إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الصلاة [49]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وردت أحاديث في التكبير في الطريق عند الذهاب لصلاة العيد لكنها أحاديث معلة لا تصح، لكن صح عن السلف فعل ذلك، كما ورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب العيد وهو متكئ على عصا وفي رواية على قوس، وهذا اضطراب أعل به الحديث إضافة لكون رواية العصا مرسلة غير متصلة، وفيها راو ضعيف، أما رواية القوس فتفرد بها من لا يقبل تفرده.

    1.   

    حديث ابن عمر في العيد: (كان رسول الله يكبر في طريقه إذا مر بالحدادين..)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فأنهينا في المجلس السابق ما يتعلق بعلل أحاديث صلاة الاستسقاء، ونتكلم في هذا المجلس على شيء من الأحاديث المتعلقة بأحكام العيدين مما يتعلق بالصلاة وما قبلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأول ذلك: ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى صلاة الاستسقاء ومعه الفضل بن العباس و عبد الله بن العباس و العباس بن عبد المطلب و علي بن أبي طالب و جعفر و الحسن و الحسين و أسامة و زيد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في طريقه إذا مر بالحدادين ورجع من طريق الحذائين ).

    هذا الحديث أخرجه البيهقي في كتابه السنن من حديث أحمد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمه عبد الله بن وهب عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    علة حديث: (كان رسول الله يكبر في طريقه إذا مر بالحدادين...)

    وهذا الحديث حديث منكر وهو معلول بعدة علل منها: ما يتعلق بالإسناد، ومنها ما يتعلق بالمتن، أما بالنسبة للإسناد فإن هذا الحديث بهذا اللفظ والتمام لا يعرف إلا من حديث عبد الله بن عمر العمري الذي يرويه عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و عبد الله بن عمر العمري وإن كان صالحاً في ذاته إلا أنه ضعيف الحديث، وقد ضعفه غير واحد من العلماء كـيحيى بن معين و علي بن المديني و النسائي وغيرهم من أئمة النقد، وهذا الحديث لا يعرف عن نافع مرفوعاً عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا من حديث العمري .

    ومن العلل الإسنادية كذلك: أن هذا الحديث تفرد به ابن أخ عبد الله بن وهب عن عمه عبد الله بن وهب ، وابن أخ عبد الله بن وهب وإن كان صالحاً في ذاته إلا أن له مفاريد يتفرد بها عن ابن وهب مما تستنكر من حديثه، ولهذا قد ترك حديثه بعض النقاد.

    القرابة التي تكون قرينة على الضبط والاختصاص

    وأما ما نذكره مراراً من أن القرابة تعتبر من القرائن في قبول رواية الحديث وأنه إذا كان ثمة قرابة بين راويين فروى أحدهما عن الآخر وتفرد به عن غيره فإن هذه القرابة قرينة على الاختصاص، ولكن في مثل هذا الموضع لا يقال: بأن القرينة هي القرابة، فالقرابة هنا قرينة ضعيفة؛ لأن عبد الله بن وهب لا تقبل في مثله قرينة القرابة؛ لأنه إمام حافظ راوية رحالة يؤخذ عنه الحديث، وتفرد أحد من قراباته بالرواية عنه لا تقبل عادةً في مثله وإنما تقبل ممن دونه من الرواة المتوسطين أو ممن كان من الضعفاء، ولهذا ينبغي أن نعلم أن القاعدة التي نشير إليها مراراً أن القرابة التي تكون بين الرواة قرينة على الضبط وأنها من وجوه الاختصاص فإذا تفرد راو عن قريب له فإن هذا لا يعل بالتفرد أن هذا ليس على إطلاقه، فليس لأحد من قرابات مالك أو ابن عيينة أو الثوري أو ابن وهب أو عبيد الله بن عمر العمري وأضراب هؤلاء أن يتفرد عنه بشيء ثم يقال: إن هذا التفرد مما يقبل وذلك لقرينة القرابة، فنقول: إن التفرد في مثل هؤلاء لا يقبل لسعة روايتهم وكذلك فإن اختصاص أحد قراباتهم بالرواية عنهم لا يقبل عادةً.

