إسلام ويب

فقه السياسة الشرعيةللشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • السياسة الشرعية ترتكز في تحقيق أهدافها على مبدأ مهم، وهو مبدأ التدرج، فقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى توحيد الله عز وجل وإصلاح الفطرة، ثم بنى على ذلك الأساس المتين دولة الإسلام، وكان عليه الصلاة والسلام رفيقاً في تعامله، لا ينتصر لنفسه، بل يغلب مصلحة الدعوة ووحدة الأمة.

    1.   

    سياسة الأنبياء لشعوبهم وأقوامهم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فإن من نعم الله عز وجل على العباد أن كرمهم وشرفهم سبحانه وتعالى بالبصيرة، وهي العقول التي أنار الله عز وجل بها الإنسان وفضله على غيره، وأعظم من ذلك أن الله عز وجل جعل لتلك البصيرة نوراً وهدى يسير بها الإنسان في ظلمات الآراء والأهواء والشبهات، وجلى الله سبحانه وتعالى ذلك بكتبه المنزلة على رسله وأنبيائه، فكان الأنبياء يحملون النور والمشعل لإنارة العقول وتبديد الظلام فيها، والسياسة التي توصلهم في ذلك إلى الغاية التي يريدونها، فتجردوا من حظوظ النفس والأهواء والشبهات والشهوات، ليصلوا إلى الغاية المنشودة، لهذا جعل الله عز وجل أنبيائه صلى الله عليهم وسلم قادة في الدين والدنيا، وهم ساسة في إيصال الحق، يسوسون النفوس، ويسوسون الأفراد، ويسوسون الدول والحكام، يسوسون الرجال والنساء، ويسوسون الصغار، ويسوسون عمالهم، ويسوسون أيضاً إنفاق الأموال، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم، كلما ذهب نبي خلفه نبي بعده ).

    الحكمة من سياسة الأمم

    ومعنى السياسة أن الإنسان بطبعه, برأيه, بقوله, بفعله, يخرج عن الجادة مع طول الزمن وتقادمه؛ وذلك أن الإنسان في داخله شيء من مطامع النفس وهواها، ربما يصورها على أنها آراء أو أقوال حقيقية، ثم يحيد مع الزمن إلى غير مراد الله سبحانه وتعالى.

    والله جل وعلا قد جعل في الإنسان فطرة ونزوة، وهي جانب الشهوات، جوانب الشهوات لا حد لها ولا حصر، وهي التي تنبت عليها الآراء والأفكار والشبهات، ثم بعد ذلك تتحول على أنها مدارس فكرية ونظرية في ذلك، وإنما هي غرائز.

    لهذا ما من شبهة ولا يوجد رأي شاذ إلا وأصله قد نبت على شهوة وغريزة، وهذه الغريزة لا يبوح بها صاحبها، وإنما يشرعها بشيء من الرأي؛ فإذا الظالم أراد أن يستحوذ بالمال لحبه للمال بحث عن مشرع له، ثم أصبح بعد ذلك ديناً وشريعة، وإذا أحب الإنسان غريزة السمع والبصر والشهوة من جهة فرجه أو مطعمه أو تملكه، أخذ ذلك عن طريق الشهوة، ثم أراد بعد ذلك أن يسول له أن هذا من العمل المباح، وأخذ يُنَظِّر له.

    ولهذا لما كانت الشبهات متلازمة مع هذه الشهوات وتتزاوج وتنتج بعد ذلك عقائد فاسدة، جاء الله عز وجل بالأنبياء، وجاء الله عز وجل بالرسل، جاء الله عز وجل بنذر الحق وأنزل عليهم الكتب، ليسوسوا الناس ويعيدوهم إلى جادة الحق، لهذا إذا ترك الإنسان لنفسه العنان، واسترسل بخطراتها فللنفس وساوس ولها غرائز, تتزاوج الأهواء والأفكار بالشهوات حتى تنتج من ذلك مدارس بعيدة عن منهج الله سبحانه وتعالى.

    ولهذا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم كلما ذهب نبي خلفه نبي بعده )، المراد من هذا أن الناس كحال القافلة التي تسير في الأرض مع طريقهم يتيهون عن ذلك، ويتفرقون جماعات ينفرد منهم أناس يمنة ويسرة، ويأتي النبي ويقوم بجمع الناس وإعادتهم إلى تلك الجادة، هكذا كلما هلك نبي جاء نبي بعده، يعني: أنه لا بد من المتابعة حتى يستقيم أمر الأمة.

    تدرج الباطل في ترسخه في حياة الناس ونفوسهم

    في استعمال لفظ السياسة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم )، يعني: أنهم يعيدونهم على سبيل التدرج شيئاً فشيئاً، ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول كما في الحديث: ( خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين )، يعني: أن الإنسان ربما ينحرف ويجتال من حيث لا يشعر، ولهذا الإنسان ربما ينقلب اتجاهه درجات كاملة عن الاتجاه الذي سعى إليه مع مرور الزمن من حيث لا يشعر.

    ولهذا الإنسان إذا سلك طريقاً في الأرض أو في البحر، إذا كان الانحناء في ذلك بعيداً فإنه ينعكس اتجاهها من حيث لا يشعر، وربما الإنسان إذا أراد أن يصلي في برية أو في طريق سفر يتجه إلى غير القبلة؛ لأنه يظن أن الاتجاه إلى هذه الجهة بينما هو استدار من حيث لا يشعر، أما الاستدارة القريبة فيشعر بها الإنسان ولو كانت يسيرة، ولهذا مع طول الأمل ومع طول الأمد تتغير النفوس والأفكار والآراء وكذلك العقائد من حيث لا يشعر الناس، ولهذا الإنسان بحاجة إلى شيء من السياسة ولشيء من الرعاية، ولهذا الإنسان حينما يكون راعياً على بهائمه من الإبل والبقر والغنم وغيرها، يقوم بجمعها في حال مسيرها حتى لا تفترق، مع البون في بني آدم وهذه البهائم، إلا أن الناس في سيرهم في الأرض يتدرجون من حيث لا يشعرون في الباطن، ولكن البهائم أسرع من بني آدم، وبنو آدم في ذلك أبطأ ويتفقون بعد ذلك في الغاية، ما لم يبعث الله عز وجل أنبياء يسوسون البشرية.

    انحراف الأمم عند تأخر الرسل

    وكلما تأخر إرسال نبي، ولم يأت للأمة نذير، وعطلت الأمة رسالة الأنبياء التي جعلها الله عز وجل فيهم بدأ الانحراف في الأمة شيئاً فشيئاً، ولهذا قوم لوط ما بدءوا باللوطية ابتداء, بل أصبحوا على خلق وعلى فطرة ثم بدءوا بذلك, يقول عبد الله بن عباس و أنس بن مالك وغيرهم يقولون: إنهم ما بدأوا بذلك إلا بعد أن استحلوا الزنا، ثم لوطية النساء، ثم بعد ذلك وصلوا إلى أمر الرجال، وهذا أمر معلوم بداهة، أن الناس لا ينحرفون مثل هذا الانحراف في يوم وليلة.

    كذلك كفار قريش حينما عبدوا من دون الله سبحانه وتعالى الأصنام والأوثان، جعلوا ذلك لآرائهم وعقولهم, فكان الشيطان يسوسهم في الباطل، والأنبياء يسوسونهم في الحق، فإذا غاب النذر وغاب الأنبياء ساسهم الشيطان لأمر الانحراف.

    كيف بدأت الوثنية؟ لما بعد العهد فيهم، وضعفت رسالة العلماء ولم يكن لديهم شيء من التعبد ذهب عمرو بن لحي إلى بلاد الشام ونظر في الأصنام والأوثان ثم جلبها إلى مكة، كانوا بداهة لا يجوزن لأنفسهم أن يسجدوا لها وأن يطوفوا عليها من دون الله سبحانه وتعالى وإنما ينظرون إليها تعظيماً، ثم جاء جيل بعد ذلك صرفوا لها نوعاً من العبادة؛ كبعض الاستقسام بالأزلام عند هذه الأصنام، أو شيء من الحلف إذا أراد الإنسان أن يغلظ يمينه أو شيء من هذا، ثم بدءوا بالتمسح والتبرك، ثم عظموها من دون الله، كما جاء عن أبي رجاء كما في البخاري قال: ( كنا إذا كان أحد منا في سفرة ولم يجد صنماً احتلب ضرع شاة على تراب فإذا يبس طاف عليه )، هل هذا الأمر كان في البداية؟ ما كان الأمر في البداية هكذا، هل تناسخت العقول من عقل إلى عقل على هذه الحيدة؟ تكون، ولهذا الشيطان يسوس الناس على الأمد البعيد، وكل جيل ينظر إلى موضع قدميه. الأنبياء حينما جاءوا بالرسالة، وأحاطوها بجملة من الحياطات لا يخشون على إنسان اليوم، ولكن يخشون على أجيال قادمة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم شدد في جانب البدعة، فقال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث عائشة : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )، ويقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام:153]، ما اكتفى بالاتباع، بل قال: وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]، يعني: أن الحيد عن الصراط المستقيم نسبية, شيئاً فشيئاً ثم يحيد الإنسان، ولا يشعر بعد آلاف الكيلو مترات إلا أن الاتجاه انعكس، بدلاً من أن تكون جهته جهة الشمال فإذا هو جهة الجنوب.

    ولهذا الإنسان إذا سلك طريقاً برياً ومداه مئات الكيلو مترات أو آلاف الكيلو مترات فإنه يرى أن هذا الخط مستقيم، مثلاً إذا كان على اتجاه متقارب، ولكن الإنسان إذا نظر إليه من الجو في طائرة أو نحو ذلك فإنه يرى أن هذا الخط منحرف، لو أخبر السائق في ذلك لقال: إنه ليس منحرفاً وإنما هو مستقيم؛ لماذا؟ لأن هذا يرى البداية ويرى النهاية، ولهذا فالله سبحانه وتعالى وله المثل الأعلى يرى تحولات الأفكار كما يتحول الإنسان حينما يسير في برية ثم يأتيه بعد ذلك، فجاءت الحياطة لأمر الدين، ولهذا الأمور التي تمس الديانة من جهة البدع والمحدثات يشدد فيها في الدين، لماذا؟ لأن الإنسان لا يتحول عنها، وإنما هي هرمية، شخص يضع حجراً، ثم حجراً، ثم حجراً؛ لأنه جانب تعبدي, بخلاف المعاصي فإن الشيطان يحب البدع أكثر من المعاصي، لماذا؟ لأن البدع تدين، لا يمل عنها الإنسان ويتوب منها؛ لأنه يرى أنها دين, وإذا كان هذا الجيل يضع لبنة بدعة، والجيل الذي يليه لبنة أخرى من البدع، ولبنة ثالثة ورابعة، فبعد ألف سنة يتحول الدين بالكامل، كما تحول اليهودية والنصرانية، ولهذا البدعة عظمت في الإسلام؛ لماذا؟ لأن الله عز وجل حمى دينه فأنزل الذكر: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9], وحفظ الذكر وحفظ الدين من التبديل والبدع؛ لأن الله عز وجل شدد في أمثال هذه الأمور في البدع والمحدثات، ولهذا العلماء يقولون: هذا الأمر بدعة، ربما ترى أنت اليوم أنه سهل وهين، ولكن يأتي جيل بعد ذلك يضع لبنة أخرى وثالثة ورابعة وخامسة حتى يتحول الأمر عن أمره الذي جعله الله عز وجل عليه، كما تحول المشركون من أصنام وتماثيل وضعوها؛ لأن كفار قريش بعد الحنيفية لم يكن لديهم صلاة، ولم يكن لديهم صيام، ولم يكن لديهم شيء من العبادات إلا بعض مناسك الحج التي بقيت من إبراهيم وما عدا ذلك فإنه زال، فأصبحت القلوب حينئذ خاوية تريد العمل، فـعمرو بن لحي جاء بأمثال هذه الأمور ليشغل هذا الفراغ الموجود عندهم فضل وأضل، ولكنهم ما ضلوا لأول الأمر, بل بدءوا على سبيل التدرج حتى انحرفوا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه, حتى أصبح المتأخرون منهم ضلالاً في هذا الجانب، وقاتلوا دفاعاً عن الحجارة، التي لو كان أجدادهم أحياءً حينما جاء عمرو بن لحي بها لقالوا: اهدمها يا محمد ولا شأن لنا بها؛ لماذا؟ لأنها لم تتوغل في قلبهم، ولكن على سبيل التدرج توغلت في قلوبهم حتى بلغوا ما بلغوا.

