إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الصلاة [26]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في الصلاة: أحاديث متعلقة بصلاة الوتر ومنها: حديث: (لا وتران في ليلة) وحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أبا بكر عن الوتر، فقال أبو بكر: أوتر أول الليل فإذا قمت آخره صليت شفعاً)

    1.   

    حديث: (لا وتران في ليلة)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فمن الأحاديث المعلة ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث قيس بن طلق عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا وتران في ليلة )، هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، و أبو داود ، و الترمذي ، و النسائي ، وغيرهم من حديث عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد اختلف فيه على عبد الله بن بدر فرواه ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعله موصولاً، ورواه أيضاً أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم موصولاً، وهذا قد أخرجه الإمام أحمد رحمه الله، وخالفهما في ذلك محمد بن جابر الحنفي يروي هذا الحديث ويجعله مرسلاً، فيرويه من حديث عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يذكر طلق بن علي عليه رضوان الله، وهذا الحديث قد اختلف فيه كلام العلماء عليهم رحمة الله، منهم من صوب الإرسال، ومنهم من صوب الوصل.

    ومن العلماء من توقف في هذا، وقد توقف أبو حاتم رحمه الله، ومال بعض الأئمة إلى صحة الوصل، ومال إلى هذا أكثر المحدثين، وقد نص على ذلك ابن أبي حاتم رحمه الله، وعضد ذلك بأنه جاء من وجه آخر من حديث أيوب بن عتبة ، عن قيس بن طلق عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الأشبه والأقرب للصواب أن الحديث موصول.

    ومع وصله فإنه قد تفرد به قيس بن طلق عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و قيس بن طلق الحنفي تفرده بهذا الحديث قد تكلم عليه غير واحد من العلماء، وضعفه الإمام أحمد ، ويحيى بن معين ، وقال أبو حاتم و أبو زرعة : لا يحتج به، وتفرده في هذا الحديث أخذ عليه وبه أعل.

    والذي يظهر والله أعلم أن هذا الحديث معلول، وقد حسنه بعض العلماء باعتباره أنه يتفرد بهذا الحديث عن أبيه، وهو أقرب الناس إليه، ولم يخرج البخاري رحمه الله ولا مسلم هذا الحديث ولا ما في حكمه مما يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يصلي وترين في ليلة. وأخرجا في ذلك حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً )، وهذا الحديث ربما يخالف من بعض المعاني وبعض الوجوه حديث قيس بن طلق عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن تجعل آخر الصلاة بالليل الوتر، يعني: أن الإنسان لو أوتر في أول الليل ثم قام يصلي فإنه يوتر بعد ذلك وعلى هذا يتكرر عليه الوتر.

    1.   

    حكم صلاة الوتر

    وهذه المسألة هي من مسائل الخلاف عند السلف من الصحابة ومن جاء بعدهم، ففي المسألة عدة أقوال:

    القول الأول: أن الوتر ينقض بركعة، ثم بعد ذلك يصلي شفعاً، ثم بعد ذلك يوتر، ذهب إلى هذا عبد الله بن عمر ، و عبد الله بن مسعود ، و سعد بن أبي وقاص ، وجماعة من الفقهاء، كابن سيرين وغيره، وبعض فقهاء أهل الرأي.

    وقد أخرج الدارمي في كتابه السنن من حديث مسروق أن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله سئل عن نقضه للوتر بركعة، فقال: هو شيء أجتهده لا أرويه عن أحد، يعني: ليس لدي شيء في ذلك ولو كان لديه شيء غير ما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فإنه سوف يمتثل ما جاء في حديث قيس بن طلق عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لصراحته؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( لا وتران في ليلة ). وغاية ما عند عبد الله بن عمر عليه رضوان الله هو أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً )، فهو قد شفع الوتر الأول بركعة، ولو ساغ له أن يوتر من غير نقض لأوتر بعد ذلك وجعل في الليلة وترين.

    القول الثاني: إن الإنسان يصلي بعد وتره إذا قدر له القيام شفعاً، ولا يصلي الوتر مرةً أخرى، فيكفيه الوتر الأول، وذلك ترجيحاً لحديث قيس بن طلق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنه لا وتران في ليلة )، فلا يرون في ذلك النقض، وهذا الذي عليه جماهير العلماء.

