الأعمال من صلة الرحم، ولا يرجون من ذلك شيئاً من الأصنام، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أسلموا على ما أسلفوا من خير، وهذا ما فعلوه في حال الجاهلية، فإن ما يفعله الإنسان حال إسلامه ثم كفر ثم أسلم فإنه أقرب إلى القبول، ثم إننا إذا قلنا: إن الإنسان بمجرد كفره يحبط عمله، فإنه يلزم من هذا أن نقول: إن الإنسان إذا فعل في حال إسلامه الأول عمل بر، ثم ارتد لا يقبل منه ذلك، ثم في ردته ارتد إلى الجاهلية وعبادة الأصنام، تقرب إلى الله بعمل بر في حال ردته ثم دخل الإسلام نقبل ما كان في الردة، ولا نقبل ما كان في الإسلام؟

    والصواب: أن ما كان في زمن الإسلام يقبل من باب أولى.

    أنواع حبوط العمل

    وقول الله جل وعلا: فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [البقرة:217]، إحباط الأعمال على نوعين:

    النوع الأول: إحباط جميع الأعمال وهذا لا يكون إلا بالكفر بالله عز وجل، وهذا لا خلاف عند العلماء فيه، أن من كفر بالله سبحانه وتعالى فقد حبط جميع عمله، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5].. لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]، فجميع العمل حابط إذا كفر بالله سبحانه وتعالى.

    النوع الثاني: هو إحباط بعض العمل، وهذا يكون من الإنسان على أحوال: إما سيئة تبطل حسنة، كما أن الحسنة تمحو السيئة، وذلك ظاهر في قول الله عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، هذا في تكفير الحسنة للسيئة، وأما تكفير السيئة ومحوها للحسنة فهذا ظاهر في بعض الآي كما في قول الله عز وجل: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264]، وقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، والمراد من ذلك هو رفع الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخفض الصوت عند النبي عليه الصلاة والسلام هو من الأدب، وإذا رفع الإنسان صوته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير قصد إنقاصٍ لمقام النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما إما انتصاراً للنفس، أو محاججة، أو مغالبة، أو نحو ذلك، فهذا لا يصل إلى حد الكفر ما لم يقصد من ذلك مغالبة للنص بعينه، ولهذا جاء عن كثير من بعض الذين يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأعراب فيرفع صوته على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفود ونحو ذلك، ولم يقل أحد من ذلك: إن هذا موجب للكفر ومحبط للعمل، إما لطبائع الناس، أو ربما لانتصار النفس أو غير ذلك، وهذا يحبط شيئاً من العمل.

    أحوال الناس عند الميزان

    مقام الناس من جهة وزن أعمالهم عند الله سبحانه وتعالى على ثلاثة أحوال:

    الحالة الأولى: أقوام ليس لهم إلا كفة واحدة، وهي كفة الحسنات، وهؤلاء على رأسهم نبينا صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح:2]، ويدخل في هذا أيضاً على سبيل التبع من يلقى الله عز وجل بلا ذنب، وذلك كالشهيد الذي ليس في عنقه حق من حقوق الآدميين، فإن الله عز وجل يغفر له كل ذنب اقترفته يمينه إلا الدين، وما كان من حقوق البشر مما في حكم الدين، وكذلك أيضاً من يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، يدخل في هذا الباب.

    الحالة الثانية: من لهم كفة واحدة وهي كفة السيئات، وهم أهل الإشراك، فلا يوجد في كفة الحسنات شيء؛ لأن الله عز وجل أحبط أعمالهم، وأعمالهم التي يفعلونها في الجاهلية وهي لله يعجلها الله عز وجل لهم في الدنيا، فمن تعبد لله عز وجل في حال شركه متقرباً إلى لله على سبيل الإخلاص في عبادة معينة كحال حكيم بن حزام عليه رضوان الله، ومن كان معه في الجاهلية ممن لم يسلم تعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، وتعجل لهم المتعة فيها، فنقول حينئذٍ: إن كفة الحسنات لا شيء فيها.