    ورواية عبد الله بن وهب عن عبد الله بن عمر العمري فيها إشارة إلى علة أخرى وهي أن هذا الحديث لو كان عند ابن وهب من غير طريق العمري لرواه؛ لأن العمري معروف بالضعف مما يدل على أن مخرج هذا الحديث لم يثبت عند عبد الله بن وهب إلا من طريق عبد الله بن عمر العمري فرواه عنه من هذا الوجه، وكذلك فإن الأئمة عليهم رحمة الله خاصةً أصحاب سعة الرواية إذا رووا حديثاً في الأصول من وجه ضعيف وهو واسع الرواية وصاحب رحلة وتنقل كـابن وهب فإن هذا أمارة على أنه لم يجده مع سعة روايته إلا من هذا الوجه، فكان ذلك قرينة على عدم وجود هذا الحديث في معاقل الرواية كمكة والمدينة إلا من هذا الوجه.

    ثم إن هذا الحديث معلول بالوقف على عبد الله بن عمر ، فإنه جاء عن عبد الله بن عمر من حديث محمد بن عجلان عن نافع عن عبد الله بن عمر: أنه كان يخرج إلى صلاة العيد يوم الفطر ويكبر في ذهابه وحينما يرجع إلى بيته، وهذا الحديث أخرجه الدارقطني في السنن، وأخرجه البيهقي من حديث محمد بن عجلان عن نافع عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله موقوفاً عليه، وقال غير واحد من النقاد: إن هذا هو الصواب، وقد رجح ذلك البيهقي رحمه الله كما في كتابه السنن، وقد توبع محمد بن عجلان في روايته لهذا الحديث موقوفاً تابعه على ذلك موسى بن عقبة و عبيد الله بن عمر و أسامة كلهم يروون هذا الحديث عن نافع عن عبد الله بن عمر ويجعلونه موقوفاً، ولهذا يقول البيهقي رحمه الله: والوقف في ذلك أشبه، يعني: أنه أقرب وأشبه بالصواب، وأن الرفع أشبه وأقرب إلى الخطأ، وهذا الحديث بتمامه في تكبير النبي عليه الصلاة والسلام في ذهابه ومجيئه جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من روايات متعددة، سيأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى.

    ولكن لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من فعله أنه كبر في طريقه إلى صلاة العيد وفي رجوعه، والأحاديث في ذلك إنما هي أقوال لبعض السلف سواءً كان ذلك من التابعين أو من جاء بعدهم، وهل يقال: إن الأحاديث لا حاجة إليها لثبوت ذلك في القرآن، فإن الله عز وجل يقول: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ [البقرة:185]، فإن إكمال عدة رمضان موجب للحوق التكبير، وإكمال العدة يكون بغروب شمس الثلاثين من رمضان أو عند رؤية الهلال بعد ليلة العيد، فإنه يبتدئ حينئذ التكبير، نقول: إن هذا ليس مفسراً وإنما هو مجمل في ظاهر القرآن، فالله عز وجل حث على التكبير من غير بيان والتكبير قد جاء عن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى على أحوال، فجاء تكبير في ليلة العيد يعني: من غروب الشمس أو عند رؤية هلال العيد فإنه يكبر إلى خروجه وذهابه إلى المصلى، وجاء أن التكبير يكون من صبيحة يوم العيد يعني: من ذهاب الإنسان إلى صلاة العيد يبتدئ التكبير ثم يتوقف عند دخول الإمام، والتكبير في ذلك ثابت لا خلاف عند العلماء فيه، وإنما الخلاف في تفصيله، والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفصيله جميعها ضعيفة، وربما كان ضعفها في ذلك للاعتماد على استفاضة العمل واشتهاره، فإن العمل إذا كان مستفيضاً مشتهراً ومستقراً من غير خلاف فإن الهمم لا تتداعى عادةً على نقله؛ لعدم وجود المخالف له، وربما اكتفي بالنقل للأحاديث الواردة في ذلك على ظاهر القرآن.