    جاء عن أبي بكر الصديق و سعد ، و عمار ، و عبد الله بن عباس عليهم رضوان الله تعالى، فقد روى عبد الرزاق في كتابه المصنف من حديث ابن جريج عن عطاء أنه سأل عبد الله بن عباس في الرجل يوتر ثم يقوم من آخر الليل، قال: يوتر ثم يصلي شفعاً ولا يصلي وتراً، وكان عطاء يفتي في هذا، وذهب إلى هذا جمهور الفقهاء وهو قول الإمام مالك ، والإمام أحمد ، و الأوزاعي ، وغيرهم من الأئمة، وهذا من المسائل التي لا يقول الإمام مالك بقول عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى فيها.

    القول الثالث: أن الإنسان يوتر بعد ذلك ولا ينقض وتره لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا )، يعني: أنه لا ينقض الوتر الأول ويوتر بعد ذلك فهذا ترجيح لحديث عبد الله بن عمر في الإتيان بالوتر في آخر الليل.

    وعلى كل: فهي من المسائل الخلافية في الصدر الأول، والخلاف في ذلك سائغ، ولا نص يحسم المسألة إلا أن النص عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر ( اجعلوا آخر صلاتكم في الليل وتراً )، هو أصح من حديث قيس بن طلق ، وقيس بن طلق حديثه في ذلك أرى أنه معلول.

    وحديث عبد الله بن عمر : ( اجعلوا آخر صلاتكم في الليل وتراً )، لا يعارض معنى حديث طلق بن علي.

    وأضعف الأقوال في هذا أن الإنسان يأتي بوترين.

    وأما حديث قيس بن طلق فهو على قول بعض العلماء أنه لا يجري النقض على من قطع صلاته بشيء من القواطع وذلك بالكلام، أو ربما أيضاً بالنوم أو غير ذلك فإنه لو أراد أن ينقضه بعد ذلك فيرون أن الصلاتين في ذلك منفصلتان فلا تنقض بركعة منفصلة عنها بعد أو في آخر الليل، هذا هو الإشكال بين جمهور العلماء وما يذهب إليه عبد الله بن عمر ، و عبد الله بن مسعود ومن يوافقهم في هذا من الفقهاء.

    وأما عدم إخراج البخاري ومسلم لحديث قيس بن طلق وذلك لعلته عندهم، فإنهم لا يخرجون بمثل هذا الإسناد الغريب، وكذلك أيضاً مثل هذه السنن فإنها ترد عند أهل المدينة لا يتفرد بها أهل نجد، وهذا الحديث هو حديث نجدي، يرويه عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه، بل حتى من يتفرد بهذا كـمحمد بن جابر في روايته لهذا الحديث محمد بن جابر نجدي أيضاً يرويه عن عبد الله بن بدر وهو يمامي، ويرويه عن قيس بن طلق وهو يمامي وطلق بن علي أيضاً يمامي، وهذا إسناد النجديون ولكنه معلول.

    وأسانيد المدينة والحجاز أقوى من أسانيد غيرها، وتبقى هذه المسألة من مسائل الاجتهاد.

    1.   

    حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أبا بكر عن الوتر، فقال أبو بكر: أوتر أول الليل فإذا قمت آخره صليت شفعاً...)

    الحديث الثاني: حديث أبي بكر الصديق عليه رضوان الله، يرويه ابن المسيب : ( أن أبا بكر و عمر تذاكرا الوتر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي لـأبي بكر : ما تصنع؟ قال: أوتر أول الليل فإذا قمت آخره صليت شفعاً حتى الصبح ولم أوتر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر: هذا حذر )، يعني: يخشى أن لا يقوم آخره، فأخذ بالاحتياط، وسأل عمر عن ذلك فقال: ( أوتر آخر الليل وأصلي قبله )، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( هذا قوي )، هذا اختلف العلماء في صحته.