    كذلك ود, وسواع ويغوث ويعوق ونسر هؤلاء أسماء رجال صالحين، كيف عظموا؟ عظموا على سبيل التدرج بصور علقت على الحيطان أن هؤلاء أولياء، وهؤلاء الأولياء على الإنسان أن يقدم لهم شيئاً من الاحترام، ثم بعد ذلك يأتي جيل بعد ذلك يصرف لهم شيئاً من التعظيم، ثم حولوا من صور معلقه إلى أجسام وتماثيل، ثم نصبت ووضعت مضاهاة لله سبحانه وتعالى بجوار البيت الحرام.

    سياسة الأنبياء للعقول والنفوس

    ولهذا نقول: إن الأنبياء يأتون بسياسة العقول وسياسة النفوس ولو استنكر الإنسان؛ لأن ما تحمله أنت ليس ملكاً لك، وإنما هو لمن جاء بعدك، فإذا انفرد الإنسان بأمر باختيار الرأي، أو اختيار الفكر، أو اختيار القناعات، فهذه القناعات لو كانت فردية تموت بموت الإنسان لكان الأمر إليه، ولكنها تتحول إلى غيره، ولهذا الأحكام, والعقائد, والآراء والأفكار التي تمس الديانة ليست للإنسان وإنما لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله جل وعلا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، هل الحكم عبادة؟ نعم عبادة؛ لماذا؟ لأنه ليس ملكاً لك، الإنسان لا يستطيع أن يبدل لباس أهل بلده؛ لأنه ورثه عن أبيه وجده ولا خيار له بهذا غالباً، لم يستطع كل جيل أن يغير اللباس فكيف يغير الأفكار؟ لأنها لا تتغير إلا بعد أجيال مديدة، ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل الأمر لديه، حتى لا يفرضه أحد على أحد، والله سبحانه وتعالى جعل الأمر إليه أيضاً وحمى دينه من التبديل بالبدع والشبهات؛ لماذا؟ لأن أفكار البشر تبنى كحال الهرم ثم تتحول عن بدايتها، اللبرالية الغربية نشأت من مبدأ حرية العمل والاقتصاد، ثم تحولت إلى الأخلاق, ثم إلى نكاح الذكور بالذكور، ونكاح الإناث للإناث، بل نكاح البهائم أيضاً، هذا التحول هل الذين ابتدءوا بهذا الفكر كانوا يظنون أن هذا الأمر سيتحول إليه؟ ما كان يخطر في بالهم، لو تيقنوا ذلك لتبرءوا من هذا الفكر بالكلية، ولهذا نقول: إن الغرب إنما تركوا الدين المبدل إلى الرأي المجرد؛ لأنهم لا يوجد لديهم بديل، أما هذه الأمة فهي أمة دين صحيح تام، حفظ الله عز وجل عليها رأيها، وحفظ الله عز وجل عليها شريعتها، وحفظ الله سبحانه وتعالى عليها آدابها وأخلاقها.

    هناك نزوات من البشر تريد التمرد على شريعة الله سبحانه وتعالى، هذا التمرد جاء الأنبياء بسياسة هذا الأمر, الله سبحانه وتعالى رسم الحق، وأمر الناس بأن تسير عليه، ولابد من خارجين عليه، خارجون عليه لدافع الشبهة، وخارجون عليه لدافع الشهوة.

    هناك أصحاب نزوات والنزوات في هذا تتباين، هناك من نزوته في السمع من حب السماع، أو التمتع مثلاً بسماع النميمة والأحاديث والأقاويل في الناس والشماتة فيهم والتعيير, يستلذ بأمثال هذا الأمر، وهناك من يسمع المحرمات كالطرب وغير ذلك، وهنا من شهوته بقوله، بلسانه، بالكلام والوقيعة والسب والشتم، ويستمتع بأمثل هذا الأمر، وهناك من شهوته بأكله ويحب أكل أو شرب الحرام كالخمر والخنزير وغير ذلك من المحرمات؛ كأكل الربا ومال اليتيم وغير هذا, أناس يشرعون وأناس يشتهون من غير تشريع، فإذا سألت عن الخمر قال: حرام، ولكنه يتناول ذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل ثقل الشبهة؛ لأنها بدعة أعظم خطراً من الشهوة؛ لأن الإنسان إذا زالت شهوته القائمة في نفسه تخلى عن الشهوة، ولهذا كبار السن إذا كبروا، تقدموا في العمر، قربوا إلى الله وتركوا المحرمات، أما البدع ازدادوا تمسكاً بها؛ لأنه يراها ديناً، إذاً فهي أشد رسوخاً، أما الشهوة فهي بطيئة التحول إلى شبهة فتتحول إلى شبهة بعد أمد طويل، ولهذا عظمت محاربة البدع في الشريعة أعظم من مواجهة الشهوات؛ لماذا؟ لأن الإنسان قد غرس في نفسه وازع بحرمة هذا الشيء، وينتظر الأمر حتى يتخلص منه، فإذا اغتنى ترك الربا، وإذا تزوج ترك المحرمات، وغير ذلك أو كبر وضعف فيه الوازع ابتعد عن جوانب المحرمات، إذاً ثمة إقلاع سريع بخلاف البدعة، ولهذا عظمت من هذا الوجه.

    1.   

    أهمية التدرج في التشريع والدعوة إلى الحق

    المخالفون لدين الحق هؤلاء الذين يخرجون عن الصراط المستقيم لهم توجهات متعددة، ولهذا يعجب كثير من الناس من شدة النبي صلى الله عليه وسلم في موضع، ولينه في موضع آخر من جهة تعامله مع المخالفين، ومن جهة كذلك تبليغ الحق، الله سبحانه وتعالى ما أنزل الحق على نبي من أنبيائه جملة واحدة، وإنما أنزله الله جل وعلا على سبيل التدرج، ولهذا كفار قريش حينما رغبوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تفكروا في عدم نزول القرآن جملة واحدة، لماذا لا ينزل القرآن جملة واحدة فنرى بداية ونهاية؟ الله سبحانه وتعالى ماذا قال؟ قال: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان:32]، يعني: أن التدرج في أحكام الشريعة وتعليم الناس لها أعظم للثبات بخلاف ما ينزل عليهم من أحكام الله سبحانه وتعالى جملة واحدة ثقيلة؛ لماذا؟ لأن الإنسان لا يقبل التحول كاملاً، وإنما يريد التدرج؛ لماذا؟ لأنه فطر على هذا الأمر، ولهذا جاءت الشرائع بالتدرج في أمر المخاطبين, ولهذا يقول عمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله يقول: إنك إن علمت الناس الإسلام جملة تركوه جملة، لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس، قال له النبي صلى الله عليه وسلم - وهذا من سياسته عليه الصلاة والسلام قال: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب )، يعني: ليسوا وثنين كقريش، ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب )، وهذا بداية من سياسته، أنه ينبغي لمن يوجه الخطاب أن يعلم حال المخاطب، وأن الناس ليسوا على مراتب واحدة.

    1.   

    معالم بارزة في سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة والتبليغ

    والنبي صلى الله عليه وسلم ما يأتيه أحد من الأقوام إلا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من القوم؟ ), حتى يعلم دينهم، ويعلم حالهم، ويعلم الوجيه منهم؛ حتى يضعه على أمره، ولهذا جاء في حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى: ( في الرجل الذي أعطته كسرة وسأل، وجاء الرجل الآخر وأُجلس وأُكرم، فقيل لها في ذلك، فقالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم )، لهذا الخطاب يتوجه إلى الإنسان بحسب مقامه، وبحسب حاله، وكذلك يتوجه الخطاب إليه بحسب بعده وقربه من الحق، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول لـمعاذ بن جبل : ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )، وجاء في رواية في الصحيح: ( إلى أن يوحدوا الله )، هذا الخطاب فيه إشارة إلى أن هؤلاء ليسوا مسلمين منحرفين، بحيث تخاطبهم على الانحراف الذي وقعوا فيه، وإنما هم أبعد من ذلك أي: من أهل الكتاب، وليسو وثنيين أيضاً؛ لماذا؟ لأن الوثنية في ذلك هي مشركة بالله سبحانه وتعالى، أظهر إشراكاً من كفر كفار قريش، فغرس التوحيد فيهم في جانب الربوبية أعظم من غرسه في أهل الكتاب، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم الحق على سبيل التدرج، فقال عليه الصلاة والسلام: ( فليكن أول ما تدعوهم إليه )، يعني: ذكر الأمر بالترتيب، فذكر: (أول)، يعني: لا تأتي إلى الثاني حتى تنظر في أمر الأول، ( فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله )، حتى يعطيهم ذلك تاماً، قال: ( فإن هم أجابوك إلى ذلك )، يعني: انظر إلى ردة الفعل ماذا يقولون؟ ( فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك )، يعني: انتظر بعد ذلك ماذا يرجعون؟ لا تعطهم الإسلام كاملاً، حتى لا ينفروا منه، ولهذا الإنسان إذا أراد أن يدعو أحداً خالي القلب من تعاليم الإسلام، يعني: أنه موغل في جانب الضلال؛ عليه أن يرأف به؛ لماذا؟ لأن نفرته من الحق هذه النفرة التي يجدها الإنسان من الحق هي نفرة ربما تكون بسبب ظلام الجهل؛ لأن القلب إذا أوغل في ظلام الجهل نفر من نور الحق؛ الإنسان حينما يكون في موضع ظلام تستروح عينه الظلام، وتستنكر حينئذ النور، فإذا أراد أن يخرج إلى النور انكمش، كذلك القلب ينكمش من الحق إذا كان موغلاً في الظلام، فعلى الإنسان أن يأخذ به برأفة، وأن يشعره أيضاً أن هذه النفرة وهذه الكراهة الموجودة في القلب للحق هذه كراهة بسبب كونه في الظلام, عليه أن يرأف به ويأخذ به على سبيل التدرج حتى يرى النور.

    ولهذا كان بعض الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام قبل إسلامه ويقول: ( يا رسول الله, إني أريد أن أسلم، قال: أسلم، قال: ولكني أجدني كارهاً -يعني: كاره ما أنت فيه- قال النبي عليه الصلاة والسلام: أسلم ولو كنت كارهاً )، يعني: هذا الأمر كقول الإنسان للشخص: اخرج إلى النور ولو كنت كارهاً، بعد ذلك سيبقى الحق لديك وسترى، لهذا ينبغي الرحمة والرأفة بالحق؛ لأن البعيد عن الحق يجد وحشة منه، ولهذا كذلك الإنسان في نفسه إذا وجد وحشة من الحق ليعلم أن هذه الوحشة من الحق ليست حكماً بكون هذا الأمر حقاً أو باطلاً؛ إنما لأنه بعيد عن الحق فيحتاج إلى القرب منه على سبيل التدرج، كما أن الإنسان يسوس غيره عليه كذلك أن يسوس نفسه من جهة القرب من الحق على الشيء اليسير؛ ككون الإنسان في ظلام، لا يخرج إلى النور مباشرة حتى لا يضر نفسه، وإنما يكون على سبيل التدرج؛ حتى يبقى, بخلاف الإنسان الذي يأتي دفعة واحدة؛ كالذي يكون في ظلام ثم يخرج إلى النور فإنه يرتد ويرجع, أو ربما يتألم أو نحو ذلك، لهذا حتى لا يرتد ولا ينتكس عليه أن يأخذ الحق من أعلاه، إذا أراد الحق، ولهذا السياسة الشرعية في الحق تختلف عن السياسة الشرعية في الباطل.