    1.   

    حديث: ( أن رسول الله كان يكبر إذا أضحى في ذهابه إلى العيد... )

    الحديث الثاني: هو أيضاً عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر إذا أضحى يعني: يوم الأضحى في ذهابه إلى العيد، ويرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق آخر ).

    هذا الحديث أخرجه البيهقي رحمه الله في كتابه السنن من حديث موسى بن محمد بن عطاء عن الوليد بن محمد الموقري عن ابن شهاب الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعاً.

    علة حديث: (أن رسول الله كان يكبر إذا أضحى في ذهابه إلى العيد...)

    وهذا الحديث معلول بعدة علل:

    أول هذه العلل: أن هذا الحديث تفرد به موسى بن محمد بن عطاء وهو ضعيف الحديث وضعفه عامة الأئمة، بل بعض العلماء اتهمه بالكذب، وكذلك فإن هذا الحديث تفرد به الوليد بن محمد الموقري الذي يرويه عن ابن شهاب الزهري ، وهنا في هذا الموضع علتان:

    العلة الأولى في الوليد ، والعلة الثانية في تفرد الوليد عن ابن شهاب الزهري، وذلك أن ابن شهاب من أهل الرواية الكبار والحفظ والضبط وله أصحاب يقصدونه في أخذ حديثه عنه، وتفرد الضعفاء وأضرابهم بالرواية عنه دليل على أن هذا الحديث مما لا يحدث به الثقات، ومعلوم أن الرواة الكبار ما يخرجون للنقلة إلا ما يحمل أو ما يضبط عادةً ويدعون ما دون ذلك مما لم يضبط أو ورد فيه وهم فيجعلون ذلك لمن دونه، ولهذا الأحاديث المستفيضة الثابتة من جهة المعنى تجد الكبار ينقلونها عن ابن شهاب الزهري ، وأما ما كان دون ذلك فإنهم لا يحدثون به ولا يخرجونه للكبار، وإنما ربما حدثوا به من دونه، وعادة الحافظ الراوية يخرج الحديث بحسب مقامات السامعين، فما يخرجه ابن شهاب للإمام مالك رحمه الله من مرويه يختلف عما يخرجه لمن دونه في المقام كحال الوليد بن محمد الموقري وغيره من الضعفاء، وكذلك من كان أحسن حالاً منه.

    ثم إن هذا الحديث معلول بالإرسال، وذلك أنه قد أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف وتاريخ المدينة عن ابن شهاب الزهري مرسلاً أو معضلاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخرجاه من حديث يزيد بن هارون ، وهذا أيضاً أمارة على أن هذا الحديث لا يصح متصلاً عن ابن شهاب ، ولهذا ما نقله الحفاظ الكبار عنه، ولهذا نقول: إن الوصل ضعيف والإرسال في ذلك أصح.

    وقد جاء هذا الحديث ببيان التفصيل من جهة وقت ابتداء التكبير موقوفاً على عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى، فجاء عنه بابتداء التكبير من الليل يعني: من ليلة العيد ولا يتوقف في ذلك إلا عند دخول الإمام لصلاة العيد، والبيهقي رحمه الله قد أخرج ذلك في كتابه السنن واستغرب ذكر الليلة في الموقوف عن عبد الله بن عمر ، وأخرجه من حديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يكبر ليلة الفطر وصبيحتها إلى الصلاة، فالتكبير حينئذ ابتدئ من الليل، يقول البيهقي رحمه الله لما أخرج هذا الحديث موقوفاً بذكر الليل قال: وذكر الليل غريب، يعني: في الموقوف على عبد الله بن عمر ، ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله ولا كذلك عن عبد الله بن عمر من قوله أو فعله أنه كان يكبر ليلة العيد، وإنما يؤخذ ذلك من ظاهر القرآن، وأما حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى هذا فهو حديث ضعيف.

    1.   

    حديث: (كان رسول الله يأمرنا إذا خرجنا إلى صلاة العيد أن نجهر بالتكبير)

    الحديث الثالث في هذا: هو حديث الحسن بن علي عليه رضوان الله قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا خرجنا إلى صلاة العيد أن نجهر بالتكبير ).