    فقد أخرجه عبد الرزاق في كتابه المصنف، و بقي بن مخلد ، وابن المنذر في كتابه الأوسط من حديث سعيد بن المسيب أن أبا بكر و عمر تذاكرا الوتر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرا الخبر، يرويه عن سعيد بن المسيب جماعة: يرويه سفيان بن عيينة وهو من الرواة وفقهاء المكيين، ويرويه كذلك ابن شهاب وهو من أئمة وفقهاء المدنيين، ويرويه كذلك إبراهيم بن سعد عن أبيه عن سعيد بن المسيب.

    وهذا الحديث معلول بعدة العلل:

    الأولى: أن سعيد بن المسيب لم يدرك رسول الله ولا أبا بكر .

    الثانية: أن سعيد بن المسيب في روايته لهذا الحديث ذكر فيه جماعة: ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر أبا بكر وذكر عمر، وروايته عن عمر محمولة على الاتصال والصحة، ولم يدرك النبي وأبا بكر، فعلى أيهما تحمل الرواية؟

    وهذا من دقائق العلل، أن الراوي إذا كان ضابطاً ثقةً معروفاً بذلك، فإن روايته تحمل على أدنى الرواة وأقربهم إليه، وأقرب الرواة إلى سعيد بن المسيب هو عمر ما لم يكن هذا الراوي مدلساً، على هذا من يصحح أو يحسن هذا الحديث فله وجه.

    والعلماء عليهم رحمة الله تعالى يقبلون رواية سعيد بن المسيب عن عمر ولو لم يسمع منه.

    والأئمة عليهم رحمة الله يتفقون على أن سعيد بن المسيب لم يسمع أكثر حديث عمر ، ولكن يختلفون هل سمع منه شيئاً أم لا؟ منهم من يقول: إنه لم يسمع منه إلا نعيه للنعمان عليه رضوان الله، ومنهم من يقول: لم يسمع منه شيئاً وقد أدركه، إلا أنهم يقبلون حديثه.

    وأول الأئمة قبولاً لحديث سعيد بن المسيب عن عمر : هو ابن عمر عليه رحمة الله، فإنه كان إذا جهل شيئاً من فقه أبيه بعث إلى سعيد وهو يعلم أن سعيد لم يسمع من أبيه، وهذا دليل على أن رواية سعيد عن عمر محمولة على الاتصال، وإنما تكون العلل في رواية الرواة في حال ورود انقطاع بين التلميذ وشيخه لوجود جهالة، والجهالة في ذاتها ليست علةً لازمة، ولكن كانت غالبة لكونها علة، ولكن إذا عرفت الواسطة عيناً أو عرفت حالاً، إما أن تعرف عيناً أو تعرف حالاً، قد تعرف عيناً ولا تعرف حالاً، وقد تعرف حالاً ولكن لا تعرف عيناً، أما بالنسبة لمعرفتها عيناً ولا تعرف حالاً فهذا كثير كالمجاهيل الكثر الذين جهالتهم عينية ولكن حالهم غير معروفه، فعرفا عيناً ولا تعرف جهالته حالاً.

    أما أن تعرف هذه الجهالة من جهة الحال ولكن لا تعرف من جهة العين، وهذا كالواسطة بين سعيد عن عمر ، وكذلك أيضاً في بعض الروايات التي تحمل على الإرسال والواسطة في ذلك معروفة كرواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، هذه تعرف حالاً لكنها لا تعرف عيناً، ولهذا فإن أبا عبيدة يروي عن أبيه عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله و أبو عبيدة يروي عن أهل بيت أبيه، أيهم عيناً؟ غير معروف، ولكن الحال أينما انتقلت فهي ثقة.

    إذاً: حال الراوي إما ضعيف وإما ثقة، فعرفنا أنه ثقة ولو لم نعلم عين هذا الراوي.

    كذلك أيضاً سعيد بن المسيب في روايته عن عمر جهلنا الواسطة عيناً ولكن عرفناها حالاً، وذلك بقبول أفضل الطبقات في زمن روايته وهم الصحابة عليهم رضوان الله، كـعبد الله بن عمر فكان عمدةً في القبول، ولهذا الإمام أحمد رحمه الله كما جاء في رواية أبي طالب سئل عن رواية سعيد عن عمر قال: إذا لم تقبل رواية سعيد عن عمر فمن يقبل! وذلك لجلالته وشدة تحريه.