    ابتداء الدعوة بالتوحيد وإصلاح الفطرة

    إذا أراد الإنسان أن يدعو أو أن يرشد إلى الحق أو أن يسلك الحق فعليه أن يبدأ بالحق من ماذا؟ من أعلاه؛ لماذا؟ لأنه التوحيد، يبدأ بالحق من أعلاه وهو التوحيد، وأما بالنسبة للشر فيبدأ بأعظمه، وهو أدناه إليه؛ وذلك لأنه أخطر وأضر على نفس الإنسان، لهذا النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى التوحيد ويحذرهم من الشرك، لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة دعا الناس إلى التوحيد؛ لأنه لا مساومة في أمر التوحيد, ولا يقدم عليه شيء، ولا يوجد في جانب التوحيد مجاملات، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى هذا الأمر ولم يدعهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة، ولا إلى زكاة، ولا إلى صيام، ولا إلى حج؛ لماذا؟ حتى يقبلوا بالتوحيد.

    ولهذا ينبغي أن نعلم أن الرسالة إذا أراد الإنسان أن يوجهها إذا كان عالماً, داعية, إماماً, كاتباً, إعلامياً, إذا أراد أن يوجه أمر الناس فعليه أن يبدأ بأخطر شيء فيهم، وخطورة الشيء الذي يكون في الناس هل مرده إلى ذات الإنسان ونفسه, رغبة الإنسان وعاطفته، أم إلى ميزان الشريعة؟ إلى ميزان الشريعة، ما هي ميزان الشريعة؟ هي التي حكمتها النصوص، ولهذا انشغال البعض بآداب الإسلام فقط، وتعليم الناس إياها على أنها هي الإسلام وإهمال جانب التوحيد وهم واقعون في الشرك هذه ليست دعوة الأنبياء، ولكن دعوة الأنبياء هي أن يدعو الناس إلى التوحيد حتى يتحقق فيهم، ويقرن مع التوحيد ما شاء من جوانب الآداب؛ لماذا؟ حتى يعلموا أنه ليس بخارج عن الفطرة، لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يدعو كفار قريش في مكة كان يدعوهم إلى عبادة الله وترك عبادة الأصنام، يدعوهم مع ذلك إلى العفاف والطهر والأمانة، وكذلك يدعوهم عليه الصلاة والسلام إلى الصدق، هذه الأشياء لماذا النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إليها مع التوحيد، مع أنه لم يدع إلى الصلاة, ولا إلى الزكاة، ولا إلى الصيام؛ لماذا؟ ليعلم الناس أن دعوة النبي عليه الصلاة والسلام دعوة فطرية، دعوة فطرة, هو يدعوكم إلى التوحيد، وأيضاً يدعوكم إلى الصدق, يعني: لست بكاذب، هم كانوا يتهمونه بالكذب، يدعوهم إلى الحق وأدائه، كذلك يدعوهم إلى الأمانة؛ لأني لا أخون أمانة، ولا أدعي أني أحمل رسالة ثم أخون بتبديلها لرغبات نفسي.

    ولهذا أبو سفيان قبل إسلامه: ( لما سئل عن النبي عليه الصلاة والسلام: إلى ماذا يدعوكم؟ قال: يدعونا إلى عبادة الله، وإلى العفاف, وإلى الأمانة, وإلى الصدق ), وهذه من الأخلاق؛ لماذا؟ لأنها قاعدة تقوم عليها جميع الشرائع وجميع العبادات، ولهذا نقول: ينبغي أن نفرق بين ما كان من أمر توطين الفطرة وبين غيره، يجب أن يقترن مع التوحيد ولا يؤجل, ما كان من أمر الفطرة، ما هو أمر الفطرة؟ الفطرة التي خلق الله عز وجل عليها الإنسان أصلاً، وأوجدهم عليها كبشر، قبل أن تعلم الصلاة، وقبل أن تعلم الصيام، وقبل أن تعلم الزكاة، أمر الفطرة ينبغي أن تعود الفطرة إلى حقيقتها، ما هي الفطرة؟ الفطرة في ذاتها هي أن يعلم الإنسان أن الكذب حرام، وأن خيانة الأمانة محرمة، وأن الكذب محرم، وأن الفجور محرم، وأن قتل النفس محرم، هذا تدل عليه الفطرة أو لا تدل عليه؟ تدل عليه الفطرة، ومتى ينحرف الناس؟ ينحرف الناس بعد ذلك مع بداية الغرائز فيهم بين الناس وحب الانتصار للنفس، يقع القتل والسب والشتم والكذب والتحايل؛ حتى يغنم الإنسان أكثر من صاحبه، أو بتعليم غيره له، ولهذا الصبي إذا نشأ صغيراً عندما تسأله سؤالاً فيجيبك بالحق، لا يعرف الكذب إطلاقاً، متى يتعلم الكذب؟ يتعلم الكذب من أبيه ومن أمه, من أخيه وأخته، من جيرانه, يبدأ يتحول ويتعلم الكذب يأخذه تلقيناً، من الذي علمه أن هذا فطرة, لا تخبر إلا بما لديك، الله عز وجل فطره، ولهذا الله عز وجل يقول في كتابه العظيم: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30]، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )، إذاً الخلل طارئ على أصل بشرية الإنسان، لهذا ينبغي للإنسان أن يقرن مع التوحيد إصلاح الفطرة وترميمها حتى يعود الإنسان؛ لماذا؟ لأن حال الإنسان قلب الإنسان وكذلك عقله كحال القلب, إذا كان مخلوقاً على الفطرة لا يقبل الحق يتسرب منه؛ الإناء إذا كان لديك إناء مستوٍ وأردت أن تضع فيه ماء يملئه فإنه يمتلئ، ولكن إذا أخذت هذا الإناء وقمت بثنيه ووضعت الماء فيه، هل يستوعب الماء كاملاً؟ لا يستوعب الماء كاملاً, بل يفيض؛ لماذا؟ لأنه مبدل، كذلك فطرة الإنسان إذا بدلت لا تقبل الحق، لهذا ينبغي للإنسان أن يرمم الفطرة وأن يدعوها إلى التوحيد، لهذا الذين ينفرون من الحق سبب النفرة من الحق ما هي؟ هو أن فطرتهم مبدلة، الفطرة لديهم مبدلة، الناس تبديلهم في ذلك يتباين، منهم من قالب قلبه ثنيه في ذلك يسير، ومنه من هو شديد، ومنه من هو بعيد عن الحق، ولهذا تجد من أرباب الانحلال الغربي من تخاطبه مثلاً في الشذوذ، ما يسمونه زوراً بنكاح المثليين فإنه يقوم بالتهكم بهذا الأمر؛ لماذا؟ لأنه بعيد جداً عن أمر الفطرة، وقالبه في ذلك غير مستوٍ إطلاقاً، أما من كان قريباً فإنه ينكر شيئاً فيفيض منه جزء يسير من الحق، والفطرة الكاملة هي التي تستوي، لهذا الله سبحانه وتعالى أمر بالحفاظ على الفطرة حتى تقبل الحق كاملاً، فإذا تبدلت بعدت عن الحق كله ولم يأتها شيء منه على الإطلاق.

    لهذا نقول: أي خرم في جانب الفطرة فإنه يتسع, فجاءت الشريعة بالتشديد فيه، التشديد في جانب الكذب، التشديد في جانب الحياء، التشديد في جانب الأخلاق؛ حتى لا تنخرم؛ لماذا؟ لأنها قاعدة يتكئ عليها كل شيء, ( موسى عليه السلام يقول النبي صلى الله عليه وسلم: كان حيياً ستيراً، يستحي أن ترى عورته، وكانت بنو إسرائيل إذا اغتسلوا يغتسلون عراة )، هذا تبديل للفطرة أو ليس بتبديل؟ تبديل للفطرة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ثم آذاه قومه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر عنا إلا لأن به عيباً من برص أو جذام أو نحو ذلك، قال: فأراد الله عز وجل أن يبرئه، فذهب موسى ليغتسل ويستتر فوضع ثيابه على حجر، فأمر الله عز وجل الحجر أن تهرب بثيابه، فخرج موسى يلحقها ويضربها ويقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر )، من جهة نظر الإنسان أيهما أهون؛ أن يتوجه الخطاب إلى موسى ويبدي عورته للناس، أو يتوجه الخطاب للحجر ليهرب بثياب موسى أيهما أهون؟ الخطاب لمن؟ لموسى, لماذا الله عز وجل ما أمر موسى أن يبدي عورته، وأمر الحجر بأن يهرب بثياب موسى؟ السبب في ذلك: أن جانب الفطرة إذا انخرم اتسع، ويبدأ فيه بالتدرج، انظروا إلى حجاب المرأة, إذا فتح له باب اتسع، انظروا إلى جوانب الأخلاق, إذا فتح له باب اتسع، لهذا أمور الفطرة التي جعلها الله عز وجل كاملة، مجرد أن يفتح لها أمر يتسع, لهذا الله سبحانه وتعالى غير دائرة الكون وجاذبيه الأرض ولم يغير فطرة الإنسان، ولم يأمر موسى أن يظهر عورته لبني إسرائيل ليبرئ نفسه، مع أن الغاية واحدة ظهور العورة، لكن تظهر العورة وأنت خجل منها، ولا تظهر العورة برغبتك أنت؛ لماذا؟ لأنك تنفر من هذا الأمر.

    لهذا نقول: إنه ينبغي مع الدعوة إلى التوحيد الدعوة إلى ضبط الفطرة، ضبط جانب الحياء، ضبط جانب الصدق، الأمانة، مع الدعوة إلى التوحيد، وأن تكون مع التوحيد ومع ما بعد التوحيد أيضاً من أمور الصلاة والصيام على سبيل الدوام؛ لماذا؟ لأن اختلالها يعني: اختلال البقية، فإذا اختل الصدق جاء النفاق، وإذا اختلت الأمانة جاءت الخيانة، وإذا اختل الحياء جاء في ذلك السفور وجاء في ذلك أيضاً انحراف الناس في جوانب الفواحش.

    ولهذا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يدعو كفار قريش في مكة أول ما دعاهم إليه هو التوحيد، لهذا إذا أردنا أن نعلم طريقة دعوتنا إلى الناس علينا أن نأخذها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعونا، يدعو إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، ويحرص على الأمور الفطرية التي يبدلها الناس، ولهذا حفظها له أبو سفيان قال: ( كان يدعونا إلى التوحيد, ويدعونا إلى الصدق والأمانة والعفاف )، يعني: أنه دعانا إلى هذا, ما دعانا إلى الصلاة، ما دعانا إلى الزكاة، ما دعانا إلى الصيام؛ لماذا؟ لأن هذه لا تقبل من الإنسان وليس بموحد، وهذا هو ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً أن يأمر به المشركين من أهل الكتاب لما بعثه عليه الصلاة والسلام إلى اليمن.