    هذا الحديث أخرجه البيهقي في كتابه السنن من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث بن سعد عن إسحاق بن بزرج عن الحسن بن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث معلول بعدة علل:

    أول هذه العلل: الجهالة في الراوي عن الحسن بن علي عليه رضوان الله تعالى فإنه لا تعرف حاله، وإن ذكر ابن حبان إسحاق في كتابه الثقات إلا أن حاله لا تعرف، وكذلك فإن هذا الحديث تفرد به من هذا الوجه عبد الله بن صالح كاتب الليث ، و عبد الله بن صالح كاتب الليث وإن كان صالحاً في ذاته إلا أن حديثه فيما يتفرد به فيما يخالفه الثقات لا يقبل، وإن كانت روايته عن الليث بن سعد من جهة الأصل من كتاب ولكن له حديث عنه يسير من غير كتابه فربما يغلط فيه، وحديث عبد الله بن صالح كاتب الليث أضعفه في ذلك ما يرويه عبد الله بن صالح كاتب الليث عن ابن أبي ذئب، وأحسن حديثه ما يرويه كاتب الليث عن الليث بن سعد ويكون من كتابه والمتن في ذلك مستقيم، فإذا كان المتن مستقيماً فإن هذا قرينة على ضبط الخبر وأنه أخذه من ليث بن سعد، و ليث بن سعد من أئمة الرواية والدراية، وهذا أمارة على أنه أخذ هذا الحديث وضبطه كما نقله، ولهذا نجد الأئمة عليهم رحمة الله يروون حديث كاتب الليث عن الليث ومنهم البخاري في مواضع يسيرة في كتابه الصحيح، ولكن لا يذكر إلا ما استقام من جهة المتن، فإذا كان المتن مستقيماً وداخل في دائرة المعاني الصحيحة فيقال حينئذ بقبول ذلك.

    1.   

    حديث معاذ: (كان رسول الله يأمرنا إذا خرجنا إلى صلاة العيد أن نظهر التكبير)

    الحديث الرابع: هو حديث معاذ بن جبل عليه رضوان الله قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا خرجنا إلى صلاة العيد أن نظهر التكبير ).

    وهذا الحديث أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد من حديث عتبة بن حميد عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء هذا الحديث من وجه آخر من حديث عبد الله بن لهيعة عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي عن عتبة بن حميد عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث معلول بعدة علل:

    أول هذه العلل: أن هذا الحديث مما تفرد به عتبة بن حميد الضبي ، و عتبة بن حميد من طبقة متأخرة وإن كان صدوقا ًإلا أنه لا يحمل مثل هذا الأمر في قوله: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نظهر التكبير )، ففيه أمر للجماعة وهذا كالحديث السابق في حديث الحسن بن علي، فيه الأمر العام بإظهار التكبير، والأوامر إذا جاءت عامة الأصل فيها الوجوب، وإذا كان الأصل فيها الوجوب فالأصل في المأمور أن يشتهر وأن ينقل؛ لأن الخطاب إذا كان مختصاً بفرد فإنه يختلف عن كونه أمراً للعامة، فالفرد لا يحمل الأمر على الوجوب، وثمة صوارف للأوامر من الوجوب إلى الاستحباب إذا توجه الأمر إلى فرد بعينه ولم يرد أمر غيره، وذلك لأن الشريعة ما جاءت لخطاب الأفراد وإنما جاء الأمر في ذلك عاماً، فإذا خلت الأحاديث من أمر إلا أمراً خاصاً فحينئذ يقال: بأنه على الاستحباب أو على الندب لا على الوجوب، وهنا في قوله: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نظهر التكبير ) أمر للجميع، ومثل هذا يجب أن يظهر، وتفرد عتبة بن حميد بهذا الحديث مما يستنكر عادةً.

