إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الصلاة [24]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في الصلاة: حديث: (من نام عن وتره أو نسيه، فليصله إذا ذكره أو إذا استيقظ)، وحديث: (الوتر بعد الأذان)، وحديث: (من نام عن وتره، فليقضه من الغد)، وحديث: (من أدركه الفجر ولم يوتر، فلا وتر له)

    1.   

    حديث: (من نام عن وتره أو نسيه، فليصله إذا ذكره أو إذا استيقظ)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنتكلم على شيء من الأحاديث المتبقية في أحكام الصلاة وهي معلة عند الأئمة الحفاظ.

    الحديث الأول: حديث أبي سعيد الخدري عليه رضوان الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من نام عن وتره أو نسيه، فليصليه إذا ذكره أو إذا استيقظ )، هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد و الترمذي و ابن ماجه وغيرهم، أخرجوه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث معلول وذلك أنه رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، والأئمة عليهم رحمة الله تعالى على ضعفه، ضعفه علي بن المديني ، و أحمد بن حنبل ، و يحيى بن معين وغيرهم، وقد أخرج أبو داود الحديث بمتابع له أخرجه من حديث أبي غسان محمد بن مطرف يرويه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه ومعناه مختصراً.

    وهذا الحديث يرويه أبو غسان محمد بن مطرف وهو حسن الحديث، ولكن قد خالفهما عبد الله بن زيد بن أسلم ، كما رواه الترمذي في كتابه السنن من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، وجعل هذا الحديث مرسلاً وهذا هو الصواب، وذلك أن عبد الله بن زيد بن أسلم يروي هذا الحديث عن أبيه، وهو أعلم من عبد الرحمن وغيره ممن روى هذا الخبر كـأبي غسان محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم ؛ وذلك أن عبد الله بن زيد بن أسلم هو أكبر من عبد الرحمن ، كذلك أيضاً فقد وثقه غير واحد من العلماء، وثقه الإمام أحمد وغيره، وكذلك أيضاً فإنه أكبر من عبد الرحمن سناً، وكبر السن بالنسبة للأبناء الذين يروون عن آبائهم دليل على طول الملازمة والسماع فهو أعلم منهم.

    وقد ذكر ابن المبارك رحمه الله أن عبد الله أكبر سناً من عبد الرحمن ، وهذا قرينة على سماعه أكثر من غيره لمرويات أبيه، إضافة إلى أن أبناء زيد بن أسلم هم أسامة و عبد الرحمن و عبد الله ، و أسامة و عبد الرحمن ضعفاء، وأما بالنسبة لـعبد الله فقد وثقه غير واحد من العلماء كالإمام أحمد و ابن معين وغيرهم، وقد قال غير واحد أنه لا بأس به، إلا أن له بعض المفاريد الذي يأخذها عليه بعض العلماء.

    وبعض الأئمة عليهم رحمة الله يحسن أو يقوي هذا الحديث بمتابعة أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جود إسناده بعض الأئمة كـابن عبد الهادي رحمه الله في كتابه المحرر.

    ومن العلماء من مال إلى تصحيح أو ترجيح رواية عبد الله على رواية عبد الرحمن ، كما أشار إلى هذا المعنى الترمذي رحمه الله في كتابه السنن فإنه قال: وهذا الحديث أصح من الأول، يعني: حديث عبد الله بن زيد بن أسلم أصح من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، وهذا الحديث قد جاء من وجه آخر عن زيد بن أسلم أخرجه الدارقطني رحمه الله في كتابه السنن من حديث محمد بن إسماعيل الجعفري عن عبد الله بن سلمة بن أسلم يرويه محمد بن إسماعيل بن جعفر الجعفري عن عبد الله بن سلمة بن أسلم بالضم، والضم هنا في أسلم هذا هو المعروف، وعامة من يكتب أسلُم هنا يجعلها أسلَم بالفتح وهذا غلط، وهو الوحيد بضم اللام والبقية هم أسلم بالفتح، يرويه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري بنحوه.

    وهذا الحديث معلول بعدة علل:

    الأولى: أنه قد تفرد به محمد بن إسماعيل بن جعفر وهو ممن يتفرد ويستغرب حديثه، فقد قال فيه غير واحد من الأئمة كـأبي حاتم : أنه منكر الحديث، وقال أبو نعيم: إنه متروك، وقال ابن حبان رحمه الله كما في كتابه الثقات: يغرب، وله أحاديث يتفرد بها مما لا يقبل العلماء عليهم رحمة الله تعالى مثلها.