    تفريق النبي صلى الله ليه وسلم في دعوته بين ما يقبل التجزئة وما لا يقبل

    كذلك النبي صلى الله عليه وسلم في سياسته حتى في دعوته للناس ينظر إلى الحق الذي يتجزأ والحق الذي لا يتجزأ، الحق الذي لا يتجزأ يرفض النبي صلى الله عليه وسلم تجزئته؛ لأن التجزئة تشويه له، والحق الذي يتجزأ النبي صلى الله عليه وسلم يقبل تجزأه؛ لماذا؟ لأن بعض الحق أهون من باطل كامل، ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين التوحيد وبين أداء الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا كفار قريش إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، وترك الأصنام بالكلية، لا مساومة لصنم واحد منها، بل إزالة الأصنام بالكلية، وعبادة الله سبحانه وتعالى وحده، جاءه كفار قريش كما روى ابن جرير الطبري وغيره: ( جاء كفار قريش فقالوا: اعبد آلهتنا ستة أشهر، ونعبد إلهك ستة أشهر )، وأرادوا من ذلك توسطاً، لكن هل التوحيد يقبل التجزئة أو لا يقبل التجزئة؟ لا يقبل التجزئة، وهو كفر كله؛ لماذا؟ لأن التوحيد باطل, بمجرد أنني أقتنع أن لكم أن تعبدوا أصنامكم ولو بعد ستة أشهر فهذا كفر، بمجرد وجود القناعة القلبية في هذا؛ لأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، فلم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم منهم ذلك، ولهذا أنزل الله عز وجل قوله: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون:1-3]، فجعل في ذلك المفاصلة والمفارقة، ولكن حينما جاءه رجل أراد أن يبايعه في أمر الصلاة، كما روى الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث قتادة عن نصر بن عاصم : ( أن رجلاً منهم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يبايعه، ولكنه يشترط ألا يصلي إلا صلاتين، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: بايع وصل صلاتين )؛ لأنه كان وثنياً، وسيدخل التوحيد، وما بعد التوحيد هو أداء الصلاة، يؤمن بها إيماناً أنها خمس، ولكنه يعجز عن أداءها؛ لماذا؟ لأن العرب حينما كانوا يأتون النبي عليه الصلاة والسلام كان فيهم شيء من الأنفة والكبر، منهم من يستثقل الركوع، ويريد أن يبايع النبي صلى الله عليه وسلم ويشترط ألا يخر إلا قائماً، يعني لا يمر بالركوع؛ لماذا؟ لأنه يرى أن هذا ذلة عند قومه، فيريد أن يدخل بالتوحيد ولكن لا يريد مثل هذا الأمر؛ لأنه لا يستشعر هذا الأمر أنه لله سبحانه وتعالى، فبايع النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يريد أن يدخل الإسلام بإيمانه بأركان الإسلام، ولكن العمل يريد أن يصلي صلاتين فقط, فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يصلي إلا صلاتين, لماذا؟ لأنه إما أن يبقى وثنياً، وإما أن يبقى مسلماً فاسقاً، فأيهما أهون؟ أن يدخل الإسلام ويكون فاسقاً ولا يبقى على الوثنية، وهذا من الرحمة بالخلق.

    فمن سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الناس تفريقه بين ما يقبل التجزئة وبين ما لا يقبل التجزئة، وإنما قبل النبي صلى الله عليه وسلم منه صلاتين؛ لأنه يؤمن بالخمس، وإشكاله إنما هو في الأداء.

    وقد جاء في المسند: ( أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فبايعه، واشترط على ألا يخر إلا قائماً )، أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يدخل دائرة التوحيد، وأن يدخل دائرة الإسلام، ثم بعد ذلك يتوطن ويألف حينئذ قلبه.

    الأمور التي ينبغي مراعاتها عند التعامل مع المنكر

    ومن سياسة النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً التفريق بين مراتب المخالفين، المخالفون ليسوا على درجة واحدة، وإن اختلفوا من جهة بشاعة القول، والرأي، وكذلك الأفعال، أكثر الناس أو غالبهم يشدون أو يرخون من جهة نوع الخطأ، لا من جهة حال فاعله، وينظرون إلى هذا الجانب، بل نقول: إن الإنسان إذا أراد أن يقوم على أمر بالنكير، فلينظر إلى ثلاث جهات:

    الجهة الأولى: الفاعل وحاله؛ وذلك لأن أحوال الناس تختلف, منهم الجاهل ومنهم العالم؛ لأن الجاهل فعل هذا الأمر من غير علم فيحتاج إلى رأفة وتعليم، فيلان مع الجاهل ولو كان فعله أشد من فعل العالم، ويشد على العالم العارف الذي يفعل وهو معاند ولو كان فعله أهون من فعل الجاهل، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين من حديث أنس وكذلك جاء من حديث أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء الأعرابي وربط راحلته وبال في المسجد زجره الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزرموه ( يعني: لا تضيقوا عليه ) دعوه، لما قضى هذا الرجل، أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذنوب من ماء فأفيض عليه، ثم لما قضى أتى إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذه المساجد إنما بنيت للصلاة ولذكر الله، ولم تُبْنَ لشيء من هذا )، أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يخبر أعرابياً جاء من البادية، لا يعرف أماكن مقدسة وغير مقدسة، يظن أن البيئة واحدة، ففعل هذا بحسن نية أو بغير حسن نية؟ بحسن نية, لا يقصد من ذلك أذية، فأثر ذلك في الأعرابي؛ لماذا؟ لأن النبي علمه، وما شد عليه وأفزعه، فقال الأعرابي: ( اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد تحجرت واسعاً )، إذاً النبي صلى الله عليه وسلم في هذا لان معه أو ما لان؟ لان معه، انظروا إلى الأمر الآخر وهو أهون منه فعلاً ولكن اختلف الفاعل، ( لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى مسجده فرأى بزاقاً في القبلة، فاحمر وجهه وغضب، فقال: إن الإنسان إذا صلى يستقبل ربه، فلا يبزقن أمامه أو تلقاء وجهه، وليبزق تحت قدمه أو هكذا، وبزق النبي عليه الصلاة والسلام في ردائه )، النبي عليه الصلاة والسلام شدد في هذا أو لم يشدد؟ شدد في هذا، أيهما أهن البول أو البزاق؟ البزاق أهون، ولماذا شدد النبي عليه الصلاة والسلام في هذا، ولم يشدد في أمر الأعرابي في بوله, لماذا؟ لأن هذا عالم قريب ويعلم هيبة هذا المسجد وهو من أهل المدينة، ومن أهل المصلين، ويعلم حرمته، ويعلم ماذا نفعل به من تنظيف وتطهير، ثم يفعل هذا الأمر، ولكنه جاء من بعيد.

    إذاً الأمر الأول: أن ننظر إلى حال الفاعل.

    الأمر الثاني: أن ننظر إلى ذات الفعل الذي يقع فيه الإنسان، الفعل الذي يقع فيه الإنسان منه ما يشدد فيه الإنسان، ومنه ما يلين فيه الإنسان، على اعتبارات مختلفة بحسب مقام ذلك الخطأ، ولهذا جاءت الشريعة بإنزال ذنوب الناس وفق مراد الله سبحانه وتعالى لا وفق مراد الإنسان، من الناس من يشرب الخمر، من الناس من يزني، جعل الله عز وجل لذلك مقادير، ولم يجعلها إلى رغبات الناس.

    الأمر الثالث: أن ينظر الإنسان إلى من كان حاضراً أو ردود أفعال الإنكار، الأمر الثاني والثالث منها ما قضى الله عز وجل فيه، وما يجب أن يقال أنه ليس لأحد أن يقول: لا أنكر الشرك وأريد أن أدعوا إلى التوحيد، أخشى أن يغضب فلان، ألم يغضب النبي عليه الصلاة والسلام كفار قريش؟ أغضبهم جميعاً, لهذا نقول: منها ما لا يقبل في ذلك النظر إلى ردود الأفعال، ومنها ما ينبغي للإنسان أن ينظر إلى آثار ذلك وردود أفعاله، ومن ذلك ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أستأذنه عمر بن الخطاب أن يضرب عنق عبد الله بن أبي قال النبي صلى الله عليه وسلم: أتريد أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؟ )، وذلك أن مثل هذا الفعل إنما هو عقاب فردي، النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: ( الناس )، وهذا من السياسة أن ينظر الإنسان إلى المآلات، عمر بن الخطاب عليهم رضوان الله تعالى حينما ضرب رجلاً سيداً في قومه ارتد ولحق بملك غسان، قال عمر بن الخطاب عليهم رضوان الله تعالى بعد ذلك قال: لو استقبلت ما فعلت به هذا، فعلى الإنسان أن يفرق بين أمر يتعدى ضرره من الأمور التي تقبل التراجع، وبين ما لا يتعدى أثره، ولهذا عمر بن الخطاب عليهم رضوان الله تعالى في زمن قوة الإسلام كان يعاقب على الشيء اليسير، وربما أخذ بالحصباء وحصب اثنين يتحدثان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وربما ضرب بالدرة من لم يسو الصف؛ لماذا؟ لأن ردود الأفعال بعد ذلك ضعيفة، ولهذا يتقدم الإنسان ويتأخر بحسب قوة وتمكين الإنسان، كذلك بحسب النظر إلى ردود الأفعال.

    النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: ( أتريد أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه )، في هذا الأمر من الذين يتحدثون؟ من كان مع النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أن من معه من أصحابه يعلمون ما هو السبب الذي ضرب النبي عليه الصلاة والسلام له عبد الله بن أبي , ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أن الشاهد يبلغ الغائب، والغائب يبلغ غائباً آخر، وهكذا، فنظر النبي عليه الصلاة والسلام لأمر أبعد يأتي إليه، وما هو الأثر الذي بعد ذلك هل هو لمجرد أن يتحدث الناس؟ لا، بل لأثر تحدث الناس أنه ربما أقوام وقبائل تريد أن تدخل في الإسلام، فيقولون: إن دخلت في الإسلام فقد ذبح فلان لمجرد أنه قال رأياً، أو لمجرد أنه لم يحضر صلاة، فتبدأ مسألة التأويلات، وإلا لو كان الأمر ظاهراً بيناً للجميع لأنزل به النبي صلى الله عليه وسلم العقوبة.

    وبهذا نعلم أيضاً نأخذ فقهاً سياسياً؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عنف عمر بن الخطاب ؛ لماذا؟ لأنه دافعه حمية دينية، وجرى عمر بن الخطاب على الأصل؛ لأنه رأى من هذا الرجل كفراً، وأراد أن ينزل عليه عقوبة، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الحالة استثناء.

    كذلك ما روى البيهقي وغيره أن أبا عبيدة عامر بن الجراح عليه رضوان الله تعالى كان في غزوة من غزواته فشرب الخمر معه اثنان، فكتب إلى عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى يستأذنه في إقامة الحد عليهما، فكتب إليه عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى: لا تقم عليهما الحد؛ خشية أن تدركهما الحمية حمية الشيطان فيلحقا بالمشركين؛ لماذا؟ لأنهما على أطراف المشركين، وبين الصفين، ومعهم أسرار المجاهدين في سبيل الله، ومثل هذا الأمر من العلماء من قال: إن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى رأى تأجيل ذلك إلى حين قدومهم، وقد جاء في الخبر أن منهم من قتل في سبيل الله في هذه المعركة.

    ولهذا نقول: إن الإنسان ينظر إلى ردود الأفعال وتغليب الظن في ذلك، ولا يعني هذا أن الإنسان يهدر أصلاً عاماً وهو العمل بشريعة الله سبحانه وتعالى كلها لردود أفعال، بل يقال: إنما هذا في قضايا الأعيان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلغي أصلاً كاملاً، والنبي صلى الله عليه وسلم اتهموه بالسحر، اتهموه بالجنون، اتهموه بالكهانة، وكذلك الشعر، واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالقسوة والغلو وغير ذلك، النبي عليه الصلاة والسلام يعلم بهذا الكلام، ولكن منه ما لا يبالي به الإنسان لإقامة حق لا يقبل المساومة فيه، ومنه ما ينبغي للإنسان أن يحافظ على سمعة الإسلام، وسمعة المسلمين، وسمعة قائدهم أيضاً؛ ألا يتحدث الناس بشيء لم يشهدوه على الإطلاق.

    لهذا نقول: إن الإنسان في تعامله مع المخالفين لا بد من أن ينظر إلى هذه الثلاثة مجتمعة لا منفردة، فلا يجزئ التوحيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم جزأ الصلاة، ولا يلين مع الإنسان في موضع باعتبار أنه جاهل وهو فعل أشياء شنيعة من القتل أو الخطف أو أكل أموال الناس بالباطل بالسرقة ونحو ذلك، لكل شيء مواضعه, ولهذا ينبغي أن ينظر الإنسان إلى هذه الثلاثة: إلى نوع الفاعل؛ جاهل أو عالم، بعيد عن الحق أم قريب منه، أن ينظر إلى ذات الأمر المجهول، أن ينظر إلى آثار ذلك الفعل، إذا اجتمعت في الإنسان هذه الثلاثة ونظر إليها مجتمعة فإنه حينئذ يكون صاحب حكمة في التعامل مع الناس، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ساس دولة الإسلام، وبلغها التمام بأمر الله سبحانه وتعالى.