    ومن العلل وهي أشدها: أن هذا الحديث يرويه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل ، وممن يروي عن عبادة بن نسي محمد بن سعيد المصلوب الكذاب ويظن أن في مفاريد عبادة المنكرة دخول المصلوب فيها، ولهذا يقول ابن رجب رحمه الله في فتح الباري: ولعل هذا الحديث من حديث المصلوب عن عبادة بن نسي وذلك أنه يروي عنه، يقول: وقد دخل في حديثه فيه حديث مشابه له وهو حديث التنشف بعد الوضوء، يرويه محمد بن سعيد المصلوب أيضاً عن عبادة بمثل هذا، ودلس ولم يذكر وذلك؛ لأن هذا الحديث يجري من جهة التشريع العام وفق الأصول، وذلك أن فيه حثاً على التكبير وإن كانت الصياغة في ذلك يتحفظ فيها من جهة الأمر ومن جهة ابتدائه، لأنه كان يأمرهم بالتكبير إذا غدوا إلى الصلاة، يعني: أنه إذا كان التكبير قبل ذلك فإنه لا يأمر به وذلك بعد تمام رمضان ورؤية هلال العيد، أو أن يكون ذلك بعد غروب الشمس حتى في يوم النحر إذا غربت الشمس من يوم عرفة فإن الناس ستستقبل في ذلك العيد، فهل يبتدئ التكبير من تلك الليلة أم من الغدو! هذا هو موضع إيراد هذه الأحاديث، وتحديد الموضع في التكبير والفصل فيه ابتداءً وانتهاءً لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما جاء ذلك عن بعض الصحابة، فقد صح عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى وجاء عن علي بن أبي طالب و عبد الله بن مسعود، وأصح الوارد في ذلك هو عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى، وجاء أيضاً عن جماعة من التابعين.

    ونستطيع أن نقول: إن التكبير لصلاة العيد متفق على استحبابه عند الصحابة، وإنما الخلاف في توقيته، ونحن أوردنا هذه الأحاديث التي فيها التكبير إما أن يكون في الغدو وإما أن يكون من الليل وبينا الكلام عليه.

    1.   

    حديث: (خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده عصاً يتكئ عليها)

    الحديث الخامس: هو حديث عطاء أنه قال: ( خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده عصاً يتكئ عليها )، هذا الحديث أخرجه الشافعي في الأم ورواه عنه البيهقي في كتابه السنن من حديث محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي عن الليث بن أبي سليم عن عطاء مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث معلول بالإرسال وذلك أن عطاء تابعي ولم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن وجوه العلل: أن هذا الحديث يرويه ابن أبي يحيى وهو الأسلمي وهو متهم، وأقل أحواله أنه ضعيف الحفظ، وعامة الأئمة على ضعفه، وقد تفرد بهذا الحديث عن الليث بن أبي سليم ، و الليث بن أبي سليم الذي يروي هذا الحديث عن عطاء تفرد به كذلك، فنستطيع أن نقول: إن هذا الحديث مرسل غريب، مرسل ولا يعرف عن عطاء إلا من هذا الوجه، و الليث بن أبي سليم ضعيف بالاتفاق، وقد حكى الاتفاق على ضعفه جماعة من العلماء كـالنووي وغيره، ولم يوثقه أحد، وإنما كلام العلماء عليهم رحمة الله تعالى في قبول روايته في بعض المواضع في التفسير وإذا انفرد برواية رأي فقهي عن تابعي واحد، يعني: لا يجمع.

    ورواياته في التفسير من كتاب خاصةً ما يرويه عن ابن أبي نجيح ، وما يرويه فإنه محمول على الكتاب والأصل في ذلك الاستقامة، ويقبل كذلك إذا روى رأياً فقهياً عن تابعي واحد، فإذا روى عن تابعي واحد فإنه يضبط بخلاف إذا روى عن اثنين أو ثلاثة فإنه يخلط.

    وقد أشار ابن سعد رحمه الله في الطبقات إلى أن ليث بن أبي سليم وهذا يوجد كثيراً في المصنف لـابن أبي شيبة ولـعبد الرزاق وعند البيهقي وفي كتب ابن المنذر حيث يروي ليث بن أبي سليم عن عطاء و طاوس و مجاهد وتارةً عن سعيد بن جبير يجمعهم، فيجعل رأي الواحد رأياً للجماعة ولا يفرق بينهم وربما تشتبه عليه.

