إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الصلاة [22]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في الصلاة: حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل ثلاثة عشر ركعة يوتر منهن بخمس لا يجلس إلا في أخراهن)، وحديث: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، وحديث: (لا تنم إلا على وتر)، وحديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر عند الأذان ويصلي ركعتين عند الإقامة).

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر منهن بخمس لا يجلس إلا في أخراهن)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    الحديث الأول: حديث عائشة عليها رضوان الله، وذلك في وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل ثلاثة عشر ركعة يوتر منهن بخمس لا يجلس إلا في أخراهن )، وهذا الحديث قد رواه هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة عليها رضوان الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تفرد به هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام في الليل جاء عنه من وجوه متعددة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء من حديث عائشة ، و عبد الله بن عباس ، و عبد الله بن عمر ، وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    جاء عن عائشة من غير وجه، جاء من حديث عروة بن الزبير ، و من حديث عمرة ، ومن حديث القاسم بن محمد عن عائشة عليها رضوان الله.

    تفرد هشام بن عروة بذكره: ( لا يجلس إلا في أخراهن )، هذه الزيادة غير محفوظة، وذلك أن عائشة هنا ذكرت في الخبر: ( أنه يوتر بخمس لا يجلس إلا في أخراهن )، يعني: أنه يصلي خمساً متصلة، وهذا من مفاريد هشام بن عروة عن أبيه، خالف في ذلك الرواة الذين يروونه عن عائشة ، وكذلك يروونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه ابن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة عليها رضوان الله فذكر الخبر ولم يذكر أنه لم يجلس إلا في أخراهن، بل جاء في بعض الروايات من حديث عمرو بن الحارث و يونس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بواحدة )، هذا الحديث قد رواه عن ابن شهاب الزهري جماعة من الحفاظ، وهو مشهور عند المدنيين وغيرهم، رواه عن ابن شهاب مالك بن أنس ، و الأوزاعي و يونس و عقيل وغيرهم من الرواة، رووه عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة عليها رضوان الله ولم يذكروا ما ذكره هشام ، و هشام وإن كان من الثقات في روايته عموماً وخاصةً عن أبيه.

    وحديثه فيما يرويه عنه أهل العراق وخاصةً أهل الكوفة، فإنهم يتفردون عنه ببعض المرويات التي لا يوافق عليها ويخالف فيها غيره، وقد أنكر على هشام أحاديثه جماعة من الحفاظ، أنكره عليه مالك بن أنس ، ولهذا يقول الإمام مالك رحمه الله: منذ أن ذهب هشام إلى العراق أتانا بما لا نعرف، يعني: بما لا نعرف من حديثه، وذلك أن أحاديث هشام بن عروة في رواية العراقيين عنه وخاصةً الكوفيين لأنه نزل في الكوفة مرات، وحدث عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله، ووقع في حديثه بعض الغلط.

    الغلط الذي وقع في حديث هشام في روايته عن أبيه: أنه يروي عن أبيه وعن غير أبيه أحاديث عن عائشة عليها رضوان الله، ولم يكن معه شيء من كتبه، والإنسان إذا كان في السفر لا تكون ذهنه وكذلك حضور عقله وقلبه كحاله في حال الإقامة، فحدث بشيء من الأحاديث ما يخالف حديثه في المدينة، ولهذا نقول: إن حديث هشام بن عروة فيما يرويه عنه أهل المدينة، هو أثبت وأقوى حديث، وخاصةً ما يرويه عنه الكبار من أصحابه، وإن كان هو من أعرف الناس وأحفظهم لحديث أبيه عروة بن الزبير خاصةً عن عائشة عليها رضوان الله، إلا أن هذا الحديث قد تفرد بما لم يوافق عليه الكبار من أصحاب ابن شهاب الزهري وخالف ابن شهاب ، و ابن شهاب الزهري أيضاً يرويه عنه جماعة مالك بن أنس ، و شعيب و يونس و الأوزاعي، و عمرو بن الحارث ، وغير هؤلاء يروونه عن ابن شهاب الزهري عن عروة عن عائشة عليها رضوان الله ولا يذكرون تلك الزيادة، وبعضهم كـمالك بن أنس و عمرو بن الحارث يذكرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر بواحدة، ووتره بواحدة يخالف ذلك.