    يبقى النظر في هذا على أي الأحوال نحمل رواية سعيد هنا؟ هل نحملها على أنه يرويها عن النبي عليه الصلاة والسلام أو عن أبي بكر فتكون من جملة المراسيل المردودة، أم نحملها على روايته عن عمر فتكون حينئذ من جملة الموصول. أما حمله على الرواية عن النبي عليه الصلاة والسلام و أبي بكر فلـسعيد بن المسيب روايات عن النبي مراسيل ولـأبي بكر مراسيل، فله مراسيل في هذا، وربما جرى ذلك على هذه الطريقة، وله مراسيل عن عمر .

    ولكن نقول: لما كان سعيد بن المسيب ممن يعتني بفقه عمر بن الخطاب أكثر من عنايته بالمروي عن أبي بكر الصديق عليه رضوان الله، دل على احتمال روايته ذلك عن عمر بالوسائط المروية عن عمر ممن يأخذ عنهم سعيد بن المسيب سواءً عن ابنه أو عن آل بيت عمر من أبنائه أو أزواجه، أو المقربين من أصحابه، أو ربما أيضاً من بعض الفقهاء من الصحابة فيروي عنه، وأما عدم ذكر الواسطة فإن الأئمة من الرواة إذا كانوا يكثرون الأخذ عن راوٍ بعينه واشتهروا بالأخذ عنه فإنه ربما يكسلون عن ذكر الواسطة لاشتهارها، وهذا يرد كثيراً كالذي يأخذ علماً بعينه عن شخص بعينه ومعلوم أنه ما أخذه إلا من هذا الطريق أو هذا الطريق، فلا يذكر الواسطة، وهذا كثير كما في مثلاً: في أسانيد ونسخ ومرويات التفسير وهي كثيرة، كالمرويات مثلاً الذين يأخذون عن مجاهد بن جبر أو يأخذون مثلاً عن عكرمة أو غير ذلك تجد أنهم ربما لا يذكرون الواسطة في ذلك للعلم بها، أو ربما حكوا القول فقهاً لأنفسهم ولم ينسبوه لهم، لأن العلم كله أخذه من هؤلاء كما جاء عن مجاهد بن جبر عليه رضوان الله فإنه أخذ علم التفسير من عبد الله بن عباس ، والمروي عن مجاهد بن جبر في التفسير من قوله أكثر من المروي عن عبد الله بن عباس .

    فنستطيع أن نقول: إن أكثر من الثلثين من المرويات في التفسير عن مجاهد بن جبر من قوله، والثلث هي أو ربما دون ذلك الذي يرويه عن عبد الله بن عباس ، وعلمه في التفسير أخذه من عبد الله بن عباس ولكن يستثقل الإنسان أنه كل معلومة ينسبها إلى شيخه خاصةً إذا كان يقول بها هو، ولهذا مجاهد بن جبر يقول: استفرغ علمي القرآن، وعرضت القرآن على عبد الله بن عباس ثلاث مرات أوقفه عند كل آية، وجاء عنه قال: عرضت القرآن على عبد الله بن عباس ثلاثين مرة، وذكر الثلاثين معلول، والصواب في ذلك أنه عرضه عليه ثلاثاً.

    فهذا الحديث من نظر إليه من هذا الوجه أن سعيد بن المسيب إنما يرويه عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله فهو محمول على الاتصال والتحسين، وإذا جعله على الرواية عن النبي وأبي بكر فهو يضعفه، إلا أن سعيد بن المسيب ليس بمدلس لكنه يرسل، وفرق بين الإرسال والتدليس.

    وثمة معنى دقيق بين الإرسال الخفي والتدليس، وذلك أن الراوي إذا روى عن شيخ من شيوخه حديثاً قد أدرك هذا الشيخ ولم يسمع منه أو سمع منه ولكنه لم يسمع منه هذا الحديث، فهذا هو المشكل إلا أن سعيد بن المسيب لم يقع في هذا، أما روايته عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، فهي من المسائل المعروفة المشتهرة أنه ما سمع منه، وعلى هذا نقول: إن الراوي إذا كان لا يعرف بالتدليس وروى عن أحد من الرواة شيئاً فيحمل ذلك على أدنى الرواة ذكراً في هذا، فنحمله على الرواية عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى.