    الحكمة في اختيار أصحاب الولايات

    كذلك من سياسة النبي صلى الله عليه وسلم ألا يجعل الناس على مرتبة واحدة حتى في أمر الولايات، فالنبي صلى الله عليه وسلم ينظر فيمن فيه دهاء ومن فيه قوة فيوليه جانب القتال والمعارك، ولو كان غيره أقوى منه في جانب الصحبة والقرب من النبي صلى الله عليه وسلم، كما ولى خالداً عليه رضوان الله تعالى المعارك وما ولى أبا بكر وهو أفضل منه باتفاق المسلمين؛ لماذا؟ لأن الله عز وجل خصه بشيء من الخصيصة لم تكن في غيره، أو كانت في غيره ولكن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن مثل هذا أولى إما لشبابه وكبر غيره، وإما أيضاً لحاجة النبي صلى الله عليه وسلم لقرب أبي بكر منه على سبيل الدوام؛ لأن الإنسان بحاجة إلى رأي سديد, وبحاجة إلى مشورة سديدة في معرفة أحوال الناس، غضبهم، وكثرتهم، وقلتهم، وفقرهم، وغناهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب إلا ما علمه الله سبحانه وتعالى، فيستخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أحوال الناس، ويسأل ربما أبا بكر عن شيء من ذلك ومن حوله، فكان النبي صلى الله عليه وسلم بحاجة لأمثال هؤلاء، لهذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يعامل الناس على مرتبة واحدة إذا وثق برجل واحد ولاه كل شيء.

    ولهذا يذكر العلماء في صاحب الولاية، إذا كان المسلمون لديه, يريد أن يولي أحداً مثلاً في غزوة أو في معارك أو في مواجهة أناس، واجتمع لديه قوي وفاسق, وصالح لكنه ضعيف، قالوا: يولي القوي ولو كان فاسقاً في مواجهة العدو؛ لماذا؟ لأنه في هذا الموضع يحتاج إلى القوة أو يحتاج إلى الصلاح أكثر؟ يحتاج إلى القوة مادام هذا الرجل مسلماً، مادام هذا الرجل مسلماً فإنه يحتاج إلى القوة؛ لماذا؟ لأنه صلاحه لن يقيم في ذلك الحدود، وليس لديه أموال يؤتمن عليها ولا أعراض، ولن يزوج أحداً في عقود الأنكحة أو غير ذلك، إذاً الحاجة إلى جانب الصلاح تضعف أو تقوى؟ تضعف، فهنا يحتاج الإنسان إلى القوة.

    حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بأسرار أسماء المنافقين، وما أخبر أبا بكر و عمر بن الخطاب عليهم رضوان الله تعالى، وأيهم أفضل أبو بكر و عمر أم حذيفة ؟ أبو بكر و عمر باتفاق المسلمين، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى بذلك لشيء من السياسة والحكمة، ويظهر -والله أعلم- أن من هذه السياسة أن من الناس من جبله الله عز وجل على شيء من الأمور الجبلية التي ليست لدى غيره، كبسطة الجسم، فمن الناس من آتاه الله عز وجل بسطة في الجسم، ومن الناس من لا يؤتيه الله عز وجل بسطة في الجسم، وهل يعاب الإنسان على ذلك؟ لا يعاب؛ لماذا؟ لأن هذا أمرٌ قدريٌ، فيولى صاحب البسطة بالجسم على شيء من مهام الأمة التي تليق به، ولا يعني فضله عند الله على غيره.

    ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: ( مر عليه رجل فقال: ما تقولون في هذا؟ )، يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن الفرق في الأمور التي يجبر الله عز وجل عليها الناس والأمور الظاهرة لا علاقة له بأمر الباطن، ( قال الصحابة عليهم رضوان الله تعالى: يوشك أن إذا غاب أن يسئل عنه، وإذا سأل أن يعطى، وإذا خطب أن يزوج، فمر رجل آخر، فقال: ما تقولون في هذا؟ -وهو ضعيف- فقال الصحابة عليهم رضوان الله تعالى: هذا يوشك إذا غاب ألا يسئل عنه، وإذا خطب ألا يزوج، وإذا سأل ألا يعطى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض من هذا )، إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى يأخذ بالباطن لا بالظاهر، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى القلوب )، قال: ( لا ينظر إلى صوركم )، الهيئة، والأجسام، ما قال: الأعمال، أي: أن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى الباطن وأثر الباطن من جهة العمل، أما الصورة والأجسام، فإن الإنسان في ذلك لا خيار له وإنما هي إلى الله.

    ومن الأمور المواهب التي يؤتاها الإنسان، وينبغي للإنسان أن يتعامل مع ذلك على ما آتاه الله عز وجل من فطرة، ينبغي أن يأخذها صاحب السياسة والوالي، ومن لديه مثلاً رأي في مثل هذا، أن ينظر أيضاً، لا ينظر إلى الجوانب الدينية مجردة، بل ينظر أيضاً إلى الجوانب الفطرية، من الناس من يجبل على الكتمان، ومن الناس من لا يجبل عليه، ولهذا حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى فطره الله عز وجل على الكتمان، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بأسماء المنافقين.

    ومن هذا أيضاً أن من الناس من تعلم أنه ربما يتولى ولاية ومن الحكمة ألا يعلم تفاصيل الأفراد فربما أثر على أمره؛ لأنه لو يعلم الإنسان بواطن الأمور لضاق، لو يعلم الإنسان المكائد ما يجد مثلاً في قلوب الناس من حقد وغل عليه، وربما يجالسونه أو نحو ذلك لضاق من الحرج، وربما مات من الهم, ولكن يخالط الناس ولا يعلم ما في نفوسهم، وهو سعيد في هذه الدنيا، النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن بعده خلفاء راشدين، وأنهم سيلون الولاية ومنهم أبو بكر و عمر ، وهؤلاء المنافقون النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن منهم من سيبقى بعده، فلو أخبر النبي صلى الله عليه وسلم من حوله، أو أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر و عمر بهم عداً وبمكائدهم وما يعلم من رغباتهم، ربما هذا يؤثر أو لا يؤثر؟ يؤثر هذا؛ لماذا؟ لأن تثبيت الله لنبيه يختلف عن تثبيت الله عز وجل لغيرهم، ولهذا أيضاً أنه ربما كان التعامل معهم يختلف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان الله جل وعلا يؤيده تأييداً لا يؤيد أحداً غيره.

    ولهذا ليس من الحكمة أن الإنسان يبلغ أحداً ربما يتأثر بهذا البلاغ، أو يأتيه بخبر ربما يؤثر على رسالته فيما بعد ذلك، وربما أيضاً من لا يتولى ولاية له حال من جهة التعامل على خلاف غيره، أن يبلغ الإنسان أنه سيلقى شدة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عمر أنه سيقتل أو لم يخبره؟ أخبر عمر ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عثمان ، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم: ( لما كان في بستان وسمع خشخشة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي هريرة : ائذن له وبشره بالجنة، فدخل فإذا هو أبو بكر ، فلما سمع آخر قال النبي عليه الصلاة والسلام: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه )، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أعلم عمر أو لم يعلمه؟ أعلم عمر , ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما ارتج عليه أحد ماذا قال؟ ( اثبت أحد، فإن فوقك نبياً أو صديقاً أو شهيداً )، إشارة إلى أن الإنسان إذا كان يلقى شدة فيما يستقبل فينبغي أن يعلم أن الأمر في ذلك شديد فعليك بالصبر، ولكنه لا يبلغ إلا صاحب القوة.

    ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان وجاء أيضاً في خبر أنه أبلغ علي بن أبي طالب أنه قال: ( من الشقي؟ قال: الشقي الذي يضربك على هذه ويسيل الدم على هذه )، إذاً النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ بعض أصحابه.

    ابتلاء الله لرسله وأوليائه الذين يمكن لهم

    كذلك معرفة الإنسان أن الطريق شاق، هذا من السياسة الشرعية، ألا يعلم أن الأمر لين، وأن الأمر هين، وأن السعادة حليفة الإنسان في الحق الذي يأتيه؛ لماذا؟ لأنه ينتكس لأول الأمر ولا يثبت, فينبغي أن يبلغ بالشدة في ذلك, ولهذا الله سبحانه وتعالى ابتلى الأنبياء، ويبتلي من بعده، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( يبتلى الصالحون الأمثل فالأمثل )، يعني: بحسب قربهم من الله سبحانه وتعالى يبتليهم سبحانه وتعالى؛ لماذا؟ لأن الله جل وعلا اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111]، لماذا؟ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة:111]، الله سبحانه وتعالى اشترى من المؤمنين بقدر إيمانهم يكون في ذلك العقد، منهم من يبيع نفسه كله إلى الموت، ومنهم من يبيع حتى ماله كله، فإذا سلب جاءته مصيبة أو بلية يعلم أنه في سبيل هذا الأمر جعله لله سبحانه وتعالى.

    ولهذا لماذا فاق أبو بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى الأمة كلها؟ لأنه قدم كل ما لديه ولم يجعل شيئاً في قلبه في ذلك، ولهذا لما سأله النبي صلى الله عليه وسلم: ( ماذا تركت لأهلك؟ لما النبي عليه الصلاة والسلام استنفق الناس لغزوة أتى بماله كله، قال أبو بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى: تركت لهم الله ورسوله، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عمر ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم شطر مالي ).

    لهذا نقول: إن الإنسان في مسألة سلوكه لطريق الحق إذا كان مبلغاً أو كان مثلاً صاحب ولاية أو نحو ذلك، لا بد من إعلام الناس أن مثل هذا الطريق طريق شديد، ربما يجد الإنسان لأواء وشدائد، وليس أكرم على الله سبحانه وتعالى من نبيه عليه الصلاة والسلام. الله سبحانه وتعالى لا أكرم من الخلق عنده من نبيه عليه الصلاة والسلام، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله عز وجل عليه من الابتلاء الشديد ليعلم من بعده أن حفظ الله سبحانه وتعالى للدنيا ليس كرامة للإنسان، وأن أعظم كرامة هي حفظ الدين، أعظم كرامة للإنسان هي حفظ الدين، ولهذا الله جل وعلا أخذ من دنيا النبي عليه الصلاة والسلام, أخرج من بلده, وأخذ مال النبي صلى الله عليه وسلم، وأوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه من سب وشتم وتقبيح وتسفيه وغير ذلك، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ما جعل ذلك أن الله سبحانه وتعالى لا يحبه؛ لماذا؟ لأن الله عز وجل اشترى منه نفسه وماله.

    ولهذا نقول: إن صاحب الولاية, أو الإصلاح, أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الداعي إلى الله، أو المصلح في أي باب من أبواب الإصلاح، عليه أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يجعل مقياس الكرامة والمحبة أن الله عز وجل يأخذ من الإنسان أو يعطي من أمر الدنيا، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدنيا من تلقاء نفسه، وكذلك أوذي النبي عليه الصلاة والسلام والله جل وعلا يحبه، مع ذلك أنزل عليه البلاء.

    ومن أعظم أنواع البلاء البلاء المعنوي، الذي ربما ينزل على الإنسان، ربما الإنسان يسلك طريقاً في أمور الإصلاح فيساء إليه، بالسب أو الشتم أو الاتهام في نيته ولن يبلغ ما بلغ بالنبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، والله جل وعلا يرى نبيه ينزل به ذلك، ويرى الله عز وجل نبيه وهو الذي قدر عليه ذلك, أن يطرد، وأن يشج رأسه، وأن تكسر رباعيته عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أن هذا ليس هو الأمر العقد الذي بينه وبين ربه يقول وهو موقن: ( أنا سيد ولد آدم، بيدي لواء الحمد يوم القيامة، آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة، أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ), يعلم أن العبرة بأن الله عز وجل مكن له، وأن الله سبحانه وتعالى حفظ له الدين وهذه هي الكرامة الحقيقية، ولهذا الله عز وجل يأخذ من الدنيا ويدع؛ لأن هذا مقتضى ربوبية الله سبحانه وتعالى.

    أما الدين فالله جل وعلا يكرم الإنسان بحفظه له، وهو أعظم كرامة، وهو الذي يسميه الله عز وجل النعمة، كما في قول الله سبحانه وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، أكمل الله عز وجل النعمة والدين، هل زمن النبي عليه الصلاة والسلام هو زمن ثروات؟ لا، كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى على كفاف، ما هي النعمة الكاملة؟ النعمة الكاملة هي نعمة الإسلام، أن حفظ الله عز وجل لهذه الأمة هذا الأمر، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، يعني: مما يجمعون من آراء الناس.