    لهذا نقول: إن هذه الزيادة في حديث عائشة عليها رضوان الله زيادة ليست بمحفوظة، بل هي منكرة، جاء عند أبي داود في كتابه السنن من حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة عليها رضوان الله ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بثلاث لم يجلس إلا في أخراهن )، هذه الزيادة أيضاً تفرد بها محمد بن إسحاق في روايته عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة عليها رضوان الله، وهي رواية أيضاً ليست بمحفوظة والأئمة على ردها.

    والمستفيض أيضاً عن النبي عليه الصلاة والسلام في وتره بالليل عليه الصلاة والسلام أنه كان يوتر بواحدة، وهذا ثابت عنه من حديث عبد الله بن عباس ، ومن حديث عبد الله بن عمر ، ومن حديث عائشة عليها رضوان الله، ويؤيد أيضاً رد رواية هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه في أنه لم يسلم إلا في أخراهن، أنه جاء عن عائشة عليها رضوان الله في غير ما طريق من غير طريق عروة بن الزبير وما ذكرت ذلك، بل ذكرت أن النبي عليه الصلاة والسلام أوتر بواحدة، وهذا جاء من حديث يحيى عن عمرة عن عائشة ، وجاء أيضاً من حديث القاسم بن محمد عن عائشة عليها رضوان الله، وهذا هو الأصوب والأرجح.

    وأعل هذه الزيادة جماعة من الحفاظ كـأحمد ، و الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتابه الفتح.

    ومن وجوه الإعلال أيضاً: وهو من لطائف وقرائن الإعلال، أن هل الكوفة من فقههم هو أن الوتر يكون متصلاً سواءً كان ثلاثاً أو كان خمساً، ويرون أن الوتر بثلاث هو الأرجح، ويكون متصلاً بلا جلوس، وهذا مستفيض عند أهل الكوفة، وكذلك أيضاً مستفيض عند أهل البصرة، ولهذا قد روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف عن عمرو عن الحسن قال: أجمع المسلمون على أن الوتر ثلاث لا يجلس إلا في أخراهن، ومراده بذلك ما كان من أهل بلده، هذا القول مشتهر مستفيض عند أهل الكوفة، هشام بن عروة بن الزبير إنما ارتحل من المدينة إلى أهل الكوفة، وحدث بذلك الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثة عشرة ركعة من الليل يوتر بخمس، هذه الزيادة ( لا يجلس إلا في أخراهن ) تأتي موافقة لمذهب الكوفيين، وهذه قرينة على الإعلال، ويحتمل أن هذا إما أن يكون غلط من هشام بن عروة نفسه، وإما أنه فسر رواة العراق ذلك الحديث عن هشام بن عروة ، جعلوه مفسراً يرون أن هذا من البداهة أنه لا يجلس إلا في أخراهن، فجعلوه مدرجاً فحمل مرفوعاً، ورفعه في ذلك خطأ، يخالف ما كان عليه الرواة من نقلة الأخبار عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة وغيرها.

    فينبغي لطالب العلم في أبواب النقد أن ينظر في أسانيد الرواة ثم ينظر في عمل بلدانهم، لأن العمل يؤثر على الرواية، إما بالرفع، كما في حديث عبد الله بن مسعود في رواية عبد الرحمن بن يزيد النخعي عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله في مسألة الوتر بثلاث، وذلك أنه يوافق ما هم عليه، بل كان فقهاء الكوفة ينهون الرجل أن يوتر بثلاث يفصل بينهن، وعلى هذا أصحاب علي بن أبي طالب وأصحاب عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله.

    ولهذا نقول: إن الرواية لما رواها هشام بن عروة وحدث بها أهل الكوفة، رووه عنه بما يوافق العمل المستفيض عندهم في الكوفة، فظنوا أن الخبر كذلك.

    ويحتمل أيضاً أن هشام بن عروة لقن ذلك فتلقن، أي: أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يجلس في أخراهن فقال: نعم، فظنوه مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربما أخذوا قوله أو فتياه في ذلك فجعلوها مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى كل أن فقه أهل الكوفة له أثر على هذه الرواية.

    ولهذا نقول: إن الأحاديث المدنية تخرج من المدينة ثم يرويها أهل البلدان ويقع خلاف في بعض مروياتهم عن أهل المدينة فيروونها تارةً على ما يوافق فقه أهل البلد، ولهذا ينبغي أن ننظر إلى حال الرواة من المدنيين، من المكيين، من الكوفيين، البصريين، العراقيين، وغير ذلك، ثم ننظر إلى معنى الحديث، ثم ننظر إلى العمل عندهم والفتيا في حال الاختلاف، ولهذا إذا وقع اضطراب بين لفظين ونحو ذلك في أحد الألفاظ انظر إلى العمل الذي فيه البلد، فإنه يغلب على الإنسان عمل استفاض واستقر في بلده ثم يقوم بترجيح الرواية، أو ربما يظن أن هذه الرواية عليه.