    ولهذا نستطيع أن نقول: إن أبا بكر الصديق عليه رضوان الله كان إذا أراد الوتر أوتر أول الليل إذا شك من قيامه، ثم يصلي بعد ذلك شفعاً، ثم لا يوتر بعد ذلك، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( هذا حذر )، يعني: يخشى أن لا يستطيع القيام فيريد بذلك الإتيان بالوتر.

    وهذا الحديث حديث أبي بكر وعرضهم على النبي عليه الصلاة والسلام أمر الوتر جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من وجوه متعددة:

    جاء من حديث أبي قتادة أخرجه أبو داود وهو معلول، وجاء من حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله وقد أخرجه الإمام أحمد و ابن ماجه وهو معلول، وجاء من حديث أبي هريرة أخرجه البزار في كتابه المسند وهو معلول، وجاء من حديث عقبة بن عامر عليه رضوان الله تعالى أخرجه الطبراني وهو معلول.

    ولكن هذه الأحاديث كلها ليس فيها أنه كان يشفع بعد وتره، وإنما يوتر أول الليل، فسأل النبي أبا بكر: ( متى توتر؟ قال: أول الليل، قال: هذا حذر )، وليس فيها أنه شفع بعد ذلك ولم يؤد الوتر، وإنما جاء في السياق الآخر في رواية سعيد بن المسيب الذي يرويه عن أبي بكر و عمر بن الخطاب عليهما رضوان الله تعالى.

    فهذه الأحاديث ليست في مسألة الإتيان بالوتر في أول الليل، فهذا قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة قال: ( أوصاني خليلي بثلاث ذكر منها: أن أوتر قبل أن أنام )، فهو محمول على هذه المعاني التي جاءت في هذا الحديث, ومعلوم أن شرطنا في إيراد الأحاديث هنا التي عليها مدار الاحتجاج الفقهي ولا يوجد شيء من الأحاديث الصحيحة ما يعضدها، ولهذا لم نورد هذه الأحاديث في هذا المجلس.

    1.   

    حديث: (أمرت بالوتر، ولم يعزم علي)

    الحديث الثالث: حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أمرت بالوتر، ولم يعزم علي )، هذا الحديث حديث منكر، وحديث ضعيف أيضاً، له ألفاظ متعددة جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، منها: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أمرت بالوتر ولم يعزم علي )، وجاء في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ثلاثة علي فرض وهن عليكم تطوع: الوتر، والضحى، والنحر )، وجاء أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الوتر حق واجب، ومن لم يصل الوتر فليس منا )، وجاء أيضاً من حديث أبي هريرة قال: ( من لم يصل الوتر فليس منا ).

    أما حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى، فهو حديث معلول، قد أخرجه الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث قتادة عن أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى، تفرد به أبو جناب وهو منكر الحديث، قد أعله عليه أو أنكره عليه غير واحد من الأئمة.

    وأما حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى: (ثلاث هن عليَّ فرض، وهن عليكم تطوع )، فقد جاء من حديث عبيد الله بن عبد الله العتكي عن عكرمة عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وهو حديث منكر لتفرد العتكي بهذا الحديث، وقد أنكره عليه جماعة من العلماء، والعتكي ضعيف قد ضعفه غير واحد من الأئمة ضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين و الدارقطني.

    وأما حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من لم يصل الوتر فليس منا )، فقد أخرجه الإمام أحمد رحمه الله في كتابه المسند من حديث خليل بن مرة عن معاوية بن قرة عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معلول بعدة علل:

    الأولى: أن خليل بن مرة مطروح الحديث وهو واه، قد أنكر عليه حديثه جماعة من العلماء كالإمام النسائي عليه رحمة الله تعالى وغيره.

    الثانية: أن معاوية بن قرة يروي هذا الحديث عن أبيه عن أبي هريرة ولم يسمع من أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى، فعد هذا الحديث منقطعاً، وقد حكم بانقطاعه الإمام أحمد عليه رحمة الله.