    الثانية: عبد الله بن سلمة بن أسلم أيضاً مطروح، وقد اتهمه غير واحد من الأئمة، وعلى كل فهو منكر الحديث كما قال أبو زرعة الرازي ، و العقيلي في كتابه الضعفاء.

    وعلى هذا فإن حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ( من نام عن وتره أو نسيه، فليصليه إذا ذكره أو إذا استيقظ )، هذا الحديث بهذا الإسناد بهذه الأسانيد معلول والأرجح فيه الإرسال.

    الثالثة: أن قضاء الوتر متى ما ذكره أو متى استيقظ؛ يعارض الأحاديث الأصح في هذا الباب كحديث عائشة عليها رضوان الله كما في الصحيح في قولها: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فاته حزبه من الليل، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة )، يعني: أنه لا يصليها وتراً وإنما يصليها تماماً، فمن كان من عادته أنه يصلي ركعة يصليها ركعتين، ومن كان عادته أن يصليها ثلاثاً يصليها أربع، وهكذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم من عادته أن يصلي إحدى عشرة ركعة من الليل، فلما كان أو فاته حزبه من الليل صلى النبي صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة من النهار، وهذا بعد طلوع الشمس.

    أما قبل طلوع الشمس فهذا موضع خلاف عند السلف عليهم رحمة الله، هل يصلي الإنسان الوتر كما كان يصليه من الليل يصلي ركعة أو ثلاث ركعات أو نحو ذلك مما كان يعتاده من الليل، هذا موضع خلاف، أما ما كان بعد طلوع الشمس فعامة الصحابة عليهم رضوان الله على أنه يصليها ثنتي عشرة ركعة ممن جاء عنه ذلك، وهذا الحديث يظهر مع علته الإسنادية، كذلك أيضاً مخالفته لما هو أصح منه في الصحيح.

    الرابعة: أن هذا المعنى مما يحتاج إليه، ومثله لا يترك الحفاظ إخراجه، كـالبخاري و مسلم فإنهما يوردان مما يحتاج إليه في مثل هذا المعنى.

    1.   

    حديث: (الوتر بعد الأذان)

    الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري عليه رضوان الله أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الوتر بعد الأذان؟ -يعني: الفجر- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الوتر قبل الأذان، ثم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: الوتر بعد الأذان، -يعني: يترخصون- فقال النبي صلى الله عليه وسلم في الثالثة: الوتر بعد الأذان )، مرخصاً لهم، هذا الحديث أخرجه الطبراني في كتابه المعجم، وأعله غير واحد من الأئمة بجملة من العلل:

    الأولى: نكارته المتنية، وذلك بالترخيص مطلقاً بالصلاة بعد الفجر بصلاة الوتر، وهذا على ما تقدم الكلام عليه هو في أضيق السبل، وظاهر الحديث في ذلك هو ترخيص عام، والترخيص العام في ذلك يفتقر إلى ما هو أصح من هذه الأسانيد، وقد أعل هذا الحديث بتفرده غير واحد، ظاهر إعلال البخاري و مسلم في عدم إخراجه أنهما ممن ينكر هذا المتن.

    الثانية: من وجوه إنكاره من جهة المتن: أن النبي صلى الله عليه وسلم في أمور العبادات حكمها عنده محسوم، فالمراجعة في ذلك نادرة، يعني: أنه يتنزل بإزالة حكم جاء واستقر.

    الثالثة: أن هذا الحديث قد تفرد بإخراجه غير أصحاب الكتب المشهورة، والأحاديث التي معانيها قوية وتفرد بإخراجها متأخر أو ممن يعتني بالأفراد والغرائب فإن هذا من قرائن الرد.

    وثمة جملة من المصنفات إذا علم تفردهم بإخراج حديث من الأحاديث ولم يخرجه غيره من أصحاب الأصول، فهذا قرينة على الرد وذلك كالكتب المتأخرة ككتب الحاكم و الدارقطني و الخطيب و ابن عساكر ، و الطبراني ومسند البزار ، وثمة مصنفات يعمد الأئمة إلى إخراج الغريب والمفاريد ويقصدونه بعينه، وذلك كـالطبراني في معاجمه الثلاث، و البزار في مسنده، و الدارقطني في كتابه السنن، وكلما نزل الإسناد كان أقرب إلى الرد، وكلما كانت طبقة المصنف متأخرة كان عند العلماء عليهم رحمة الله تعالى هو أقرب إلى رده وعدم قبوله.