    كذلك أيضاً من القرائن: أن أهل الكوفة يستفيض ويشتهر عندهم الرواية بالمعنى ويتجوزون في ذلك كثيراً، فربما غايروا في المعاني على خلاف ما ثبت في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو على خلاف ما يريده النقلة، وحديث عائشة عليها رضوان الله كما تقدم أنه جاء من طرق كل هذه الطرق على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يسرد الوتر، وهذا ما جاء أيضاً من حديث عبد الله بن عباس ، ومن حديث عبد الله بن عمرو عليه رضوان الله.

    1.   

    حديث ابن عمر: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)

    الحديث الثاني: حديث عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى )، هذا الحديث رواه أحمد في كتابه المسند و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه ، و ابن خزيمة و الدارقطني و البيهقي و البزار و الطبراني وغيرهم، من حديث شعبة عن علي بن عبد الله البارقي الأزدي عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث، تواتر عن عبد الله بن عمر ورواه عنه خلق، رواه عنه بضعة عشر راوياً، رواه سالم بن عبد الله بن عمر و نافع مولى عبد الله بن عمر ، و عبد الله بن دينار ، و حميد بن عبد الرحمن ، و أبو سلمة بن عبد الرحمن ، و طاوس و عبد الله بن شقيق ، و أبو مجلز لاحق بن حميد ، وغيرهم من الرواة يروونه عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ( صلاة الليل مثنى مثنى )، ولا يذكرون النهار.

    رواية النهار تفرد بها علي بن عبد الله البارقي الأزدي عن عبد الله بن عمر ، و علي بن عبد الله البارقي هو مستقيم الحديث ولكنه قليل الرواية، ليس بمشهور الأخذ لا عن عبد الله بن عمر ولا عن غيره، مجموع روايته قليلة، وقد أشار إلى هذا ابن عدي رحمه الله في كتابه الكامل، ولم يعرف أيضاً بالحفظ، وذلك أن المعروف بالحفظ والأخذ عن الرواة يكثر حديثه ونقل الثقات عنه، وعلي البارقي هو من المقلين عموماً في مجموع الرواية، وهو أيضاً عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله كذلك.

    واستفاضة هؤلاء الرواة بالنقل عن عبد الله بن عمر ولا يذكرون النهار أمارة على عدم ثبوتها.

    ومن القرائن على عدم قبول تلك الرواية: أن البخاري و مسلماً قد رووا هذا الحديث واتفقوا على روايته من حديث سالم بن عبد الله بن عمر و نافع مولى عبد الله بن عمر و عبد الله بن دينار و أنس بن سيرين عن عبد الله بن عمر ولا يذكرون النهار، وتنكبا ذكر الزيادة، ولهذا نقول: إن الزيادة ليست بمحفوظة، ووجوه الإعلال في ذلك هي مخالفة علي البارقي لهؤلاء الجمع الذين الواحد منهم لو خالفه علي بن عبد الله البارقي لكان حديثه مردوداً.

    كذلك أيضاً: أن هذا الحديث لو تفرد به علي بن عبد الله البارقي ولم يروه عن عبد الله بن عمر غيره لكان محتملاً للرد، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى في النهار أو في الليل بلفظ صحيح صريح لا يحتمل تأويلاً أنه صلى أربعاً أو أكثر من ذلك من النفل بغير سلام من كل ركعتين، والمشهور من عمل النبي عليه الصلاة والسلام أنه يصلي ركعتين ركعتين، وهو على أقل أحواله الغالب في فعله ليلاً ونهاراً، وكذلك أيضاً بأمره عليه الصلاة والسلام فإنه كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا حث وحض أحداً على عمل حضه على ركعتين، منها ما يتعلق بتحية المسجد ركعتين فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، قال في ركعتي الضحى وغير ذلك، النبي عليه الصلاة والسلام يحث على ركعتين لا يحث على أربع ولا على ست ولا على أكثر من ذلك إلا ما يتعلق بمسألة المكاثرة في مسألة قيام الليل، على خلاف عند العلماء في ذلك في عدها.