    وقد يقول قائل: ما هي الفائدة من وزن الكفة الواحدة إذا لم يكن ثمة سيئات لصاحب الحسنات، ولم يكن ثمة حسنات لصاحب السيئات، نقول: لأن الإيمان على مراتب، الجهاد في سبيل الله على مراتب، والناس يتباينون في ذلك، فالمجاهد مع رسول الله الذي قتل معه يختلف عن المجاهد مع غيره، وهؤلاء جاءوا في النص من جهة الفضل سواء، وكذلك أعمالهم من جهة البر في غير الجهاد تتباين، ولهذا منزلتهم بقيمة حسناتهم.

    وكذلك أيضاً: كما أن الطاعات عند أهل الإيمان والإيمان يزيد وينقص، كذلك أيضاً الكفر، فالكفر يزيد وينقص كالإيمان، مع أن الكافر خالد مخلد في النار، ولكن عذابه بمقدار كفره، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:37]، يعني: أن الإنسان يزيد كفره بتلك الذنوب التي تقع منه، ولهذا يتباين الناس بسبب كفرهم، وإذا زاد كفرهم كان عقابهم عند الله عز وجل أعظم، ولهذا نقول: إن الله عز وجل يزن لأهل الكفر كفرهم؛ ليعاقبهم عليه، فهم يتباينون في الكفر زيادةً ونقصاناً، وإن كان الكافر خالداً مخلداً في النار لا يخرج منها، زاد كفره أو نقص ما لم يكن من أهل الإسلام ووقع في شيء من الشرك الأصل والكفر الأصل، وأهل الإيمان يتباينون بمقدار إيمانهم، ويرفعهم الله عز وجل في ذلك مراتب بحسب حسناتهم وسيئاتهم.

    الحالة الثالثة: من له كفتان، وهي كفة لسيئاته وكفة لحسناته، وهم عامة أهل الإيمان، فمن غلبت حسناته سيئاته كان من أهل الجنة، ومن غلبت سيئاته حسناته كان من أهل النار، ما لم يغفر الله عز وجل له الذنب، فإنه يكون من أهل النار، عافانا الله وإياكم من ذلك.

    كذلك أيضاً فإنه ينبغي للعبد أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم عباده مثقال ذرة، وأن أعظم ما يخدع به الناس في الدنيا أنهم يستحضرون أعمالاً ويستعظمونها في نفوسهم، يظنون أن وزنها في الميزان كميزانها في النفوس، وهذا من الجهل العظيم، فقد تعمل عمل برٍ وتظنه عند الله عظيماً، وتجده ضعيفاً في الميزان؛ لأن التعظيم له خطأ، أو أن السيئات قد جعلته ضعيفاً، أو أن النية وعمل القلب قد جعله هزيلاً، فإن من أعظم سبل إغواء الشيطان للإنسان أن يجعل حسناته حاضرة في ذهنه ويجعلها نصب عينيه، ويجعل السيئات التي يفعلها مطوية عنه، فيتعاظم ويسكن ويتفاءل، ثم يجد أمره عند الله عز وجل على خلاف ما يجده في نفسه.