    الرابعة: أن هذا الحديث يرويه خالد بن يوسف السمتي عن أبيه عن أبي سفيان السعدي عن أبي سعيد الخدري ، وهذا الحديث في إسناده السمتي وهو والد خالد وهو مطروح الحديث، اتهمه بالكذب جماعة كـأبي داود السجستاني ، وابن حبان ، و الفلاس وغيرهم، وقد قال غير واحد من الأئمة: أنه ليس بثقة ولا مأمون.

    1.   

    حديث: (من نام عن وتره، فليقضه من الغد)

    الحديث الثالث: حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من نام عن وتره، فليقضه من الغد )، هذا الحديث أخرجه الدارقطني في كتابه السنن من حديث رواد عن نهشل عن الضحاك عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث معلول بجملة من العلل:

    الأولى: تفرد رواد في روايته عن نهشل ، وهذان لا يحتج بحديثهما، ولهما مفاريد يرويها رواد عن نهشل وهي مردودة ومنها هذا الحديث، ورواد له أحاديث مستنكرة ردها العلماء كما أشار إلى هذا ابن عدي رحمه الله في كتابه الكامل.

    الثانية: أن هذا الحديث تفرد به نهشل يرويه عن الضحاك عن عبد الله بن عمر ، و نهشل لا يحتج بحديثه.

    الثالثة: أنه مخالف لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد أصح، كما تقدم في حديث عائشة وغيرها، أن الوتر لا يقضى من الغد كما هو، وإن كنا نفرق في مسألة طلوع الشمس عن مسألة ما قبل طلوع الشمس.

    الرابعة: أن هذا الحديث تفرد بإخراجه الدارقطني رحمه الله في كتابه السنن، وما يخرجه في كتابه السنن ويتفرد به فإنه يريد بذلك الإعلال، ومن العلماء من يجعل مجرد إخراج الدارقطني رحمه الله للحديث في كتابه السنن أن هذا إعلال سواءً تفرد به أو لم يتفرد به، باعتباره أنه أراد أن يورد الأحاديث المفاريد المعلولة في الأحكام، وهذا من مفاريده، وهو حديث منكر.

    1.   

    حديث: (من أدركه الفجر ولم يوتر، فلا وتر له)

    الحديث الرابع: حديث أبي سعيد الخدري عليه رضوان الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدركه الفجر ولم يوتر، فلا وتر له )، هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد ، وبعض أهل السنن من حديث قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظاهر إسناده الصحة، وقد صححه غير واحد من العلماء، ولكن يظهر لي أن إسناده معلول، وذلك أن هذا الحديث أخرجه مسلم في كتابه الصحيح من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أوتروا قبل الصبح )، فخالف يحيى بن أبي كثير قتادة في روايته عن أبي نضرة عن أبي سعيد ، فرواية قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدركه الفجر فلم يوتر، فلا وتر له )، وحديث يحيى بن أبي كثير عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: ( أوتروا قبل الصبح )، لا يلزم من اللفظ الثاني أنه معنى حديث قتادة ؛ وذلك أن معنى حديث قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن من أدركه الصبح فلا يقضي الوتر، ومعنى حديث يحيى بن أبي كثير عن قتادة عن أبي سعيد قال: ( أوتروا قبل الصبح )، هو أمر بالوتر قبل الصبح، ولا يلزم من ذلك أنه لا يوتر بعد ذلك قضاءً.

    وهذا الحديث جاء عند عبد الرزاق في كتابه المصنف من حديث أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري ، وشك في رفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث تفرد به أبو هارون العبدي ولا تقبل مفاريده.

    وأعل هذا الحديث محمد بن نصر المروزي في كتابه الوتر.

    من وجوه الإعلال أيضاً في هذا الحديث: أنه لو كان صحيحاً لجاء من وجوه متعددة، وذلك أن هذا الحديث جاء من حديث قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أدركه الفجر ولم يوتر، فلا وتر له )، فهذا يحسم المسألة بخلاف لفظ يحيى بن أبي كثير ، ولو كان هذا الحديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم وجاء عند أبي سعيد و أبي نضرة وهو من المكثرين بالرواية عن أبي سعيد الخدري لاشتهر وله أصحاب كثر يأخذون عنه حديثه، ثم أيضاً إن هذه المسألة هي من مواضع الخلاف عند الصحابة، وهذا الحديث مما يحسم الأمر، فحديث أبي سعيد في قوله: ( أوتروا قبل الصبح )، هذا مما لا خلاف فيه أن الوتر يكون قبل الصبح، ويحرص الإنسان ويؤمر بذلك، وأن الوتر ليس من مواضعه بعد الصبح إلا قضاءً.

    وخلاف الصحابة في ذلك هل للإنسان أن يترخص في الوتر بعد الأذن أو ليس له ذلك.