    ولهذا نقول: لو تفرد علي بن عبد الله البارقي بمثل هذا الحديث ولم يخالفه غيره لكان المعنى العام عن النبي عليه الصلاة والسلام كاف في رد هذه الرواية؛ لأن هذه الرواية قد جعلت صلاة النبي عليه الصلاة والسلام ركعتين في قيام الليل وركعتين في صلاة النهار على حد سواء، والذي روى الحديث هو عبد الله بن عمر عليه رضوان الله، وصح عنه عليه رضوان الله أنه صلى أربعاً متصلة، كما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار أنه صلى أربع ركعات بسلام واحد قبل صلاة الظهر.

    وكذلك أيضاً ما رواه عبد الرزاق في كتابه المصنف من حديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر ( أنه كان يصلي من الليل ركعتين ركعتين، ومن النهار أربعاً أربعاً )، والنبي صلى الله عليه وسلم في تشديده أمر في قوله: ( صلاة الليل مثنى مثنى )، وعدم ذكره للنهار في غالب صلاة الناس أنه يتهيأ لهم الصلاة في النهار أكثر من صلاتهم ليلاً، والإرشاد إلى صلاة النهار من جهة العدد يساوي الإرشاد إلى صلاة الليل أيضاً ركعتين ولو كان ثابتاً لأمر به النبي عليه الصلاة والسلام ولحظ عليه ولضبطه.

    كذلك أيضاً فإن من الأئمة عليهم رحمة الله من أعل هذه الرواية بالموقوف عن عبد الله بن عمر ، كما قال ذلك يحيى بن معين رحمه الله، قال ذلك يحيى بن معين أنه ثبت عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله أنه صلى أربعاً.

    وهنا لدينا أثران عن عبد الله بن عمر :

    الأول: يوافق رواية النهار، رواه عنه سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس ( أنه كان يصلي من النهار والليل ركعتين ركعتين ).

    الثاني: ( أنه كان يصلي من الليل ركعتين ومن النهار أربعاً )، نقول: جاء عند البيهقي رحمه الله في كتابه السنن أنه نقل عن البخاري هذه الرواية رواية علي بن عبد الله البارقي عن عبد الله بن عمر قال: أصحيحة هي؟ قال: نعم، ثم استدل بما جاء من حديث سعيد بن جبير عن عبد الله بن عمر أنه كان يصلي من النهار ركعتين، فجعل ما يوافق الموقوف يقوي المرفوع لأن الراوي لا يخالف مرويه، وهذا من قرائن الإعلال والتصحيح عند الأئمة، أن الحديث إذا كان يعمل به الراوي ثم روى ما يؤيد فعله ثم خولف في ذلك ما يؤيده فعله أقوى، وكلا الروايتين صحيحة رواية الأربع ورواية الركعتين.

    الذي يظهر والله أعلم: أن هذه القرينة ليست منفردةً ينفرد فيها الناقد بقبول الرواية أو ردها، وإنما ثمة قرائن متعددة في رد الرواية، وذلك لو جاء عن عبد الله بن عمر صلاة ركعتين وجاء عنه أربعاً مجرداً هكذا، ولم يكن ثمة قرائن أخرى تعضد، لاحتمل في ذلك القبول ولكن ثمة مخالفة لما استفاض عن عبد الله بن عمر ، ولو يثبت المعنى في ذلك، فإن العدد في ذلك أمارة على رد ما يتفرد به علي بن عبد الله البارقي .

    ولهذا نقول: إن الأرجح في ذلك القول بالشذوذ، وأما ما جاء عند البيهقي في نقله عن البخاري أنه صحح هذه الرواية، ففي النفس من نقل البيهقي رحمه الله في كتابه السنن عن البخاري شيء، وذلك أن البيهقي رحمه الله في كتابه السنن ينقل عن البخاري ما في كتابه التاريخ من طريق ابن فارس الدلال عن البخاري رحمه الله، وابن فارس الدلال هذا قد روى التاريخ عن البخاري مبكراً، ثم حدث به البخاري وزاد فيه ونقص، ولهذا نقل البيهقي رحمه الله عن البخاري هذا النقل ليس موجوداً في كتابه التاريخ الموجود في أيدينا، وهو ما كان عليه خاتمة رأي البخاري في هذا.