    وقول الله جل وعلا: فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [البقرة:217]، من العلماء من أخذ من قوله: فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا [البقرة:217] أن من أسقط واجباً عليه قبل ردته قالوا: إن الله عز وجل يحبط عمله الذي فعل في الدنيا، لكنه لا يجب عليه أن يأتي بالعمل، يقول: حبط الأجر، ولكن لا يجب عليه أن يأتي بالحج، وهذا قول قال به بعض الفقهاء المتأخرين، وقد يحمل على أنه قول ثالث في المسألة، وهي في مسألة الإنسان إذا ارتد، وكان قد حج قبل ذلك، قال: يسقط في ذلك حجه، لكن لا يثاب عليه؛ لأنه أداه على وجه صحيح، وقالوا: وهذا يؤخذ قرينة من قول الله عز وجل: فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [البقرة:217]، وقد يستأنس من قول الله عز وجل: فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [البقرة:217]، أن الإشارة إلى الدنيا أنه ينبغي أن يعتمد الإنسان على الثابت على دين الله في أمر الدنيا، في أمور الولاية والوجاهة، وفي أمور الأمة وقضاياها العظيمة في الجهاد والقيادة، وكذلك الأمانة، وغير ذلك، أن يعتمد على ثابت راسخ في هذا الأمر، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يقدم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ويقدم الخلص منهم ممن كان أظهر في باب الثبات، فيحفظ لصاحب الثبات ثباته، وكذلك أيضاً لمن عاد إلى الحق يحفظ له عودته، ويبين له مقام الثابتين، ولا يزدريه ويذكر بسيئاته، ولكن يبين فضل الثابتين أنهم ثبتوا على الحق في حين نكوس كثير من الناس، ولا يذكره بسيئاته حتى لا ينتكس أو يجد من ذلك نفرة من أهل الحق، فلا يجد في ذلك إيناساً؛ لأن من انتكس مرة لا يبعد أن ينتكس مرة أخرى، ولهذا من ارتد عن دين الله قلما يرجع إليه، وإن رجع رجع مرة أخرى، فأصبح يتقلب في ذلك هذا في الأغلب.

    تدوين العمل المحبط عند الله

    وهنا مسألة أن من أحبط الله عز وجل عمله في الدنيا بأي نوع من أنواع الإحباط إما سيئة فعلها الإنسان فاستغفر الإنسان منها، فتاب منها، أو طاعة من الطاعات فعلها الإنسان ثم أحبطها الله عز وجل له بشيء من وجوه الإحباط، هل يجدها الإنسان مدونة في صحيفته فيجدها أمامه، لكنه لا يجازى عليها، هذا من مواضع الخلاف عند العلماء، هم يتفقون على أن ما أحبط من عمل الإنسان من البر أنه لا يثاب عليه، ومن أحبط من آثام الإنسان وأسقط عنه فإنه حينئذٍ لا يعاقب عليه، ولكن هل يقر عليه؟ من العلماء من يقول: إنه يقر ويسأل عنه، وهذا مقتضى الإحصاء، وأن ما يفعله العباد في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فلو فعل الإنسان سيئة يسيرة جداً، نظر حرام، أو ذرة من أمور الشر، فهذا يسأل عنه الإنسان، فإن تاب عنه لا يعذب عليه، وهذا قد مال إليه بعض الفقهاء كـالحسن البصري ، قال: إن من تاب من سيئة تبقى في صحيفته ويسأل عنها، ولكنه لا يعذب عليها، قال: وهذا مقتضى الإحصاء، وإحاطة الله عز وجل في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهذا كما أنه في أمور السيئات، فهو كذلك في أمور حسنات المشركين، يقال: هذه الأعمال التي فعلتموها، سيئها وحسنها، أما السيئات فإنها باقية، وأما الحسنات فعجلت لكم في الدنيا، وتعجيلها كان في حال كذا وحال كذا، رفع عنكم البلاء في موضع كذا، ورزقكم الله عز وجل نعيماً كذا، واستمتعتم في حياتكم الدنيا بكذا، وهذا مقتضى كمال الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى جعل الملكين عن يمين الإنسان وشماله، ودون على عباده السيئات والحسنات، وجعل له شهيداً من نفسه، لا ليعلم الله عز وجل فالله يعلم من غير ذلك سبحانه وتعالى، ولكن ليقيم الحجة على عبده، ويقطع الجدال معه؛ لأن الإنسان أكثر شيء جدلاً.

    قال الله سبحانه وتعالى: وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217] إشارة إلى أنه لا يغلب على ظن الإنسان أنه إذا كان له سابقة خير، ثم كفر بالله عز وجل أن ذلك يعفيهم من الاشتراك مع الكافرين في الخلود في النار، بل يقال: إنه خالد في النار حاله كحال المشركين، بل ربما أشد ضلالاً باعتبار أنه قد قرب من الحق وعرفه، فتركه ونكص على عقبيه، عافانا الله عز وجل وإياكم من ذلك.

    نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.