    الحرص على جمع الكلمة والاجتماع على قيادة موحدة

    من سياسة النبي صلى الله عليه وسلم حرصه على جمع الكلمة، وحرصه عليه الصلاة والسلام على القيادة ولو كان هناك اثنين فقط، وألا يختلفا، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم حينما بعث معاذاً و أبا موسى أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتطاوعا، لئلا يخرجا عن أمر واحد, يقضيان فيه لأمر الناس، أما ما يتعلق بعمل الفرد لصالح نفسه فإن الأمر إليه؛ لماذا؟ لأن الأمة إن اختلفت ولم يكن لها قيادة فإنها إلى شتات، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لا يبعث سرية ولا غزاة في غزوة ولا قوماً في سفر إلا ويؤمر النبي عليه الصلاة والسلام عليهم أميراً، بل النبي عليه الصلاة والسلام يحث أصحابه إذا كانوا في سفر ثلاثة فما فوق إلا وجعل النبي عليه الصلاة والسلام عليهم أو منهم أميراً؛ لماذا؟ لأن الأمة لا بد لها من آمر ومأمور، وإلا لا يستقيم أمر الأمة؛ لماذا؟ لأن في الجماعة هيبة، وهذا من أعظم السياسات التي اتخذها الأنبياء في أممهم، أن يجتمع الناس على أمر واحد، وذلك أن الجماعة لها هيبة أكثر من الفرقة، ولو كان الناس على ملة واحدة، ولهذا الله سبحانه وتعالى نهى عن التنازع والتفرق؛ لماذا؟ قال: فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46]، يعني: القوة، وهيبة الناس، النبي صلى الله عليه وسلم بين الله عز وجل له أن الجماعة أمر فطري، أمر فطري في كل ما يدرك حتى في البهائم، لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند والسنن قال عليه الصلاة والسلام: ( ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا يؤذن فيهم ولا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، وعليكم بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية )، لماذا الذئب يأكل من الغنم القاصية ولا يذهب إلى الجماعة؟ لأنها أظهر في الاختيار وإتاحة الفرصة؛ لماذا؟ لأنه حتى البهائم تهاب الجماعة، وهي تعلم أنه إذا جاء إلى الغنم وهي مجتمعة أو مختلفة أن ذلك لا يؤثر عليه شيء، ولكنه أمر في قلوب الكائنات جعله الله سبحانه وتعالى، لهذا الأمة التي تختلف مهما كانت كثيرة يهزمها الأقل منها إذا كانوا مجتمعين، ولهذا الله سبحانه وتعالى لماذا ينصر المائة والمائتين على الألف والألفين من المشركين لماذا؟ لأن أمرهم من جهة الاجتماع أعظم، ولماذا يهزم النبي عليه الصلاة والسلام اليهود وأضرابهم مع قلة العدد؟ لأن الله عز وجل يقول عنهم: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14]، كذلك كفار قريش هل هم مجتمعون من جهة الحقيقة أو مختلفون؟ لا, مختلفون؛ لأنهم لم يخرجوا بصدق وإخلاص، ولهذا الله سبحانه وتعالى ذكر خروجهم أن سببه كما قال: بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ [الأنفال:47], لأجل الكبر، (( بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ )), كلٌ يرائي الآخر، لكن ليس لهم مبدأ وليس لهم رأي؛ لماذا؟ لأنهم ليس لديهم اقتناع حتى في الوثنية، لهذا الله سبحانه وتعالى يقول: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [الأنعام:33]، يعني: لا يكذبون دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، يجحدون بهذه الرسالة الحقة، ولكن من جهة الحقيقة هزيمتهم إنما كانت بالاختلاف الباطن، ولو كان الاجتماع من جهة الظاهر، فغلبت أمة مجتمعة باطناً وظاهراً أكثر بأضعاف مضاعفة أمة مجتمعة في الظاهر وغير مجتمعة في الباطن، ولهذا من أعظم ما ينصر الأمة أن تجتمع على ملة وعقيدة واحدة، وأن تجتمع كذلك في صف واحد.

    1.   

    وصايا في السياسة الشرعية

    الوصية بالاجتماع والتآلف

    ولهذا وصيتي إليكم بالاجتماع والتآلف والتطاوع ولو اختلف الناس في أحوالهم، وعدم التفريق أيضاً في أحوال الناس ما جمعتم في دائرة الإسلام، لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سياسته مع الناس هل كان الصحابة على أمر واحد؟ ما كانوا على أمر واحد، مع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام يحرص على قربهم منه مع وجود بعض المنافين في الصف، مع وجود بعض من يرتكب الكبائر في الصف.

    محاولة الجمع, جمع الصف، وتوحيده تحت قيادة واحدة، ولو وجد في الصف من هو مقصر أو من يرتكب كبائر أو نحو ذلك، الاستعانة بأمثال هؤلاء وتكثيرهم السواد من المصالح الشرعية؛ لماذا؟ لأن الأمة تقابل عدواً آخر ليس من هذه الدائرة المتسعة، ولكن صاحب الولاية وصاحب الأمر، وكذلك صاحب السيادة لا يدني إليه من يلتصق منه إلا الأقوياء في الباطن مما يعلم منهم من الدلالات الظاهرة، ولا يخرج الأبعدين منه ويقربهم شيئاً فشيئاً، لهذا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من يجلد في الخمر ولا ينفره النبي صلى الله عليه وسلم ويأتي مع صفوف المسلمين, لا يعزل أحداً، ولهذا لما كان أحد الصحابة عليهم رضوان الله تعالى: ( أتي به وهو يشرب الخمر, قال الصحابي: وكثيراً ما يؤتى به، فجلد في الخمر، فقال أحد الصحابة: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ).

    أصحاب الأخطاء في المجتمع أرباب الكبائر، أرباب الفسوق، أرباب المخالفات الشرعية، هم في صف الإسلام ينبغي ألا يبعدوا.

    الإنصاف في إنزال العقوبة بالظالم

    كذلك ينبغي علينا أن نعلم أن من أخطر أنواع أو من أدق أنواع الإنصاف إنصاف الظالم أن لا يظلم عليه عند الانتقام منه، ولهذا كما جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى لما أتي برجل أصاب حداً، انظروا إلى الإنصاف حتى في العقوبة، ليس كل ظالم يكيل الناس عليه ما يريدون، لا, له حق أيضاً في إنزال العقوبة، لو أنزلت عليه العقوبة بزيادة يسيرة تحول من ظالم إلى مظلوم، ولهذا لما أتي عمر بن الخطاب برجل أصاب حداً، فقال للجلاد: ائتني بسوط، فجاء بسوط غليظة، قال: ائتني بسوط أدنى من هذه، فأتي بسوط يسيرة، قال: ائتني بسوط بين السوطين، فجاء بسوط بين السوطين، فقال للجلاد: اضرب في أعلاه وأسفله ولا تضرب في موضع واحد، وأعط كل واحد مكانه، ولا ترني إبطك، يعني: لا ترفع اليد كاملة، له حق أو ليس له حق؟ له حق حتى في مقدار إنزال العقوبة، وله حق أيضاً إذا ارتكب كبيرة ألا يلعن؛ لأن نتعلم منه الإنصاف.

    ولهذا من أدق المواقف أن يرد مثلاً على الأمة شخص ارتكب كبيرة، ليس لك أن تطلق التهم عليه، وليس لك أن تطلق اللعنات عليه لمجرد ذنب وقع فيه، كذلك إذا علمت فيه خيراً عليك أن تظهره ولو في زمن إنزال العقوبة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تعلنه ), لماذا؟ لأنه يحب الله ورسوله, في هذا تعريف أن هذه العقوبة ليست إغلاقاً لما بيننا وبينك من اتباعك لرسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنما هذا شيء من التطهير أمرنا الله سبحانه وتعالى به، من الأمور التي تبلى بها المجتمعات الإسلامية، هي المفاصلة للخطأ والخطائين, أن الإنسان يخرج من الدائرة كلها لشيء من النفرة أو النظرة إليه، أو الكيل بعقوبات متعددة؛ لماذا؟ لأن اللفظ عقوبة لماذا تنزلها بلا دليل؟ لماذا تلعنه بذاته بلا دليل؟ العقوبة الشرعية هي الجلد وقد نزل الجلد، وما عدا ذلك ليس إليك، ولهذا الخلفاء الراشدون من بعد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أئمة في الإنصاف حتى في إنزال العقوبة على الظالم؛ لأنه يتحول بعد ذلك إلى مظلوم، فيدعوا وبمقدار مظلمته ينتصر الله عز وجل له منك.

    أهمية التستر على أخطاء الناس وعدم إشاعتها

    لهذا نقول: إن صف المسلمين واحد مهما بلغ الأمر، فهم ينخرطون في أمور الجهاد، وينخرطون في أمور الأمانات، وينخرطون في أمور العبادات، وينخرطون في مجالس الناس، لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم المنافقين أو لا يعلم؟ يعلم المنافقين، قد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث عمار بن ياسر أن حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى قال: ( قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: في أصحابي اثنا عشر منافقاً، ثمانية منهم لا يدخلون الجنة، حتى يلج الجمل في سم الخياط )، إذاً النبي لا يعلم العدد فقط، بل يعلم درجات النفاق، أن هذا نفاق أكبر وهذا نفاق أصغر, ولهذا من السياسة الشرعية أن الإنسان إذا علم زلة على أحد أو علم بلاء فيه، أو رأى منه شيئاً ألا يشهر به؛ لماذا؟ لأنه يكتم هذا الأمر, بخلاف الذي يعلن، الذي يكتم لماذا لا تعلن به؟ لأنك إذا شهرت به أخرجته من الدائرة، دائرة الجماعة، وهذا شق للصف أو ليس بشق؟ شق للصف.

    الأمر الثاني: دعه في الجماعة حتى يذوب وينصهر.

    الأمر الثالث: حتى لا يخرج ما يخفي؛ لأن كثيراً من الناس الذين يتصدرون لجانب الإصلاح أو جانب الدعوة أو جانب الإعلام أو نحو ذلك، إذا رأى زلة من شخص أو نحو ذلك، قاموا بالتشهير به، الإعلاميون يقولون: هذا من السبق الصحفي، وبعض الدعاة إلى الله عز وجل أو المصلحين أو نحو ذلك، أو الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، أو بعض المحتسبين يقول: هذا من التحذير من أمثال هذه الأمور، نقول: هذا ليس كذلك، ينبغي أن نفرق بين من يعلن الخطأ وبين من يسر به؛ لأننا إذا أخبرنا بكل سريرة فعلها الإنسان دعوناه إلى أن يخرج مكنونه، يعني: أخرج ما لديك وإذا أخرج ما لديه ماذا سيفعل؟ سينضم إليه واحد شرقي يؤيده أيضاً كان يكتم ولا يعلم أنه يوجد في هذه الأمة المجتمعة واحد يوافقه بما يكتم، حينئذ تخرج الأحزاب الضالة من جسد الأمة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ما أخبر الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بأسمائهم وهو يعلمهم، وما أخبر المقربين عليه الصلاة والسلام بذلك وهو يعلمهم، وما حذر الجميع منهم وقال: لا تصاحبوهم واحداً واحداً حتى يتناقل الناس ويعلموا، لكن النبي عليه الصلاة والسلام ماذا فعل؟ من سياسته كان يذكر الأوصاف ولا يذكر الأشخاص، ما هي أوصاف المنافقين؟ يشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ( أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر )، حتى يقول عبد الله بن عمر يعني: أنا نأخذهم بالظن ليس لدينا تصريح، يقول عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى كما روى ابن أبي شيبة وغيره قال: ( كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا الظن به )، يعني: لا نتأكد, أسأنا الظن به, هذه أوصاف؛ لماذا؟ دفع للمنافق أن يخرج نفسه من هذا الوصف، وكذلك تحريض لأهل الإيمان أن يثبتوا على ما هم عليه حتى لا يوصفوا به، كذلك فيه تقريع وتحذير، أي لا تقترب جداً من مثل هذا فتوغل فتنكشف، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام من السور التي يقرؤها في صلاة الجمعة في الناس سورة المنافقين؛ لماذا؟ لأن الجمعة أكثر حضوراً من قبل المنافقين، ويحضرها منافق المدينة، وكذلك من كان من أطرافها من الأعراب وغيرهم، حتى يسمعوا أوصافهم، ولا يتكلم عليهم بأعيانهم.