    ثم أيضاً من قرائن الإعلال في هذا: أن الإمام مسلماً رحمه الله ظاهره أنه يعل هذا الحديث، وذلك أنه قد أخرج هذا الحديث من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عليه رضوان الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أوتروا قبل الصبح )، هذا إعلال لحديث قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد ، وذلك أنه من منهج البخاري و مسلم عليهم رحمة الله على ما تقدم الإشارة إليه، أنهما إذا تركا حديثاً في الباب وإسناده على شرطهما أو على شرط واحد منهما، فهذا قرينة على إعلاله، وهذا الحديث على شرط الصحيح من جهة الإسناد، قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ومع ذلك ما أخرجه البخاري و مسلم وأخرج حديث يحيى بن أبي كثير .

    ولهذا يقول البيهقي رحمه الله قال: وخالفه -يعني: خالف قتادة - يحيى بن أبي كثير وحديثه أشبه، و البخاري رحمه الله وكذلك الإمام مسلم إذا أخرجا حديثاً في باب واحد بإسناد واحد، يختلف سياق المتن أعلوا الحديث الأصح بغيره، ولا يجعلونهما حديثين، فهذا الحديث هو حديث قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري يصححه عامة المتأخرين، هو حديث قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدركه الفجر ولم يوتر، فلا وتر له )، وظاهر إسناده الصحة.

    يقولون: إن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي نضرة عن أبي سعيد هو حديث آخر، وحديث قتادة يرويه عن أبي نضرة عن أبي سعيد السابق قالوا: حديث آخر أيضاً فلا يربط بينهما، وثمة نفس في العلل ينبغي أن ينتبه إليه أن اختلاف المتن لا يخلي الحديث من النقد، بل قد يكون الحديث واحد فقلبه الراوي إذ رواه بمعناه فروى على ما يفهم، ولهذا الحديث في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أوتروا قبل الصبح )، وربما يفهمه البعض أنه ليس له أن يوتر بعد الصبح، هذا معنى يحمل على وجه صحيح ويحمل على وجه خطأ، وهذا الفهم عند العلماء يحملونه إذا اتحد الطريق واتحد المخرج على أنه علة، وهذه طريقة عند أبي حاتم الرازي وعند أبي زرعة والإمام أحمد ، و علي بن المديني ، وكذلك الدارقطني في العلل، أنه يعل الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا اتحد الطريق ولو اختلف المتن، والناظر بداهةً ينظر إليه يقول: هذا حديث ليس له صلة في هذا، ويقوم بتحسين الحديثين أو تصحيحهما.

    ثم أيضاً من وجوه الإعلال: أن حديث أبي نضرة عن أبي سعيد الذي يرويه قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أقوى من جهة الحكم من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي نضرة عن أبي سعيد ، ومعنى القوة في ذلك: أن الحديث الذي يرويه قتادة أنه يتضمن حديث يحيى بن أبي كثير ، فلماذا يروي يحيى بن أبي كثير الحديث على هذا الوجه وعنده أقوى وأصرح منه عن أبي نضرة ! ولكن قد يستشكل البعض إشكال ويقول: إن قتادة في روايته عن أبي نضرة هي أكثر إخراجاً في الصحيح من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ، وكلها قد جاءت في الصحيح، فماذا نجيب عن مثل هذا؟

    نقول: هذا قرينة على الإعلال، ليس قرينة على التصحيح، إخراج الأئمة لإسناد بطرق متعددة ويكثرون من الإخراج يعني: أنهم وقفوا على هذه المرويات لهذا الراوي، واستوعبوها، فلماذا تركوا هذا الحديث بعينه؟ بخلاف لو أخرج حديثاً أو حديثين أو ثلاثة فربما ما سمع من شيخه من هذا الطريق إلا هذه الروايات، والأئمة عليهم رحمة الله سماعهم من شيوخهم ليس كلها في مجالس العلم، منها ما يكون في مجالس بعيدة في حال السفر كالموسم في الحج، وموسم الحج ليس موضع للتفرغ للحديث، الناس في سفر هو موضع عبادة وشعث وغبر ومعهم أهليهم ومؤنتهم ضعيفة ونحو ذلك، ليس موضعاً للسماع، ولهذا الأئمة عليهم رحمة الله يقولون في سفيان بن حسين الذي يروي عن الزهري يقولون: ثقة، إلا في روايته عن الزهري فإنه لقيه بالموسم على سبيل الاعتراض، نعم يوجد أئمة يلتقون في الموسم ويحفظون ويضبطون، ولكن لما انفرد سفيان في روايته عن الزهري بمثل هذا الحديث في الموسم ووجد منها ما يستنكر، حملوه على أنه وهم وغلط وذلك أنه لم يحفظ، وذلك أن الذهن في ذلك كليل، ولهذا نقول: إن حديث أبي سعيد الخدري عليه رضوان الله في رواية قتادة : أن إكثار البخاري إخراجاً لهذا الحديث هو إعلال لما تركه قصداً؛ لأنه لا ينتقي من حديثه إلا ما صح باعتبار الكثرة، بخلاف الراوي المكثر خارج الصحيح والبخاري لا يخرج له إلا حديثاً وحديثين، هذا أظهر في أمر إعلال ذلك الراوي وتلك الحالة الأولى أظهر في إعلال المروي.