    كذلك أيضاً يؤيد ذلك ويعضده: أن هذه الرواية لم يخرجها البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح، وأما من جهة عمل عبد الله بن عمر فنعم، نقول: إنه ثابت عنه بالوجهين، وأما تقوية البخاري رحمه الله في ذلك لرواية علي البارقي بالموقوف عن عبد الله بن عمر فنقول: لعل ذلك كان في أول الأمر، فلما استفاض عنهما وثبت عنده ما جاء عن عبد الله بن عمر واستقر الأمر في الرواية، في ذلك عن عبد الله بن عمر أنه كان يصلي أربعاً من النهار، وجاء ذلك عنه من طرق، عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله، أنه كان يصلي من النهار أربعاً ومن الليل ركعتين، مال إلى إعلاله. وعلى هذا جرى الأئمة عليهم رحمة الله.

    ومن قرائن الإعلال: أن هذا الحديث يرويه: شعبة بن الحجاج عن يعلى عن علي بن عبد الله البارقي عن عبد الله بن عمر ، و شعبة بن الحجاج يتهيب هذا الحديث، كما نقله عنه الإمام أحمد رحمه الله قال: كان شعبة بن الحجاج يتهيبه، و شعبة بن الحجاج هو من الحفظة النقاد، وأبصر الناس أيضاً بمرويه، وتهيبه لهذا الحديث لأنه يعلم ما جاء عن عبد الله بن عمر واستفاض عنه ذلك.

    كذلك أيضاً فإن الإمام أحمد رحمه الله قد أعل هذا الحديث، جاء في رواية الميموني عنه أنه جود إسناده فقال: إسناده جيد، جودة الإسناد في ذلك أنه مستقيم، وهذا يرد كثيراً في استقامة كثير من الأسانيد في ظاهرها، ولكن تكون مطروحة من جهة اقترانها بغيرها، ولعل الإمام أحمد رحمه الله قصد في ذلك الوقف؛ لأنه جاء عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله موقوفاً عليه صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، ولكن التشديد في ذلك هو في إثبات هذا المروي مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قد جاء عن الإمام مالك رحمه الله وكذلك أيضاً عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى )، هذا جاء من حديث مالك و العمري عن نافع عن عبد الله بن عمر وجعله مرفوعاً، وهو يوافق ما جاء في رواية علي بن عبد الله البارقي عن عبد الله بن عمر ، لكن هذه الرواية منكرة تخالف ما جاء في موطأ الإمام مالك وما استفاضت عليه الرواية عن الإمام مالك رحمه الله، وأما المتابع له في ذلك فهو عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف الحديث، والمشهور عن الإمام مالك رحمه الله هو عدم ذكر هذه اللفظة، وقد تفرد بروايتها عن مالك الحنيني وهو من رواته إسحاق الحنيني وهو من رواة الموطأ، وهو من رواة الحديث عن الإمام مالك رحمه الله وله مفاريد يخطئ فيها، يقول البخاري رحمه الله: في حديثه نظر، ويقول النسائي : ليس بثقة، فهوا يتفرد بأحاديث عن الإمام مالك رحمه الله لا يوافقه فيها غيره، فتفرد بهذه الرواية وقرن مع مالك أيضاً عبد الله بن عمر العمري .

    كذلك من قرائن الإعلال: أن الإمام مالكاً رحمه الله لا يقرن معه مثل العمري ؛ لأن العمري لين وضعيف الحديث، فإذا جاء مالك عن نافع لا يقرن معه غيره، خاصةً عند المقلين في أمثال إسحاق الحنيني هنا في روايته عن الإمام مالك رحمه الله، مما يدل على عدم معرفته بـالعمري ، وإن كان يعرف جلالة الإمام مالك رحمه الله، وهذا يدل على أنه وهم وغلط في هذا الحديث.

    1.   

    حديث أبي هريرة: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)

    الحديث الثالث: حديث أبي هريرة عليه رضوان الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى )، هذا الحديث رواه إبراهيم الحربي في كتابه غريب الحديث، من حديث نصر بن علي عن أبيه عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ورواه الحاكم في كتابه المعرفة من حديث نصر بن علي عن أبيه عن ابن عون عن ابن سيرين عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعله من حديث عبد الله بن عمر ، وكلى الطريقين من حديث نصر ، وكذلك أيضاً رواه أبو حاتم عن نصر بن علي عن أبيه عن ابن عون عن ابن سيرين عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعله من حديث أبي هريرة خطأ وغلط، والصواب أنه من حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله.