    ولهذا نقول: لا مسالمة مع الزلل السري، ولكن المسالمة هي مع أصحابه رحمة بهم ألا يبتعدوا، ورحمة بالأمة حتى لا لا يذوب الصف وينشق، ولهذا إذا رأيت زلة من شخص، أو رأيت من أحد مثلاً سراً ظهر لك من أمور المحرمات، أو أمور المعاصي فلا تبدها لأحد، ولكن إذا وقفت في منبر أو كنت أمام جماعة فتكلم على هذا الجرم كله ولا تلتفت إليه؛ لماذا؟ لأنك لو أبديته له فربما كان لديه جملة من الأعمال الصالحة فبدأ بتركها؛ لماذا؟ لأنه سيقول: فسقوني الناس وانتهى الأمر، وهذا إبعاد للناس عن الحق، فربما يكون الإنسان لديه ذنب واحد ثم تسببت فيما هو أبعد من ذلك، لهذا تحذر الجماعة من تناقل الأقوال، وكذلك الآراء السيئة التي يستتر بها الإنسان ولم يسمعها إلا واحد أو اثنان، فهذا من إشاعة الخطأ وترويجه، أو تناقله بين الناس، فينتقل من واحد إلى واحد حتى يأتي إلى العاشر، ويعلم أنه يوجد من يؤيده, ولهذا فيتواصل أهل الباطل مع بعضهم فيكونون حينئذٍ شبكة في الرأي، ويتسبب في هذا من هو؟ من نقل من حيث لا يشعر، ولهذا تجدون أهل الباطل الشرقي يتصل بالغربي، وقد تسبب في ذلك مجموعة في الداخل لا يعلمون أنهم قد خالفوا منهج النبي عليه الصلاة والسلام. لهذا نقول: إن الجماعة هي من المطالب الشرعية.

    الحرص على استصلاح الناس وعدم إخراجهم من دائرة الجماعة

    كذلك ينبغي لنا ألا نطلب جماعة مكتملة الأوصاف والصلاح، وأن ننظر إلى أحوال الناس ونستصلحهم، فالصدر الأول وجد فيه مرتكب الكبائر، ووجد فيه المنافق، ووجد فيه الكائد، والله سبحانه وتعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام قال: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة:47]، فيكم سماعون للكفار, (سماعون لهم) يعني: فيمن حول النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً كانوا يعلمون أن الصف فيه من فيه، ولكن العبرة هي باستصلاحنا لهم، يستصلح الناس بماذا؟ بالتذكير بالعلم، بالدعوة إلى الله، باللسان, بكثرة الخطب, بكثرة المواعظ, بكثرة التعليم، بكثرة التربية, ونحو ذلك، ويبقى الأمر على ما هو عليه.

    والنبي صلى الله عليه وسلم لما توفي ارتد من ارتد من العرب؛ لأنه يوجد في الصف من يتهيب الحق ولا يريد أن يخرج، ولهذا لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام ارتد من ارتد، فاحتاج الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بعد ذلك إلى المقاومة، وفي هذا إشارة إلى أن كثيراً من مرضى القلوب لا يظهرون الباطل، ويظهرون جماعة المسلمين لهيبة صاحب الحق لا هيبة للحق، فإذا زال أو مات نكصوا على أعقابهم.

    ولهذا نقول: إن من الأمور المهمة في جانب السياسة الشرعية الحرص على الجماعة، ينبغي ألا يلتمس الإنسان وصفاً معيناً، أو درجة من التدين معينة ما دامت الأمة في دائرة الإسلام، بل نقبل في الصف من كان معنا، حتى لو كان مرتكباً للكبيرة أو من الموبقات، الخمر من الموبقات أو ليس من الموبقات؟ بلى من الموبقات، يكون في صفنا، ومن المصلين من يبلى بهذا ويقام عليه الحد ولا يبعد من صف المسلمين، قد تجتمع أعلى طاعة يجعلها الله عز وجل مع شخص ومع ذلك قد يرتكب موبقاً من الموبقات, نعم لا تناقض؛ لأن الإيمان شعب؛ أبو عبيدة أما كان في غزوة من الغزوات وشرب معه الخمر من شرب؟ أليس الجهاد من أفضل الأعمال؟ النبي عليه الصلاة والسلام سئل كما في الصحيح: ( أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيله )، جاهدوا في سبيل الله، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( اتقوا السبع الموبقات, وذكر منها الخمر )، إذاً موبق مع أفضل الأعمال قد يجتمعان في المسلم، ولا يخرج من الصف، وما أخرجهم أبو عبيدة ولا أمره عمر بن الخطاب أن يخرجهم من الصف؛ بحجة أن هؤلاء فساق, لا، فالحرص على الجماعة أعظم من هذا كله، ولهذا جماعة المسلمين هي من أعظم ما يقوي شوكتهم، وهذا الجانب هو جانب الجماعة.

    ولا يجب أن يكون المجتمع طوائف من الناس من الصالحين, أو من الأخيار, أو من طلاب العلم, أو من الدعاة, أو من العامة أو غير ذلك، بعضهم يحرصون ألا تكون الجماعة إلا صفحة بيضاء, فهذا من الخطأ، لينضو الإنسان ويتطاوع مع غيره، حتى لو رأى أن غيره أفضل منه ما دام أن هذا الأمر هو جماعة يقام فيها الأصل الذي أراده الله سبحانه وتعالى، وألا ينفر الناس من الحق لمجرد خطأ أو زلة وقعوا فيها، وإنما بالمقدار الذي أراده الله عز وجل لهم, لا يزاد ذلك لا من جهة السب ولا من جهة أيضاً إقامة الحد، ولا من جهة أيضاً نوع العقوبة التي تقع عليهم، وإنما هو بالعدل الذي جعله الله سبحانه وتعالى، هذا البلد بلد مكن الله سبحانه وتعالى له بعد عقود طويلة من الظلم، والظلم بجميع أنواعه، الظلم في الدين، الظلم في الأموال، الظلم في الأعراض، والظلم في الأنفس، والظلم أيضاً في العقول وغير ذلك من أنواع الظلم، مكن الله عز وجل لهم، ولهذا بعد طول الأمد ينبغي أن يستصلح الناس كما أن النبي عليه الصلاة والسلام يستصلح الناس، يداري الإنسان كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يداري الناس وهو المعصوم، وقد يعتد الإنسان بما لديه من عقل, وما لديه من علم، وما لديه من معرفة, أو نحو ذلك، بإطلاق ما يشاء من ألفاظ وعدم المجاملة, هذا ليس بصحيح.

    والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث عائشة : ( استأذن عليه رجل فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـعائشة : بئس أخو العشيرة، فلما دخل عليه هش النبي عليه الصلاة والسلام في وجهه وبش، فلما خرج قالت عائشة : يا رسول الله, إنك لما استأذن عليك قلت: بئس أخو العشيرة، فلما دخل هششت في وجهه وبششت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ! إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه )، النبي منصور, لا يوجد أحد في الأرض في هذه الأمة، ولا قبل ذلك يؤيد كتأييد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل ربه سبحانه وتعالى، ومع ذلك رأى أن التعامل في مثل هذا من الأمور المتأكدة، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما قال: أنا لدي أصحابي ولدي قوة ونحو ذلك, لا أجامل, ومن يكون هذا الإنسان؟ لا، بل الأمر يحتاج أن تعرف أن مثل هذا الرجل لديه لسان سليط، يلتقي بواحد أو اثنين أو ثلاثة، يسيء إليك؛ لأنك لا تمثل نفسك، تمثل الرسالة التي تحملها.

    وبعض الناس يبتلى وهو لا يريد أنه يمثل الصالحين أو يمثل العلماء، أو يمثل مثلاً جهة معينة أو غير ذلك، مثل هذا التمثيل هو لا يريده، لكنه بلي بمثل هذا الأمر، ولكن ينبغي له ألا يأخذه الورع البارد ويقول: أنا أمثل نفسي ويطلق ما يشاء, ليس بصحيح، إذا حملوا عليك هذا الأمر وأنت تنتمي إلى فئة أو تنتمي إلى جماعة، أو تنتمي مثلاً إلى درجة معينة من مراتب الناس فإن هذا يحمل إلى غيره، ينبغي أن تقتنع أن هذا الأمر يتعدى، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه )، يعني: ألا يرتد إليه هذا الأمر, ينبغي أن تحسب الكلمة الواحدة والثنتين والثلاث؛ لماذا؟ لأنه يؤثر على صاحب الرسالة.

    مفهوم التدين والصلاح الحقيقي

    كذلك ينبغي علينا أن نعلم أن التدين وأن الصلاح الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى بامتثاله هو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ( الإيمان بضع وسبعون أو ستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق )، فالمتدين حقاً والصالح حقاً هو من اجتمعت فيه هذه الشعب، لا أن تجتمع فيه شعبة واحدة أو شعبتان أو ثلاث، ثم يجعل نفسه من أهل الإيمان الكامل، بل ينبغي للإنسان أن يحرص على اكتمال شعب الإيمان فيه حتى يوصف بذلك.

    رفق النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الناس

    كذلك الرحمة واللطف واللين من جهة العامة في تعاملاتهم فمنهم جفاة ومنهم غلاة، ومنهم أيضاً من هم أشداء، ومنهم من تربى ببيئة بعيدة عن اللين والرفق ونحو ذلك، فيأخذ الناس على ما هم عليه، فلا يوبخ ولا يعنف ولا يشنع، وإنما يتعامل مع الناس على أحوالهم.

    والنبي صلى الله عليه وسلم يأتيه من يؤذيه ويجذب عليه ردائه وربما يؤثر في عنقه، ومنهم أيضاً من يقسو عليه حتى بالعبارة، فيقول: أعطني من مال الله؛ فإنك لا تعطيني من مالك ولا من مال أبيك، عبارة تقال للنبي عليه الصلاة والسلام، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يبتسم؛ لأنه فعلاً ليس من ماله، ولا من مال أبيه، وإنما هو من مال الله, فلا يأنف الإنسان من تولي ولاية, بل ينبغي أن يعلم أن هذه الولاية إنما هي أمانة جعلها الله عز وجل بين يديه، لا يتكبر؛ لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إمام المتواضعين، ما قال: تقول لي مثل هذه العبارة وأنا رسول الله وأنا أعدل الناس أو نحو ذلك, وهو كذلك عليه الصلاة والسلام؛ لماذا؟ لأنه لم ينظر إلى نفسه، وإنما نظر إلى عقل من يتكلم معه؛ لأن الشدة على الناس تؤثر سلباً فربما تكلم معك في مثل هذا الموضع ثم لم يأتك مرة أخرى، ومجيئه إليك مكسب, أن تكسبه باللين، بإعطائه من الخير الذي لديك, سواء من المال أو من العلم أو من التوجيه، أو من الإرشاد، فإذا شددت عليه في المرة الأولى ربما ما جاءك الثانية ولا جاءك الثالثة، وربما أثر على من ورائه ألا يأتوا إليك، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان ليناً سمحاً في تعامله، بل الناس ينظرون إلى وجه النبي عليه الصلاة والسلام ويأخذون منه اللين والسماحة.