    ولهذا لما كثر الطريق من حديث قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري في الإخراج في الصحيح، ومع ذلك ما أخرج هذا الحديث إشارة إلى أنه يكثر بالرواية عنه وترك هذا الحديث قصداً، أنه يغلب على الظن أنه وقف عليه، ولهذا لا نستطيع أن نقول الأئمة عليهم رحمة الله كـالبخاري و مسلم أنهم وقفا على أمثال هذه الأحاديث، لا نستطيع أن نجعل البخاري و مسلم إحاطة بالوقوف على الأحاديث جميعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قطعاً في المرويات، وإذا أكثر كانت القرينة أظهر في أنه سمع منه كثيراً من حديثه وجالسه وخالطه أكثر، وإذا لم يرو عنه إلا قليل لا يجزم بذلك إلا إذا ثبت أنه كان ممن لقيه وجلس عنده في حلقته فروى عنه حديثاً قليلاً، هذا دليل على أنه ترك من حديثه الكثير.

    وذلك أيضاً له قرائن متعددة، من هذه القرائن: أن هذا الراوي إذا كان البخاري و مسلم قد تركا من حديثه الأكثر وحديثه الأكثر ليس على شرط البخاري معنى، وأورد من حديثه القليل مما يدخل في بابه، هذا لا يعني تركه لأكثر حديثه أن هذا قرينة على الإعلال باعتباره أن جل حديثه هو ليس على شرطه.

    الأمر الثاني: أن البخاري و مسلماً عليهما رحمة الله ربما يخرجون عن راو حديثا ًقليلاً ويدعون حديثاً قريباً منه، وهذا حينئذ لا نقول إنه انتقاء، وإنما أصل حديث الراوي قليل، فإذا كان ليس للراوي إلا عشرة أحاديث أو نحو ذلك فروى البخاري و مسلم له اثنين أو ثلاثة أو واحداً أو نحو ذلك فهذا يضعف فيه قرينة الانتقاء، ولهذا نقول: إن باب الانتقاء في البخاري و مسلم لابد فيه من الجمع بين أمرين: بين عدد الأحاديث التي أخرجها البخاري و مسلم في الصحيح، وبين عدد الأحاديث المتروكة ونوعها، وهذا يعرف بالسبر بالرجوع إلى كتب المسانيد، وأظهر هذه الأمور أن يرجع طالب العلم إلى كتب الأطراف، وذلك مثلاً تحفة الأشراف، أو إتحاف المهرة، وغيرها إذا أراد أن يقف على إسناد وهل أخرج له البخاري و مسلم أو لم يخرجا له، وماذا ترك من حديثه، ينظر في أحاديثه بسياق واحد، حينئذ يستطيع أن يرجح حديثاً دون حديث ويعرف أيضاً وجوه الترجيح.

    ولماذا لا نغلب جانب الانتقاء على إعلاله أنه اختار اختياراً؟

    نقول: هذا الإطلاق غلط حتى ننظر إلى نوع ما ترك، ما الذي ترك البخاري ، هل ترك أحاديث جليلة داخلة في هذا المعنى ثم لم يوردها؟ هذا دليل على أنه ما تركه إلا لعلة، هذا يظهر معنا في الأحاديث التي يخرجها البخاري و مسلم في الصحيح في غير الأحكام، وللراوي أحاديث في الأحكام، وذلك كرواية علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس مثلاً، له أحاديث في التفسير وله أحاديث في الأحكام، فالأحاديث المروية في الأحكام عن علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس لا يخرجها البخاري ، هل انتقى منه أم أراد إعلالاً؟ أراد إعلالاً لأحاديث الأحكام، لهذا لا نستطيع أن نطلق أنه انتقى بكل حال ونقول: إن انتقائه ذلك لا يلزم منه إعلال لذلك الراوي، وإنما نقول: إنه لابد أن نرجع إلى المتروك من حديثه.

    وبالله التوفيق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.