    ولو جاء الطريق فرداً من حديث نصر بن علي بهذا الإسناد عن أبي هريرة ولم يخالف، لاحتمل وإن لم يعل بالتفرد، وبعض العلماء في مثل هذه الحال يرده بالتفرد، لكن لو جاء منفرداً لاحتمل قبوله، ولكن قد جاء من حديث نصر بن علي عن أبيه وجعله من حديث عبد الله بن عمر .

    كذلك أيضاً فإن هذا الطريق من حديث نصر بن علي قد اختلف في رفعه ووقفه، ووقع في إسناده بعض الاضطراب، تارةً يجعل ابن سيرين أنس بن سيرين، وتارةً يجعل محمد بن سيرين عن عبد الله بن عمر ، وتارةً يجعل الحديث مرفوعاً، وتارةً يجعل موقوفاً.

    وينبغي لطالب العلم في أمور النقد أن ينظر في أحوال الرواة في ذاتهم أن ينظر في روايتهم عن شيخ من الشيوخ، وأن يحصي في ذلك العدد، فإنه إذا عرف العدد يستطيع أن يميز القليل من رواية الراوي بما يهم فيه مما يخالف الجادة وما يجري على الجادة، وما يقع على الصواب، وما يقع على الخطأ، ولهذا في مثل تركيب هذا الإسناد في رواية نصر بن علي في روايته عن أبيه عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة مثل هذا الإسناد نادر.

    وأما رواية ابن عون عن ابن سيرين عن عبد الله بن عمر فهي مشهورة، وتوافق ما جاء عن عبد الله بن عمر في الروايات الأخرى، وسبر مروي الراوي عن شيوخه مما يعطي طالب العلم ملكة في الترجيح في المواضع التي سبرها وفي غيرها.

    خذ على سبيل المثال مثلاً: ما جاء في رواية مالك فيما يرويه مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ، ما يرويه مالك عن نافع يقول أبو حاتم : هي ثمانون حديثاً، وما يرويه مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أربعة وسبعون، وستة عن غير عبد الله بن عمر ، عن أبي سعيد الخدري ، وعن أبي هريرة ، وعن لبابة ، وعن زوجة عبد الله بن عمر صفية عليها رضوان الله.

    ولهذا نقول: إن الجادة في ذلك فيما يرويه مالك عن نافع إنما هو على عبد الله بن عمر ويأتي شيء يسير فيما يخالف ذلك، إذا عرف طالب العلم ما يجري على هذه الجادة، ربما تأتي مرويات تخالف هذه الجادة إنما هي أوهام وأغلاط، ولهذا من نظر في غرائب الإمام مالك وغرائب شعبة وغير ذلك في تصنيفات الأئمة في ذلك كـابن القيسراني والدارقطني وغيرهم الذين يعتنون في أبواب الغرائب، تجد أنهم أحصوا وسبروا المشهور والمستفيض في رواية الراوي وما ند عن ذلك وعرفوا الأغلاط فيما عداها، واتهموا في ذلك التلاميذ وما اتهموا في ذلك الرواة، ولهذا المرويات عن الإمام مالك رحمه الله عدد كثير جداً خاصةً عن عبد الله بن عمر وكثير منها أغلاط، ومن نظر في كتاب غرائب الإمام مالك لمس ذلك ظاهراً.

    1.   

    حديث: (لا تنم إلا على وتر)

    الحديث الرابع: حديث عمر بن الخطاب عليه رضوان الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تنم إلا على وتر )، هذا الحديث رواه الإمام أحمد في كتابه المسند، وابن ماجه في كتابه السنن، وجاء مختصراً عند أبي داود في كتابه السنن من حديث داود الأودي عن عبد الرحمن المسلي عن الأشعث بن قيس قال: ضفت عمر بن الخطاب عليه رضوان الله فتناول امرأته فضربها، فقال لي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يسأل أحدكم الرجل فيما ضرب امرأته، وقال: لا تنم إلا على وتر )، قال: ونسيت الثالثة، هذا الحديث ضعيف، يرويه داود الأودي عن عبد الرحمن المسلي عن الأشعث بن قيس عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    عبد الرحمن المسلي هنا الذي يرويه عن الأشعث لا تعرف حاله، تفرد بروايته، ولهذا يقول علي بن المديني: إسناده مجهول، يعني: جهالة عبد الرحمن المسلي .