    وقد جاء في الترمذي كما في حديث الحارث أن الأعراب الذين حجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام, وطبعاً ليس كل من حج مع النبي عليه الصلاة والسلام رآه قبل ذلك، منهم من يأتي أمير القبلية أو شيخها أو سيدها أو جماعة منهم، ويأخذون الإسلام ويبلغونه لأقوامهم ويسلمون، ولم يروا النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن لما دعا النبي للحج وبعث المنادين للمدينة ومن حولها من الأطراف أن النبي حاج هذا العام، تبعوا النبي صلى الله عليه وسلم, فمنهم من جاءه في المدينة، ومنهم من لحقه في ميقات ذي الحليفة، ومنهم من جاءه في نصف الطريق، ومنهم من لحقه في مكة، ومنهم من لم يره إلا بعد الوقوف بعرفة، ولهذا يقول الحارث : ( كانت الأعراب يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو في قبته بمنى, وينظرون إلى وجهه ويقولون: هذا وجه مبارك )، هذا وجه مبارك، يعني: يشيرون إلى أن مثل هذا الوجه لا يأتي منه إلا الخير، الناس تتوسم اللين، تتوسم الرفق، تتوسم السماحة، تنفير الإنسان ينبغي أن ينظر إليه من جهة العقل، لا تنظر إليه من جهة كمالك، ربما تكون كاملاً من جهة الأدب والخلق والمعرفة، فإذا نظرت إلى أحوالهم من جهتك أنت فهذا يكون ضرباً من ضروب الكبر غالباً، ولكن انظر إلى عقولهم، فاعذر الجاهل واعذر أيضاً الأحمق، أو من تعامل معك ويظن أنه على حق.

    وإذا استوثق منك الإنسان في أمر؛ لأنه لا يشكك وربما هذه طريقته، وإذا ناداك الإنسان لا تلتفت إلى الألقاب، باعتبار أنه يريد التنقص، ولهذا ربما يأتي بعض الأعراب إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيقولون: ابن عبد المطلب, محمد, أنت محمد, ولا يقولون: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان النبي عليه الصلاة والسلام يمايز نفسه عن أصحابه. وكما جاء في الصحيح: ( أن أعرابياً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان جالساً مع أصحابه فيقول: أيكم محمد )، يعني: أن محمداً لم يكن على عرش ولم يكن على موضع معين، ( بل قال: أيكم محمد؟ فيقولون: هذا الرجل الأبيض المتكئ ).

    ترك الانتصار للنفس وتغليب مصلحة الدعوة ووحدة الأمة

    ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يجعل له موضعاً يميزه عن أصحابه، إلا إذا أراد أن يتحدث لجماعة جعل له منبراً عليه الصلاة والسلام ليراه الناس ويبلغهم الخطاب، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعنف سائلاً وإن كان في سؤاله ساذجاً، أو في طريقته أو نحو ذلك، بل يعلمه ليأتي حتى يستزيد من الخير رحمة؛ لماذا؟ لأن ثمة أمراً دقيقاً من الانتصار للنفس، هو الذي يعطل مشاريع الإصلاح، ومشاريع الدعوة، ومشاريع وحدة الأمة وهو حظوظ النفس، وحب القيادة.

    وكذلك الانتصار للنفس فإذا بلغه كلام عن صاحبه هجره وهجر من معه، ويقال: هو دفاع عن النفس, ينبغي أن نغلب جانب وحدة الأمة، ولو كنت أعلم أن من ينضوي معه رجلاً يكرهني، أو يتكلم فيّ، أو ربما بيني وبينه عداوة؛ لأن المراد بذلك وحدة الأمة, فلا ينتصر الإنسان لنفسه، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبلغه أن الناس تتكلم فيه ولكنه كان يتغافل.

    يقول البخاري رحمه الله كما في الصحيح يقول: باب من أخبر صاحبه ما يقال فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان قادماً من غزوة تبوك تكلم فيه بعض المنافقين لما قالوا: ( ما رأينا مثل قراءنا هؤلاء؛ أرغب بطوناً, ولا أجبن عند اللقاء، ولا أكذب ألسناً, يعني: من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ذهب وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام )، إذاً النبي يعلم القالات التي تدور في مجالس الناس، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتغافل؛ لأن الغفلة كما يقال: ثلاثة أرباع العافية, ويقول بعض العلماء: هي العافية كلها.

    إذا أراد الإنسان أن يتتبع زلة فتح على نفسه باباً، وإغلاقها هو الأولى؛ لماذا؟ لأن الإنسان لا يعيش لمثل هذا الأمر، وكم يتستر الانتصار للنفس تحت ستار الانتصار للحق؟ لماذا يقول في كذا، ولماذا لمزني؟ ولماذا اتهمني؟ لقد اتهم النبي عليه الصلاة والسلام وما أتى بأحد يحقق معه، واتهم النبي عليه الصلاة والسلام وما بعث إلى قبيلة لماذا تقولون فيّ؟ كان النبي عليه الصلاة والسلام يتغافل؛ لأن الهم الأكبر هو جمع الأمة، لهذا الذين لا يجتمعون ... نفسية أو إقليمية أو قبلية أو غير ذلك، ليسوا على منهج محمد صلى الله عليه وسلم ما دام أنهم على دائرة الإسلام.

    لهذا الأمة حتى لو كانت على عقيدة واحدة فإنها تضعف ولو كانوا كثيراً إذا اتحد غيرهم، في هذا البلد أرى كثرة أهل الخير، وكثرة المقبلين على العمل الصالح، ولكنهم أوزاع مختلفون، لا ينضوون تحت راية واحدة، وتجد ربما قلة قليلة تنزوي تحت راية واحدة وتؤثر أعظم؛ لماذا؟ لأنهم قلة مجتمعة أقوى من كثرة متفرقة، فيؤثرون فيما يريدون، مما يتعلق في مصالح الناس وغير ذلك، والسبب في ذلك أن الناس منشغلون بتصفية الحسابات النفسية، لهذا لا يمكن أن تجتمع الأمة حتى تتطهر البواطن من الانتصار للنفس، النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله, هل لقيت من قومك أشد من يوم أحد؟ )، يعني: بلاء وشدة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام شج وكسرت رباعيته، وظهر من جهة المعايير؛ المعايير العسكرية في منظار كفار قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم هزم, وأصابه ألم شديد، وتناقلت القبائل مثل هذه النتيجة التي كان لها أثر شديد على النبي عليه الصلاة والسلام، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( يا عائشة , لقد لقيت من قومك ما لقيت )، يعني: لم تشاهدي شيئاً, ( ومن ذلك أني عرضت نفسي على ثقيف من الطائف فطردوني, ولم أفق إلا وأنا بقرن الثعالب )، ما بين الطائف وقرن الثعالب ستة وأربعين كيلو، لم يفق النبي, وكان ماشياً, ليس على مركبة، لم يفق يعني: لم يستوعب من الهم إلا بعد ستة وأربعين كيلو, ( قال النبي عليه الصلاة والسلام: لم أفق إلا وأنا بقرن الثعالب ).

    ونحن نجد في أنفسنا أن أحدنا إذا اهتم خرج من داره أو من عمله أو من مسجده وهو مهتم يمشي أمتاراً، ثم يفيق بعد ذلك أنه اتجه في طريق مخالف، لأمتار يسيرة لوجود هم، النبي لم يفق إلا بعد ستة وأربعين كيلو من الهم.

    يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لم أفق إلا وأنا بقرن الثعالب فنظرت فإذا بياض عظيم، فإذا هو جبريل )، ثمة لطائف الله سبحانه وتعالى، أليس أحب مخلوق لديه هو محمد؟ ألم ير هذا الهم الشديد بمجرد خروجه من الطائف؟ نعم، لماذا لم يبادره وهو يحبه بإرسال جبريل مباشرة، وهو يراه يتألم هذه المسافة الطويلة؟ لماذا؟ لأن الله عز وجل ما اشترى منه دينه، اشترى منه نفسه وماله سبحانه وتعالى، وكذلك حفظ راحة النفس والبال ليس كرامة للإنسان والنبي يعلم, ( فقال جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام: إن الله رأى ما قال قومك لك، وقد بعث إليك ملك الجبال يستأذنك ليطبق عليهم الأخشبين، فقال: لا، لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك معه شيئاً ).

    وأنت إذا سمعت أحداً تكلم فيك تتمنى أن يزال من منصبه، وتتمنى أن يعزل, وألا يكون مع جماعتك، وألا يكون له شيء من ذلك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك معه شيئاً )، لهذا النفوس الطاهرة التي لا تنتصر لنفسها همها نصرة الحق، إن هم النبي عليه الصلاة والسلام عبودية الله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لعل الله يخرج من أصلابهم ), من ينصفني؟ لا، ( من يعبد الله )، أنا لا أريد نفسي، ( من يعبد الله ولا يشرك معه شيئاً ).

    الوصية بتطهير البواطن

    لهذا أوصيكم بتطهير البواطن لمن؟ لله سبحانه وتعالى، قد تجدون كلاماً في أنفسكم, من بعضكم في بعض, من الجماعة في الجماعة، لكن يجمعكم الإسلام والتوحيد، وهذا أعظم مطلب تجتمع الأمة عليه، هذا المجتمع مجتمع سني، لا يكون فيه ملة ككثير من البلدان التي عن يمينكم وشمالكم، لا يوجد فيه نصارى، لا يوجد فيه رافضة، وكلكم من أهل السنة، ثم تكون الأمة مختلفة وهي تريد الحق، ولهذا ينبغي أن نعلم أن عتبة الاجتماع هي تطهير البواطن وإرادة أمر الله سبحانه وتعالى، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم، وكما كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم جمع الله عز وجل به الأمة لهذا الأمر، الأمة لا تجتمع على الثروات، لا تجتمع على المال، كم من الأمم عندها المال ثم تقاتلت، الأمة تجتمع على الحق والعدل، الحق الذي يريده الله أو تريده أنت؟ الذي يريده الله سبحانه وتعالى، لهذا الله عز وجل يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63]، كم من الأمم لديها من الأموال ما لديها وهي تتقاتل وتتصارع؟

    لهذا أنا أقول: إن الإنصاف في جانب توحيد الله سبحانه وتعالى والعدل ما اجتمع الناس على دعائم الإسلام العظام، فعليهم أن يجتمعوا، ويؤجلوا النظر في الجزئيات إلى ما بعد اجتماعهم، يعالجونها بعد ذلك، يتحاكمون فيها إلى أمر الله سبحانه وتعالى، البلد مقبل إلى تشكيل نظام، مقبل إلى تشكيل دستور، ينبغي على الأمة أن تجتمع وأن تستيقظ، وأن تعلم أمر الله سبحانه وتعالى الذي أراده منها، وألا ينكسوا وألا يتفرقوا، وأنهم يجب عليهم أن يتوحدوا وحدة كاملة، كالأصابع في اليد الواحدة يخدم بعضها بعضاً وكلها في جسد واحد.

    لهذا عليهم أن يتواصوا، وأن يتذاكروا بذلك، وأن يكون همهم النبي صلى الله عليه وسلم من جهة اتباعه ومنهجه, لا تصفية الحسابات، ولا الانتقام الذاتي، ولا النظر إلى حظوظ النفس، أو حظوظ القبيلة، أو النظر إلى أمر المدينة، يمثلوني أو يمثلون غيري، ما دام أن الأمة تجتمع على مثل هذا الأمر فإنها على الحق بإذن الله سبحانه وتعالى.

    الكلام في منهج النبي صلى الله عليه وسلم وسياسته، وتعامله مع الناس، وتدرجه عليه الصلاة والسلام, ولطفه معهم، وسياسة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأقربين, في أزواجه, والكفار, والمشركين, إذا أراد الإنسان أن ينظر فيها ففي سنة النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك الشيء العظيم، وهي بحر لا ساحل له، إذا استضاءت بهدي النبي عليه الصلاة والسلام فلن تضل ولن تضيع، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً )، بقدر التمسك يكون الثبات، ( كتاب الله، وسنتي )، سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من المهتدين بهدي نبيه, الممتثلين لأمره، السالكين للصراط المستقيم، وأسأله جل وعلا أن يثبتني وإياكم على الهدى والتقى والعفاف والغناء، وأن يجمع كلمة المسلمين، وكلمة الأمة الليبية على الحق على التوحيد والسنة, وأن يؤلف بين قلوبهم، وأن يسل سخيمة صدورهم، وأن يؤلف بينهم على الفطرة وعلى الحق والمنهج القويم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.