    ولهذا نجد في اختلاف أقوال التابعين التي تذكر في دواوين الفقه أن أحد أسبابها هو رواية ليث بن أبي سليم ، فربما نجد أنه ربما يروي: عن عطاء ويقول: في هذا عن عطاء قولان، وعن سعيد قولان، وعن طاوس قولان، فإذا وجدنا ليث بن أبي سليم يروي أحد الوجوه فإننا نعلم أنه خلطه بغيره، وإنما هو قول واحد، ولكنه إذا روى عن واحد ضبط، وهذا كعادة كثير من الضعفاء فإنهم يخلطون عند كثرة الطرق أو طول المتون أو كثرة ووفرة المعلومات فيخلطونها مع بعضها؛ لعدم ضبطهم.

    1.   

    حديث: (كنا جلوساً أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أضحى وهو على المنبر فأعطي قوساً...)

    الحديث السادس: هو حديث البراء بن عازب قال: ( كنا جلوساً أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أضحى وهو على المنبر فأعطي قوساً أو عصاً فاتكأ عليها ).

    هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند، و أبو داود ، و البيهقي ، و الطبراني من حديث أبي جناب الكلبي عن يزيد بن البراء بن عازب عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث معلول بتفرد أبي الجناب الكلبي عن يزيد بن البراء ، و أبو الجناب الكلبي ضعيف الحديث، أكثر المحدثين على ضعفه، واسمه يحيى بن أبي حية الكلبي وهو أبو الجناب ، وقد تفرد بهذا الحديث عن يزيد بن البراء عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن وجوه النكارة المتنية: أن النبي عليه الصلاة والسلام ناولوه القوس أو العصا وهو على المنبر، والسنة تؤخذ ويحتاط لها ابتداءً ولا يتناولها وهو على المنبر إلا إذا كان لحاجة إما لطول قيام أو لمرض أو لسبب من الأسباب.

    ومن وجوه النكارة: الشك في الرواية هل ناولوه قوساً أو ناولوه عصاً.

    ومن وجوه النكارة: أن مثل هذه المناولة تكون مشهودة فيراها الصحابة المقربون ويراها الأبعدون ويراها الوافدون ممن كان خارج المدينة، ومثل هذا ينقل.

    ومن وجوه النكارة: أن مناولة العصا أو القوس للنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث ظاهرها أنها مبادرة ممن ناوله ولم يطلبها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجري هذا عادةً في خطب النبي عليه الصلاة والسلام أن يناول شيئاً من غير طلب خاصةً مع انشغاله بالحديث.

    ومن وجوه النكارة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وخطب مئات الخطب في الجمع وعشرات الخطب في العيدين، ففي العام الواحد عيدان ويخطب مرتين، والنبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العيد قيل في السنة الثانية من قدومه عليه الصلاة والسلام وهذا يدل على تكرار ذلك، ويحفظ قول النبي صلى الله عليه وسلم وحركاته وسكناته، ومثل هذا لو كان موجوداً أو عادً لنقل واستفاض، ولم يكن كذلك في عمل أصحابه عليهم رضوان الله تعالى.

    نتوقف عند هذا القدر، ونكمل بإذن الله عز وجل في المجلس اللاحق، وربما في مجلس أو مجلسين ننهي الكلام على الأحاديث المتعلقة بأحكام صلاة العيدين، ثم نتكلم بعد ذلك على صلاة الخوف والجنائز، ثم المنثور من بقايا أحكام الصلاة كصلاة التوبة، والاستخارة وأضرابها، ونتم بعد ذلك ما يتعلق بأحكام الصلاة، ونلج بعد ذلك في أحكام الزكاة وهي المتبقية من أحكام العبادة، والأحاديث الواردة في الزكاة ليست بالكثيرة، ثم بعد ذلك نشرع في المعاملات بإذن الله وعونه.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.