    في هذا الحديث الوتر قبل النوم مطلقاً، والنهي عن النوم إلا على وتر، يعني: غلب على ظنه القيام أو لم يغلب على ظنه، يجعل وتره مقيداً قبل نومه، في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله قال: ( أن أوتر قبل أن أنام )، وهذا من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم له، والوصية في ذلك شيء، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء آخر.

    ولهذا نقول: إن هذا الحديث منكر، وتفرد عبد الرحمن المسلي به هو مما يرد به الحديث، ولعل هذا السبب الذي لأجله اختصر أبو داود رحمه الله الحديث في كتابه السنن، أبو داود رحمه الله يذكر الأحاديث في كتابه السنن ويترجم عليها، ويذكر في كثير من الأحيان ما يناسب سياق الباب من الحديث، وما لا يرى الحاجة إليه لا يذكره، ولم يذكر هذه اللفظة، ولهذا نقول: إن هذا الحديث مردود بمثل هذا التفرد، وما يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك فإنه مستفيض.

    ثم أيضاً ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي ثم ينام ثم يصلي عليه الصلاة والسلام ثم يوتر، يعني: كان وتره عليه الصلاة والسلام بعد نومه.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر عند الأذان ويصلي ركعتين عند الإقامة)

    الحديث الخامس: حديث علي بن أبي طالب عليه رضوان الله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر عند الأذان -أذان الفجر- ويصلي ركعتين عند الإقامة )، ويصلي ركعتين يعني: ركعتي الفجر.

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند، وابن ماجه في سننه ، وابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث شريك بن عبد الله النخعي عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث منكر، يرويه شريك وهو ضعيف الحديث وسيء الحفظ، وما يتفرد به الأصل فيه الرد، ولكنه توبع على مرويه هذا عند ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث أبي الأحوص عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فعلة هذا الحديث هو تفرد الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب.

    والحديث معلول بجملة من العلل:

    الأولى: تفرد الحارث الأعور ، و الحارث الأعور ضعيف الحديث، له أغلاط كثيرة حتى وصف بالكذب لكثرة حديثه، يعني: يخالف الصواب حتى يظن الظان أنه يكذب، وإن كان لا يتعمد الكذب، ووصف بعض الأئمة له بالكذب كـالشعبي وغيره، مرادهم بذلك أنه يخلط ويخطئ حتى يخالف في ذلك الصواب، والمخالفة في ذلك والخطأ وكثرتها عند العرب يوصف بالكذب بمخالفته للصواب، وهذا معروف مستفيض، وجاء في السنن وغيرها في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( كذب أبو السنابل )، يعني: أنه قال بخلاف الصواب، وقول عبادة: كذب أبو محمد ، وغير ذلك، وكذلك أيضاً معروف في أشعار العرب كما يقول الشاعر:

    كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا

    ويقول الشاعر:

    كذبتم وبيت الله لا تأخذونه

    يعني: أنكم تدعون دعوى من جهة الواقع مخالفة للحق ونحو أقوى منكم، وهذا في دفاعهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الثانية: إن الحارث الأعور روايته ليست على طبقة واحدة فهي على مراتب وعلى درجات، روايته في أبواب الفرائض عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله خاصة، فإن هذا أحسن مرويه، لأن الحارث الأعور فرضي عارف، والراوي إذا كان مختصاً بمرويه وعارف به وفقيه به، فإنه يقل غلطه في ذلك، ولهذا نقول: إن ما يرويه الحارث الأعور بما هو مختص به أقرب إلى القبول من غيره، وهذا الاختصاص من المسائل المهمة التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم، فما من أحد من الرواة خاصةً من أهل الكوفة وفقهائهم إلا وله باب يعتني به، والحارث الأعور كوفي، شريك بن عبد الله النخعي قاضي ما يرد في أحكام القضاء ومسائله هو أحسن مرويه، وإن كان تفرده في ذلك هو محل نظر، ولكن هي من القرائن.

    وكذلك أيضاً في حال عبد الله بن لهيعة وغير ذلك، فإذا كان الراوي قاضياً، أو كان على سبيل المثال معتنياً بالفرائض أو معتنياً بالمعاملات أو معتنياً بفقه الأنكحة أو فقه الجهاد والغزوات أو غير ذلك، فإنه إذا روى مروياً يوافق فيه عنايته، فإن هذا أولى بالقبول من بقية مرويه.