    فهو حديث منكر، وهو دليل على من قال بالوجوب، وهو قول أهل الكوفة كأبي حنيفة عليه رحمة الله فإنه يميل إلى القول بوجوب الوتر، وجمهور الفقهاء كالإمام مالك رحمه الله وأحمد و الشافعي يقولون بعدم الوجوب، ويرون تأكيده ولا يقولون بفرضيته.

    وأما حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى: ( ثلاث هنَّ عليَّ فرض وهنَّ عليكم تطوع )، فجاء من طرق يرويه عكرمة عن عبد الله بن عباس ويرويه عن عكرمة جماعة، يرويه الوضاح أبي يحيى عن مِندل أو مندل أو مُندل والميم في ذلك مثلثة عن يحيى بن سعيد عن عكرمة عن عبد الله بن عباس ، وإسناده معلول، تفرد الوضاح بن يحيى بهذا الحديث عن مندل وهما ضعيفان.

    وجاء من حديث عبد الله بن محرر ، وهو منكر الحديث، قد تكلم فيه غير واحد من العلماء، ومن أشد من تكلم عليه ابن المبارك رحمه الله فقال: كنت أسمع به فلو قيل لي: تدخل الجنة أو تلقى عبد الله بن محرر ؟ لقلت: ألقى عبد الله بن محرر ثم أدخل الجنة ثم لما رأيته كانت بعرة أحب إليَّ منه، وهو مطروح الحديث ويروي عن الضعفاء ما ليس من حديثهم.

    وهذا دليل على أن الإنسان لا يأخذ بكلام الناس ولا ثنائهم حتى يسمع، ومثل هذا الثناء إذا انطلى على عبد الله بن المبارك وهو الإمام الحاذق، فإنه يكون على غيره من باب أولى، وكل الطرق التي جاءت عن عكرمة عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فهي طرق معلولة.

    فلا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب الوتر شيء، إلا أن العلماء يتفقون على أن الوتر آكد النوافل، ولا أعلم أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يثبت عنه القول بوجوب الوتر.

    وإنما جاء في ذلك عن بعض الفقهاء من أهل الكوفة فهذا مما يقولون به أو يجرون عليه على بعض الظواهر التي يؤخذ منها تأكيد النبي عليه الصلاة والسلام على أداء الوتر، والتأكيد في ذلك لا يعني الوجوب.

    ومن الأدلة التي يأخذ بها العلماء على عدم وجوب الوتر: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصليها على الراحلة، ومعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يصلي الفرائض على الراحلة وكان يصلي النوافل، فلما صلاها فهذا دليل على أن الوتر ليس بفريضة.

    وكذلك أيضاً: أن البخاري و مسلماً لم يخرجا عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى شيء، وطريقة البخاري و مسلم أنهما يوردان الأحاديث الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام في الأصول، وما يتعلق في الفرائض في مسائل اليوم والليلة، ولهم طريقة في هذا، فالبخاري ومسلم رحمهما إذا كانا يقولان بقول فإنهما يوردان الحديث الدال على هذا، وإذا كانا يقولان بقول ولم يجدا دليلاً مرفوعاً أوردا موقوفاً يعضد هذا القول، وإذا لم يجدا لا مرفوعاً ولا موقوفاً فلا يوردان حديثاً يخالف القول الذي يميلان إليه، والبخاري إذا أورد حديثاً يخالف القول الذي يميل إليه؛ فهذا دليل على أنه لا يقول بمثل هذا القول، وإذا لم يجد حديثاً يخالفه من المرفوع فإنه يقول بموقوف يخالف تلك المسألة، وإذا لم يجد موقوفاً يقول بذلك فإنه يقول بمقطوع، وإذا لم يجد مقطوعاً ترجم ترجمة واكتفى بذلك، ومن نظر في طريقة البخاري رحمه الله وجد هذا مسلكاً معتاداً عنده، وكذلك أيضاً الإمام مسلم رحمه الله في منهجيته في هذا الباب.

    أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    مراسيل سعيد بن المسيب

    السؤال:[ما حكم مراسيل سعيد بن المسيب؟]

    الجواب: مراسيل سعيد بن المسيب وكلام العلماء عليها لابد أن ننظر إليه من جهتين:

    الجهة الأولى: من جهة مقامها بالنسبة للمراسيل.