    كذلك أيضاً: ربما يوافق ذلك حرفته أو عمله الذي يعمله، سواءً كان من أمور العبادات أو من أمور الحرف، كأن يكون مثلاً: قاضياً أو مؤذناً أو إماماً أو نحو ذلك، فيوجد بعض الرواة من يوصف في ترجمته بأنه مؤذن أو إمام، فهذا من القرائن على عنايته بذلك إذا كان يروي الحديث بما يوافق مرويه، وهذه قرينة ليست قاعدة.

    وأشرنا مراراً أن طالب العلم إذا وقف على راوٍ في إسناد من الأسانيد أن ينظر في تخصصه في باب الفقه، في تخصصه في ذلك وذلك مثلاً: كبعض أهل الكوفة في مسائل التعزيرات أو نحو ذلك فيما يروونه عن علي بن أبي طالب أو ما يروونه عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله، أو في بعض أمور العبادات ممن يعتني بذلك كحال إبراهيم النخعي فإنه ممن يعتني بأحكام الصلاة ونحو ذلك وهو ضابط لغيرها أكثر من غيره، لهذا نقول: إن الحارث الأعور أعلى مراتب روايته في ذلك هو ما يرويه في أمور الفرائض عن علي بن أبي طالب خاصة.

    كذلك أيضاً: قوله في الفرائض قول فقيه، وهو من أهل الفتيا في ذلك، فإذا قال في مسألة من مسائل الفرائض بقول فهو رأي له ليس مروي ولا نرد رأيه في ذلك باعتباره أنه في ذاته ضعيف هو ضعيف الحفظ، لكن من جهة جلالة الفقه فهي مسألة أخرى.

    الثالثة: أن الحارث الأعور تفرد بهذا الحديث عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان هذا عن علي بن أبي طالب لاشتهر عنه واستفاض، خاصةً أنه يتعلق بأمر مستديم وهي صلاة الوتر، وكذلك أيضاً في ركعتي الفجر، وهذا أيضاً يرده ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما يخالف معنى هذا الحديث، هذا الحديث يقول: إنه يوتر عند الأذان، يعني: مع الأذان، ويصلي ركعتين عند الإقامة يخالف في ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة ، وحديث عائشة ، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي ركعتين ثم يضطجع، وهذا دليل على أن ركعتي رسول الله صلى الله عليه وسلم للفجر كانت قبل الإقامة بوقت، ولم تكن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الإقامة.

    الرابعة: أن صلاة الوتر عند الأذان، يخالف جملة من الأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أن الوتر يكون في آخر صلاة الإنسان من الليل، وهذا جاء في حديث عبد الله بن عباس في مبيته عند خالته ميمونة ، وجاء أيضاً في حديث عبد الله بن عمر ، وجاء أيضاً في حديث عائشة عليها رضوان الله، وجاء أيضاً في وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإيتار قبل ذلك، وربما يكون هذا من الأحاديث الموقوفة عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله، فحمل على الرفع كما هي عادة بعض الكوفيين، فيكون ذلك من جملة الأغلاط والأوهام، إلا أن رفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منكر.

    ولهذا نقول: إن من أقوى القرائن في رد المروي أن يتفرد الكوفيون بحديث في أمور العبادات اليومية عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يروي ذلك أهل المدينة، هذا من أقوى قرائن الرد، ولو نظر طالب العلم في ذلك لوجد أنما يذكر من مفاريد الكوفيين عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك يجد أنهم حملوا العمل المستفيض إلى رفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن نظر في كتب المصنفات كمصنف ابن أبي شيبة و عبد الرزاق و البيهقي وغيرها، وجمع في ذلك أقوال أهل الكوفة ثم نظر إلى مفاريدهم في المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد أنهم يرفعون العمل، أي عمل لديهم يرفعونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجسرون في ذلك ويخالفون ما عليه أهل المدينة، لهذا نقول: إن مفاريد الكوفيين سواءً وافق العلم أو لم يوافقه في أمور العبادات اليومية هذا من قرائن الرد إذا تفردوا بذلك عن أهل المدينة.

    وهذا يجري عليه في أمور الإعلال الأئمة عليهم رحمة الله تعالى في مواضع عديدة، ومن نظر في كلام الإمام أحمد عليه رحمة الله على الرواة الكوفيين، كذلك على أحاديث الكوفيين ومفاريدهم، يجد هذا ظاهراً أنه يجري على إعلال مفاريدهم فيما يتفردون به بأمور العبادات على ما تقدم الكلام عليه.

    وبالله التوفيق وصلى الله وسلم، وبارك على نبينا محمد.