    الجهة الثانية: من جهة العمل بها والاحتجاج، فمن جهة الاحتجاج العلماء لا يحتجون بها ولكن يعتضدون بها، فلا يصححونها ولكن يجعلونها عاضداً، فإذا وجدنا الأئمة احتجوا بمرسل من مراسيل سعيد بن المسيب فثمة أصل أقوى منه، ولكن لا يوجد أثر أقوى منه، إما أن يعضده القياس، أو موقوف عن الصحابة لا مخالف له، فجاء هذا المرسل وهو أمثل شيء مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوردونه.

    أما من جهة قيمتها؛ فمراسيل سعيد بن المسيب هي أصح المراسيل؛ لأن سعيد بن المسيب مدني ومن طبقة متقدمة، وهذه الطبقة التي يخشى منها الفجوة التي بين النبي وبين سعيد هم صفوة إما صحابة، أو علية من التابعين، ولكن لما جرى الأئمة عليهم رحمة الله على شدة الاحتراز بالنقل وأن لا يفتح باب لتصحيح أحاديث لا تعرف الواسطة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا بردها.

    أيضاً قالوا: أن الدين الذي لا يثبت إلا بمرسل ليس من الشريعة، والشريعة محفوظة، ولا يوجد شيء من الدين إلا هذا، فهذا أيضاً مما يجعلهم يميلون إلى أن التمسك بحديث مرسل إنقاذاً للمسألة فيه ضرب لأصل الشريعة، ولهذا يقولون بإعلال الحديث ولكن يوردونه استئناساً، ولهذا تجد الشافعي رحمه الله، والإمام أحمد ، والإمام مالك يحتجون ببعض المراسيل أو ببعض الموقوفات، أو بعض المقطوعات لوجود ما هو أقوى منها، لكن ما هو أقوى منها ليس أثراً، فيوردون ما جاء من مسائل الإجماع السكوتي النص عليه وتبيينه للقارئ شاق.

    وكذلك أيضاً مسألة القياس ذكرها للقارئ أيضاً شاق، فيوردون النص لأنه أقرب شيء يحتج به، وهذه طريقة الإمام أحمد رحمه الله وربما احتج أيضاً ببعض المقطوعات، فيسأل عن مسألة فيقول: نعم، فيقال: إلى أي شيء تذهب؟ فيقول: أذهب إلى كذا، لماذا؟ فيقول: قال به فلان، قال به عطاء ، قال به طاوس ، مع أن الإمام أحمد و الشافعي لا يقولون أصلاً بقطعية أقوال الصحابة فكيف بـطاوس و عطاء ! ولكن وجد من الأصول ما يعضد هذه المسألة فيميلون إليه.

    ومن ذلك مسألة ختم القرآن، لما سأل الإمام أحمد عن ذلك؟ قال: يفعله أهل مكة، أو يروى فيه عن سفيان وأهل مكة، هو يرى أن العمل على هذا وتناقلوه، ولكن أن تنقله وتنسبه عن فرد بعينه أمثل ما جاء هو هذا النقل عن بعض الأئمة من المكيين.

    ومراسيل سعيد بن المسيب لوفرتها أبرزها العلماء، وكذلك علو الطبقة وجودها مثلاً في المدينة، عنايته بالأحكام يوجد مراسيل أخرى أكثر من سعيد بن المسيب في طبقته ونحوه ولكن هي مراسيل ليست في الأحكام، مراسيل إما في السير أو في المغازي أو في الفضائل والعلماء لا يلتفتون للموصول فضلاً عن المرسل في هذا الباب، ولهذا نقول: إن دائرة ومسائل العلل عند الأئمة والجرح والتعديل موضعه الأحكام، وإلا فيوجد مراسيل كثيرة جداً تقارب أو ربما تساوي مراسيل سعيد بن المسيب إما أن يكون لها أبواب أخرى، أو ربما لقلتها وندرة الأحاديث الواردة فيها والحاجة إليها، لا يذكرها العلماء كما يذكرون مراسيل سعيد بن المسيب .